‏إظهار الرسائل ذات التسميات philosophy. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات philosophy. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

السنن الكونية (2): كل شيء حسابات

( هذا المقال يعتبر "الرأي المقابل" أو "الوجه الآخر للعملة" لمقال سابق هو "النهضة بين التصوير والمنطق".)

 يسير الكون بعمليات حسابية.

  • المعطيات او "البيانات" هي حالة الكون؛ مكان وسرعة وخصائص كل الكترون وكل فوتون وكل جزيء.
  • الإجابة المطلوب حسابها هي حالة الكون في اللحظة التالية.
  • والقانون هو قوانين الطبيعة مثل الجاذبية، قوانين ماكسويل للكهرومغناطيسية، الخ، وكلها في صورة معادلات رياضية. 

 ونحن حين نفكّر نحاول أن نسبق الكون في حساباته على أمل أن نتحكم أو نؤثر في النتيجة النهائية. لو حاولت ان ترمي الكرة نحو السلّة، فإنك تحاول ان تحسب "ماذا ستفعل قوانين الطبيعة بالكرة؟" قبل ان يحدث هذا فعلا.. وآلة الحساب هي تدريب الرمي الذي تدربته قبل ذلك -- هذا التدريب قد ترك ارقاما في جهازك العصبي وهذه الارقام تقوم بعمل simulation للرمية قبل ان تحدث، 

وبهذا الsimulation يقوم جهازك العصبي بعمل حسابات عكسية ايضاً: تبدأ بالنتيجة المطلوبة ،وهي أن تسقط الكرة في السلة، وتنتهي بالرمية الصحيحة التي تؤدي لهذه النتيجة، أي أنك تستطيع تفعيل قوانين الطبيعة بالعكس في حساباتك!

 كيف نقوم نحن بهذه الحسابات؟ الكون هو الذي يقوم بها بالنيابة عنا.. حين تعمل قوانين الطبيعة في مخ الإنسان، فإن الكون يقوم بنفس الحسابات التي اعتاد عليها: قوانين ماكسويل الكهرومغناطيسية وغيرها، لكن الجسم البشري منسّق بحيث أن حساب الكون لهذه القوانين يؤدي أيضا لحساب النتيجة التي يريدها صاحب المخ.. وإنه لأمر مبهر حقاً: الكون يقوم بعمل حسابات في جزء معين منه (الجسم البشري) بحيث تكون النتيجة متنبئة بحسابات جزء آخر (ماذا سيحدث عند رمي الكرة).

نفس النظام بالنسبة للكمبيوتر، وبالنسبة للكائنات الحية الاخرى: كلها تقوم بسلوك يشبه التفكير، هذا السلوك عبارة عن حسابات، وفي النهاية فإن الشيء الوحيد الذي يمكن ان يحسب أي حسبة هو الكون؛ وأي حسابات اخرى تأتي من تنسيق الجزيئات (جزيئات الكائن الحي أو الكمبيوتر) بحيث تؤدي الحسابات الكونية فيه إلى حساب الهدف المطلوب أيضاً.

 وكل شيء يمكن تسميته تفكيراً يمكن في رأيي تسميته حسابات. وسوف أظهر لك هذا بأمثلة كثيرة:

 - حين تلعب الشطرنج، فإنك تحسب باستمرار نتيجة كل حركة تقوم بها، وردود فعل خصمك على هذه الحركة، وردودك على هذه الردود، وهكذا، وهدفك هو أن تسبق جزئا من الكون (هو خصمك في المباراة، فكلنا أجزاء من الكون) في حساباته لكي تؤثر في النتيجة.

- حين تمسك بالشوكة لتأكل، فإنك تحسب حسابات (في حقيقتها معقدة جدا، يعرف هذا من عمل في مجال الروبوت) لكي توجه كل عضلة في جسمك بحيث تتحرك الشوكة في مسارها المطلوب

- حين تتحدث مع شخص ما، فإنك تحاول أن تتنبأ برد فعله لكل جملة تقولها له. أي انك تحسب (سواء بوعي أو لاشعوريا) أنك لو قلت كذا فسيفرح، لكن لو قلت كذا فسيغضب، ولو قلت كذا فسيصبح اكثر قبولا للجملة التي سأقولها المرة التالية، ثم من هذه الحسابات تختار ماذا تريد ان تقول. 

 لكن كيف يمكن لأنسان أن يتوقع كيف سيرد شخص آخر؟ نحن نتوقع هذا لأن الطرف الآخر هو الآخر يحسب حسابات بناءً على كلامنا، فلو عرفنا كيف يحسب هذا لأمكننا أن نسبقه في حساباته.

وبشكل عام فإن أي مجال يشتمل تخاطباً مع البشر، مثل التسويق، التأليف، الصحافة، الخ، يشتمل حسابات في صورة "كيف سيشعر الشخص لو قرأ أو سمع أو عرف كذا" 

(ربما لهذا أنا شخص قليل الكاريزما؛ لأن 'المعادلات' التي احسب بها مختلفة عن معظم الناس، وبالتالي حساباتي خاطئة فأقول شيئا احسبه سيسرّهم لكن يضايقهم)

  - ماذا عن الحسابات غير التنبؤية؟ ماذا عن شركة تحسب مرتبات موظفيها مثلا؟ هي في رأيي حسابات تنبؤية لكنها اكثر تجريدا من حساب شيء ظاهر كحركة الكرة. حين احسب لكل موظف مرتبه فأنا احسب المقدار الذي سيشعره انه أخذ مقابلا عادلا لعمله، أو يشعرني انني لم ابخسه حقه، وكل واحد فينا يشعر بهذه الاشياء عن طريق حسابات يقوم هو نفسه بها، وحين احسب المرتبات فأنا احاول ان اسبق 'حسابات المشاعر' أو 'حسابات العدل' هذه لكي تكون نتيجتها كما أتمنى.

وكثير من التفكير لا يبدو كحسابات لأننا نقوم به تلقائيا أو فطرياً، فأنت حين تتحدث مع خالك فإنك لا تمسك بورقة وقلم وتحسب بل أنك..تتحدث! هنا يأتي دور علم الـcomputer science، وهو في رأيي علم كل خطوة له يحول التفكير الفطري إلى حسابات رياضية.
 
  حساب مرتبات الموظفين » لعب الشطرنج »» الرسم »» التعرف على الوجوه »» حركات الروبوت »» التخاطب البشري
 
في كل خطوة من هؤلاء تحول شيء كنا نظنه "تفكيراً" فإذا هو..حسابات رياضية
 
أما البرمجة فجزء كبير منها هو فكرة "الحسابات العكسية" أو "التفكير بالعكس"، تبدأ بتخيل البرنامج النهائي كيف تريده أن يعمل، وتنتهي بالكود التي تجعله يعمل كما تخيلت، وقوانين الطبيعة هنا هي قواعد لغة البرمجة التي تستخدمها...لكن تنبٌه! الكمبيوتر ساينس يحول كل أنواع التفكير إلى حسابات، وبالتالي قواعد لغة البرمجة هذه تصلح لأن تحاكي 'قوانين الطبيعة' أو 'المعادلات' في أي مجال آخر
 
وأي مجال لم تصل له الكمبيوتر ساينس (أي أنه مازال "حسابات تلقائية أو فطرية") أرى أنه يمكن ان يتحول إلى حسابات حقيقية في وقت ما، وأن الإنسانية ستستفيد حين يحدث هذا، ويتحول العلم من شيء غامض نفعله تلقائيا بدون أن نفهمه تماماً إلى معادلات يمكن ان نطبق عليها كل ما نعرفه عن الحوسبة، وتصير الكمبيوتر ساينس هي "علم التفكير" او "علم التفكير كحسابات" الذي يربط بين كل العلوم الأخرى 
 
أو بمعنىً آخر..علّموا الأطفال البرمجة 

الاثنين، 15 سبتمبر 2025

السنن الكونية (1): عن التحدي الإنساني الصعب والهروب للحل السهل

 قرأت كثيراً تعبير "السنن الكونية"، لكني دائماً اقرأه في سياق موضوع آخر يدافع عنه الكاتب، ولم اجد من كتب عن هذه السنن نفسها او حاول أن يصنع كتالوجاً من السنن المختلفة. (لو كنت تعرف عمن فعل شيئاً مثل هذا فأخبرني!). في هذه السلسلة سأحاول ان احكي عن امثلة مما اراه يندرج تحت هذه السنن. كل ما اكتبه هنا هو رأيي الشخصي لا أكثر.

 سوف نتحدث اليوم عن أمر يتكرر في حياة كل إنسان فرد، وفي كل مجتمع، وفي كل ثقافة، وهو أمر كبير منسوج في تاريخ البشرية كلها، وفي رأيي من أهم جوانب الحياة الإنسانية. اتكلم عن الموقف الآتي:

 1- الإنسان أو المجموعة لديهم هدف كبير، أو هم في خطر ما لابد أن يتصدوا له

2- لكن الأمر صعب جداً، سوف تحتاج أن تبذل مجهودا كبيرا، مع احتمالات نجاح ضعيفة جدا

3- في هذه اللحظة يأتي شيطان (حقيقي أو مجازي) ويعرض عليك حلا سهلاً ومضموناً. هذا الحل ليس بحقيقيّ، إنه انهزام مزيّن بمكياج وليس انتصاراً، لكنه سهل ومضمون

4- ماذا يفعل الإنسان هنا؟ يمكنه أن يقول "سوف استمر في الحل الصعب، حتى لو كان احتمال نجاحه ضئيلا"، لكن تبدو له هذه الفكرة، نفسياً، غبية. هذا هو دور الحل السهل: ان ينفّرك من الحل الحقيقي

5- الكفاح البشري الفردي، وكفاح الأمم، ملخصه هو "ماذا سيفعل الإنسان إزاء هذا الاختيار؟"

ما أن جاءت لي هذه الفكرة حتى وجدت لها أمثلة لا تحصى! في حياتي الشخصية، وحياة أشخاص أعرفهم، في التاريخ، في القضايا السياسية الحالية، وفي القصص والافلام. لا تصدقني؟ سوف اضرب لك أمثلة...

