‏إظهار الرسائل ذات التسميات nahda. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات nahda. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 مارس 2026

يا ترى حيحصل ايه لجوجل وقتها؟

 صارت الإعلانات تضايقني.

 لا أقصد محتوى الإعلانات لكن الإعلانات نفسها. رأيت مؤخراً إعلاناً لشاي ليبتون وفكرت: لماذا جاءت شركة بريطانية لحدّ هنا لتبيع الشاي؟ لماذا لا يشتري الناس من أي مصنع قريب؟ ولماذا brand name اصلا؟ لماذا لا يشترون "فقط شاي" كما كان يحدث في معظم تاريخ الإنسانية؟

 ثم إعلانات شركات خطوط الموبايل: الإعلانات لا يوجد فيها أي شيء عن المنتج اصلا بل هي أشخاص مشهورون يغنون ويرقصون، ومع ذلك الإعلانات تحقق أهدافها بأن تأتي بالأرباح لصانعيها. معنى هذا ان المنتجات صارت متطابقة ولم يعد هناك أي فرق بينها سوى اسم الشركة. وأهمية الإعلان هنا ليس أن يقول "هذا منتج جيد وسيعجبك" بل "اشتر مني انا! أنا!". صارت هذه الشركات مثل بائع الآيس كريم الذي يجذب الاطفال بالموسيقى.

 صرت أفكر في العالم قديماً حيث كان يذهب الإنسان للتاجر فيطلب المنتجات بإسم الصنف لا  الإسم التجاري. أشعر أن هذا أفضل بكثير للمستهلك. لو قلت هذا لأحد سوف يعطيني محاضرة عن فائدة الbrand names وانها تشجع المنتجين على تحسين جودة منتجاتهم لكي يرتفع اسمهم وسط الناس الخ الخ. هل هذا الكلام حقيقي؟ هناك في رأيي منتجات ممتازة  ظهرت في مصر واختفت ولم يسمع بها احد، واستمر الناس في شراء نفس الماركات المعروفة.

 لماذا يوجد شيء اسمه "رقم اتصالات" او "رقم فودافون"؟ لماذا لا يكون الرقم خاص بصاحبه يدفع له اشتراكا سنويا بسيطا، ثم حين يريد شحن رصيد للمكالمات يشحن من أي شركة في أي وقت. وهنا ويكون السوق خليطا من الشركات الكبيرة والصغيرة، وتكون المنافسة على السرعة/الجودة/السعر وليس على سعر المطرب الذي تستطيع الشركة الإتيان به في إعلانها؟ كانت شركات الإنترنت هكذا في التسعينات، وكان أمراً جيداً في رأيي.

 والموبايلات نفسها؛ أريد أن أقدر أن أشتري الmotherboard والCPU والكاميرا والشاشة كما أريد واقوم بتجميعهم (أو يجمّعهم المحل لمن لا يعرف الطريقة) وأقوم بإبدال بعض هذه المكونات في وقت لاحق حين يظهر ما هو أفضل.

 إذا كنت ترى هذه الأفكار غريبة وغير مريحة لك فأدعوك أن تفكر بالعكس: تخيل لو اختفت عربات الخضر والفاكهة في مصر ولم يعد متاحا سوى الbrand names، برتقال ماركة "بحراوي" وتفاح ماركة "The Orchard" ولم يعد هناك شيء اسمه "فاكهة فقط"؟

 ماذا لو اختفت فكرة الكمبيوتر الشخصي من المكوّنات وصار الاجهزة المكتبية مثل اللابتوب والموبايل؛ لا يوجد شيء اسمه "كمبيوتر" وإنما فقط Dell أو HP أو Lenovo؟ ماذا لو اختفى "اللحم" من السوق ولم يعد الجزارون يبيعون إلا نفس اللحوم المجمدة في السوبر ماركت بماركاتها المعروفة؟

ألا تشعر معي أن هذا العالم سيكون مخيفاً، تقيّدت فيه اختيارات الإنسان فيما يشتريه؟ عالم من الاحتكار والbrand loyalty واختفاء التنوع حتى صارت كل حبة طماطم مطابقة للأخرى؟

ثم ألا تشعر معي أن العالم الذي أتمناه سيكون ثريا متنوعا، وبدلا من عدد محدود من الموبايلات المتشابهة يمكن أن يكون لكل إنسان الجهاز الذي يريده بالضبط، مفصّلاً لعمله او هواياته؟ ثم -- لا ننسى -- يكون كل جهاز بثلث سعره الحالي إذ يتنافس عدد كبير من مصنّعي المكونات على الجودة والسعر؟

 أرى أن مجتعاتنا عموماً، وشكل الإنتاج والتجارة فيها خصوصاً، تحتاج لأن تُصمّم بإرادة وتخطيط لتكون بصورة في مصلحة الإنسان العادي ولا تُترَك لتمليها الشركات على الجميع بما لديها من مال وإعلانات. 

الاثنين، 15 سبتمبر 2025

السنن الكونية (1): عن التحدي الإنساني الصعب والهروب للحل السهل

 قرأت كثيراً تعبير "السنن الكونية"، لكني دائماً اقرأه في سياق موضوع آخر يدافع عنه الكاتب، ولم اجد من كتب عن هذه السنن نفسها او حاول أن يصنع كتالوجاً من السنن المختلفة. (لو كنت تعرف عمن فعل شيئاً مثل هذا فأخبرني!). في هذه السلسلة سأحاول ان احكي عن امثلة مما اراه يندرج تحت هذه السنن. كل ما اكتبه هنا هو رأيي الشخصي لا أكثر.

 سوف نتحدث اليوم عن أمر يتكرر في حياة كل إنسان فرد، وفي كل مجتمع، وفي كل ثقافة، وهو أمر كبير منسوج في تاريخ البشرية كلها، وفي رأيي من أهم جوانب الحياة الإنسانية. اتكلم عن الموقف الآتي:

 1- الإنسان أو المجموعة لديهم هدف كبير، أو هم في خطر ما لابد أن يتصدوا له

2- لكن الأمر صعب جداً، سوف تحتاج أن تبذل مجهودا كبيرا، مع احتمالات نجاح ضعيفة جدا

3- في هذه اللحظة يأتي شيطان (حقيقي أو مجازي) ويعرض عليك حلا سهلاً ومضموناً. هذا الحل ليس بحقيقيّ، إنه انهزام مزيّن بمكياج وليس انتصاراً، لكنه سهل ومضمون

4- ماذا يفعل الإنسان هنا؟ يمكنه أن يقول "سوف استمر في الحل الصعب، حتى لو كان احتمال نجاحه ضئيلا"، لكن تبدو له هذه الفكرة، نفسياً، غبية. هذا هو دور الحل السهل: ان ينفّرك من الحل الحقيقي

5- الكفاح البشري الفردي، وكفاح الأمم، ملخصه هو "ماذا سيفعل الإنسان إزاء هذا الاختيار؟"

ما أن جاءت لي هذه الفكرة حتى وجدت لها أمثلة لا تحصى! في حياتي الشخصية، وحياة أشخاص أعرفهم، في التاريخ، في القضايا السياسية الحالية، وفي القصص والافلام. لا تصدقني؟ سوف اضرب لك أمثلة...

- هناك دول تعيش على الديون والمنح والمعونات لأن قادتها ليسوا مؤمنين بقدرتهم على بناء اقتصاد حقيقي ويسمونه أمراً مستحيلاً. (احيانا ينفون اللوم عن أنفسهم ويقولون أن الشعب هو الذي يفتقد هذه القدرة، لكننا جميعاً نعرف الحقيقة)

 - للذين دخلوا كليات صعبة: كم من اقربائك قالوا لك ان تبتعد عن هذه البهدلة التي لن تحتملها، وأنه ينبغي أن تدخل كلية سهلة تتفوق فيها مرتاحاً؟

- حين يخطيء الإنسان في حق شخص، هل سيعتذر ويتحمل الغصّة التي تأتي مع الاعتراف بالخطأ، أم سيتظاهر للأبد أنه لم يخطيء؟

 - هناك جماعة من الناس مُنعوا أن يعيشوا في دولة أو حتى دُويلة، بل مجبرون أن يعيشوا في شظية من دولة، لكنهم يخوضون حرباً عسكرية ضد عدو يخيف كل الدول التي تحيط به، التي هي اختارت الحل السهل

- النظم المستبدة احيانا تعرض على الذين يقاوموها صفقات: سوف تأخذ منصبا في الدولة، سوف نحتفي بك كمثقف ونجعلك تظهر في التلفزيون لتقول كلام المثقفين الذي تحبه، لكنك منذ تلك اللحظة ستكون موالياً للنظام مائة بالمائة. إن رفضت عرضنا ستدخل السجن أو المنفى

- حين يتصل بك صديقك ويسألك لماذا تأخرت، هل ستقول "أنا في السيارة عند ناصية الشارع الذي سنتقابل فيه" أم ستقول "أنا أمام باب المنزل وسأركب السيارة الآن"؟

- اقرأ قصة حياة أي عالم أو مصلح اجتماعي، هل ستتفاجأ لو وجدت جملة على غرار "وتجاهله المجتمع، وسخر منه الناس، وحاربه الكثير"؟

- هل نصنّع سيارة/الكترونيات/ai محلياً، أم نأتي بمنتج أجنبي، نقوم بتجميعه ووضعه في كرتونة محلية، ونقدمه على أنه من إنتاجنا؟

 - هناك عدد هائل من الافلام الأمريكية (وغير الامريكية أيضا) قصتهم لها نفس التركيب: البطل يعيش حياة بسيطة، تأتي مهمة كبرى تناديه، يحقق انتصاراً مبدئيا، تأتي الصعوبة الحقيقية وتحطم ما أنجزه، يأتيه الإغراء أن يترك كل شيء ويعود لحياته القديمة لأنه غير مؤهل/لا يستحق الانتصار والفوز بالحياة الجديدة، يأتي موقف جاد عن القرار: أتوقف أم أستمر؟

 - ماذا افعل اللحظة القادمة؟ هل اقوم بذلك العمل المقرف المتأخر عليّ، أم أفتح السوشال ميديا؟

أعتقد أنني قد أوضحت لك كفايةً أن لحظة القرار هذه متوغلة توغلاً شديدة في الحياة الإنسانية، وأنه من السنن الكونية أن الاقوياء حقاً هم من يقررون القرار الصعب حين يجدون انفسهم في تلك اللحظة.

البطولة أن تستمر في ما تفعله حين يكون صعبا وحين يكون احتمال الفوز ضعيفا، وحين ينظر لك الحل السهل بمغرياته ومكياجه ويقول لماذا لا تختارني أنا. حتى ابطال القصص نعرف أنهم ابطال ونصفق لهم حين يواجه المحارب عشرين خصما في معركة واحدة، او يواجه الجيش الارضي جيشا من الاطباق الطائرة، او يدخل البطل السجن من أجل مبادئه.

السبت، 1 يونيو 2013

عن اللغة اليابانية (2)

لا تنخدع بعنوان المقال، فموضوعنا الحقيقي ليس اللغة اليابانية بل أساليب التعليم المبتكرة. القضية أننا سنأتي بمهمة صعبة (تعلم عدد كبير من رموز الكانجي المستخدمة في اليابانية) ثم نأتي بأسلوب مبتكر يجعل الصعب سهلا، وربما في وسط الرحلة نكتشف شيئاً أو اثنين عن تطوير أساليب التعليم!

المقال طويل بعض الشيء، لكن أعتقد أنه ممتع جداً وأنك سوف تستفيد كثيراً لو قرأته للنهاية.

قصص ومشاهد

 رموز الكانجي بالآلاف، معظمها رموز مركّبة من رموز أصغر. كيف نتذكر تركيب الرموز على بعضها؟ حين بدأت تعلم الكانجي وجدت نفسي أخترع جملاً تذكرني لماذا - مثلاً - رمز "أذن" + رمز "بوابة" = رمز "يسمع". إنه أمر جميل ويجعلني أشعر أنني أقرأ بيتَ شعرٍ صغيراً مع كل حرف أتعلمه.

هناك من نقّح هذا الأسلوب ولم يكتف بجعلها جملاً تذكيرية بل جعلها قصصاً (أو مشاهداً من قصص) مثيرة للخيال، بحيث تصبح الرموز المختلفة هي الشخصيات والكواليس في المشهد، فإن وصفت المشهد رسمت الحرف. هذه الطريقة معروفة بإسم طريقة هِيْسج Heisig method وهناك الكثير ممن يتعلمون اليابانية بها.

سوف نتعلم الآن سوياً بعض رموز الكانجي لأن أفضل طريقة لشرح الأسلوب الجديد هي استخدامه! بعد أن ننتهي من جولتنا عبر الرموز سوف نناقش "الفلسفة التعليمية" من وراء الأسلوب الجديد، ثم نقدم خاتمة.

ملاحظات: (1) القصص في الجزء القادم بعضها من تصميم هيسج نفسه، وبعضها جمعتها من على الإنترنت من أشخاص يتبعون نفس الأسلوب، وبعضها من تصميمي. (2) أنا مازلت مبتدئاً، وقد يكون هناك أخطاء في ما يلي لأي سبب.