- هناك دول تعيش على الديون والمنح والمعونات لأن قادتها ليسوا مؤمنين بقدرتهم على بناء اقتصاد حقيقي ويسمونه أمراً مستحيلاً. (احيانا ينفون اللوم عن أنفسهم ويقولون أن الشعب هو الذي يفتقد هذه القدرة، لكننا جميعاً نعرف الحقيقة)

 - للذين دخلوا كليات صعبة: كم من اقربائك قالوا لك ان تبتعد عن هذه البهدلة التي لن تحتملها، وأنه ينبغي أن تدخل كلية سهلة تتفوق فيها مرتاحاً؟

- حين يخطيء الإنسان في حق شخص، هل سيعتذر ويتحمل الغصّة التي تأتي مع الاعتراف بالخطأ، أم سيتظاهر للأبد أنه لم يخطيء؟

 - هناك جماعة من الناس مُنعوا أن يعيشوا في دولة أو حتى دُويلة، بل مجبرون أن يعيشوا في شظية من دولة، لكنهم يخوضون حرباً عسكرية ضد عدو يخيف كل الدول التي تحيط به، التي هي اختارت الحل السهل

- النظم المستبدة احيانا تعرض على الذين يقاوموها صفقات: سوف تأخذ منصبا في الدولة، سوف نحتفي بك كمثقف ونجعلك تظهر في التلفزيون لتقول كلام المثقفين الذي تحبه، لكنك منذ تلك اللحظة ستكون موالياً للنظام مائة بالمائة. إن رفضت عرضنا ستدخل السجن أو المنفى

- حين يتصل بك صديقك ويسألك لماذا تأخرت، هل ستقول "أنا في السيارة عند ناصية الشارع الذي سنتقابل فيه" أم ستقول "أنا أمام باب المنزل وسأركب السيارة الآن"؟

- اقرأ قصة حياة أي عالم أو مصلح اجتماعي، هل ستتفاجأ لو وجدت جملة على غرار "وتجاهله المجتمع، وسخر منه الناس، وحاربه الكثير"؟

- هل نصنّع سيارة/الكترونيات/ai محلياً، أم نأتي بمنتج أجنبي، نقوم بتجميعه ووضعه في كرتونة محلية، ونقدمه على أنه من إنتاجنا؟

 - هناك عدد هائل من الافلام الأمريكية (وغير الامريكية أيضا) قصتهم لها نفس التركيب: البطل يعيش حياة بسيطة، تأتي مهمة كبرى تناديه، يحقق انتصاراً مبدئيا، تأتي الصعوبة الحقيقية وتحطم ما أنجزه، يأتيه الإغراء أن يترك كل شيء ويعود لحياته القديمة لأنه غير مؤهل/لا يستحق الانتصار والفوز بالحياة الجديدة، يأتي موقف جاد عن القرار: أتوقف أم أستمر؟

 - ماذا افعل اللحظة القادمة؟ هل اقوم بذلك العمل المقرف المتأخر عليّ، أم أفتح السوشال ميديا؟

أعتقد أنني قد أوضحت لك كفايةً أن لحظة القرار هذه متوغلة توغلاً شديدة في الحياة الإنسانية، وأنه من السنن الكونية أن الاقوياء حقاً هم من يقررون القرار الصعب حين يجدون انفسهم في تلك اللحظة.

البطولة أن تستمر في ما تفعله حين يكون صعبا وحين يكون احتمال الفوز ضعيفا، وحين ينظر لك الحل السهل بمغرياته ومكياجه ويقول لماذا لا تختارني أنا. حتى ابطال القصص نعرف أنهم ابطال ونصفق لهم حين يواجه المحارب عشرين خصما في معركة واحدة، او يواجه الجيش الارضي جيشا من الاطباق الطائرة، او يدخل البطل السجن من أجل مبادئه.

الأحد، 24 أغسطس 2025

نتفلسف عشان احنا فاضيين وكدة

توجد فزورة شهيرة كالتالي:

What happens when the unstoppable force meets the immovable object?

ماذا يحدث حين تتقابل القوة التي لا توقَف مع الجسم الذي لا يُحرَّك؟

ابسط إجابة هي انه لا يوجد شيء من هذه الأشياء، وبالتالي السؤال لا معنى له. لكن هذه هي الإجابة المملة. نحن نريد أن نتفلسف. لماذا نفعل مثل هذا التصرف؟ لأن التفكير هو النسيم المنعش للعقل كما يقول عقدة (ابن أخ بندق في قصص ميكي). سوف نفترض انه سؤال عما يحدث في عالم/كون يوجد فيه هذان الشيئان، أي أن الموضوع مثل مسألة رياضية لا سؤال عن الكون الحقيقي الذي نعيش فيه.

فلنطرح إجابات اخرى ممكنة (بعض هذه الإجابات حصلت عليها من الحوار مع الAI)

1- سوف يمرّ احدهما خلال الآخر، وبالتالي يمرّ الأمر بسلام بدون أن تتوقف القوة او يتحرك الجسم

2- من المستحيل أن يوجد عالم يجمع بين هذين الشيئين لأن وجودهما في نفس العالم يؤدي لتناقض منطقي

3- من الممكن ان يجتمعا في نفس العالم، لكن من المستحيل ان يلتقيا لأن لقائهما سيؤدي لتناقض

 

الإجابتان 2 و 3 تطرحان تساؤلاً شيقاً جدا: هل مجرد وجود هذين الشيئين تناقض؟ يمكن ان نقول انه نعم، لأن وجودهما يطرح إمكانية أن يلتقيا في أي وقت، والتقاؤهما تناقض. بمعنى آخر: (أ) لو وجد هذان الشيئان في نفس العالم فيمكن لشخص شقي أن يوجه القوة التي لا توقف ناحية الجسم الذي لا يُحرّك (ب) لا شيء في قواعد الكون المعروفة يمنع هذا التوجيه (ج) لكن هذا التصرف سيؤدي لتناقض منطقي (د) إذاً الحل الوحيد هو استحالة اجتماعهما في عالم واحد. 

  هذه إجابة ممكنة، لكن بما اننا متفلسفون فإننا لابد أن نبحث في الأمر أكثر..لماذا لا نجرب أن نتحدى النقطة (ب) في الاستدلال السابق؟ بمعنى انه يمكن اجتماعهما في عالم واحد، لكن هناك شيء في طبيعة هذا العالم يمنع منعاً باتاً أن يلتقيا..

 لكي نفكر في هذا الموضوع نحتاج نموذجاً للعالم، أو شيئاً نقيس به "طريقة عمل العالم" لكي نحكم في مسألتنا. سوف نستغل هنا فكرة التفكير الحوسبي ونتخيل أن الكون عبارة عن state machine عملاقة. وأن حالة الكون state هي مجموع كل البيانات التي فيه: مكان وحركة كل الكترون وكل فوتون وكل... الخ، ثم ان الكون يقوم بتطبيق قوانين الطبيعة المعروفة على هذه الحالة الكونية ليحسب الحالة التالية لها، ويستمر هذا الأمر مادام الكون يسير..

 

s = initialState()
while(true) {
    s = nextState(s)
}

لكن من قال ان الكون لديه حالة تالية واحدة ينتقل إليها؟ ألا تقول نظرية الكوانتم انه هناك حالات عديدة ممكنة؟ في تلك الحالة (؟!) تكون الكود كالآتي

s = initialState()
while(true) {
    ss = possibleNextStates(s)
    s = selectOneFrom(ss)
}

  كيف يتصرف هذا البرنامج مع الفزورة التي نناقشها؟ فلنفترض أن أحد الاشقياء قام بتوجيه القوة التي لا توقف تجاه الجسم الذي لا يُحرَك..واخذا يتقاربان حتى أوشكا أن يتدافعا..المشكلة ان تدافعهما سيؤدي لحالة مستحيلة منطقيا، وبالتالي لن يمكن للكون ان يدخل في هذه الحالة. أي ان المتغير ss سيكون عبارة عن مصفوفة فارغة! لقد وصل الكون إلى وضع لا يمكن الانتقال منه إلى حالة (state) تالية! ماذا سيحدث بعدها؟ يتوقف هذا على طبيعة الerror handling في البرنامج

- ربما يظل الكون في نفس الحالة للأبد: الـشيئان أوشكا أن يتصادما، لكن الزمن توقف وكل شيء توقف فلن يتصادما أبداً، لقد هربنا من التناقض المنطقي لكن انتهى مرور الزمن.

- او ربما هناك شيء مثل transaction unroll، بمعنى أن البرنامج/الكون لديه سجل من الحالات السابقة (مثلا آخر ن من الحالات السابقة)، ويمكنه أن يتراجع إلى آخر state سليمة لا تؤدي بالضرورة إلى مسار التناقض، ثم يختار مساراً مختلفا عما حدث المرة السابقة.