جولة عبر الكانجي

هذا الرمز يعني "فم"، وقد يعني أحيانا "فتحة"، مثلما يقول العرب على الفم "ثغر" أحياناً.
هذا الرمز معناه "شمس" أو "يوم". تذكر أنه في الكانجي تصير الدوائر مستطيلات. ألا يرسم الاطفال الشمس بابتسامة؟ هنا نجد دائرة فيها خط مثل الشمس المبتسمة.
هذا الرمز معناه "عين". لو ظلّلت المستطيل الأوسط باللون الأسود لرأيت عيناً مرسومة بطريقة الأنمي اليابانية.
هذا الرمز يعني "أذن". يشبه العين قليلاً لكن حافته السفلى مائلة للأعلى (مثل حافة الأذن) والخطوط المتقاطعة في الركن تشبه شحمة الأذن.
هذا الرمز يعني "حقل الأرز"، مستطيل من الأرض تقسّمه قنوات الريّ. هل تعلم أن كلمة "جدول" (مثل جدول الضرب أو جدول الحصص) مصدرها جدول الماء الذي يروي الأرض؟ كأن الصفحة قد صارت هي أرض تقسمها جداول الماء جيئة وذهاباً.
هذا الرمز معناه "شجرة". واضح طبعاً.
هذا الرمز معناه "طفل"، مثل الطفل الرضيع في عربة الأطفال، وهناك بطانية صغيرة فوقة هي هنا الخط الأفقي في منتصف الرمز؛ رأسه تظهر من خارجها والشكل العام لجسمه واضح من تحتها.
هذا الرمز معناه "امرأة"، تبدو لي كأنها امرأة ارستقراطية ترتدي قبعة كما في الأفلام القديمة.
هذا الرمز معناه "شخص"، وهو واضح على ما أعتقد. حين يأتي هذا الرمز كمكوّن في رموز أعقد يمكن أن يبدو مثل النصف الأيسر من الرموز التالية: 化 休 保
هذا الرمز يمثل الرقم عشرة، مثل الأرقام الرومانية التي ترمز للعشرة بالحرف X. يبدو أن الشعوب القديمة تحب التعبير عن العشرة بالخطوط المتقاطعة.
هذا الرمز يعني "قوة".
هذا الرمز يعني "بوابة"، وهو واضح: البوابة الحديدية التي تفتح وتغلق بالمحاور على اليمين وعلى اليسار.
هذا الرمز يعني "تاج"، لكنه (على ما أعتقد) في أصله الصيني يعني "سقف"، تذكر هذا حين نقوم بتركيبه مع رموز أخرى!
هذا ليس رمزاً مستقلاً لكنه قطعة من رموز أعقد؛ سوف نعتبره يمثل أرجلاً.
هذا أول رمز مركّب نراه، ومعناه "يرى". الأرجل تدل هنا على النشاط، والعين النشطة ترى.
هذا الرمز معناه "قديم". أعلاه رمز الرقم عشرة وأسفله رمز الفم. ألم نقل أن الفم قد يكون أيضاً فتحة؟ الشيء القديم به عشرة ثقوب.
أما هنا فالرمز يعني "مبكر" أو "سريع". شمس وتحتها عشرة، ولو كان موعدنا من شروق الشمس إلى الساعة العاشرة فهو موعد مبكر.
هذا الرمز يعني "أبيض". ألا يقولون أن ضوء الشمس أبيض ومركب من ألوان الطيف السبعة؟ هنا نرى خطاً يخرج من الشمس، شعاع من الضوء الأبيض.
هذا الرمز يعني "مائة". الخط الأفقي في أعلاه هو الرقم واحد بالكانجي، وتحته رمز كلمة "أبيض"، لأنه حينما يبلغ الرجل مائة عام لا يتبقى له سوى شعر قليل (يمثله هنا شعرة واحدة) لونه أبيض.
هذا الرمز معناه "أخ أكبر". كيف يرى الطفل أخاه الأكبر؟ إنه الأخ الذي كثيراً ما ينصحه و ويأخذه في نزهات، لذلك فإن الأخ الأكبر بالنسبة للطفل هو نصائح وتمشية، أي فم وأرجل.
هذا الرمز معناه "أصل"، أو "أساسي"، أو "كتاب". شجرة وهناك علامة على جذرها الذي هو الأصل الذي قد نبتت منه الفروع. قصة أخرى: الكتاب أساسه الورق الذي يصنع من الشجر، والعلامة في الأسفل سببها أننا بدأنا في قطع الشجرة لكي نصنع منها كتاباً.
هذا الرمز معناه "بضاعة"، تخيل سفينة بضائع محملة بالقمح والأرز والسكر، وكل هذه الأفواه هي "المستهلكون" الذين ينتظروت البضاعة بنفاذ صبر.
وهذا الرمز معناه "يهمس"، فم هامس التفّت حوله كل آذان المستمعين وإلا لن يُسمَع ما يقول.
هذا الرمز يعني "رجل"، لأنه يعمل في الحقل بقوة.
هذا الرمز معناه "يعين"، لأنك حين تعينني تضيف عينك إلى عيني وتضيف قوّتك إلى قوّتي.
هذا الرمز معناه "يضيف" أو "يجمع"، والآن تخيل سياسي يقف على المنصة ويلقي خطبة بصوته الجهوري ليكتسب مؤيدين ويضيف قوّتهم إلى قوّتة.
هذا المشهد معناه "يبحث في الأمر" investigate، والمشهد هنا عبارة عن عين فاحصة فوقها شجرة وتحتها الرقم واحد، هذه هي عين المحقق وهو يفحص البصمات تحت شجرة، لأن هذا هو الدليل الوحيد في القضية.
هذا الرمز معناه "يسمع"، الأذن هنا هي حارس يقف عند بوابة السمع؛ فإن أراد الصوت أن يمر من البوابة ليصل للمخ فسوف يمر أولاً على الأذن.
أما هذا الرمز فمعناه "فترة"، والمشهد هنا هو الشمس وهي تشرق وتغرب في تتابع سريع مثل ضيف يمر دخولاً وخروجاً عبر البوابة.
هذا الرمز معناه "وقت الفراغ"، والأن تخيل تلميذاً يذاكر ويرى الشجرة من بعيد من خلال البوابة، وكل حين يقول لنفسه: حين يصير لدي وقت فراغ ساجري عبر هذه البوابة وألعب تحت الشجرة.
هذا الرمز معناه "مازال" أو "ليس بعد"، (مثل كلمة "لسّة" في العامية المصرية التي تتضمن المعنيين). المشهد هنا هو شجرة يوجد غصن صغير في أعلاها، يدل على استمرارية نموها.
هذا الرمز معناه "رخيص" أو "أمان"، والمشهد هو شخص يتخيل عودته إلى بيته، حيث السقف الذي يأويه وزوجته التي تنتظره، والشعور بالأمان.
وهذا الرمز يعني "أخت صغرى". هل صارت امرأة بعد؟ لا ليس بعد.
هذا الرمز يعني "حرف"، لأنه حين يبدأ الطفل في تعلم الكتابة تكون الحروف هي سقف معرفته.
وهذا الرمز معناه مخاطرة، مثل عين تنظر للشمس بدون خوف من النتيجة.
وهذا الرمز معناه "ينجز"، حقل الأرز هنا يمثل نتيجة العمل والجهد، والحقل نفسه فوق الشجرة في مشهد خيالي كأننا نقول "هيا نقطف ثمار جهدنا!".
الرمز هنا يعني "يستريح"، رجل يستريح عند شجرة.
هذا الرمز يعني "برقوق"، وهو يمثل طفلاً يقف أسفل الشجرة منتظراً حتى يسقط البرقوق ليأكله. الا يستحق البرقوق أن يكون هو الثمر الذي نخصص له رمز الطفل تحت رمز الشجرة؟
أما هذا الرمز فيعني "مشمش"، والمشهد هنا هو شخص كسول ينتظر تحت الشجرة فاتحاً فاه، فالمشمش صغير وقد يسقط فيدخل فمه مباشرةً، هكذا يظن.
وهذا الرمز معناه "يُذهَل"، وهناك رجل قد ذُهِل مما رأى فتسلق أقرب شجرة وأخذ يصيح بملء فمه ليخبر الناس بما رآه.
وهذا معناه "ينتصر" أو "يتغلّب على": الرقم عشرة تحته "أخ أكبر"..لو كان معك عشرة من إخوتك الكبار فإنك بالتأكيد ستتغلب على خصمك!

تهانينا! لقد تعلمنا سوياً أربعين من رموز الكانجي في فترة قصيرة جداً، منها ثلاثة عشر رمزاً هم رموز أساسية تُعرف كما هي وسبعة وعشرون ركّبناها عن طريق المشاهد، طريقة سهلة في التذكر وصعبة في النسيان.

أربعون، هل تتخيل؟ لقد قمنا بإنجاز (果) كبير اليوم.

المهم هو التركيب
قد يبدو لأول وهلة أن هذا المقال ما هو إلا تكرار لفكرة "رموز الكانجي هي رسومات"، لكنّ الأمر ليس كذلك:

أولاً: فكرة "رموز الكانجي رسومات" لا تقدّم لنا أسلوباً عملياً يمكن تطبيقه لدراسة الكانجي، وإلا لكان الجميع يتعلمونه بسهولة.

ثانياً: الفكرة نفسها ليست صحيحة. مثلاً تعلّمنا أن مائة هي 百. قل لي: هل نحن هكذا رسمنا المائة؟

ثالثاً: الكانجي بها آلاف الرموز، منها حوالي مائتي رمز أساسيين والباقي تراكيب أعقد تستخدم الرموز السابقة. معنى هذا أن المشكلة ليست في رسم الرمز بل في "التكوين" أو "التركيب". ليست المشكلة في أن شجرة هي 木 بل المشكلة هي كيف نجمع بين رمز "شجرة" ورمز "خروف" ورمز"شمس"...الخ لنكوّن رموزاً أعقد، لهذا قلنا كل هذا الكلام عن القصص والمشاهد.

نقطة جانبية
أليس العلم كله كذلك؟ إن العلوم تركز جداً على علاقات الأشياء ببعضها البعض: البرمجة هي تراكيب من البيانات والإجراءات، والرياضيات تجد فكرة "relation"، وفكرة "function" التي هي حالة خاصة من relation، في أساسها. كل علم ترى فيه مكونات أساسية وتراكيب.

خاتمة
 ما هي الرسالة التي أردت أن أوصّلها من هذا المقال؟
  • أن تطوير أساليب التعليم يجدي. أحياناً الطريقة الصحيحة تختصر وقتاً وجهداً كبيرين جداً.
  • كثيراً ما تجد الناس يتحدثون عن تطوير التعليم بطريقة عامة مثل "نريد الفهم لا الحفظ". نحن هنا لم نفعل ذلك، بل قدمنا مثالاً حقيقياً لتحقيق هدف حقيقي، ولم نكتف بشرح الطريقة بل طبقناها على أنفسنا وتعلمنا بالفعل شيئاً! أعتقد أن الحديث عن تطوير التعليم ينبغي أن يقترب أكثر من "الأشياء الحقيقية".
  •  طريقتنا هي مثال حي لفكرة "التصوير"، وهي فكرة قد ناقشناها سابقاً على هذه المدونة في مقال "النهضة بين التصوير والمنطق".

نقطة أخيرة: في تعلمي الشخصي لم أشعر "بالانسجام" مع كثير من القصص الموجودة لتعلم كانجي معين (بمعنى أنني لم أستطع ربط القصة بالحرف)، ووضعت بدلاً منها قصصي الخاصة التي كانت أنسب بكثير. صاحب الطريقة نفسه يقول أن خيال كل شخص مختلف عن خيال الآخر، وأن الطريقة الصحيحة هي أن يتعلم الشخص كيف يصنع قصصه بنفسه؛ هنا يدعو الأمر للتساؤل: لو قمنا بطبيق هذا الأسلوب في المدارس - أعني أسلوب تعليمي يدرس فيه كل شخص "منهجاً" مختلفاً عن الآخرين، منهجاً وليد عقله وخياله هو - فكيف يمكن تنظيم هذا الموضوع إدارياً؟ وكيف يمكن تقييم أداء الطلبة مثلاً؟ أسئلة تستحق التفكير.

الثلاثاء، 29 يناير 2013

ما يمكن أن يكون

يبدأ الطفل الصغير في سرد حكاية؛ ويبدأ بعض الكبار من حوله في السخرية من الكلام العشوائي الغريب الذي يقوله. أما أنا فأنبهر، وأطلب منه أن يستمر. لديّ نظرية أنه هناك مسار من التفكير مشى فيه الطفل حتى يصل لهذه الحكاية، هو فقط ليس نفس تفكيرنا المألوف.

يقول Piaget أن المعرفة مثل بناء متعدد الطوابق؛ وكل مستوى جديد ينبني على المستويات السابقة، وأنه حتى إن كان المستوى السابق به ثغرات فكرية إلا أنه ضروري للمستوى الذي يليه، وبالتالي هو مرحلة مهمة في تطور الطفل فكرياً.
____________

ويبدأ المبرمجون في السخرية من لغة Lisp. لديهم حجتان دائماً: انها مليئة بالأقواس، وأنها ليست ناجحة تجارياً. كذلك لغة Prolog لم أر أحداً يتحدث أبداً عن شيء فيها إلا وتساءل: هل تستخدم تجارياً في أي شيء؟

أما أنا حين رأيت تلك اللغة تغير الكثير من تفكيري عن البرمجة: لقد رأيت طريقة قوية جداً للتفكير في البرنامج. ما الذي يهم إن كانت ناجحة تجارياً أم لا؟ أنا أريد مستقبلاً تكون فيه البرمجة كلها بهذا الشكل!
____________

 ورأيت ذات مرة على أحد المنتديات من يقول أن العرب متأخرون في إنتاج علومهم الخاصة، وقدم مثالاً على ذلك هو أن لغة البرمجة العربية كلمات أضعف حتى من الـVisual Basic. الكلام صحيح: كلمات أضعف من الـVB (التي هي أصلاً لغة قوية جداً، قبل أو بعد الـnet.)، لكنها في نفس الوقت مشروع لم يكتمل. لن أطلب من الناس أن يقيّموا كلمات باعتبار ما يمكن أن يكون؛ بل قيموها كما ترونها، لكن في نفس الوقت سأقول أن كلمات في صورتها الحالية هي [على ما أرجو] فصل في قصة أطول.
____________

ويبدأ بعض من المصريين في مهاجمة كل طموح في بلد أفضل لهم، ويظنون أن هذه هي الواقعية. وما تزال ترى العبارات المتكررة: "انت في مصر! احنا بلد .........! مش شايف الزبالة في الشوارع؟ مش شايف البلطجية؟".
____________

هل رأيت أبداً مبنى قد قارب أن يكتمل بناؤه الأساسي، لكن لم يبدأ "تشطيبه"؟ ستجد المبنى عبارة عن صورة من الرمال والطوب الأحمر والتراب والأسمنت؛ لكن هناك من يستطيع أن ينظر لنفس المبنى ويراه جميلاً رحباً.

أو بشيء أقرب لفكر المبرمج: تخيل فريقاً موهوباً قد كتب engine خاص بلعبة مليء بالإمكانيات المتقدمة، لكنه لم يكمل بعد صناعة الـmodels الخاصة بالشخصيات والمستويات. ستبدو اللعبة رديئة لمن  لا يعرف التفاصيل.

بدلاً من السخرية من هذا البناء نصف المكتمل فكر: كيف نكمله؟ كيف نريده أن يبدو في صورته النهائية؟

الثلاثاء، 22 يناير 2013

طيب هو يعني لازم سبب؟

كنا عائدين بعد يوم من التدريب (في شركة)، وإذا بزميلنا يدخل مكتبة ويشتري كتاباً في تعلم اللغة الأسبانية. لماذا اشترى الكتاب؟ يقول لأنه يريد أن يتعلم الأسبانية. نفهم ذلك يا أخي..لكن لماذا تريد تعلم الأسبانية؟ لا يوجد سبب محدد!

وهناك من يرى أن هذا ليس أمراً منطقياً. إن كنت ستفعل شيئاً بدون أن يؤدي فعله لوظيفة، أو مكسب، أو نهضة مجتمعية، أو...، فلا داع لفعله. الغريب أن الموضوع أحياناً يسير بالعكس: أشخاص يفعلون أشياء فقط لأنهم يريدون أن يفعلوها أو يحبون أن يفعلوها، ثم تجد نفعاً قد حصل منها.