- او ربما يحدث شيء مثل unhandled exception leading to process restart، أن يصل الكون إلى وضع يؤدي لاستحالة منطقية، فينتهي كل شيء ويبدأ الكون منذ البداية. ستكون خسارة اننا سنفقد كل ما حدث من قبل لكن على الأقل لن يتوقف الزمن مطلقا (هذا هو الفرق بين hanging و crashing في الحوسبة)

 - هناك إمكانية أخرى: بعض قصص الخيال العلمي تقول ان الكون يتفرع عند كل قرار على مستوى الكوانتم، وان ما نحسبه كونا واحداً هو شجرة هائلة من الاكوان المتفرعة (أي أن الكون في حالته الاولى هو كون واحد، ثم يتم حساب كل الحالات التالية الممكنة له، وتحدث كلها في فروع مختلفة ، ثم يتم حساب التاليين لكل حالة منهم ويحدثون، ثم التاليين لكل التاليين، وهكذا). هنا يحدث شيء شيق جدا: بعض هذه الاكوان ستصل لما سيؤدي لتناقض فيتوقف فيهم الزمن تماما، وبعض الاكوان لن يحدث فيها هذا الامر فتستمر في العمل كما هي. في الأكوان التي ستتوقف لن يكون هناك بشر احياء ليلاحظوا حدوث أي شيء، لن يكون هناك ما يحدث اصلا، وفي باقي الاكوان التي بها بشر احياء سيلاحظون شيئا غريبا جدا: عبر مرور التاريخ لم يحدث ابداً أن نجح أحد في توجيه القوة التي لا توقف تجاه الجسم الذي لا يحرّك..لسبب ما كل محاولة لهذا تبوء بالفشل قبل أن تتم، مرة بعد مرة. بمعنى آخر أن الإجابة رقم 3 في أول المقال تكون ممكنة لو افترضنا فكرة "الكون المتفرع لأكوان عديدة".

 الم أقل لكم أننا سنتفلسف؟ 

 إعلان: لغة كلمات لديها الآن قناة على يوتيوب تجدوها هنا: https://youtube.com/@KalimatLang 

الخميس، 6 ديسمبر 2012

تحقق الإمكان الإنساني

تعلمنا في الفيزياء أن التداخل قد يكون بناءاً أو هداماً [constructive or destructive interference]. قد يدعم بعض الموجات بعضاً وتكون بناءة، أو يصد بعضها بعضاً وتكون هدامة. وقد عشت في هذا العالم كثيراً لأرى التداخلات الهدامة. ولقد مللت.

كم من عبقري كان ليرفع مستوى العلم في البلد، بل في العالم، فقط لو وجد التعليم الكافي، أو الرعاية الصحية، أو من يدعمه، أو من يشجعه؟ لكن البلد قد حكمها اللصوص والسفاحين والطماعين.

كيف كان ليصبح شكل المجتمع لو توقف الناس عن التناحر والسرقة والاستبداد، وبدأ كل شخص يتفرغ ليجيب على سؤال: ما هو الحد الأقصى للإمكان الإنساني؟ ما أفضل شيء نستطيع أن نبنيه، وأفضل علم نستطيع أن نبحثه، وأفضل فكر نستطيع أن ننتجه؟ ما هو الإمكان الحقيقي لنا؟

كيف نحقق العدل والرخاء؟ كيف نواجه الأمراض والتلوث والتصحر؟ ماذا نفعل بشأن المخلوقات التي كادت تنقرض؟

كيف نحل المشاكل الاجتماعية؟ ماذا نفعل تجاه ارتفاع نسب الطلاق، وتمرد الأبناء على آبائهم؟ هل هناك أطفال يُضايقون أو يعتدى عليهم في المدارس؟ كيف نحل تلك المشاكل؟

هل المدن جميلة (وليس فقط نظيفة)؟ هل الناس سعداء بالمشي فيها؟ ما الذي يسبب التعاسة للناس؟ هل يحبون وظائفهم أم يعملون فيها على مضض؟

ولكن قبل أن يحدث ذلك علينا أن نفكر في أسئلة اخرى:
  • كيف تتصرف مع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الصراعات السياسية التي نتجت بعد خلع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الخونة الذين يريدون العودة للسلطة بأي شكل؟
  • كيف تتصرف مع كل عنيد لا يصغى للعقل، وتقدم له الحجه تلو الحجة فلا يناقشك في صحة حجتك أو خطئها، بل يستكبر ويعتبر أن المشكلة الحقيقية أنك لم تفهم قصده، ويبدأ في "شرح" كلامه لك مرة أخرى؟
وإني لم أر مثل ذلك أشياء كبيرة تعتمد على أشياء صغيرة. قبل أن نبدأ في التفكير في التقدم العلمي أو العدالة الاجتماعية عليك أولاً أن تقنع فلاناً أن ينزل من بيته وينتخب، أو أن يراجع قرار كذا، أو ألا يتحيز لكذا. ملايين المعارك الصغيرة كل يوم بين كل أفراد الوطن، وتشعر بالخسارة مع كل حوار يطول وينتهي بعناد، وبعض الناس يأتيه إغراء أن يستبد برأيه هو الآخر، وأن يحكم على الناس أنهم أغبياء ويحتاجون من يجبرهم لا من يحاورهم؛ بعضهم يستسلم للإغراء وآخر يمسك نفسه ويقول لا؛ لن أحل الاستبداد باستبداد.

لا بأس؛ هذا جزء من الرحلة. هذا جزء من البناء، هذا جزء من "تحقق الإمكان الإنساني". الأشياء الكبيرة تعتمد على الأشياء الصغيرة، حقيقة علمية.

ذات مرة نشر عالم اسمه زويكي بحثاً عما سماه "النجمة النيوترونية" Neutron star. كان يقدم تنبؤا عن وجود هذا النوع من النجوم، وكان تنبؤه استناج من خصائص الذرات والنيوترونات. لا تستطيع أن تفصل بين سلوك النجوم/الثقوب السوداء...الخ وبين سلوك الذرات والجزيئات.

وماذا عن الـDNA؟ تركيب لا يرى إلا بالميكروسكوب، ويؤثر على خصائص الكائن الحي وشكله ولونه وطوله وقصره وقوته وضعفه.

الذي يحدث هذه الأيام، من الحوارات والمظاهرات والاتفاقات والمقالات والتصريحات، هو أن الـDNA الخاص بالمجتمع يتشكل. وإني أشتاق لأن أرى المجتمع الوليد وخصائصه.

الخميس، 6 سبتمبر 2012

حاجات مطلوبة عشان تفكر

قبل أن تفكر، تحتاج أن تعرف كيف ترى، وكيف تسأل أسئلة، وكيف تصف.

كيف ترى

أنت لا ترى بعينيك فقط. أنت ترى بعقلك. هذه نقطة بالغة الأهمية. العالم من وجهة نظرك غير العالم من وجهة نظري، وهما يختلفان عن العالم من وجهة نظر القطة في الشارع؛ مع أنه - مادياً - هو نفس العالم.

حين تسير في الشارع، ماذا ترى؟ أحياناً أسير فأرى ظواهر اجتماعية تتفاعل بعضها مع بعض. أحياناً أسير فأرى قوانين فيزيائية في بقعة ماء تنتشر ببطء على التراب. شخص آخر قد يرى سبباً لاندلاع الثورة، أو خطراً عليها ينبغي مواجهته. أو فرصة ينبغي اقتناصها.

والمفاهيم التي تعرفها هي أعين جديدة ترى بها. في رحلتي في علم لغات البرمجة تعلمت فكرة الـcontinuation. منذ ذلك الوقت وأنا أراه في كل مكان: في أشياء برمجية سابقة، في الحياة عموماً، في أفكار تكنولوجية غير برمجية. شيء شبيه بذلك حين قرأت عن الـmonads.

ونظرية Piaget في التطور المعرفي للأطفال! النظرية تتحدث عن الـconstructivism، منذ أن قرأت عنها وأنا أنظر في كل شيء فأراها..
  • لا يكفي نقل التكنولوجيا لننهض علميا؛ لابد من بناء التكنولوجيا، وإلا سنسير في حلقة لا تنتهي من "غيرنا يبتكر، نحن ننقل".
  • عند شرح كود موجودة لأحد نحن غالباً ما نشرح الكود في أحدث صورها، لكن هناك معلومات قيمة عن الكود تأتي من تاريخها (من بنائها). لماذا اتخذت قرار كذا ولم أتخذ كذا؟ لماذا هذه الفصيلة موجودة بهذه الطريقة؟ هذه النقاط تأتي من خبرة ومن تجارب في إصدارات قديمة من البرنامج، وإني لأتخيل IDE بها طريقة لتأريخ المراحل المهمة في حياة هذا البرنامج.
  • التاريخ نفسه! إن أردنا أن نخرج مما نحن فيه علينا أن نفهم أولاً كيف قد صرنا فيه! ليس فقط بجمل مختصرة على غرار "لقد صرنا متفرقين"، بل أيضاً بتفاصيل. كيف صرنا كذلك؟ متى بدأ هذا؟ وكيف استمر؟ وماذا أيضاً غير التفرق؟ وماذا كانت العوامل الداخلية؟ وماذا عن الخارجية؟ هل نستطيع رسم خط زمن لمراحل "التخلف" والأسباب الأساسية لكل مرحلة؟
  • كيف نغير القيم الموجودة في المجتمع حالياً؟ فلنفهم كيف بُنيت هذه القيم!

(ليست هذه التدوينة عن نظرية Piaget، تذكر: نحن في جزء "كيف ترى"، أتحدث عن كيف تغير الأفكار في عقلك من نظرتك للعالم. منذ عرفت النظرية وأنا أنظر لكل المجالات الأخرى نظرة بنائية).

وكيف تسأل أسئلة؟

Computers are useless. They can only give you answers.
-- Pablo Picasso

يكاد يكون علم الفلسفة مبني على فكرة "كيف تسأل أسئلة جيدة". المشكلة أن معظم الأذكياء الذين أراهم يهتمون بالأجوبة فقط. الامتحانات؟ المسابقات؟ الinterview؟ إجابة إجابة إجابة! والظريف أنه في كثير من الأحيان يكون اختيار الأسئلة سيء أصلاً...