والأمر لا يقتصر فقط على الهوايات، لكن يمتد أيضاً للبحث العلمي وغيره. مثلاً كان علماء الرياضيات؛ منذ أيام اليونانيين، يبحثون عن أقل عدد ممكن من المسلّمات الهندسية (المسلّمة axiom هي ما لا يوجد له إثبات، ويستخدم هو في إثبات النظريات). الفكرة هي أن نأخذ كل مسلّمة ونحاول إثباتها من المسلّمات الأخرى فتصبح هكذا مجرد نظرية ويقل عدد المسلّمات بواحد.

استمر هذا البحث أيام الدولة الإسلامية، وفي عصر النهضة الأوروبية، حتى أدى إلى ظهور ما يسمى الهندسة غير الإقليديسية (non-euclidean geometry) واكتشاف أنه هناك "هندسات" كثيرة لا هندسة واحدة، كل هندسة منها بمجموعة مختلفة من المسلّمات. هذا الأمر قد أفاد في تكنولوجيات كثيرة، وفي نظرية النسبية، وفي أجهزة الـGPS.

لكن الذين بحثوا في موضوع المسلّمات الهندسية لم يكونوا يعرفون ذلك! لم يكن في حسبانهم النسبية والـGPS، كانوا فقط يبحثون. يشبعون حبهم للمعرفة وفهم الكون.

ولهذا تجدني كثيراً ما أتحدث عن الأطفال وتعليم الأطفال. لو تحدثت مع طفل عن موضوع ما فسيسأل: هل هذا الموضوع شيق أم لا. أما لو تحدثت مع شخص كبير فقد يسأل: ما الفائدة منه؟

لا أريد أن أعمم؛ ليس كل كبير مملاً أو بعيداً عن العلم، وليس كل طفل أوتوماتيكياً منجذباً للعلم، لكن قصدي هو أن الطفل في هذه المرحلة لا يحتاج تبريراً منطقياً ليفعل شيئاً، يكفي أن يستمتع بما يفعل.

وحين بدأت في العمل في لغة كلمات لم أصنع "market research" أو دراسة جدوى أو ما شابه. فتحت محرر الكود وبدأت في الكتابة. ماذا كان ليحدث لو كانت اللغة تحتاج لتمويل مثلاً، وكان عليّ أن أقنع طرفاً ما بها أولاً؟ كنت سأدخل في مناقشات لا تنتهي عن فكرة لغة البرمجة العربية، وعن فكرة عدم جدوى إنشاء لغة برمجة جديدة أصلاً بحجة عدم اختراع العجلة، ثم كنت سأجد من يقول أنه ينبغي أن أبني اللغة على منصة JVM أو CLR بدلاً من بناء آلة افتراضية خاصة للغة. لكني ببساطة أغلقت باب الغرفة، وكتبت اللغة. الآن صارت دراسة الجدوى هي "فلندع الأطفال يستخدمون اللغة ونرى النتائج"، هكذا ببساطة.

<موضوع جانبي>
وهذا الأمر يدفعنا بدوره للتفكير في موضوع التمكين والحرية: لو أعطيت كل شخص الفرصة لكي يستقر مادياً، ويجد تمويلاً لمشاريعه بدون مشقة كبيرة، فوقتها قد تعطي الفرصة لكل شخص ليفعل "ما يريد" وليس "ما يستطيع أن يقنع به بعض الأطراف ذات المال أو السلطة"، وذلك قد يعطي تنوعاً في مجالات العمل والبحث المختلفة.
</موضوع جانبي>


أخشى من أن يظن الناس هذا المقال دعوة للعشوائية والتخبط؛ هو ليس كذلك. لو أردنا تلخيص رسالتي في جمل قليلة: (1) إن أردت أن تفعل شيئاً من أجل المعرفة أو الاستكشاف أو لأنك تستمتع بعمله، فهذه في حد ذاتها أسباب. (2) ليست كل الأفكار الجديدة مثبتة منطقياً؛ أحياناً تبدأ في مشروع وأنت لا تعرف كيف سينتهي. عادي. (3) التمكين، الحرية، التنوع.

الخميس، 6 ديسمبر 2012

تحقق الإمكان الإنساني

تعلمنا في الفيزياء أن التداخل قد يكون بناءاً أو هداماً [constructive or destructive interference]. قد يدعم بعض الموجات بعضاً وتكون بناءة، أو يصد بعضها بعضاً وتكون هدامة. وقد عشت في هذا العالم كثيراً لأرى التداخلات الهدامة. ولقد مللت.

كم من عبقري كان ليرفع مستوى العلم في البلد، بل في العالم، فقط لو وجد التعليم الكافي، أو الرعاية الصحية، أو من يدعمه، أو من يشجعه؟ لكن البلد قد حكمها اللصوص والسفاحين والطماعين.

كيف كان ليصبح شكل المجتمع لو توقف الناس عن التناحر والسرقة والاستبداد، وبدأ كل شخص يتفرغ ليجيب على سؤال: ما هو الحد الأقصى للإمكان الإنساني؟ ما أفضل شيء نستطيع أن نبنيه، وأفضل علم نستطيع أن نبحثه، وأفضل فكر نستطيع أن ننتجه؟ ما هو الإمكان الحقيقي لنا؟

كيف نحقق العدل والرخاء؟ كيف نواجه الأمراض والتلوث والتصحر؟ ماذا نفعل بشأن المخلوقات التي كادت تنقرض؟

كيف نحل المشاكل الاجتماعية؟ ماذا نفعل تجاه ارتفاع نسب الطلاق، وتمرد الأبناء على آبائهم؟ هل هناك أطفال يُضايقون أو يعتدى عليهم في المدارس؟ كيف نحل تلك المشاكل؟

هل المدن جميلة (وليس فقط نظيفة)؟ هل الناس سعداء بالمشي فيها؟ ما الذي يسبب التعاسة للناس؟ هل يحبون وظائفهم أم يعملون فيها على مضض؟

ولكن قبل أن يحدث ذلك علينا أن نفكر في أسئلة اخرى:
  • كيف تتصرف مع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الصراعات السياسية التي نتجت بعد خلع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الخونة الذين يريدون العودة للسلطة بأي شكل؟
  • كيف تتصرف مع كل عنيد لا يصغى للعقل، وتقدم له الحجه تلو الحجة فلا يناقشك في صحة حجتك أو خطئها، بل يستكبر ويعتبر أن المشكلة الحقيقية أنك لم تفهم قصده، ويبدأ في "شرح" كلامه لك مرة أخرى؟
وإني لم أر مثل ذلك أشياء كبيرة تعتمد على أشياء صغيرة. قبل أن نبدأ في التفكير في التقدم العلمي أو العدالة الاجتماعية عليك أولاً أن تقنع فلاناً أن ينزل من بيته وينتخب، أو أن يراجع قرار كذا، أو ألا يتحيز لكذا. ملايين المعارك الصغيرة كل يوم بين كل أفراد الوطن، وتشعر بالخسارة مع كل حوار يطول وينتهي بعناد، وبعض الناس يأتيه إغراء أن يستبد برأيه هو الآخر، وأن يحكم على الناس أنهم أغبياء ويحتاجون من يجبرهم لا من يحاورهم؛ بعضهم يستسلم للإغراء وآخر يمسك نفسه ويقول لا؛ لن أحل الاستبداد باستبداد.

لا بأس؛ هذا جزء من الرحلة. هذا جزء من البناء، هذا جزء من "تحقق الإمكان الإنساني". الأشياء الكبيرة تعتمد على الأشياء الصغيرة، حقيقة علمية.

ذات مرة نشر عالم اسمه زويكي بحثاً عما سماه "النجمة النيوترونية" Neutron star. كان يقدم تنبؤا عن وجود هذا النوع من النجوم، وكان تنبؤه استناج من خصائص الذرات والنيوترونات. لا تستطيع أن تفصل بين سلوك النجوم/الثقوب السوداء...الخ وبين سلوك الذرات والجزيئات.

وماذا عن الـDNA؟ تركيب لا يرى إلا بالميكروسكوب، ويؤثر على خصائص الكائن الحي وشكله ولونه وطوله وقصره وقوته وضعفه.

الذي يحدث هذه الأيام، من الحوارات والمظاهرات والاتفاقات والمقالات والتصريحات، هو أن الـDNA الخاص بالمجتمع يتشكل. وإني أشتاق لأن أرى المجتمع الوليد وخصائصه.

الجمعة، 9 نوفمبر 2012

التاريخ والأشياء الصغيرة

أهوى علم لغات البرمجة (علم مختلف عن الـcompilers). وأفكر دائماً في لغة البرمجة "النموذجية" التي يمكن التعبير بها عما تريد بدون فجوة بين الفكرة في دماغك والكود التي تكتبها. يتفرع من هذا فكرة لغة البرمجة التعليمية التي يمكن لأي شخص أن يدخل منها عالم البرمجة، ولغة البرمجة "الديموقراطية" التي تمكّن أي شخص (صحفي، محامي) أن يكتب برنامجاً في مجال تخصصه، وهكذا.

وأقوى سلاح في هذه الرحلة هو التاريخ. وهكذا تجدني أقضي الساعات في القراءة عن لغات البرمجة القديمة منذ الستينات وما بعدها.

Algol - Icon -  CLU - Simula - Self - Forth - Logo - CleanSheet - ObjectVision

..بحثاً عن فكرة عبقرية لكن مفقودة.



ونحن البشر لا نعيش في عصر حديث بالكامل بل خليط من عصور مختلفة. الكرسي الذي تجلس عليه هو نفس الاختراع تقريباً منذ آلاف السنين. لو نظرت في الشارع لوجدث بائع الفاكهة يسير بعربة يدوية كما في العصور الوسطى. نظرية فيثاغورث مفيدة في عصر الفضاء والـGPS مثلما كانت مفيدة في عصرها. ويكفيك جولة عبر القاهرة لترى ما أقول: الانتقال من حي لآخر في القاهرة هو بمثابة انتقال من فترة زمنية لأخرى.

وفي أيام معركة الجمال في الثورة، ابتكر الثوار - وحدهم - طرقاً حربية مشابهة لما كان يفعله الرومان. حائط بشري يمسك دروع طويلة ويزحف بها... Testudo formation

وحين فكرت في تعريب العلوم كنت آخذ "غطسات" في كتب العلوم الرياضية والطبية أيام الحضارة الإسلامية القديمة، لأرى كيف كان يبدو "العلم باللغة العربية"، وإن كان يمكن أن يكون العلم العربي الجديد امتداداً لما سبق وليس علماً مختلفاً تماماً.

تلك المخطوطات منذ أيام الحضارة الإسلامة فيها أسلوب معين لكتابة الكتب: العنوان الطويل لكل فقرة الذي يصلح ملخصاً للفقرة. هناك كاتب أجنبي استخدم هذا الاسلوب في كتابه للذكاء الاصطناعي (الكاتب Patrick Henry Winston)، واستخدمته أحياناً في مقالات على المدونة. في الواقع الكتب الإسلامية القديمة كان بها ميزة ظريفة جداً هي أن الكاتب كان يصنع الكتاب خليطاً من الكتابة والرسم ينسابان مع بعضهما في حرية. كان الكتاب عملاً فنياً وليس مجرد وسيلة تقديم معلومات، وربما نحتاج أن تكون المزيد من الكتب بهذه الطريقة.

وحين كنت اقرأ عن تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، كان الكتاب يتحدث عن كيفية ظهور الجامعات في أوروبا، وانها خرجت من شيء يشبه مجالس العلم في الدولة الإسلامية: المعلم الذي يجلس على الحصيرة ويقرأ الكتاب وهو يعلق على كل جملة يقرأها. كيف يمكن تطبيق هذه الفكرة في العصر الحديث؟

كتب التاريخ الأجنبية تهتم كثيراً بالحياة: ماذا كان شكل المنازل في تلك الحقبة التاريخية؟ كيف كان الناس يطبخون؟ ماذا كانت الوظائف وقتها؟ التاريخ الذي أخذته في المدرسة المصرية كان في أغلبه سلسلة من الحكام والمعارك.

والتاريخ أكبر من هذا! وحين نقول "نتعلم من دروس التاريخ" قد يظن الناس أن الدروس ما هي إلا فكرة عامة غير محددة، لكن الأشياء الصغيرة قيمة: من شكل الكرسي إلى شكل الكتاب إلى شكل المطبخ إلى نظرية فيثاغورس. إن التاريخ هو خلاصة التجارب البشرية، ونحن في عصرنا هذا نعيش نتيجة هذه التجارب.

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

طيب ليه المجتمع ما بقاش فجأة مليان بطلبة العلم؟

نحن الآن في عصر الوفرة المعلوماتية. من أراد أن يتعلم سيجد مئات الكتب والدروس والفيديوهات والأوراق البحثية والبرامج والـsource code. لكن ليس الكثير يستغلون هذه الموارد. لماذا؟

هذا سؤال جاد يستحق إجابة جادة. وهذا المقال رسالة إلى كل من يريد النهضة: النهضة لن تأتي بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم. إن لدينا بالفعل ما يكافيء مدرسة وجامعة ومكتبة في كل بيت متصل بالإنترنت؛ ولن تضيف الأجهزة اللوحية كثيراً إلى هذا. فكر لماذا لم يستفد أحد من الموارد الموجودة قبل أن تسارع لعمل صفقة للاستحواذ على موارد جديدة.

هل هو الوقت والمال؟

أحياناً هذه أسباب حقيقية: هناك بيوت ليس لديها أموال لشراء الكتب، أو الاشتراك بالإنترنت. هناك أشخاص وظيفتهم هي كل حياتهم، وبالكاد لديهم وقت لأسرتهم ناهيك عن العلم. إذاً جزء من النهضة هو السير في طريق العدالة الاجتماعية حتى يطمئن الناس على قوتهم وقوت أطفالهم، ويكون لديهم disposable time, disposable income يقضونه في نشاطات أخرى.

ولكني أقول أن نقص الوقت والمال ليس السبب الرئيسي، فهناك طبقات اجتماعية كثيرة لا تعاني من نقص فيهما، وتراها تبحث بحثاً عن طرق لإنفاق وقتها ومالها: هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.

لا أقصد أنهم تافهون: ربما بعضهم كذلك لكن كثير منهم تراه يتمنى فعلاً النهضة ويتحدث عن قيمة العلم ويقارن حالنا بحال الدول الغربية...الخ. فما السبب إذاً؟

القصور الذاتي

Every object in a state of uniform motion tends to remain in that state of motion unless an external force is applied to it.
Newton's first law of motion

مثل الأجسام المادية، فإن كثيراً من الناس ببساطة يعيش حياته كما هي، إلى أن تأتي قوة خارجية تؤثر عليه. معنى ذلك أن العلم لو لم يكن بالفعل مستشرياً فسيميل المجتمع إلى البقاء في تلك الحالة حتى يُبذل جهدٌ حقيقيٌ في تغييرها.

هناك جهود كثيرة مبذولة في ما يسمى التنمية البشرية، لكن لا يوجد جهد مكافيء في العلم الحقيقي. في أحسن الأحوال هناك مبادرات على غرار "مصر تقرأ" لكن لا تؤخذ هذه الأمور بجدية مثلما تؤخذ "صناع الحياة" أو غيرها. هذا يفتح الباب لنسأل: ما الأسباب التي أدت لذلك؟ ربما يحتاج هذا السؤال مقالاً آخر.

ومعظم الناس ببساطة لم يفكروا في الموارد الموجودة أو لم يسمعوا بها. كيف نخبرهم؟

وكثير من المؤسسات الفكرية النهضوية (وليس كلها) تبحث عن التوعية أكثر منها العلم. وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".

ولابد من البحث عن الأسباب.

"ولكن كيف سيؤثر في حياتي؟"

برامج التنمية البشرية لا تستحي من التهويل في أثرها: ان شعار كثير منها حرفياً هو "ايقظ المارد الموجود بداخلك". هم يقدمون لك فكرة أنك ستكون إنساناً أكثر نجاحاً وأقرب للسعادة وأكبر تأثيراً لو نميت نفسك على طريقتهم. أما العلم فماذا سيغير في حياتك؟

فلنفترض أنك قد قرأت وقرأت وقرأت، وتعلمت البرمجة، أو قرأت في الفيزياء، أو في التاريخ، أو في علم الفلك، أو في الاقتصاد، فماذا بعد؟

هناك بالطبع أشخاص يعتبرون العلم هو نفسه المكافأة على التعلم. ماذا عن الباقي الذين يريدون أن يتعلموا لا للعلم لكن لأهداف أخرى؟ وكيف نستكثر من الذين يحبون العلم في حد ذاته؟ ولماذا نرى أن هذا شيء مطلوب لنهضة المجتمع؟

"ولكن العلم ممل"

الحرارة النوعية هي كمية الحرارة اللازمة لرفع درجه حرارة 1 كيلوجرام من المادة بمقدار درجه واحدة. ويرمز لها بالرمز (c) ووحداتها في النظام الدولي هي (جول/كيلوجرام/كلفن).
من ويكيبديا

لماذا أراك تحب الكتب هكذا؟ أنا لا أحب الكتب! هل رأيت كتب المدرسة؟
من حديث مع أقاربي


مشكلتنا لها نواح متعددة: بدايةً معظمنا، في أول خبرة له بالعلم، يرى العلم في الكتب المدرسية، والكتب المدرسية المصرية (وربما هذه مشكلة عالمية) تبدو بلا اتجاه ولا هدف، بل هي مجموعة من الحقائق المرصوصة بعضها بجوار بعض.

المشكلة الثانية أن العلم فعلاً - ولو خارج الكتب المدرسية - يقدم بطريقة جافة مجردة. ومعظم الذين يسعون لحل المشكلة يركزون على جزء "جافة" بأن يضيفوا الرسومات والألوان والحركة ولا يقتربون من جزء "مجردة". ما معنى الحرارة النوعية؟ لا أقصد المعنى المذكور في التعريف، ولكن المعنى مثلما نقول "حياتي لها معنى"...ما السبب الذي جعلنا نعرّف الحرارة النوعية ونضعها في الكتب؟ ما دور هذه المعادلة في سير الطبيعة وفي الاستفادة من العلم؟ ما هو الـraison d'etre لهذا القانون؟

وكيف "أشعر" بهذا القانون وليس فقط "اعرفه"؟ هذه نقطة لا ينتبه لها البعض: أن القوانين لا توجد في الورق ولكنها تتمثل في الطبيعة المحسوسة. لماذا نسلق اللحم في الماء لكن نقليه في الزيت؟ ما علاقة هذا بالحرارة النوعية؟ حتى القواعد التي تبدو مجردة مثل قواعد النحو أو البلاغة، لماذا هي كما نراها وليس بصورة أخرى؟ مثلاً لماذا نضع بعض الطلبات في صورة سؤال مثل "could you pass the salt؟"، وما الأثر النفسي لهذه الصياغة على السامع، وما سبب ذلك الأثر؟

"ولكن العلم صعب"

وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".
 — أنا، من جزء سابق في هذا المقال

هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.
  — أنا برضه

 الحديث عن العلم أسهل من الدخول في التفاصيل العلمية. مشاهدة المسلسل أسهل من تعلم البرمجة. إن كنا نبحث عن الأسباب فهذا سبب.

لكني أعتقد أن الصعوبة هي شيء نسبي: في طفولتي كان كثير من الأطفال يبرمجون، وكان هناك مجلات وكتب متخصصة للأطفال المبرمجين. وكان الأطفال يصنعون الصور في الألعاب بالأكواد الhexadecimal. وكان هذا في العالم العربي مثلما كان في الغرب.

وفي هذه الأيام هناك نشاطات كثيرة يمارسها الأطفال والشباب تظنها صعبة حين تفكر فيها. هناك أشخاص كانت أول خبرة برمجية لهم في تصميم مستويات جديدة في الألعاب التي يلعبونها game modding. هناك من يخرجون من الحيز الإلكتروني إلى الحيز المادي ويقومون بتعديل سياراتهم بتصميمات جديدة car modding، (هناك بالمناسبة مجتمعات لتعديل السيارات ضمن الشباب المصري).

وفي الغرب نجد من يهوى تسلق الصخور أو تمثيل الأحداث التاريخية. وفي العرب من نجده يهوى الصيد أو ركوب الخيل. لم تكن الصعوبة حائلاً بين الشخص وما يريد إن كان يريده بما يكفي. فكيف تجعلهم يريدون؟

 ولن تكون النهضة العلمية بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم.

السبت، 6 أكتوبر 2012

احذر: قد تكون لا تريد النهضة

كان البعض يقول أن الحرية ممكنة إذا كان الشعب يريدها حقاً. يظن المرء أن هذا شعارات، ثم جاءت الثورة المصرية وتعلمت أن العبارة صحيحة لكن جزء "يريدها حقاً" له معنىً كبير: هل الشعب يريد الحرية لدرجة أنه مستعد أن يُضرب بالأمن المركزي كلما نزل للميدان، وأن يموت منه ضحاياً، وأن يترك حياته ليمكث في الخيام مهما طال الوقت؟ إذن الحرية ممكنة.

ماذا عن النهضة؟ إن لم يحدث الشيء فقد يكون السبب هو (1) عوامل خارجية تعوق حدوثه. أو (2) صاحب القرار [المجتمع في حالة النهضة] لا يريد للشيء أن يحدث.

وكلا السببين مشروع: أحياناً يكون عوامل خارجية وأحياناً غياب للإرادة، لكن في الظروف الحالية غياب الإرادة أمر أريد الحديث عنه.

منذ مائة عام ربما قلنا أن العوامل الخارجية عائق يصعب التغلب عليه: كيف ستعلم كل هؤلاء الناس؟ كيف ستبني البنية التحتية للدولة؟ كيف ستغير المجتمع؟ ما الطريق الصحيح؟

لكننا الآن في عصر مختلف: اليوم هناك وفرة معلوماتية، وكل منا يستطيع - إن أراد - أن يحصل على تعليم يكافيء جامعة أجنبية كاملة فقط من المواد التعليمية المتاحة بالمجان على الإنترنت.

فإن أراد سد الفجوة التكنولوجية فهناك نظم تشغيل كاملة مفتوحة المصدر يستطيع أن يدرسها أو يعلمها للآخرين، ومترجمات لغات برمجة، ونظم ذكاء اصطناعي، وبرامج رسومية. هناك أيضاً نظم hardware مفتوحة المصدر، وهناك تصميمات كاملة لشرائح CPU قديمة لكن يمكن البدء بها ولو كهواية.

وإن أراد إصلاحاً سياسياً فالمجتمع المصري نفسه مليء بالخبراء الذين لديهم رؤىً ومشاريع منذ عقود، ومليئ بالمصادر لمن يريد التعلم. قل لي: هل ثقفت نفسك سياسياً؟ ماذا تعرف عن نظم الحكم؟ عن نظم الإدارة؟ عن أنواع الديموقراطية؟ عن النظم الاقتصادية؟ كيف تحدد من ستنتخب إذاً؟ هل تظن السياسة هي التصفيق لشخصيتك المفضلة أو حزبك المفضل؟

فإن أراد فتح شركة فهناك عشرات الطرق للحصول على تمويل في الوطن العربي.

فإن أراد تطوير التعليم فهناك تجارب ناجحة يمكن دراستها (ذكرت منها الكثير على هذه المدونة).

هذا إن أراد.

طبعاً الأمور ليست مظلمة، هناك بالفعل مبادرات فردية وجماعية في هذه المجالات. هناك من يعلمون أنفسهم ويعلمون الآخرين ويفتحون شركات. على الأقل جزء من المجتمع لديه تلك الإرادة - الحقيقية وليست الشعارات - للنهضة.

لكني أتمنى أن يكون الأمر أسرع. أن يكون هناك جزء كبير فعال في المجتمع يدرك أن النهضة ليست حادثة ينتظرها، بل شيء يستطيع أن يبدأ فيه من اليوم.

الجمعة، 28 سبتمبر 2012

المستقبل للحوسبة

في كاليفورنيا، تم السماح قانونياً بتسيير السيارة التي تقود نفسها. هل هي سيارة حقاً؟ هي مليئة بأجهزة الرادار، الكاميرات، GPS، والقائد الذي يتعامل مع كل هذه الإشارات، يفسر الصور ويخطط للرحلة ويرسل الأوامر للسيارة، هو في النهاية برامج. هو algorithms. هو حوسبة. ما نسميه سيارة يسميه آخرون كمبيوتر على عجلات. والتحدي الأكبر في صنع السيارة لم يكن الجزء الميكانيكي، بل الـAI, Computer Vision, ...الخ

ماذا عن السيارات "المملة" التي يقودها إنسان؟ مليئة هي الأخرى بالحوسبيات. يقول هذا المقال أن بعض السيارات المرسيدس الحديثة بها حوالي 100 معالج دقيق، ويتحدث بالتفصيل في هذا الموضوع.

فلنترك العملي ونذهب للنظري: نظرية الألوان الأربعة Four color theorem لم يكن من السهل إثباتها بالورقة والقلم مثل النظريات الرياضية التقليدية، بل تم الاستعانة بالكمبيوتر في إثباتها (اختزال كل الحالات إلى بضعة آلاف من الحالات الخاصة، ثم التأكد بالكمبيوتر أن كل من هذه الحالات الخاصة يمكن تلوينها بأربعة ألوان). هنا لم يكن الكمبيوتر يقوم بدور "IT"، بل بدور بحثي علمي صرف.

ماذا عن الروبوتات؟ هذا الروبوت الذي صممته تويوتا، هل تظنه مجرد أجزاء ميكانيكية مترابطة، تم تجميعها بمفك؟ لو كنت مبرمجياً لأتى على بالك كمية البرمجة المطلوبة ليعمل مثل هذا الجهاز مثلما تراه يعمل.

وسوف يكون للروبوتات دور كبير عسكري. هل لعبت ألعاباً استراتيجية مثل Red Alert أو Age of empires؟ الآن تخيل لو كان الذكاء الاصطناعي الخاص بهذه الألعاب قد ارتفع مستواه كثيراً، وصار يتحكم في "وحدات" حقيقية. جيش من بضع عشرات من الآليين يفكرون كأنهم عقل واحد ينفذون خطة مشتركة. من سيبرمج هذا؟

لاحظ أن مصطلح الحوسبية ليس معناه "اخبرني نتيجة 5+12" فحسب. بل إن كل ما يلي جزء من الحوسبة:
  • برنامج يأخذ صورة ويضع دائرة حول كل الوجوه البشرية فيها.
  • برنامج يخطط أفضل مسار للسيارة للوصول إلى شارع معين.
  • برنامج يأخذ وصفاً للوحداث العسكرية المتاحة والبيئة المحيطة ويقدم خطة حربية.
  • برنامج يأخذ بيانات المبيعات للعشر سنين الماضية ويقدم نصائح لخطط تسويقية أفضل.
  • برنامج يأخذ خريطة للموائد في قاعة الاحتفالات، وقائمة للمدعوين والعلاقات بينهم [صداقة، أسرية] ويقدم خطة مثلى لتوزيع المدعوين على الموائد.

الآن المفاجأة: هل تعلم أن كليات حاسبات في مصر تعمل في هذه الأشياء منذ سنين؟ لدينا مشاريع تخرج في الرؤية بالكمبيوتر، في أشياء مرتبطة بالروبوتات. في التخطيط الأوتوماتيكي في الألعاب الاستراتيجية. وأكثر.

لهذا أتمنى أن تأخذ حاسبات فرصتها، لأنها أكبر بكثير من "الكلية اللي بتطلع مبرمجين يشتغلوا في شركات برمجة". إنها الكلية ذات الموقع الأساسي في النهضة وصنع المستقبل. والعناية بها قد تجعلنا من "اللاعبين" في الملعب التكنولوجي العالمي بدلاً من "المتفرجين".

لا يهمني كثيراً اللقب والنقابة، بل يهمني أن تكون الكلية في مستوىً علمي يرتفع باستمرار. أن تجذب المواهب إليها (معلمين أو طلبة جدد). أن تُحل مشاكلها الإدارية. أن يكون طلبتها وخريجوها طموحين يريدون تغيير العالم و"حوسبته". أن يعرف المجتمع عن هذه السبل التنموية ويدعمها. التطوير. المستقبل. النهضة.

الخميس، 20 سبتمبر 2012

يا مدارس يا مدارس، لزمتك ايه؟

 يا مدارس يا مدارس، قولي لي إيه لزمتك؟
ليه أروحك كل يوم، واستحملك؟
عملت إيه بالهرولة، والقسمة المطولة،
والجغرافيا والـmental arithmetic؟

لابد لنا كمجتمع أن نناقش الهدف من هذه المؤسسات التي نعتمد عليها -- المدارس والجامعات، قبل أن نفكر في تطويرها أو تقييمها.

الإجابة التقليدية لسؤال "ما الهدف" تكون غالباً مبسطة جداً: الهدف من الجامعات هو الإعداد لسوق العمل، والهدف من المدارس هو الإعداد للجامعات. هذا يتماشى مع قصة حياة كل منا. لكن هذه الإجابة المبسطة لا تفسر أشياء كثيرة. مثلاً:
  •  لماذا يعلمونهم الضرب والقسمة المطولة بينما الآلات الحاسبة متوفرة في كل مكان؟
  • لماذا أخذنا جغرافيا؟ الضغط الجوي؟ كيمياء؟
  • ما فائدة مادة الـProlog في كلية الحاسبات؛ بينما لغة البرولوج ليست شائعة في سوق العمل؟
  • وفي الواقع، ما فائدة حاسبات نفسها بينما الكورسات تملاً البلد؟
  • وما فائدة الكليات التي تدرس التاريخ مثلاً؟ أو الآدب؟ وماذا يهمنا في تطور الشعر في حقبة كذا؟ 
أفكر في هذه الأمور، وأقول هاهنا أفكاري..