"إنتاج أفريقيا هو (أ) 8% (ب) 9% (ج) 11% (د) 13% من إنتاج الحديد العالمي".
"What is the difference between x++ and ++x"
"لما بترجع البيت بتعلق هدومك والا بترميها" (هذا سؤال حقيقي أخذته في interview)

هي دي الأسئلة؟؟؟

كان هناك قديماً خمس مسلّمات للهندسة منذ أيام إقليدس، وكان كثير من العلماء الرياضيين يعتبرون المسلّمة الخامسة زائدة (أي يمكن إثباتها من الأربعة السابقين لها، وبالتالي لا داع لاعتبارها مسلّمة بل هي نظرية عادية). وقد حاول العلماء لمئات السنين، علماء الحضارة اليونانية ثم الإسلامية ثم الأوروبية، أن يأتوا بذلك الإثبات ولم يقدروا.

ثم جاء كارل فريدريك جاوس في 1817 وسأل نفسه: ماذا يحدث لو افترضت أن المسلّمة الخامسة ليست بالضرورة صحيحة؟ والتفكير في هذا الأمر دفع بسؤال آخر: ماذا لو اخترعت "هندسة" جديدة بالأربع مسلّمات + خامسة مختلفة عن المعتاد؟

هذا الأمر قد فتح الباب لعلوم الهندسة غير الإقليدية non-Euclidean geometry: هندسة يمكن أن تتلاقى فيها خطوط متوازية، أو هندسة على سطوح غير مستوية (أفادت في الجغرافياً، من ضمن ما أفادت)، أو بنظام إحداثيات منحني (وقد استفاد آينشتاين كثيراً من هذا الأمر حين وضع نظرية أن الجاذبية هي انحناء الزمكان).

أبواب جديدة من العلم، جاءت من السؤال المناسب..

فلنسأل...
  • هناك موضة هذه الأيام عند البعض (للأسف) أن يكون حكم الدولة كإدارة شركة..ماذا لو جربنا العكس: أن تدار الشركات بطريقة ديموقراطية كأنها دولة؟
  • لماذا يبدو شكل الحروف هكذا: د ، م ، ع ، ف...الخ ؟
  • طفلك الذي يحكي لك حكاية تبدو غريبة وعشوائية..ما تسلسل الأفكار الذي جاء بهذه الحكاية؟
  • هل يمكن اختراع آلة لطبخ المكرونة؟
  • هل نحتاج لكمبيوتر لكي نبرمج؟
وكيف تصف

العلم الحديث مبني على التجربة. كيف تسجل ملاحظات تلك التجربة؟

تخيل علم الرياضيات الحديث لو كنا مازلنا نستخدم الأرقام الرومانية. بسرعة: اجمع XI على XXV. مجرد تغيير طريقة وصف الأرقام غير من تفكيرنا فيها.

وكيف تصف المجتمع حين تريد تغييراً سياسياً؟ وكيف تصف مشروعك للآخرين؟ وكيف تصف المشكلة التي تريد أن تحلها؟

وكيف يكون شكل برامجنا لو تخلينا عن فكرة "البرنامج في ملفات نحررها بمحرر نصي"؟ وما البدائل لوصف المطلوب من البرنامج؟

كيف تصف الألوان لشخص أعمى؟ وكيف تصف الروائح في فيلم رسوم متحركة؟ وكيف تصف ملمس معين في صورة؟

ملمس في صورة؟ قرأت في طفولتي مقالاً عن قصر الحمراء بغرناطة، يقول أن الزخارف متنوعة ومصنوعة بطريقة كأن العين "تتحسسها"..انظر للصورة واحكم بنفسك:

أما "كيف تصف الروائح في فيلم رسوم متحركة" فهو فن في حد ذاته: الورود الصغيرة التي تطفو حول الشيء ذو الرائحة الجذابة، الخطوط المتعرجة حول الشيء ذو الرائحة النفّاذة، خط دخان رقيق أبيض يمثل الرائحة ثم  يتحول إلى يد تسحبك برفق نحو مصدر الطعام اللذيذ، استخدام الألوان والحركة..

كيف تصف، هذا مهم.

الخميس، 9 أغسطس 2012

العالم المادي

نعيش في عالم يقال عنه المادي. ما معنى هذه المادية؟ عالم من الحجارة والحديد والخشب والماء...المادة! ولماذا هي مادة؟

أول شيء يأتي على الذهن أن المواد تلمس بعضها: باستطاعتي أن أنصب عصا على فرعيّ شجرة، ثم اعلّق ملاءة على تلك العصاً. هذا النصب والإمساك والضغط هو أكثر ما يميز المادة، أليس كذلك؟

لكنها في الحقيقة لا تتلامس. على المستوى الذري لو وضعت يدي على المكتب فإن ذرات يدي لا تصل أبداً لذرات المكتب؛ هناك مسافة ضئيلة جداً غير مرئية بينهما، وقوى تمنع ذرات هذه وذاك من الاقتراب أكثر من ذلك، هذه القوى اسمها contact forces، وهذه القوى في أصلها كهرومغناطيسية تنتج من التفاعل بين الإلكترونات في ذرات اليد والمكتب.

لكنك تقول: كيف ذلك وأنا أشعر باللمس؟ لو وضعت يدي على الجدار فإن يدي - شخصياً - تخبرني أنها لمسته. هذه خاصية في الجسم البشري: الجهاز العصبي يجمع معلومات من البيئة المحيطة ويرسلها لنا، ونحن نفسر هذه القياسات..القياس الذي يقول "هناك قوة كهرومغناطيسة من نوع contact force تؤثر على الجسم" هو ما اطلقنا عليه اسم "اللمس".

ماذا أيضا يميز الأجسام المادية؟ أن لها وزن. هذا مهم. ومن أين يأتي الوزن؟ من قوى الجاذبية. والجاذبية تؤثر على كل ذي كتلة. إذن "الكتلة" هي الخاصية المهمة الأخرى للمادة في عالمنا المادي..

وما الذي يجعل الشيء له كتلة؟ هذا السؤال من أهم الأسئلة في الفيزياء الحديثة؛ والنظرية الحالية التي يتم التأكد منها هي نظرية "مجال هجز" أو "حقل هجز" Higgs field.

[ملاحظة: أنا لست عالِم فيزياء وفهمي لهذه الأمور، وبالتالي شرحي لها، سيكون سطحياً جداً]

تقول النظرية أن مجال هجز موجود في كل مكان في الكون وأن له قوة، لكن ليست كل الجسيمات تتفاعل معه. تخيل مجال هجز كأنه شبكة مثل شباك الصيد ممتدة في كل مكان، لكنها شبكة من شيء خاص يصد بعض الأشياء فيكون عائقا لحركتها الطبيعية وأشياء أخرى تمر بسلاسة من خلاله؛ ما تعوقه الشبكة له كتلة (ويتأثر بالجاذبية) والباقي لا كتلة له.


من أجل التحقق من هذه النظرية تم إنشاء صدام الهادرونات الكبير Large Hadron Collider أو LHC. مشروع ممتد في أوروبا في أنفاق محيطها 27 كيلومتراً على الحدود الفرنسية السويسرية، وتشارك فيه ست دول. و - إن لم أكن مخطئاً - فقد ظهرت نتائج قوية تؤيد نظرية هجز.

القصد...لماذا تتأثر الأشياء المادية بالجاذبية؟ لأن لها كتلة. لماذا لها كتلة؟ لأنها تتفاعل مع مجال هجز (نظرياً). كيف عرفنا أنها تتفاعل مع مجال هجز؟ لأنها تتأثر بالجاذبية طبعاً. لماذا لا تركز؟؟

ما الذي يجعل العالم المادي مادياً؟ لو كنت مبرمجاً ربما قلت...أنها القواعد. الالكترونات والمجالات المغناطيسية، مجال هجز والاجسام ذات الكتلة. الأشياء من نوع كذا تتجاذب، ومن نوع كذا تتنافر، ومن نوع كذا تتجاذب بطريقة مختلفة، بينما لو الأول من نوع أ والثاني من نوع ب فلن يكون تفاعل بينهما.

تركز الرياضيات على العلاقات بين الأشياء...هذه الأشياء تتعامد، وهذه متوازية، وهذه النقاط على نفس الخط، بينما لو ربّعت هذا العدد تصل لهذا العدد الآخر..

وما حقيقة الأشياء المادية؟ لا نعرف! ماهو الالكترون؟ لا نعرف! ما نعرفه عنه قد جاءنا من تفاعلاته مع المجالات المختلفة. كتلته وشحنته وسلوكه مع العناصر الأخرى...

الجمعة، 29 يونيو 2012

ابحث عن الفكرة الكبيرة!

كنت أريد أن أعلم الفرقة الأولى شيئاً عن البرمجة الشيئية (OOP).

في المحاضرة الأولى لم اتطرق للـclasses اصلاً، بل كان كلامي عن الـobjects. في ذلك اليوم تعلم الطلبة ان البرنامج مكون من "كائنات" أو "أشياء"، وأن هذه الأشياء تعبر عن اجزاء مختلفة من البرنامج مثل أزرار، موظفين، أو حتى algorithms متنوعة، وأن الأشياء تتعامل مع بعضها عن طريق ارسال رسائل لبعضها البعض، ووسيلة تنفيذ الرسالة اسمها method، وكل كائن مسؤول عن الاستجابة بطريقته.