الهدف الأول هو الحفاظ على التراث العلمي للبشرية. الضغط الجوي الذي نأخذه في الإعدادية كان نتيجة أبحاث علماء في النهضة الأوروبية، وكانت تلك الأبحاث مسبوقة بنقاشات ونظريات (كثر فيها المغالطات) بدأت منذ عهد الفلاسفة اليونانيين. القسمة المطولة من أيام الخوارزمي. حساب المثلثات ازدهر كذلك في الدولة الإسلامية.

كل كلية كذلك تغطي العلم في مجالها. كليات الطب والهندسة تحافظ على علم أخذ قروناً حتى تشكل، بينما كلية حديثة نوعا ما مثل حاسبات تحافظ على قرن تقريباً من التطور العلمي، وإن كان علم computer science له جذور في علوم أخرى قديمة.

الهدف الثاني (خاص بالمدارس) هو تقديم خلفية علمية واسعة. أنت في المدارس تأخذ رياضيات، لغة، جغرافيا، طبيعة...الخ...الخ. هذا يفيدك في الحياة بطرق قد تشعر بها أو لا تشعر..

مثلاً لو تذكرت أنه هناك في إفريقيا مخزون كبير من المواد الخام لم يستنفذ بعد؛ قد تفهم لماذا تدار الحروب هناك بهذا الشكل؛
نفس الفكرة لو تعمقت فيها تفسر بعض أسباب بقاء الحكم الديكتاتوري في الشرق الأوسط كل هذه الفترة، أو صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، أو...أو...

لو فهمت النحو جيداً، قد يفيدك في دخول مجال اللغويات الحوسبية في المستقبل وعمل برنامج للترجمة الآلية.

لو فهمت مباديء الرياضيات، يمهد هذا لفهم مباديء الاقتصاد، وبالتالي تكون أقدر على الدخول في حوار قومي عن شكل الدولة ودورها، أو انتخاب أشخاص ذوي أفكار معينة وتجنب آخرين.

هل تفيد الخلفية العلمية الواسعة شيئاً غير هذه الأمثلة العملية؟ هنا بيت القصيد، والهدف الحقيقي من هذا المقال: الخلفية العلمية توسع فكرك.

هذا من أهم ما تقدمه المدارس والجامعات على الإطلاق. على الإطلاق!

ربما لا أحتاج لتطبيق القسمة المطولة لأن الآلات الحاسبة متوفرة، لكن فهم القسمة المطولة سيفيدني جداً!
- سوف يعلمني ما معنى الخوارزمية وكيفية تنفيذها.
- سوف يعلمني طرق رياضية مهمة: كيف أقسم المشكلة إلى أجزاء صغيرة وأحل كل جزء وحده ثم أجمع الحلول لتصير حل المشكلة الأصلية.
- سوف يعلمني أهمية التعبير عن الأعداد بطريقة معينة (مثل النظام العشري) تسلم نفسها للعمليات المطلوبة كالضرب والقسمة.

اسمعك تقول أنك لم تر في حياتك أحداً تعلم هذه الأشياء. أرد فأقول لك: أليس معنى ذلك أن مقالي هذا مهم للغاية؟ :)

مثال آخر: لغة Prolog في حاسبات..
- سوف أتعلم منها أهمية كتابة برنامج يعبر عن الهدف الذي أريد تحقيقه، وليس وسيلة تنفيذ ذلك الهدف.
- سوف أتعلم منها أن البرمجة لها صور كثيرة غير الصورة المألوفة؛ وربما يدفعني هذا للتفكير في صور جديدة.
- قد أتعلم منها أنه يمكن فصل البرنامج عن وسيلة تنفيذه (أي أن نفس البرنامج يمكن تنفيذه بطرق متعددة).

مشكلة هذه الأشياء، سواء في مثال القسمة أو البرولوج، أنها أشياء لا تظهر بصورة واضحة: إنها أشياء لا أكتبها في السي في ولن تُسأل عنها في الإنترفيو، وبالتالي لا ينجذب لها الكثير. لكنها أفكار تأتي بالعباقرة..إنها أفكار تدفع المعرفة البشرية للأمام.

هل تعلم أن الشريحة الإلكترونية في جهاز الكمبيوتر تقوم بالجمع والطرح والضرب بطريقة شبيهة بما أخذت في المدرسة (لكن بالنظام الثنائي)؟ تخيل لو كانت الآلة الحاسبة موجودة وقتها ولا يتعلم أحد سوى بها، والجميع لا يعرف معنى الضرب أصلاً أو خوارزمية القيام به؛ بالنسبة له الضرب هو لغز بلا حل سوى بالآلة الحاسبة -- كيف كانت ستتطور البرمجة؟

وقد قرأت ذات مرة ورقة بحثية كاتبها يجمع أفكار من البرمجة، مع نظريات Piaget للتطور المعرفي، مع شكل الفيزياء الذي كان يتغير، مع التطورات الجديدة في الإلكترونيات، كل هذا ليصمم جهازاً جديداً يكون رفيق الطفل في تعلمه وتفكيره.

أو لغة Erlang، وهي تجمع بين نموذج Actor model، نموذج نظري حوسبي، مع أفكار عن الـfault tolerance، وتم عمل أول إصدارة بها بالبرولوج (!)، لتكون أحد اللغات المفيدة التي تستخدمها شركات مثل Ericcson، Facebook، Amazon...شركات كبيرة رابحة.

هذه هي ميزة الخلفية العلمية الواسعة: هات أفكاراً من التاريخ واللغة، أو الفيزياء والبرمجة، أو الرسم والرياضيات، أو من ثلاثة مجالات أو أربعة، وقدم للبشرية شيئاً جديداً.

وقتها لا يكفي أن تعرف "اقل ما يمكن لدخول سوق العمل"، بل لابد من أن تدخل في النظري والعملي، القديم والجديد، المعروف والمغمور. لابد أن تتعلم جيداً.

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

ابتكار وتطوير لا إبداء رأي

حين تدخل في حوار مع الناس: هل تتحدث بنية الابتكار والتطوير أم تتحدث بنيّة إبداء الرأي؟

مجتمع لا يفعل شيئاً

عوائق تاريخية كثيرة منعت المجتمع من أن يشعر أنه يتحكم في واقعه: حكم مستبد، مشاكل اقتصادية، تعليم مبني على التلقين..وضع هذا الأمر الناس في بيئة فكرية تعوق التفكير في العمل وتركز على إبداء الرأي: الأكثرية ترى نفسها مشجعين وليس لاعبين. جماهير وليس مؤديين. نقاد وليس مبتكرين.

لذلك فإنه بالنسبة لهم كل كلمة تقال هي "رأي".

حين أنتقد شكل النشاط الحالي في الـACM مثلاً، فإن الرد الذي أتلقاه دائما هو: لماذا ترى أن الـACM غير مفيد؟؟ لم أسمع أبداً عمن يسأل عن شكل البدائل وكيف يمكن تطوير النشاط ويستزيد من التفاصيل في هذا. الآن تعال نحلل الأمر حسب خلفية المتحدثين:

- لو كنت تفكر بنية المخترع، فأنت دائماً تبحث عن الثغرات في كل شيء من أجل الإتيان بجيل قادم من ذلك الشيء، يتلاشى الثغرات وأكثر.

- ولو كنت تفكر بنية إبداء الرأي، فأنت تفكر هل الشيء الحالي، في صورته الحالية، جيد أم سيء بدون التفكير في الصور الأخرى التي يمكن أن يكون عليها.

وكيف سنتقدم للأمام هكذا؟

هب أنني ذكرت مشكلة ما في تعريب العلوم. مشكلة لأول وهلة تبدو صعبة.

- لو كنت من مدرسة "إبداء الرأي" فسيكون ردك أن كيف أن هذه المشكلة ليست عائقاً حقيقياً، وسوف تتخذ موقفاً دفاعيا.

- لو كنت من مدرسة "الابتكار والتطوير" فستكون سعيداً لأن هذه النقطة قد أثيرت، وتبدأ في أن تفكر: كيف يمكن حلها؟


وإن الطريق طويل. وسوف تجد أنصار التعريب أنفسهم يمثلون عائقاً فيه: كلما جئت بمشكلة مشروعة في طريق التعريب، سوف تجد من يهاجمك لأنه قادم من خلفية "إبداء الرأي"، ويفسر كل كلامك على أنك عدو التعريب.

ولقد مللت. دائماً الحوار في صورة "كذا كويس، كذا وحش". هل نحن نقاد ارستقراطيين، نرتدي المونوكل وندخن البايب، ونجلس نشاهد الأوبرا؟ لماذا لا يكون الحوار أكثر عمقاً؟

حوار سطحي

هناك طبعاً ميزة لإبداء الرأي، هي أنك لا تحتاج للتحدث بكثير من التفصيل. لو كنا نتحدث مثلاً عن مجانية التعليم، فإن أكثر حجتين أسمعهما هي "سوف يفشل التعلم لو صار مجانياً" أو "كيف نترك التعليم للأغنياء فقط". لو استزدت من المتكلم فكثيرا ما لا تجد المزيد.

كم من الناس حاول أن يجيب على السؤال إجابة مستندة على بيانات؟ من قام بعمل حصر للدول المتقدمة علمياً، ثم رأى كم دولة فيهم ذات تعليم مجاني أو تعليم بمقابل؟ هذا الموضوع لا يأخذ أكثر من عشر دقائق على الويكيبديا، لكن قبل ذلك يأخذ رغبة حقيقية في التخطيط لمستقبل المجتمع وليس مجرد إبداء رأي مثلما تبدي رأيك في مطرب أو فريق كرة.

والحوار السياسي المصري، إلا بعض الاستثناءات، دائماً في هذه الصورة:
1- اختر شخصية أو فئة من الناس معروفة سياسياً.
2- هاجمها، أو دافع عنها، أو هاجم من يهاجمونها.
فإلى متى؟

وكم من زوج أخذ يسرد عيوب زوجته (أو العكس)، بدلاً من التفكير في أسباب المشاكل بينهما وحلها؟

وكم من شخص كبير أخذ يشتم في "شباب اليومين دول"، بدلاً من أن يدرس كيف يفكرون أو يدرس كيف يطورهم نحو الأفضل؟ إن فئة مثل الألتراس قد تصبح قوة اجتماعية مؤثرة (ليس فقط كثوريين) لو أحسن توجيهها، لكننا لا نرى إلا هجوماً عليهم أو مدحاً فيهم.

وكم من شخص يمدح شركة مثل مايكروسوفت أو جوجل ويتخذ من نفسه مشجعاً رسمياً لها، بدلاً من أن يفكر في الدروس المستفادة من إدارة هذه الشركات، بهدف تصميم "الجيل القادم" من شركة البرامج المتطورة؟

وكم من شخص لا يقول سوى "مصر مافيش زيها" أو "مصر متخلفة"، بدلاً من أن يقوم من على مقعده الوثير، ويعمل عملاً حقيقياً، ويبذل جهدا حقيقياً، في أن يرى القيم الإيجابة الموجودة في المجتمع المصري ليقويها، أو القيم السيئة ليغيرها؟ لا اقصد شعارات أو بديهيات، بل دراسة حقيقية مبنية على الملاحظة العلمية؟

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

رفع المستوى الفكري، من أجل مصر القوية

(ملاحظة: أنا أمثل نفسي فقط والآراء المكتوبة آرائي، ولست عضواً في مؤسسة مصر القوية أو أي حزب سياسي، وحين أقول "نفعل كذا" فهي صيغة أدبية لا أكثر)

كنت أيام الانتخابات اتحدث عن برنامج د. أبو الفتوح، وكان هناك اختلاف بين الآراء..

رأيي أن البرنامج مذهل، وأنه لو تم تنفيذه جيداً فسيجعل مصر ليس فقط تلحق بالدول الغربية، بل تسبقها. أما رأي أغلب من أتحدث معهم فهو أنه برنامج "كويس" لا أكثر.

نعم، لقد حصل د. أبو الفتوح على ملايين الأصوات، لكن كم من هذه الأصوات كان بسبب البرنامج، وكم بسبب عوامل أخرى مثل إخلاصه أو تاريخه أو شخصه...الخ؟

ونحن الآن نبدأ العمل السياسي والحزبي والمجتمعي، وهناك طرق لتنفيذ ذلك البرنامج غير مؤسسة الرئاسة، ود. أبو الفتوح وفريقه يعلمون ذلك، وقد أنشأوا حزباً سياسياً ومؤسسات أخرى تمهيداً للعمل السياسي على نطاق واسع وتنفيذ برنامجهم...ولكني أشعر أنه هناك مكون كبير ناقص. هذا المكون قد يعوق تقدم هذا المشروع لسنين. المشكلة في المستوى الفكري.

السيناريو الذي نريد تجنبه

اخشى أن يقول الناس، كما قالوا من قبل: "كويس" ويكتفون بهذا. لماذا أثر فيّ مشروع مصر القوية بهذا الشكل، بينما لم يؤثر في أغلب الناس بنفس الطريقة؟ لأنني لم أتعامل مع البرنامج على أنه مجموعة من الشعارات بل على أساس أنه بحث علمي. لقد بحثت في كل نقطة قالها البرنامج: الديموقراطية التشاركية، أنواع النشاط التعليمي الجديدة، الملكية العامة بإدارة خاصة، الفرق بين كلية الشرطة وأكاديمية الشرطة..كل كلمة من هؤلاء هي كلمة خلاصة أبحاث قادمة من عقل عالِم أو مفكر مصري شارك في وضع البرنامج.

لكن الناس لم يروا فيها إلا الشعارات!

وفي هذه الحالة فإن الناس سوف يختارون - في الانتخابات البرلمانية والمحليات و...و... - سوف يختارون إما من يعرفونه من قبل، وإما أصحاب الشعارات الأقوى، ويكون نصيب "مصر القوية" أعلى من الأحزاب الجديدة مثل التيار المصري مثلاً، لكن ليس منافساً قوياً جداً للاحزاب المهيمنة على الساحة السياسية حالياً.

وكيف نتجنب هذا السيناريو؟

ماذا يفعل الكيان السياسي الجديد في هذه الظروف؟ مؤسسة مصر القوية لديها ميزة هامة جداً: لديها (في رأيي) أفضل برنامج (حالياً) للدولة، ولديها فريق قوي من الخبراء، ولديها أكثر من مائة ألف متطوع. المكون الناقص هو إيصال هذه الرسالة إلى عامة الشعب. البرنامج العلمي يحتاج لتقييم علمي من الناس، ولو ارتفع المستوى الفكري فستتغير الساحة السياسية ويتغير شكل المجتمع.

هناك بالفعل مشاريع لرفع المستوى الفكري للناس، مؤسسات مثل "معرفة" و"رشد"، "قبيلة" وهي تحاول - أو هكذا أظن - أن تكون ليست مجرد "توعية" بل أن ترفع المستوى الفكري فعلاً وتعلم الناس في الاقتصاد والسياسة والإدارة والقانون..