هذه هي الفكرة الكبيرة للبرمجة بالأشياء: البرنامج مكون من أشياء، وهي تتبادل الرسائل! كل شيء آخر عبارة عن تفاصيل. هناك لغات شيئية لا يوجد بها inheritance، ولا حتى classes، مثل JavaScript أو Self.

ماذا عن الديموقراطية؟ بالنسبة لي الفكرة الكبيرة هي "انتزاع السلطة من القلة وإعطاؤها للكثرة". ربما يكون هذا بصورة انتخابات، أو بشيء مثل الديموقراطية التشاركية، أو بتمكين المجتمع المدني، لكن الفكرة الكبيرة ليست في هذه التفاصيل.

أنا لست خبيراً سياسياً، وهذا الرأي رأي شخصي، لكن حتى لو فكرتي الكبيرة خاطئة، فهناك حتماً فكرة كبيرة أخرى!

الفكرة الكبيرة وراء منهج البحث العلمي (أيضاً رأي شخصي): لا تكتفِ بالرأي البشري أو أن يبدو الكلام "منطقياً"، الجأ للتجربة والملاحظة. احرص على إجراء التجربة بشكل صحيح.

ماذا عن الفكرة الكبيرة وراء البرمجة؟ يقول David Harel هذا الملخص:

Programming is not about doing; it's about causing the doing

كنت قد عبرت ذات مرة عن شيء مثل هذا: لو قررت، بدلاً من حلب البقرة، أن تخترع جهازاً لحلب الأبقار، فهذه هي البرمجة.

هل معنى ذلك ان التفاصيل ليست مهمة؟ لا بالطبع، فجملة مثل "جهاز حلب الأبقار" لن تجعلني مبرمجاً، لكن البحث عن الفكرة الكبيرة له فوائد عديدة: إنه يعطيك فرصة لتحديد المعنى لما تفعل، والفرق بين هذا المجال والمجالات الأخرى المتعلقة به. ويجعلك في نفس الوقت تخرج عن المألوف، مثلاً البحث عن طرق مختلفة للبرمجة غير كتابة الكود في محرر نصوص، أو البحث عن سبل أخرى لتطبيق الديموقراطية غير الانتخابات. لقد خرجت من قيد الارتباط بأفكار تفصيلية معينة.

البرمجة ليست كتابة كود، وليست حتى "كود في صور أخرى" مثل الرسوم. البرمجة هي ان تضع وصفاً أو وسيلة لتحقيق الهدف بحيث يمكن أن يأتي عامل (بشري أو جهاز) يفسر تلك الخطة وينفذ الهدف. قد "ابرمج" الروبوت ان يحرث الأرض بأن احرث امامه، أو أبرمج نظاماً للذكاء الاصطناعي بأن اصف له بعض القواعد، أو بكتابة الكود، لكن الفكرة الكبيرة مازالت موجودة.

طبعاً هناك دور محوري لموضوع "الفكرة الكبيرة" في التعليم. أعتقد ان جزءاً مهماً من مشاكل التعليم يكمن في خلط النقاط الأساسية بالنقاط الثانوية. ذات مرة فتحت كتاباً لتعليم البرمجة في المنهج الرسمي لأحد المراحل الدراسية المصرية، فوجدت

الفصل الأول: أنواع البيانات

عدد صحيح / Integer / من -2,147,483,648 إلى 2,147,483,647
قيمة منطقية / Boolean / تأخذ true أو false
قيمة احادية الدقة / Single / ...

هذه ليست البرمجة!

ولهذا فإني في لغة كلمات حاولت تقليل التفاصيل المطلوبة لبدء البرنامج: لا يوجد ضرورة للإعلان عن أنواع متغيرات، ولا دالة main، ولا الزام بعملية include. الإمكانات القوية موجودة لمن يريدها، لكنها لا تحول بين الطفل وبين الأفكار الاساسية للبرمجة.

ونرجع لأول محاضرة قدمتها في تدريب OOP: بدأت بنماذج لبرامج شهيرة (MS Word, Paint, Age of Empires). ما هي الكائنات في مثل هذه البرامج؟ كيف تتفاعل؟

ثم قدمت امثلة على صنع كائنات جديدة، استدعاء methods منها، تحديد properties. أليس هذا هو الهدف من كل شيء أصلاً؟ الفصائل، الوراثة...الخ، ما هي إلا أدوات لتنظيم وتسهيل الأهداف الاساسية. ثم في محاضرات لاحقة بدأنا الدخول في التفاصيل.

السبت، 5 مايو 2012

التجريد والثلاجات المتحركة

أحياناً انسى الصورة الكلية وافكر في الجزئيات..

انت تنام فترة "محترمة" كل يوم، يشترك معك في هذا ابنك، وعدوك، وسيادة المشير، والثائر، والجندي الذي يضربه. الكل في النهاية يطفيء وعيه ويفعل جسده شيئاً ما..ثم يعيد تشغيل نفسه ويواصل ما كان يفعله.

يضخ قلبك الدم فيدور عبر الجسم كله ثم يعود اليه مرة اخرى، يشبه الامر الـcompressor في الثلاجة الذي يدفع دورة الفريون. فأحياناً ارى جمعاً من الناس، كلهم ثلاجات صغيرة تمشي وتفكر وتتحرك.

او تلك الطفلة الجميلة. احياناً لا اقدر ان اتجاهل ان تحت الوجه عضلات، وتحت العضلات جمجمة، وشبكة من الشرايين والاشياء الاخرى التي لا افهمها. هل لا تزال جميلة بعد ان ادركت كل هذا؟

ماذا عن المخ؟ لماذا يتفوق الكمبيوتر على المخ في العمليات الحسابية، لكن المخ يسحق الكمبيوتر في عمليات اخرى مثل الرؤية، التمييز بين الاصوات، الجري، فهم اللغة الطبيعية؟ إن خوارزمية الرؤية بالحاسب تفرق بين صورة الكلب والقطة بالعافية، بينما لا يشعر الطفل بمجهود اصلاً وهو يفرق بينهما..

السبب هو التوازي: بالمخ عدد مهول من الخلايا العصبية، والذكريات والمعلومات مخزنة في الوصلات بين هذه الخلايا، وحين ترى عيناك القطة، فإنها تسأل كل الخلايا المطلوبة مرة واحدة..

- تسأل الخلايا التي تخزن الـconcept الخاص بالقطط: هل هذه الصورة عندك؟
- تسأل الخلايا التي تخزن الـconcept الخاص بالكلاب: هل هذه الصورة عندك؟
تسأل الخلايا التي تخزن الـconcept الخاص بالورود: هل هذه الصورة عندك؟
- تسأل الخلايا التي تخزن كل شخص تعرفه: هل هذه الصورة عندك؟

وكل هذه الخلايا تعمل في نفس الوقت، حتى يأتي الرد.

هذه الطريقة - التوازي المهول - هي أيضاً ما يعمل به جوجل: انه يسأل مئات الآلاف من اجهزة الكمبيوتر في نفس الوقت، ان تأتي بنتيجة البحث هذه.

وهكذا قد يأتي يوم امشي فيه في الحديقة، وارى تلك الطفلة التي تقفز الحبل وحولها اسرتها، وانسى الخدعة المسماه "التجريد". التجريد الذي يجعلني اتجاهل ان هذه الطفلة بها مضخة كالثلاجة، وشبكة عصبية دقيقة مهولة التوازي مثل جوجل، ومن وراء وجهها عضلات وجمجمة، مكونة من خلايا، مكونة من بروتينات، مكونة من ذرات، هذه الذرات تعمل بطرق عجيبة لم نبدأ اصلاً في فهمها..كوانتم وكوارك وما يشبه الحواديت الخيالية. التجريد يجعل المرء يعيش في راحة.

ونحن نظن ان العالم بسييييط ، بسييييط....

الأربعاء، 25 أبريل 2012

شوف اللي ينفعك

كيف اذاكر؟ كيف اقرأ؟ كيف أتعلم؟
هل اعمل في الاكاديميا ام القطاع الخاص؟
هل اتخصص في مجال معين واحترفه، ام اعرف في كل شيء؟

توجد ردود تقليدية على هذه الأمور. مثلاً الرد التقليدي في موضوع المذاكرة يكون شيء مثل الآتي:

اقرأ كل فقرة بتمعن ومعك ورقة وقلم، ثم اكتب ملخصاً للمباديء الأساسية لهذه الفقرة (احياناً: اسأل اسئلة عن هذه الفقرة). ثم بعد ذلك راجع هذه المباديء الأساسية.

اما موضوع الاكاديميا والقطاع الخاص فالخلاف فيه محتدم، وغالباً ما يكون الخلاف انعكاس لنظرة الناصح لا طبيعة المنصوح: من يرى ان الاكاديميا تضييع للوقت سينصح بالقطاع الخاص لأن "الاكشن" يجري هناك، بينما من يعطي قيماً للـ"وضع الاجتماعي" سينصح بالاكاديميا.

ماذا عن التخصص مقابل العمومية؟ غالباً سيقول الكل - بالإجماع - ان التخصص افضل. من يريد ان يبدو متوازناً سيقول التخصص في مجال محدد مع اخذ فكرة عن كل شيء في المجالات الاخرى. حتى انه هناك قولاً مأثوراً في هذه العبارة: اعرف كل شيء عن شيء وشيء عن كل شيء.

إنه التنوع يا سادة

لكن الناصحون ينسون كلمة اسمها diversity. ليس كل الناس يفكرون بنفس الطريقة (ليس لديهم نفس الsoftware على رأي التفكير الحوسبي)، وليست كل البيئات مثل بعضها. القطاع الخاص في Microsoft غير Google غير Makesense. الاكاديميا في MIT غير جامعة النيل. هناك اهداف في الحياة تحتاج لتخصص واهداف يضرها التخصص.