علينا أن نأخذ هذا ونضربه ×100 . وأرى أنه قرار عملي وأننا نستطيع. أليس هذا شيء ينبغي أن نطمح فيه؟ شعب لا يسير وراء الشائعات، ويحلل الخطاب السياسي علمياً، ويختار المرشحين (أياً كان انتماؤهم) بالنظر المدقق إلى برامجهم وفكرهم؟

إن هذا في رأيي يضاهي في أهميته ثورة 25 يناير ذاتها.

وكيف نفعل هذا إذاً؟

الطريقة في سطر واحد ثم نفصّلها: يجب أن يكون رفع المستوى الفكري هو هدف أساسي من أهداف النشاط الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في "مصر القوية".

معنى هذا أنه شيء يهتم به ويعمل فيه الجميع، بداية من القيادات وحتى كل متطوع في كل محافظة. وكذلك الخبراء والإداريين. لا ينبغي رَكن هذه الخطة في ركن ما مثل "اللجنة الثقافية". لابد من اشتراك المؤسسة كلها وإعطاء الموضوع أولوية بالغة. هذا هو السر.

يمكن أن يبدأ د. أبو الفتوح نفسه في تقديم رؤيته وأفكاره بشكل أكثر تفصيلاً. نعم لديه الآن صفحة على الفيسبوك وحساب على تويتر، لكن هذان يقدمان آراء مقتضبة في قضاياً الأحداث الجارية، لماذا لا يكتب مقالات أطول على مدونة؟ ولماذا لا يفعل هذا أيضاً من يستطيع من الخبراء والإداريين؟ تجربة في التشارك الحقيقي مع المجتمع وليس مجرد التخطيط في اجتماعات مغلقة.

(هذا بالمناسبة أحد أسباب شعبية أ/حازم صلاح مثلاً: محاضراته في مسجد أسد بن الفرات وفي برنامجه التلفزيوني. هذا يجعل أفكاره حاضرة دائماً، ومحور حديث وحوار).

أيضاً في صورة فيديوهات، لكن ليس مجرد فيديوهات دعائية (وإن لم نعارض تلك)، بل أيضاً فيديوهات على مستوى فكري أعلى تشرح الخلفيات السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية/القانونية/العلمية وراء قرارات الحزب وسائر مؤسساته. تجعل الناس يستخدمون هذه اللغة العلمية في الحوار، بدلاً من الشعارات والمغالطات والشائعات.

ولماذا لا نستفيد من تجربة الخبراء كمعلمين وكثيرهم أساتذة في الجامعة؟ لماذا لا يشاركون بمحاضرات منتظمة كل في مجاله لمن يريد أن يفهم ويتخذ قراراته على علم؟

وهناك حالياً شخصيات معروفة بفكرها ولكن لا نسمع منها إلا ما يقال عن الأحداث الجارية..لماذا لا تأتي بهؤلاء ويقولون لنا "هيا نبدأ السياسة من البداية. هيا نرى ماذا تعني الدولة وكيف تنظم"، ثم يتم مشاركة هذه المعلومات عبر الأنترنت وعبر العالم الحقيقي ونشرها كذخر علمي؟

ولماذا لا يكون هناك وحدة نشر تابعة للحزب/المؤسسة، تقدم كتب ونشرات فيها خلفيات لكل قرار اتخذ وكل سياسة ، بالمراجع؟

ولماذا لا يكون هناك قناة تلفزيونية (أو برنامج في قناة معروفة) يناقش كل شيء بعمق وليس فقط "كذا كويس، كذا وحش"؟

ولماذا لا يتم التعاون مع المؤسسات الحالية مثل معرفة،...الخ والاستفادة من خبراتهم؟

وماذا عن العمل التطوعي في كل محافظة؟ لماذا لا يكون هناك عمل فكري أكبر من مجرد "توعية سياسية" أو "تنمية بشرية" بل تقوم فعلاً بتغيير الفكر؟ ندوات مكثفة ومناقشات وتدريب ومجالس علم؟

قد يردّ أحد فيقول "وانت فاكر الناس حيفكروا كدة؟؟ ما انت شايف الناس عاملين ازاي!"، أقول: نعم، وهذه هي المشكلة التي نسعى أن نحلها!

نحن إما أن نفترض أن المجتمع سيظل كذلك للأبد، ونسلّم بهذا، ونكتفي بترديد الشعارات وسط المرددين، أو نقول أن انخفاض المستوى الفكري مشكلة قابلة للحل، ونسعى بكل السبل الممكنة لحلها.

لأننا مللنا الحوار السياسي الحالي. ألم تملّوه؟

السبت، 18 أغسطس 2012

كلها برمجة. كلها لغات.

لو كنت ممن يقرأون هذه المدونة منذ فترة، لعلمت أنني في طفولتي كنت أتمنى أن أكون مخترعاً. ثم كبرت وصرت مبرمجاً.

وماهي البرمجة؟
  • أنت تكتب برنامجاً لتحقيق هدف ما، برنامج حسابات، لعبة، بحث علمي...
  • وهذا البرنامج تكتبه بلغة لها قواعد، syntax. هذه القواعد غالباً عبارة عن مكونات بدائية (أقواس، كلمات محجوزة) وطرق مفصّلة محددة لتركيب هذه المكونات.
  • هناك قواعد أخرى لطريقة تنفيذ البرنامج، semantics.
  • ويأتي في النهاية مفسّر، interpreter، يأخذ البرنامج وينفذه.
وما هو الاختراع؟
  • أنت تصنع تركيباً فيزيائياً لتحقيق هدف ما، اختراع يسير بك، ينقل الصورة عبر الأثير، يرش الأطفال به الماء على أصدقائهم...
  • وهذا التركيب محكوم بقيود فيزيائية معينة: الوزن والحجم والtopology في ثلاثة أبعاد مكانية. كما أن الاختراع من مكونات بدائية: (سوست، سيور، خراطيم).
  • وحين تقوم بتشغيل اختراعك، فإنه هناك قواعد معينة تحكم عمله: المجال المغناطيسي يولّد حركة عند مرور تيار كهربائي؛ البخار يتمدد ويولّد ضغطاً..هذه القواعد نطلق عليها اصطلاحاً قوانين الطبيعة ويدرسها العلماء كل يوم.
  • و"الكون" نفسه يقوم بدور المفسر الذي ينفّذ برنامجك - أقصد اختراعك.
(على الأقل أمنية من أماني الطفولة قد تحققت.)

ولو كان الاختراع برمجة، فما هي خصائص لغة البرمجة التي يتم بها الاختراع؟ وما خصائص بيئة التطوير IDE؟

أولاً، هي لغة dynamic تشبه نوعاً ما Smalltalk. انت تقوم بكتابة البرنامج في نفس بيئة تنفيذه، وفي ظروف معينة قد تكون تعدّل فيه بينما هو ينفّذ.

ثانياً، قواعد الـsyntax هي نفسها قواعد الـsemantics، وإن كان هناك شيء من الفصل الفكري بينها: بينما تقوم بتركيب السيارة تفكر في جزء من قوانين الطبيعة مختلف عن الجزء الذي تفكر فيه بينما هي تعمل. أحياناً تكون هناك أجزاء مشتركة.

ثالثاً، هناك شيء يشبه الـtype checking: الصواميل التي لا تتركب إلا مع مسامير من نوع مطابق، الـdimensional analysis في الفيزياء، ...الخ. مثل المبرمجين، يحاول المخترعون تقليل الأخطاء وتسهيل الحياة على أنفسهم.

رابعاً، البرمجة في الاختراع تبدو متوازية أكثر من البرمجة المعتادة.

وهل هذه قضية فلسفية بحتة؟ لا، بل هذه قضية تفكير حوسبي؛ مما يجعلها أمراً عملياً جداً، مرتبط بالتطور التكنولوجي وتطوير التعليم، وبالنهضة، كما وعدناكم دائماً :)

لو أمكننا تكويد بعض أنواع الاختراع في لغات نصية مثل لغات البرمجة، لأمكننا عمل IDEs لها، تقوم بعمل model checking للتأكد من خلو الاختراع من بعض الاخطاء التي يمكن الكشف عنها بسهولة.

ولأمكننا عمل libraries جاهزة بطريقة اوتوماتيكية بدلاً من التفتيش وسط التصميمات السابقة، ولأمكننا التفكير في الاختراعات على مستوى أعلى حين نقدم الـabstractions المعروفة في البرمجة: تخيل أن يكون لديك abstraction مثل "مانع لتسرب الحرارة" ثم يأتي compiler ويقوم بتحويل هذه الفكرة عالية المستوى إلى فلاتر وعوازل وقياسات.

ويمكن تطبيق refactoring واستبدال مكونات ابسط بمكونات معقدة.

ولم اذكر حتى الـsimulation، فهو بديهي.

ولم أذكر الجوانب التعليمية.

و...و...أفكار لا تنتهي، فقط تنتظر المجتمع الذي يمسك بها وينهض.

في الواقع هناك أدوات برمجة من هذا النوع: Labview، برامج CAD/CAM، لكن لا اظن ان الفكرة منتشرة جداً ان هذه الأدوات مثل لغات البرمجة، وتطبيق تكنولوجياً الـcompilers, programming language theory, IDE عليها.

كلما تأملت في التفكير الحوسبي شعرت أكثر وأكثر أن علوم لغات البرمجة لها دور كبير فيه..

السبت، 4 أغسطس 2012

المستقبل..

ينظر البعض لمشاريعي كل مشروع على حدىً فيقول "مشروع كويس" ويسكت. لكن حين تتحد المشاريع مع بعضها، تجد شيئاً كبيراً خفياً. ربما يفسر هذا حماستي الشديدة لتلك المشاريع، وتحملي من أجلها، بينما اكثر الآخرين لا يعبأ بها كثيراً. لأني أرى شيئاً في وسط هذه الأشياء؛ لديّ vision كما يقولون.

قد تجد هذا المقال يبدو كلاماً تقليدياً حتى تقترب من نهايته، ثم تجد - أو أرجو أن تجد - في الجزء الأخير مكافأتك على قراءته للنهاية :)

ما اهتماماتك أيها القاريء؟ هل تهتم بالسياسة والديموقراطية وتحصين المجتمع ضد الحكم الاستبدادي؟
أم أنك مهتم بالبرمجة والتكنولوجيا؟
أم بالاقتصاد والشركات؟
أم بالدولة القوية المتقدمة؟
هل تحلم بال"مستقبل"؟ السيارات الطائرة وغزو الفضاء؟
أم بالعدالة الاجتماعية؟

وماذا لو قلت لك أن جهاز أوراق، تعليم الأطفال البرمجة، التفكير الحوسبي، شركة Makesense، وهذه المدونة، قد تساهم بطريقة أو بأخرى في هذه الاهتمامات؟

كيف ذلك؟ وما علاقة شيء مثل البرمجة بشيء مثل العدالة الاجتماعية أو الديموقراطية؟ وهل يساهم الفيسبوك وتويتر في الثورات مثلاً؟ ما هذا الكلام الفارغ؟

المفاهيم مثل "الحرية" لا توجد في مكان فلسفي خفي، إنها تتحقق في البيئة الاجتماعية التي نعيشها جميعاً، وتتشكل بأفكار الناس ووسائلهم لتحقيق تلك الأفكار: التوزيع الموجود للثروات، وسائل الاتصال وتبادل المعلومات، وسائل تنظيم التفكير والتعبير عنه. لا تعجب أن تكون أحد عوامل النهضة الأوروبية هو انتشار الطباعة، لا تعجب من ازدياد النشاط السياسي بعد ظهور المدونات (وبعدها ظهور الـsocial networking)، ولا تعجب من ارتباط ظهور الديموقراطية في اوروبا بازدهار الطبقة الوسطى.

هل تأخذ الأفكار فرصتها؟ أم تموت لأن صاحب الفكرة مريض ولا يجد تكلفة العلاج [العدالة الاجتماعية] أو لأنه لا يجد وسيلة يخبر بها المجتمع بفكرته [التمكين الإعلامي] أو لأن النظام الأمني العتيد يخاف من التغير المجتمعي ويريد أن يحتفظ بالناس تحت قدمه [الاستبداد ونظم الحكم] أو لأنه حتى ليس متمكناً من سبل التفاوض والإقناع وتنظيم أفكاره؟

ما علاقة هذ بالمشاريع التي اذكرها كثيراً؟ سندخل في نقطة جانبية أخيرة، ثم نعود للمشاريع: أريد أولاً أن أحكي قليلاً عن نفسي...

لقد كنت في مواقف كثيرة من حياتي محظوظاً: عشت حياة الطبقة الوسطى لا اخاف من الأمور المادية، وتعرفت على حب العلم مبكراً، وكنت مبرمجاً قبل دخول كلية الحاسبات بسنين عدة، هذه الكلية نفسها قد ظهرت في الوقت الذي احتجتها فيه: بيئة من المبرمجين محبي العلم الذين يحبون النهضة.

الا أتمنى أن يكون كل شخص أمامه فرصة مثل هذه؟ بيئة يعبر فيها أن أفكاره ويلتقي بأصحاب الأفكار المشابهة، فرصة لتلقي علماً وفكراً، وفرصة مادية ليركز في اهدافه؟

نأتي أخيراً للمشاريع...

للديموقراطية صور كثيرة، ويشترك فيها مفهوم "نزع القوة من القلة وإعطائها للكثرة"، وكل قوة تدار مركزياً يتحكم فيها قلة هي وسيلة لنزع الديموقراطية من المجتمع: الإعلام المركزي يشكل الرأي العام كما يريد أصحابه. قلة التعليم وانخفاض المستوى الفكري تؤدي لحوار سياسي كالذي نراه الآن مليء بالمغالطات ويركز على الأشخاص لا الافكار، ويدفع الجميع للانخداع وراء الشعارات، أما النهضة نفسها فهي حالياً تأتي من ثقافة المشاهير: لو لم تظهر في التلفزيون أو تأخذ جائزة نوبل أو تكون مليونيراً أو تكون عضواً في حزب له ثقل سياسي،...فأين مكانك في النهضة؟

لكن يظهر وسط هذا نوع من الاشخاص اقتحموا هذه البيئة واكدوا ذاتهم فيها: هؤلاء الذين صنعوا قنواتهم على اليوتيوب، وصنعوا شركاتهم من لا شيء تقريباً، وأسسوا مبادرات اجتماعية تؤثر في الانتخابات والرأي العام، ويبدأون هذه الأيام في تشكيل احزاب سياسية صغيرة لكن ربما يكون مستقبلها كبيراً، وكل يوم يعيدون اختراع السياسة والإعلام والعمل.

ما الشيء المشترك بين هؤلاء؟ (1) فكرة جيدة. (2) وسائل مبتكرة للتعبير عن الأفكار ونشرها وتنفيذها.