وانا مختلف عن الصورة التي يتوقعها الناس (كفى اتهاماً لي بالاستعلاء، "مختلف" غير "افضل"). ربما جزء من رسالتي في الحياة ان انبه الناس لموضوع الـdiversity هذا.. مهلاً يا أخي وانت تنصح! نصيحتك غالباً لن تنطبق علي! فكر في الظروف قبل ان تتكلم!

حتة نرجسية برمجية

كيف ابرمج؟ حين كنت اعمل في لغة كلمات كانت طريقتي هي اربع ايام من التفكير ويوم من التكويد. اما التفكير فكان يجري في دماغي بينما الف وادور في البيت: لا استخدم UML، لا diagrams، لا شيء. ثم حين اكود يكون الحل شبه محدد في دماغي فاجد الكود تكتب نفسها إلا في مواقف معينة يكون الحل المفترض مخالفاً للواقع العملي؛ وقتها نعود لمرحلة التفكير.

لكن من عدم الحكمة ان اصنع من هذه الطريقة methodology جديدة اسميها اسماً خلاباً - مثلاً طريقة 4+1 ، واسوقها على انها الحل النموذجي للمشاريع البرمجية مثل الـagile وما سبقها..الطريقة ببساطة نفعت معي في مشروع معين. لا يوجد اي سبب علمي لأن اقول انها ستنفع لو تعممت. هي بالتأكيد تنفع مع آخرين، لكن مع الآخرين؟ هذا أمر مختلف.

أين الأساس العلمي لهذه النصائح؟

وهل نصائح المذاكرة مبنية على اسس علمية فعلاً؟ موضوع التلخيصات والاسئلة هذا هل مبني على نظريات عن اكتساب المعرفة، ام فقط لأن الكلام يبدو منطقياً؟ لا اريد ان اظلم، احياناً يبدو الكلام مبني على اسس علمية - مثلاً حين يقولون نام بعد ان تذاكر فهناك علاقة حقيقية بين النوم والتخزين في الذاكرة، لكن هل دائماً يكون هذا هو الحال؟

وددت لو كان اصحاب كتب التنمية البشرية اياها يقدمون مراجعاً عن مصادر النصائح المذكورة في كتبهم. لابد لمؤلفي هذه الكتب ان يعاملوا القاريء على قدم المساواة. حتى لو تريد تبسيط المعلومات للقاريء العادي، لماذا لا تترك ملاحق/هوامش تقول "هذا مبني على نظرية فلان للعالم فلان المنشورة سنة كذا في كتاب كذا"؟؟

هذا ليس فقط سيعطي المؤلف مصداقية، لكنه ايضاً يبقيه صادقاً ويبعده عن التأليف والإفتاء بغير علم، وتجميع اشياء يراها "منطقية" بدون النظر إن كانت صحيحة ام خاطئة.

تقول لي: طيب لو لقيت نصيحة في المذاكرة ومش عارف ليها اساس علمي والا لأ، اعمل ليه؟ اقول: جرب، لو نفعت كمل فيها.

عودة إلى النرجسية

لكني هكذا خرجت من الموضوع. كيف كانت مذاكرتي؟ كنت اقرأ الموضوع كمن يقرأ قصة، فإن فهمت فقد كان، وإن لم افهم اتركه واجرب مرة اخرى في وقت لاحق او من مصدر مختلف. كان الفهم بالنسبة لي ليس شيئاً أفعله بقدر ما هو شيء يحدث، ولو قاس الناس ذكائي بالمقاييس التقليدية لغالباً وجدوني شخصاً عادياً جداً (مرة جربتها في اختبار IQ...كانت النتيجة اعلى من المتوسط لكن ليس بصورة ملفتة للنظر) الاشياء التي اؤلفها، تصميم لغة كلمات، المقالات على هذه المدونة. يسألني الناس: كيف تكتبها؟ وانا ارد: إنها تكتب نفسها.

كانت الاساطير اليونانية تتحدث عن قوى طبيعية اسمها "الملهمات" أو muses، هي التي تهمس للفنانين والمؤلفين بما يكتبوه او يرسموه. كذلك العرب تحدثوا عن شيطان الشعرالذي يوسوس الابيات للشاعر، وكأن الافكار موجودة في عالم موازي والمؤلف ما هو إلا قناة تمر منها الفكرة إلى عالمنا "على الجاهز" بدون أي فضل من المؤلف او ذكاء. لا عجب انهم قالوا هذا.

الآن تخيل لو سألني طالب مثلاً كيف اكون كاتباً جيداً فكان ردي: اقرأ كثيراً وفكر كثيراً في الموضوع الذي يهمك، ثم انتظر اياماً أو شهوراً أو سنين، حتى يكتب نفسه بنفسه. هناك مقالات على هذه المدونة فكرت فيها منذ 2008 وكتبتها في 2011. تخيل رد فعل شخص اقول له هذا في نصيحة.

تخصص ام لا تخصص؟

إن كان عملك جراحة المخ والاعصاب، فالتخصص هو غالباً شيء جيد. ماذا لو كنت مبرمجاً؟ لو كنت مبرمج database في شركة الفجر للبرمجيات فقد يفيد التخصص أو لا يفيد حسب الظروف، لكن ماذا لو كنت باحثاً في علم الذكاء الاصتناعي مثلاً؟

اووووه تخصص ايه بقى؟ لأ دي حكاية تانية! هنا ستجد نفسك تدخل في الفلسفة، علم النفس التربوي، الإحصاء، انواع مختلفة من الجبر أو الـcalculus لم يكن ليسمع عنها احد، وربما قواعد الموسيقى او شيء.

او تخيل التفكير الحوسبي مثلاً. إن كان هناك عكس لكلمة "تخصص" فهو غالباً هذا.

هل معنى هذا انه لا فائدة من النصح؟

كلما كتبت مقال عن الصورة الكلية او التنوع اجد نفسي ملزما نفسي ان اضع شيء من الاستثناء في النهاية. ربما كان ردي على النصائح هو "انظر لنفسك" او "انظر للظروف" لكن لا يعني هذا ان انكر على الاطلاق الفائدة من النصح.

بعد كل ما قلته - صدق او لا تصدق - انا مؤمن انه هناك مفاهيم ثابتة يمكن النصح بها :)

مثلاً: اهم نصيحة اقولها لمن يذاكر هي انك لم تذاكر حقاً بمجرد انك شعرت بالفهم؛ لابد من موقف اختبار تتأكد فيه انك فهمت حقاً. لو كانت المادة نظرية فلابد من حل اسئلة والتأكد من انك كتبت الحل الصحيح. لو كانت المادة برمجية فاكتب كود عن الذي درسته ولا تترك الـIDE إلا والكود تعمل بصورة صحيحة. النفس خداعة جداً ولو قلت "انا خلاص فهمت" فـ 99.999% ان هذا ليس صحيحاً.

ايضاً المذاكرة أولاً بأول مهمة. في افضل فترات حياتي دراسياً (الفرقة الاولى بالكلية) كنت لا اترك الاسبوع يمر بدون (1) مذاكرة المحاضرات (2) حل الاسئلة. هذا جعل الحياة سهلة، والمذاكرة ليست هماً. كانت فترة طيبة في الحياة.

ايضا في موضوع التخصص..نصيحتي ان تجرب اشياء كثيرة حتى تعرف ما تحب وما لا تحب. لقد جربت الgraphics ثم game programming ثم AI حتى وصلت اخيراً لما احببت وهو علم لغات البرمجة programming language theory، وبعد ان ظننت نفسي استقررت فإذا بي اجد التفكير الحوسبي وعلم النفس التربوي..وهي امور مازلت احاول الدخول فيها إلا ان بعض من جوانبها مازال مرتبطاً بطريقة او بأخرى بلغات البرمجة وتصميمها.

جرب وحاول واقرأ وفي يوم من الايام قد تقول "اريد التخصص في كذا" أو "اريد العمل في كذا الذي يحتاج الجمع بين اكثر من علم". وكلاهما مقبول عندي، لا اريد التحيز لجانب ما وفرض آرائي الشخصية على الآخرين.

حتى لو كان مقالي هذا مليء بالتحيزات الواضحة، إلا أنني اقول ان تحيزاتي هذه لي أنا وليست بالضرورة للجميع. لن يعيش احد لك حياتك، فلماذا تتركه يؤثر على قراراتك؟

الأربعاء، 18 أبريل 2012

ارسطو وصدام والثورة المصرية

يا مصريين، يا أهل الارض والترعة -- باحبكم
ما تصدقوش اللي يقول غوغاء والا جهلة، انتوا اساتذة ومافيش زيكم

يسألون لماذا نقرأ؟ حين نقرأ كتاب اسمه "اشهى وصفات صنع البسكويت" فالأمر واضح، نقرأه لأننا نريد صنع اشهى البسكويت. لكن ماذا عن شيء مثل التاريخ؟ الفلسفة؟ النقد الادبي؟ نحن ببساطة نقرأ هذه الاشياء كي نفهم.

نفهم ماذا؟ سأحكي لك اليوم حكاية عن افلاطون وارسطو والثورة المصرية، وعن البرامج الانتخابية...

كانت هناك خلافات بين افلاطون وارسطو عن السياسة ونظم الحكم. كنت اقرأ مقالاً في هذا الموضوع ثم رأيت في افتتاحيته هذه المقولة:

So first fundamental difference between Plato and Aristotle: the first thinks the difference as inherent to humanity, the second thinks equality. This starting point radiates the rest of their political thought.

تقول ان اول اختلاف بين افلاطون وارسطو ليس عن طبيعة الدولة بل عن طبيعة الانسان..يميل افلاطون للتركيز على الاختلافات بين الناس كصفة جذرية بهم، بينما يميل ارسطو للمساواة بينهم. هذا الاختلاف يؤثر بعد ذلك في افكارهم السياسية.