أما مشاريعي فهدفها بسيط جداً: أن يكون المجتمع كله هكذا.

حين يبرمج الناس من طفولتهم، فسوف يتعلمون التفكير المنطقي المنظم، والتعبير عن الأفكار بطريقة عملية مجسدة، كما يمكنهم أن يخترعوا الأدوات التي يحتاجونها لتحقيق أهدافهم (هل تعلم أن جريدة نيويورك تايمز بدأت في تعيين المبرمجين بقوة، وظهر كادر جديد اسمه "الصحفي المبرمج"، وترى الجريدة أن هذا أملها في إنقاذ الصحافة؟).

تخيل لو كان الكل يخترع الأدوات التي يحتاجها لتحقيق اهدافه. هل لديك أهداف في إدارة شركتك؟ هل تريد صنع قاعدة بيانات للفساد الإداري؟ طبيب ولديك بيانات تريد تحليلها إحصائياً؟ ماذا لو كان لديك الأدوات لتفعل ذلك فوراً بنفسك؟

أما شركة Makesense فهي ليست مخطط لصنع شركة عادية، بل نوع جديد من الشركات: تحترم البحث العلمي، وتدار بطريقة ديموقراطية تحترم فيها الآراء (لتكون الديموقراطية قيمة اجتماعية وليس فقط نظاماً سياسياً)، وتكون مثل دولة صغيرة: إن الدولة هي وكيل لشعوبها وليست سيداً لهم، فلماذا لا تكون الشركة هي وسيلة لمجموعة من المتخصصين لكي يعملوا معاً ويحققوا اهدافهم، بدلاً من النظرة الحالية "سوف يتم إعطاؤك مالاً لتحقق أهداف صاحب الشركة"؟

لو نجحت بضع تجارب في شركات من هذا النوع، وكسبت وازدهرت، فقد يبدأ الناس في تقليد هذا النموذج بدلاً من الاختلاف على واقعيته.

شركات ليست فقط للربح، بل للعمل! ماذا تريد أن تعمل؟ إعلام؟ علم؟ خدمات؟ علاج؟ ماذا عن شركة تكون اسهل في توجيهها نحو تلك الأهداف، وأصعب في الانزلاق نحو الربح الأعمى؟

ماذا عن جهاز أوراق؟ أريده أن يكون وسيلة لإنتاج المعلومات ونشرها، لينتشر في المجتمع ثقافة الإنتاج الفكري. تخيل باحثاً يكتب حواشي على الكتاب بالقلم الإلكتروني، وفي لحظة يتم عمل share لهذه الحاشية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيمكن للآخرين أن يضيفوا تلك الحواشي لنسخة الكتاب لديهم، فيأخذها أحد كمصدر للأفكار في عمله، ويأتي الآخر ليشرحها في مجلس علم، ويأتي ثالث يقتبس منها في كتاب دراسي، بينما في مكان آخر هناك معلم يأخذ عينات نباتات بالكاميراً وفي لحظة يكتب عليها تعليقات وملاحظات (أو يعطي هذا النشاط كواجب دراسي لتلاميذه)، وكل هذا الكترونياً في جهاز يشبه الورقة والقلم؛ ويمكن لأي شخص أن يستخدمه؟

ثقافة إنتاج المعلومات وليس فقط استهلاكها. ثقافة التصميم والاختراع.

مثل هذه الانشغالات هي وظيفة تلك المدونة وتلك المشاريع، ومن أجل هذه الأهداف تجدني كتبت مقالات سياسية أو أيدت مرشحاً معيناً، ومن أجل هذه الأهداف انتقد مسابقات الـACM وأقترح بدائلاً لها، لأن أوراق والشركات والأدوات لن أقدر على صنعها وحدي بكل تأكيد بل تحتاج مجتمعاً يصنعها. هذا ليس مشروع سنة أو سنتين.

وهناك مشاريع أخرى لم أتحدث عنها كثيراً وأتمنى أن أراها في يوم من الأيام مثل مؤسسة إرواء لتمويل الشركات، وأدوات برمجية أسهل بكثير تجعل البرمجة في متناول فئة أكبر بكثير (ديموقراطية حوسبية)، ومشروع "جسر" لسد الفجوة التكنولوجية البرمجية (وقد يمكن للآخرين تطبيقه على مجالات غير برمجية)، وغيرها.

فإن رأيتني انتقد ما تراه في الحاضر، فهذا لأني أتمنى مستقبلاً غيره.

الخميس، 26 يوليو 2012

خطط وأهداف(3): صنع المعنى

أريد أن أفتح شركة وأسميها Makesense. ما الهدف منها؟ تحويل الـcomputer science إلى أرباح.

لدينا في مصر كنز قومي اسمه كليات الحاسبات. لكن الطالب يدخل الكلية ليأخذ في علم نظم التشغيل، مترجمات لغات البرمجة، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة العلمية، نظم الحاسبات، ثم...يتخرج ليعمل مطور iPhone أو على SharePoint.

هذه مشكلة تحتاج إلى حل؛ نحتاج إلى وسيلة لكي يستمر خريجو الكلية في استخدام ما تعلموه وأيضاً - أهم من ذلك - أن يستمروا في العلم والاستزادة منه وسد ثغراتهم العلمية السابقة. يستمروا في ذلك بدون خوف من الماديات، لأن تعلمهم هذا يأتي بعوائد مادية أيضاً.

ثم ان شركة مثل هذه قد تأتي بأرباح هائلة، وتوفر فرص عمل، وتصعد بالمستوى العلمي للمجتمع، وتكون مثلاً إيجابياً يشجع الآخرين على فتح شركات مماثلة. هذه فوائد إضافية ظريفة جداً، أليس كذلك؟

كيف أريدها أن تكون؟ أريدها أن تكون حرة. أريدها أن تكون غنية. أريدها أن تكون إنسانية. أريد فيها علم مستشري. وأريدها أيضاً عملية وواقعية.

حرة يعني من السهل على المبرمج أن يقوم بالعمل الذي يريده. في شركة Valve لا يوجد تنظيم هرمي للإدارة، أي لا يوجد أحد مدير على أحد: إن أردت أن تقوم بمشروع محدد فعليك أن تنجح في تكوين فريق من الآخرين المقتنعين بجدوى مشروعك وفائدته للشركة وعملائها. لو نجحت في جمع ذلك الفريق فهذا هو "الأوكي" المطلوب لكي تستمر في المشروع.

المكاتب لديهم هناك على عجلات، لكي تدفع مكتبك إلى الفريق الذي تريد أن تعمل فيه.

غنية أي لا يكون العمل فيها من نوع واحد أو على رتيبة واحدة؛ هناك فريق يعمل في البحث واسترجاع البيانات، فريق في تطوير الأدوات البرمجة، فريق في الرؤية بالكمبوتر - ربما تصنيف عينات النباتات بالكاميرا - فريق يبتكر نوعاً جديداً من الألعاب. فريق في الروبوت..

نريد أن نتحرك بالعلم للأمام، ويرد العلم لنا الجميل حين يعطينا نقاط تفوق على الشركات الأخرى. ونريد أن نعطي المجتمع إحساساً بالروعة والانبهار.

ومن يدري؟ ربما يكون هناك فريق أو أكثر يعمل في جهاز أوراق...

إنسانية يعني لا نريد لنظام الشركة أن يفضل المؤسسة على الإنسان. هل أنت موهوب لكن لديك مشاكل صحية؟ أو مشاكل في النوم؟ أو تريد وقتاً اكثر لأسرتك وأولادك؟ تحدث معنا! ربما يكون هناك فرصة لكي نكيف لك بيئة عمل مناسبة، نستفيد من مواهبك وحبك للبرمجة وفي نفس الوقت لا نضغط عليك أو نلزمك بما لا تطيق.

وربما يمكن عمل طريقة اكثر ديموقراطية لإدارة الشركة. أوهل يمكن تطبيق شيء مثل الديموقراطية التشاركية أو التخطيط بالمشاركة؟ لماذا لا يحدد العاملون انفسهم كيف يراد أن تدار الشركة التي يعملون فيها؟

ذات علم مستشري لا نريد للمبرمج أن يصنع تحفاً علمية بدون أن نفكر كيف يتطور هو نفسه علمياً، وبدون أن يكون هناك مساعدة حية من الشركة في تعلمه وتطوره. نريد أن تشجع الشركة المبرمجين على القراءة، ويكون هناك وقت محدد بأجر للـ"عمل" في المكتبة والاستزادة منها. نريد أن نشجع الطاقم على الحصول على الماجستير والدكتوراه في جامعات قوية ومواضيع شيقة، أو حتى حضور الكورسات الالكترونية التي تضعها الآن جامعات عالمية على الإنترنت.

ونريد في نفس الوقت أن يكون هناك دور اجتماعي وأن نرد الجميل لكلية حاسبات. لماذا لا يأتي طاقم الشركة ويقدم في حاسبات الندوات والمحاضرات؟ ليس فقط هذا شيء للمجتمع، لكنه يساعد في أن يكون للشركة تموين مستمر من المبرمجين الموهوبين. ولا مانع أن يأتي لنا فئة من هؤلاء الموهوبين وفئة اخرى تثري باقي سوق العمل؛ كما يقال: إذا ارتفع المد ارتفعت معه المراكب كلها.

عملية وواقعية لا أريد للشركة أن تكون ساذجة أو مفرطة في التفاؤل. نعم، أنا أسعى لتحقيق النموذج أعلاه، لكني لا اقول أنه ليس سهلا أو أن حسن النية فيه يكفي. سوف يكون هناك تحديات كبيرة: ماذا لو كانت الحرية المفرطة تؤدي إلى عشوائية في اتخاذ القرار؟ ماذا لو حاول البعض استغلال الجانب الإنساني للشركة لكي يأخذ منها ولا يعطي؟ ماذا لو طغى العلم على الجوانب الأخرى من تسويق وإدارة؟

لا اقول انني قد وضعت خطة محكمة في اللحظة الحالية (هذه الأمور تأتي بالممارسة والتجربة والتطوير المستمر)، لكن هناك نقاط مهمة للبدء:

- لابد من حسن اختيار الموظفين جدا، ولابد أن تشارك الشركة كلها في عملية التعيين: المبرمج هو الذي يقوم بالinterview للمبرمج، وهذه مسؤولية لا تقل أهمية عن كتابة الكود (بل هي اعلى رتبة منها). لمزيد من التفاصيل ارسلك لمقال هو من افضل مقالات إدارة الشركات التي قرأتها في حياتي: Engineering management at Facebook

أيضاً عند تعيين شخص فإن الإنترفيو لن تكون فقط لقدراته البرمجية، كما يقولون في شركة Valve:

Do not interview only technical skills, check if the candidate is able to run a company, because he will be

- لابد من طرق للتقييم والتقويم.
- لابد، وهذا مهم جداً، من التطوير المستمر. من السهل الوقوع في فخ أن نفعل شيئاً خطأ ولا نكتشفه، أو ان نجرب شيئاً نفع نوعاً ما فنستمر فيه بينما هو خطأ على المدى الطويل. ومن السهل ان نجعل الأهواء الشخصية لبعض الأفراد، أو ما يظنه البعض حكماً من الحياة، أن تتحكم في سير العمل بدون منهج علمي! لابد من التجربة، القياس، بناء القرارات على data، التساؤل ومراجعة الذات في كل قرار...

شيء أخير: شركة مايكروسوفت تسمي طاقمها Microsofties، وشركة جوجل تسميهم Googlers، فماذا نسمي طاقمنا نحن؟ ماذا عن Sense Makers؟ :)

ألا تريد أن تكون جزءاً من الحلم؟

الجمعة، 6 يوليو 2012

مشاريع للأطفال، لكن قد تغير العالم

(هذا المقال يتحدث عن مشاريع بدأت للأطفال وانتهت بتأثير علمي أو تكنولوجي كبير؛ أما لو كنت تبحث عن أنشطة تعليمية للأطفال يمكنك العثور على هدفك في هذا المقال)
______________
كثير من مشاريعي (أو أفكار لمشاريع مستقبلية محتملة) مرتبط بالأطفال بطريقة أو بأخرى...
  • لغة كلمات مصنوعة لتعليم الأطفال البرمجة.
  • جهاز أوراق، رغم أنه بالنسبة لي (حلم أن يكون) جهاز متطور للمجتمع كله، إلا أن جزء كبير منه هو أن يكون جهازاً منزلياً للتعلم والإبداع، كأنه صورة حديثة من كمبيوتر صخر.
  • أقرأ حالياً في نظريات Piaget عن التطور المعرفي للطفل، وابحث عن طريقة للاستفادة منها.
لكن هذه المشاريع، لو أخذت المسار الكامل لها (ليس بالضرورة على يدي، أو على يدي وحدي)، فإنها قد تؤثر فيما هو أكثر بكثير من الأطفال وتعليمهم. أنا لا أتحدث هنا فقط عن أن التعليم هو المستقبل وأن الأطفال هم الغد...الخ، بل أتحدث عن أشياء أخرى! اليوم سأخبرك بقصص عن بعض المشاريع التي بدأت للأطفال أو المبتدئين وآل منها أشياء "للكبار".

لغة Python

كان هناك مشروع في مركز الرياضيات وعلوم الحاسب في هولندا، عبارة عن لغة برمجة اسمها ABC. كانت لغة مصنوعة لتعليم البرمجة ولتحل محل لغة Basic (التي تعلم بها البرمجة كثير من أطفال الثمانينات، وإن لم تكن ABC مصممة للأطفال بالضرورة، لكن للمبتدئين بشكل عام).

أثرت هذه اللغة كثيراً على Guido Van Rossum مصمم لغة Python، وكانت سببا من أسباب كون بايثون سهلة التعلم وسهلة القراءة. هذه السهولة ساهمت في جعل اللغة مستخدمة في مجالات كثيرة جداً: التعامل مع الصور، تطبيقات الإنترنت، برامج البحث العلمي الحوسبي Scientific computing. التحكم في الروبوت...

في المجالات غير التقليدية هناك ميزة لكون اللغة سهلة القراءة: فكر في بحث علمي يقرأه متخصص بالعلوم الطبيعية (وليس البرمجة): في تلك الحالة فإنه يمكنه أن يفهم الكود المكتوبة بالبايثون ولو لم يعرف البرمجة بها! هذه الفكرة تعطي نوعاً من التمكين الحوسبي أو الديموقراطية الحوسبية، وتسمح للشخص العادي أن يكون طرفاً في بحث به جوانب برمجية. هذا مهم لأننا نتجه نحو مستقبل تدخل في كل جوانبه علوم الحاسب.

وحين تصمم لغة للأطفال مثل كلمات فإنك مجبر إجباراً أن تكون اللغة سهلة التعلم والقراءة، مما يفتح الباب لاستغلالها في المستقبل، إن أراد المجتمع العربي، في التمكين الحوسبي الذي تحدثنا عنه.

البرمجة بالأشياء، واجهات GUI، والأجهزة اللوحية.

في السبعينات من القرن العشرين كان هناك مشروع طموح يجري اسمه Dynabook. كانت محاولة للجمع بين التكنولوجيا ونظريات Piaget التربوية: ماذا لو كان للطفل جهاز كمبيوتر متنقل، وشبكة معلومات يحمل منها الكتب، ولغة برمجة سهلة لكي يتعلم الرياضيات والفيزياء والهندسة...الخ بطريقة "حوسبية" أو "خوارزمية"؟

من أجل هذا المشروع تم تطوير فكرة GUI لكي لا يحتاج الطفل لحفظ اوامر command line ولكي يجد تشبيهات سهلة الفهم وصور يضغط عليها.

وتم تقنين وضبط مباديء البرمجة بالأشياء (التي كانت ظهرت في لغة Simula في اوروبا) وتم اختراع لغة Smalltalk، التي أثرت في كل لغات البرمجة الشيئية التي تلتها. Java؟ ++C؟ Python؟ JavaScript؟ كلها متأثرة بطريقة أو أخرى بهذه اللغة.

وأكثر من ذلك: كان Bill Gates و Steve Jobs على علم بهذا المشروع في شبابهما وانبهرا به، وهذا سبب كبير لسعي الأول لمشروع Tablet PC في 2001، وسعي الثاني لإنتاج iPad في الفترة الحالية.

الكمبيوتر المنزلي

على هذه المدونة تجدني أحكي كثيراً عن كمبيوتر صخر وامثاله (Commodore, BBC Micro, Texas..). في نهاية الثمانينات كانت إحدى هذه الشركات - شركة Acorn التي صممت جهاز BBC Micro - تصمم الجيل التالي من أجهزتها. اتخذوا وقتها قرار أن يصمموا معالجاً دقيقاً خاصاً بهم بدلاً من استخدام المكونات الموجودة، وبنوا هذا المعالج على تقنية RISC، وبهذا كان اسمه:
Acorn RISC Machine

كانت في نفس الفترة شركة أبل تسعى لصنع جهاز نيوتن المحمول، وطلبت من Acorn أن تسمح لهم باستخدام تقنية ARM، فقامت تلك الأخيرة بفصل قطاع المعالجات الدقيقة لشركة منفصلة. اليوم هناك ملايين الأجهزة: هواتف ذكية، أجهزة لوحية،...الخ...الخ، تستخدم ما نسميه اليوم ARM processor.

نظريات Piaget في التعليم

يحاول بياجيه أن يجيب على سؤال: كيف يتعلم الطفل منذ الولادة وحتى البلوغ؟ قضى هذا العالم عقوداً في التجارب والملاحظات من أجل هذا. من نظرياته ظهرت نظريات أخرى عن تطوير التعليم والطرق الأفضل للتعليم. لكني رأيت ذات مرة هذه العبارة المقتبسة من مقال له:

It is with children that we have the best chance of studying the development of logical knowledge, mathematical knowledge, physical knowledge, and so forth.

ماذا؟ إنه لا يقول أنه يبحث فحسب كيف يتعلم الناس، ولكن كيف ظهرت هذه العلوم ذاتها! الفكرة هي أن العلوم التي نبحث فيها نحن البشر لم تظهر وحدها، لكنها ظهرت كجزء من عملية تفكير وملاحظة إنسانية، وهناك - يقول بياجيه - ارتباط مهم بين عملية التفكير التي أدت للنظريات وبين النظريات ذاتها.

ماذا يعني هذا تحديداً؟ وكيف يمكن الاستفادة منه؟ لا أعرف. أنا جديد في هذا الموضوع. لكنه موضوع بدأ بملاحظة الأطفال وكيف يتعلمون.

البرمجة والتعليم والنهضة

أتمنى أن أرى الأطفال يبرمجون بكلمات، ولغات أخرى منبثقة منها كتبها غيري. أتمنى أن أرى جهاز أوراق في يوم من الأيام بين يدي. أتمنى أن يكون في هذه الأشياء بالفعل مصدراً لأمور أكبر، مثلما كان مع أشياء أخرى. أن يأخذ المجتمع هذه البدايات الصغيرة ويصنع منها تمكيناً حوسبياً، أو شكلاً جديداً للتعليم أو البحث.

لن أقول أنني عبقري أو مبتكر: حين كنت أفكر في كلمات لم يخطر ببالي التمكين الحوسبي وهذه الأشياء؛ كنت فقط أفكر في شيء مثل QBasic باللغة العربية ليبرمج به الأطفال.

حين كنت أحلم بـ "اوراق" كانت يدي تؤلمني من لوحة المفاتيح فتمنيت جهاز كمبيوتر بقلم، ثم رأيت مشاريع مثل MIT Design Rationale الذين يعملون منذ سنين (من ضمن ما يبحثون) في التعبير عن الأفكار والتصميمات بالرسم sketching. هؤلاء قوم يبحثون فعلاً، ويعملون فعلاً، ولا يكتفون بالأحلام.

أعتقد أن مجتمعنا على أبواب نهضة كبيرة، فمن لها؟

الخميس، 5 يوليو 2012

أنشطة فكرية للأطفال

هذا المقال هو أفكار مقترحة مني لأنشطة شيقة يقوم بها الأطفال لتمرين عضلاتهم التفكيرية. قد يمكن تطبيقها في المدارس، أو كنشاط صيفي، أو يقوم بها الأهل مع أبنائهم.

إن الحديث كثير عن كيف أن التعليم الحالي يلقن الأطفال معلومات بلا تفكير، ولكننا لا نتحدث بنفس الكثرة عن شكل التعليم "التفكيري" الذي نتمناه، فإن تحدثنا نتحدث حديثاً عاماً عن ضرورة تفتيح الذهن، التعلم بالممارسة، الإبداع، لكن أمثلة حقيقية، حية لا نجدها كثيراً.


رسم قصص مصورة

دع الطفل يكتب سيناريو القصة (كل لقطة ماذا تصف، وماذا تقول كل شخصية) ثم يحكي القصة عن طريق comic strips. دعه مسؤولاً بالكامل عن القصة، لكن لا بأس أن تقترح له أفكاراً على غرار اكتب مغامرة، اكتب قصة خيال علمي، اكتب قصة تاريخية،. اعرض عليه نماذج للقصص الموجودة وناقش الـtechniques المستخدمة فيها مثل إظهار المشهد من زوايا مختلفة، عمل زوم على الوجه في اللقطات الدرامية، ...الخ

صنع كلمات متقاطعة

 تأليف الكلمات المتقاطعة ليس شيئاً سهلاً! ارسم مربع ن×ن (حيث ن مثلاً 8، 10، أو أكثر حسب مستوى الاطفال) ثم دعهم - بإشراف منك أو بأقل إشراف ممكن - يضعون كلمات في الصفوف والأعمدة، يلاحظون كيف تتداخل الكلمات وكيفية فك هذا التداخل، أين يضعون المربعات السوداء. هناك heuristics معينة للكلمات المتقاطعة الجيدة: أن يكون الكلام المعكوس أو المبعثر قليل، أن تكون الخلايا السوداء متناثرة غير متجاورة،...الخ.

صنع ألغاز

 مثلاً يؤلف الأطفال لغز "استخرج الاختلافات الستة بين الرسمتين"، وكيف يجعلون الاختلافات خفية ومحيرة (يمكن عمل اللغز بالكمبيوتر أو الورق الشفاف لكي تكون الأجزاء الأخرى متطابقة)، 

يمكنهم تصميم ألغاز أخرى مثل المتاهات، والمتاهة الجيدة لها قواعد رياضية وهناك اجزاء من علم computer science متعلقة بتصميمها.

(لو كنت مهتماً بالعلاقة بين علوم الـalgorithms والمتاهات، أحيلك إلى هذا العرض، وهو من أجمل ما قيل في هذا الموضوع. طبعاً مع الاطفال يمكن تبسيط الأمر أو التدرج فيه).

زخارف إسلامية 

هل تعرف أن المهندس القديم في الدولة الإسلامية كان يستخدم في زخارفه شيئين فحسب: البرجل والمسطرة؟ لم يحتج بعد ذلك سوى عقله وخياله. وهل تعلم أنه هناك نظريات علمية راقية وراء هذه الزخارف، وأنه هناك باحثون في جامعات بالخارج، سواء art أو computer science أو math، يدرسون هذه الزخارف ويحللونها؟

لماذا لا نأتي بالأطفال ونأتي بالبرجل والمسطرة، ونأتي بكتاب أو اثنين عن مباديء الزخرفة الإسلامية، ونجعلهم يأخذون جولات في صنع زخارفهم وتصميماتهم؟

بعض المصادر السريعة: دروس من مصمم بريطاني مهتم بالزخارف الإسلامية، وهذه صفحة مشروع لعالم متخصص في computer graphics في جامعة كندية، الصفحة تحتوي papers عن الزخارف الإسلامية والـgraphics منها رسالة دكتوراه في هذا الموضوع. وهناك اهتمام عالمي بالمجال يمكن لمن يبحث عنه أن يجد الكثير.

ماذا سيتعلم الطفل؟

قبل أن نتابع الأمثلة لنا وقفة سريعة نناقش فيها الفوائد التعليمية من كل هذا. أول فائدة هي التخطيط. في الكلمات المتقاطعة مثلاً كل كلمة تضعها سوف تؤثر على المربعات المحيطة، وعليك ان تفكر اكثر من خطوة للأمام. نفس الشيء بالطبع في القصة أو المتاهة.

الشيء الآخر هو التقييم الصادق للذات. إن الرسمة الجيدة أو الزخرفة الجميلة أو اللغز المحير تظهر جودته أمام الطفل، وهي أشياء للطفل خبرة بها ورآها من قبل في المجلات أو القصص أو على الإنترنت. في هذه الحالة فإن الطفل يتعلم التفكير الناقد وكيف يقارن بين عمله والأعمال الأخرى، وكيف يطور عمله ويسد الثغرات التي به، أو على الأقل يعرف المهارات التي يحتاج أن يتعلمها ليصنع شيئاً أفضل.

لابد في هذه الحالة للمعلم أن يحسن التعامل مع الموقف لكي لا يفقد الطفل ثقته بنفسه، فيجرب المعلم بنفسه أولاً أن يصنع النشاط المطلوب قبل أن يطلب من الأطفال ذلك، وأن يطور عمله هذا إلى أن يبلغ المستوى القريب من الاحترافي ليمسك بيد الطفل ويأخذه في ذلك الطريق، فإن وجد أنه من الصعب بلوغ ذلك المستوى، بسبب سن الأطفال أو ضيق الوقت أو الإمكانيات، فليكن صادقاً مع الأطفال ويقول "سوف نقترب من الأعمال الاحترافية في كذا لكن لن نستطيع عمل الأوجه الأخرى بسبب كذا..".

يتعلم الطفل أيضاً كيف يفكر في جمهوره، أي كيف يجعل القصة شيقةً أو اللغز محيراً. هذا التفكير في أثر العمل على الآخرين يفتح الباب في المستقبل لفن الصياغة المقنعة أو التفاوض أو في مجال الـuser interaction design في صناعة البرمجيات أو في تصميم المنتجات لاحتياجات المستخدم...الخ

ثم يتعلم الطفل أيضاً من هذه الأنشطة الثقة بالنفس، والفخر بإنتاجه الشخصي.

ولا ننسى أنه يتعلم أيضاً علوماً حقيقية، فالكلمات المتقاطعة تحتاج ثروة لغوية، والزخارف الإسلامية بها كثير من الرياضيات والهندسة، والالغاز بها تفكير منطقي وحس جمالي، وهكذا.

نعود للأفكار...

جغرافيات

لقد كان جزء من التقدم العلمي للدولة الإسلامية في الجغرافيا والخرائط. كذلك أيام النهضة الأوروبية. لماذا لا نستعيد تلك الثقافة وذلك الفكر؟ هل يمكن أن يقوم الأطفال باستكشاف مكان ما (حديقة، المدرسة...) وصنع خرائط لها؟ أعتقد أيضاً أن شيء مثل Google earth منجم ذهب لهذه الأشياء. مثلاً يمسكوا بخريطة للقاهرة ومطلوب منهم استخدامها للعثور على مكان معين على Google earth، أو "استكشاف" منطقة معينة أو حتى دولة أو دول عن طريق GE ثم رسم خريطة لها. أيضاً يمكن التفكير في الجغرافيا الفلكية: يستخدمون التلسكوب ويرسمون خريطة لقطاع معين من الفضاء بنجومه. أو الاسترشاد بالنجوم كما كان يفعل المسافرون القدامى.

هذا الكلام بالمناسبة مليء بالهندسة التحليلية وحساب المثلثات :)

Codes, cryptography, and cryptanalysis

النهاردة يا ولاد هدفنا بسيط جداً: سمير عليه يكتب رسالة بالشفرة، أحمد عليه يفكها، والرسالة حتعدي الأول على شريف ومجدي، وهم عليهم يحاولوا يعرفوا الرسالة من غير ما يكونوا عارفين الشفرة إيه!

بعد هذه البداية، هناك الكثييييير جداً مما يمكن عمله. هناك مثلاً شفرات استخدمت تاريخياً في حروب الرومان، أو في الحرب العالمية الأولى، وهي وإن كانت ليست قوية جداً بمقاييسنا الحالية، إلا أنها قد تكون مناسبة للتعليم. هذه خلفية تاريخية عن التشفير للأطفال. هذه أيضاً خلفية غنية عن طرق تشفير مختلفة للأطفال.

ملاحظات أخيرة

رغم أن هذه الأنشطة مصنوعة ليتعلم الأطفال بالممارسة، إلا أن دور المعلم هنا حيوي جداًـ رغم أنه ظاهرياً التلاميذ هم من
 يقومون بالعمل.

لابد أن يكون المعلم متمكناً من النشاط، لأننا نتحدث عن ثقة التلميذ بنفسه وفخره بعمله، فلابد أن يكون المعلم قادر أن يصل به لهذا المستوى أصلاً.

ولابد أن يكون المعلم مثقف علمياً في المجال المطلوب تعليمه، ومثقف عموماً، لأنك كما ترى هذه الانشطة تتداخل في الرياضيات، الهندسةـ التاريخ، وحتى علوم الحاسب أحياناً. بهذه الخلفية الفكرية الثرية سوف يثري المعلم علوم الاطفال ويجعل الموضوع فعلاً علم وممارسة وليس فقط "قص ولصق".

ليس مطلوباً بالضرورة أن يعلهم algorithms مثلاًـ لكن حين يكون عالم هو بذلك سوف يؤثر ذلك على طريقة شرحه، وعلى الاقتراحات والافكار التي سيقدمها، وعلى تعامله مع المشاكل، وعلى وصفه الدقيق (ولو كان مبسطاً) للعمليات التي يقوم بها الأطفال، ولا عيب أن يقول بقدر الإمكان عن النظريات الحقيقية من وراء الأنشطة التي يقومون بها.