طب واحنا مالنا؟؟ فكر في هذه المقولات التي قد سمعتها في مصر قبل وبعد الثورة:
  • احنا شعب ابن ^%$#^ ما يلمناش الا الكرباج
  • حانتخب شفيق/عمر سليمان عشان راجل يعرف يلم البلد دي
  • ما ينفعش اتنحى، كدة حاسيب مصر للاخوان
  • الشعب المصري ليس مستعداً للديموقراطية. انها سوف تأتي، لكن متى؟؟؟
  • نطالب المجلس العسكري بإعلان دستوري بضع مباديء فوق دستورية!
  • ينبغي للمرأة من الإخوان أن تفضل الزواج من شخص داخل الجماعة
  • البرادعي خسارة في بلد مثل مصر
  • حازموووون
هل تعرف ما الشيء المشترك بين كل هذه النقاط؟ كل واحدة منهم تقسم مصر إلى فئات اعلى وفئات اقل..وللفئة الأعلى امتيازات عن الاشخاص العاديين.

هل ترى ان مصر لا امل فيها لأن الناس جهلة متخلفون ينساقون وراء الشعارات الدينية؟ هل ترى مؤامرة امريكية لن يخرجنا منها إلا البطل الهمام؟ هل ترى مصر مثل الطفل الذي يتنازع عليه ابواه - مبارك والاخوان - بدون ان يكون له اختيار في مصيره؟

هل ترى ان المصريين غوغاء لا يحكمهم إلا الكرباج، وبالتالي لابد من تقسيم المجتمع إلى "حامل الكرباج" الذي يحكم و"خائف الكرباج" المحكوم؟ هل توميء برأسك في موافقة حين ترى هذا الكاريكاتير؟


لهذا الكاريكاتير معي قصة طريفة: رأيته في حساب فيسبوك لشخص من الذين دائماً يدافعون عن المجلس العسكري ويقول ان الثوار خونة...الخ، وهو لديه نظرية ان الجيش هو افضل ما في مصر وان اي شخص من خارجه ليس لديه نفس النظرة ولا القدرة. ليس من العجب إذاً أن يعمل شير لهذه الصورة...

ثم يأتي السؤال: وهل من الواقعية ان نعتبر الناس متساوون؟ أليس فيهم الطيب والشرير، الذكي والغبي، المتحضر والهمجي؟ لماذا ينبغي ان نعيش في تمثيلية ان كل الناس هم امامير قطاقيط فتافيت؟

نعم. الناس مختلفون، لكن المساواة تأتي في ان يأخذ كل شخص فرصته لإثبات ذاته وتحقيق اهدافه، بدون ان نحكم حكم مسبق عليه.

تخيل ان لدي شوال به كرات حمراء وكرات زرقاء لا اعرف عدد كل منهما ومددت يدي في الشوال. هل استطيع ان احكم إن كانت يدي ستخرج بكرة حمراء ام زرقاء بدون ان اجري التجربة فعلاً؟ هذه هي المساواة: لا تحكم بدون إجراء التجربة. بدون تقديم الفرصة.

هذه النقطة مهمة جداً، انت حين ترضى بالطاغية فأنت حكمت حكما مسبقاً ان هذا عاقل وهؤلاء رعاع. لماذا ينبغي ان نصدق هذا الحكم؟ إن الديموقراطية، الانتخابات، الحوار المجتمعي ما هي إلا وسائل - ولو تقريبية - للتمييز بين من يستحق الحكم، بطريقة عادلة او علمية وبلا تمييز مسبق.

هذا يفسر أيضاً ما يفعله الاخوان هذه الايام: انهم صادقون في شعار "نحمل الخير لمصر"، لكن ربما يودون أن يضيفوا "نحمله وحدنا". يبدو انه قد ظهر لبعض المتعصبين منهم - الذين يمسكون مراكز قيادة - انه هناك فرق بين السياسي الاخواني والسياسي العادي؛ ربما يرون انفسهم اولى لأنهم اعرق تاريخا، او اكثر تنظيما، او تحملوا التعذيب مدة اطول، او اي شيء، فصار بالنسبة لهم كون السياسي منهم هو دليل كاف على قدرته على قيادة البلد. لا تحتاج لفتح الشوال لترى لون الكرة، يكفي لون الشوال نفسه...

نفس النظام يظهر في الوجه القبيح للرأسمالية كما تمارس في امريكا مثلاً: هناك رأي متطرف يظهر الآن في الحوار السياسي الامريكي ان الفقراء يستحقون ما يجري لهم. فقط لو توقفوا عن الكسل! فقط لو كانوا اكثر ذكاء أو اكثر طموحاً! إن مجرد كون الاغنياء اغنياء والفقراء فقراء لهو دليل كاف على ان كل شخص في المكان الذي يستحقه!

المشكلة - مرة اخرى - ان هذا النظام لم يقس على فرص متكافئة. ماذا عن الذين ولدوا في غنى فتعلموا افضل تعليم، واخذوا مالاً من ابائهم لكي يفتحوا شركات. وتحملوا بسهولة الخسارة في اول شركتين فتحوهم حتى تعلموا حسن الإدارة؟ هل نقارن هؤلاء مع الذين ولدوا في فقر مدقع؟

لكن لو كان المجتمع به تكافل وتكافؤ فرص: قوانين منافسة شريفة بين الشركات الكبيرة والصغيرة، تعليم ورعاية صحية بالمجان، قدرة لأي شخص ذو كفاءة أن يحكم، فرص تمويل للشركات والمشاريع الكبيرة والصغيرة -- فإن هذه تكون تجربة عادلة. نعم هناك فروق: هناك مجتهدون وكسالى، اذكياء واغبياء، طموحين ومتواكلين، لكن النظام غير العادل يمنع المجتهدين الطموحين حقاً من الظهور. يمنعنا من إجراء التجربة.

الاثنين، 16 أبريل 2012

محوران واربع اصناف

هناك محوران قد نصنف بها الناس:

لا اظن انني استخدم هذه المصطلحات بطريقة صحيحة، لكنها اقرب ما استطعت لما اريد وصفه. سأشرح قصدي منها على أية حال. تذكر أن هذه "تعريفات" مناسبة لهذه المقالة وليس بالضرورة التعريفات الصحيحة:

adaptive مقابل adealistic: أي الشخص الذي يتقبل الوضع الحالي كما هو (ويقول على نفسه واقعي) ويفعل ما يراه ينبغي لينجح في هذا الوضع. يقابل ذلك الشخص الidealistic الذي يفرض مبادئه على سلوكه ويسعى لأن يفرضها على البيئة المحيطة أيضاً، في سعي لتغيير الواقع للأفضل.

concept-driven مقابل pragmatic: هذه مقابلة بين الشخص الذي يحكم سلوكه مجموعة من المفاهيم لابد وأن يسير عليها. مثلا كلما فعل شيء يسأل "هل تصرفي ديموقراطي" أو "هل تصرفي متفق مع مباديء الرأسمالية" أو"...الاشتراكية"؛ الخ. يقابل ذلك الشخص البراجماتي الذي يسأل "هل هذا سيحقق لي اهدافي؟ هل هذا في عداد الممكن؟".

تصنف لنا هذه المحاور الناس إلى اربعة اصناف: متكيف براجماتي، وربما يكون هذا هو الشائع في مصر الآن، متكيف يسير بالمفاهيم، وهذه لا اجد لها مثالاً، مثالي يسير بالمفاهيم، وهذه تراها في كثير من الشباب (منهم بعض الشباب الثوريين)، والمثالي البراجماتي، وهو ما احب ان اكون عليه.

وهذا بيت القصيد من هذا المقال: اني لا ارى تناقضاً بين أن يكون الشخص يسعى للإصلاح والتغيير والوصول لأفضل الحالات، وبين أن يكون عملياً يعرف ما ينبغي عمله وكيف يحصل على ما يريد (بلا تعديات اخلاقية). اريد ان اقول ان ما اسميه idealist و concept-driven هما شيئان لا شيئاً واحداً.

يحكى ان عمر بن الخطاب خشى من فشل حملة فتح مصر، وفي نفس الوقت رآها فرصة جيدة لو نجحت، فأرسل خطاباً لعمرو بن العاص (وكان في الطريق لمصر) وقال له: إن فتحت هذا الخطاب وانت لم تصل لمصر بعد فعد ولا تكمل، وإن كنت وصلت حين تفتح هذا الخطاب فتابع.

فماذا فعل عمرو بن العاص؟ يبدو انه كان بذكاءه المعروف قد خمن محتوى الخطاب؛ فلم يفتحه حتى وصل لداخل الحدود المصرية؛ ثم فتحه.

او الدين الاسلامي ككل: انه قد وضع لك مباديء عظيمة، إلا انه وضع معها اقراراً بأنه هناك حالات خاصة تقتضي تصرفات خاصة: لحم الخنزير محرم، إلا لمن اضطر غير باغ ولا عاد. الكذب حرام إلا حالات معينة (مثل الاصلاح بين زوجين). الحيوانات لها حقوق ولابد من رحمتها، لكن ليس بتطرف نراه احيانا (سمعت ذات مرة أن احد اعضاء PETA، وهي جمعية أمريكية لحقوق الحيوان، يقول ان حياة الحشرة تساوي عنده حياة الانسان).

عن نفسي مثلاً احاول قدر الإمكان التقليل من انتمائي للـ"إيات"، على غرار اشتراكية، رأسمالية، ليبرالية..الخ. انا مع "الشيء الصحيح"، وغالبا يكون الشيء الصحيح هو "الشيء الذي ينفع". الاشتراكية بالنسبة لي ليست مبدأ اعتنقه، لكن آخذ منها بعض المباديء مثل التعليم المجاني، الرعاية الصحية،...الخ. الرأسمالية أرى منها الوجه القبيح (سيطرة الشركات في امريكا، او ما حاول الحزب الوطني صنعه في مصر) لكن لن انكر اهمية السوق الحرة والقطاع الخاص الكبرى.

ولكن أعتبر هذه "الإيات" نظريات ظهرت في القرن التاسع عشر، ولا ينبغي السير عليها حرفياً كمباديء. إنها في افضل الاحوال نظريات تقريبية. يمكن الاستفادة منها لكن لا داع لتبنيها كما هي.

ثم ننظر للشارع السياسي: بعد انتهاء الثورة بقليل في 2011 كان هناك خلافات كثيرة حول شكل الدستور، شكل الدولة رئاسية ام برلمانية، وخلافات ايديولوجية كثيرة انستنا جانب براجماتي مهم جداً: اعضاء النظام القديم مازالوا يحكمون!

كأفراد وجماعات تشارك في الحوار السياسي كان يمكن ان نتصرف تصرفاً افضل بكثير، فالمجلس العسكري لا ايديولوجية له؛ لا هو اسلامي ولا ليبرالي ولا اشتراكي. هو فقط يريد الحكم والسيطرة. لكن في نفس الوقت هناك قوى اسلامية ظنت (لسبب لا افهمه) ان المجلس حليفها في اقامة الدولة الاسلامية، وقوى ليبرالية حاولت الاستعانة بالمجلس لفرض مباديء ما في الدستور الذي سيتشكل. ومازالت عواقب هذا الصراع تؤثر فينا حتى الآن.

ثم نجد مثلاً هذه الأيام من يرفض قانون العزل السياسي بحجة انه مفصل لشخص واحد (عمر سليمان). انا شخصيا ارى القانون ضروريا ولو لم يرشح عمر سليمان نفسه اصلاً لكن.....ما المانع من قانون مفصل على شخص واحد؟؟ لو كان القانون اسمه الرسمي "قانون منع عمر سليمان من الترشح لأنه قاتل، غير انه حيضيع البلد لو اترشح وفاز" فأنا مؤيد له.

لكن التخلي عن المفاهيم/الconcepts لابد ان يكون بحساب وحذر..هناك فرق بين "كسر القاعدة في الحالات الخاصة" وبين "تجاهل القاعدة تماما". وقتها سنجد انفسنا نكذب، ونتلاعب، ونفصّل عشرات القوانين لاشخاص معينين بمناسبة وبدون مناسبة...لهذا اكتسبت البراجماتية سمعة سيئة كأنها صفة للمستغلين عديمي الاخلاق بينما هي ليست كذلك.

البراجماتية ببساطة هي اتخاذ القرارات في البيئة الموجودة لا البيئة التي نتمنى ان توجد. نحن نتمنى ان لا يوجد عالم فيه خطر على الدولة من النظام القديم يحتاج لتصرفات خاصة، البعض يتمنى عالم تنفع فيه الاشتراكية المطلقة او الرأسمالية المطلقة، أو نستطيع فيه ان نحافظ (دائماً) على حياة البشر والحشرات على حد سواء.

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

الكذب التربوي بين الكبار

في اواخر التسعينات كانت هناك شائعة تدور، لا اذكر بين الناس أو على الانترنت، عن فدائيين في فلسطين كانوا يطاردون جنود اسرائليين، ثم سمعوا صوت يشبه الهمس من الشجر دلهم على مكان الجنود.

من الواضح ان الذي قال هذا يريد ان يوحي للناس بتحقق الحديث عن محاربة المسلمين لليهود حتى يدل الشجر عليهم، فقال يعني بقى يخلي الناس كدة يتشجعوا ويحسوا ان النصر قرب. يا للكذب.

وإني أرى كثير من الناس يكذبون - لكن بطرق خفية وليس بهذه الفظاظة - لأنه لا يهمهم إن كان كلامهم صحيحاً أم خطأ، كل الذي يهمهم هو تصرف القاريء حين يرى هذا الكلام. هذا هو الكذب التربوي مثل الاب الذي يقول لابنه "اللي ما يغسلش رجله قبل النوم يموت" على رأي السكتش الكوميدي.

مثلاً يقولون: انه لا يوجد فرق في الذكاء بين شخص وشخص انما هي مسألة مجهود (هذه الأيام يقولون مسألة passion)، وأنه يمكن لأي شخص ان يصل لأي مستوى فكري بدون تمييز بين شخص وآخر.

أو احيانا (حين يريدون ان يضحكوا على الآباء لا الابناء) يقولون أنه لا يوجد فرق، وان المسألة مسألة بيئة، وانك لو وضعت ابنك في البيئة الصحيحة فسيمكن بالتأكيد ان يكون اينشتاين.

أيضاً يقولون - دي بقى الكبيرة - انه لا يوجد شيء اسمه الحظ ، وان كل شخص في العالم يستطيع ان يحقق أي شيء يريده على الاطلاق بالعمل والسعي (ولا تنس الpassion).

يذكرني هذا الكلام بنكتة في "فلاش":

ميدو: ماذا تريد ان تصبح عندما تكبر؟
علام: للاسف مش حيتحقق.
ميدو: ليه؟ بالعزم والاصرار كل شيء ممكن!
علام: يعني ينفع اكون فتاة اعلانات؟؟

لماذا يقولون هذه الاشياء؟ لاحظ ان من يقول هذا لم يقله على اساس علمي -- يعني لو احد اثبت لي تجريبياً انه لا يوجد فروق جينية في الذكاء مثلاً فسأسكت، انما لم يستشهد احد ابداً بمثل هذه التجارب وهو يتكلم. لو اردت مقدمة عن التجارب في الموضوع ارسلك لصديقتنا الويكيبديا.

لكن الذي يتحدث عن هذه الاشياء يتحدث بكل تأكيد وثقة. إنه يتكلم كأن بالنسبة له ينبغي أن يكون العالم هكذا وإلا تكون الدنيا ظلم لا عدل. كيف ينجح هذا لأنه قد ولد ذكياً؟ بل قل كيف يجروء؟؟

لكننا نرى كل يوم ابطال رياضة ومطربين وممثلات ينجحون وجيناتهم لها دور كبير في ذلك ولا احد يعترض. ربما يكون نجاح الرياضي يتطلب تدريبا كثيراً ومجهوداً وpassion، لكن لو كان ذلك البطل جيناته ليست كما يجب لما حصل على ذلك المركز الاولمبي الكبير. حتى ان المدربين ينتقونهم بصفات معينة يبحثون عنها منذ الصغر. لا احد يتعجب ولا يشكو من ظلم الحياة...

لكن الذكاء؟ كيف يجرؤون أن يقولوا هذا!! يا لهؤلاء المتكبرين المعقدين نفسياً الذين يظنون انفسهم افضل من غيرهم، بينما ينبغي ان يظن الجميع ان الفرص متساوية!!

لكن الكذب في هذا الموضوع ليس فقط لأن الكعكة في يد اليتيم عجبة؛ بل لاسباب تربوية في نظرهم تبرر ما يفعلون: انهم يقولون هذا لكي لا يغتر الاذكياء بذكائهم فيتوقفوا عن الكفاح، ولكي لا ييأس من يظن نفسه غير ذكي فلا يكافح.

لقد رأيت هذا بنفسي في الواقع في الفترة التي كنت فيها معيداً في الكلية: رأيت طلبة يتوقفون عن الكفاح ويقولون "ما هو انا واضح اني مش ذكي اصلاً" وربما لو استمروا لنجحوا. رأيت هذا لكني لم احل المشكلة بأن اكذب عليهم. من اراه كذلك كنت احكي لهم قصة طويلة عريضة ملخصها أن:
  • نعم، اظن انه هناك فروق فردية.
  • لكن معظم الذين يفشلون لم يفشلوا بسبب "الجينات"، بل غالبا لأنهم لا يعرفون كيف يذاكرون او لم يبذلوا المجهود الكافي.
  • عليك ان تستمر في السعي وتطوير نفسك لتصل لمستواك الحقيقي وليس ما تظن نفسك عليه.
  • لو اكتشفت، بعد كل كفاح ممكن وكل تطوير للذات وكل حل للمشاكل، انك في الواقع لست ممن يناسبهم المجال فلا بأس من تغييره.
  • لكن لا تخادع نفسك بالجملة السابقة وتجعلها سبباً لليأس السريع؛ كن صادقاً مع نفسك.
انما بعض "التربويين" لا يريدون ان يضيعوا وقتهم في مثل هذا الكلام الثرثري. لماذا يفعلون هذا بينما يمكنهم ان يؤلفوا قصة عن التساوي المطلق بين الجميع وان اي شخص يستطيع ان يكون ما يريد بدون قيد او شرط؟

ماذا عن الحظ؟ هؤلاء التربويين يخشون الاعتراف بشيء اسمه الحظ اصلاً لأنهم يتخيلون انهم ما ان يتفوهوا بكلمة "حظ" حتى سيتوقف الكل عن العمل والسعي ويذهبون ليقرأوا ميكي ويأكلوا الشيبسي...لأنه في الآخر ماهو الموضوع موضوع حظ زي بطوط ومحظوظ كدة نشتغل ليه؟

لا يا سادة. لن اكذب انا عليكم. هناك شيء اسمه الحظ، ولكن من يتوقف عن العمل والسعي فهو لا يفقه شيئاً.

فكر في شيء مثل مايكروسوفت: لقد كان للحظ دور كبير في تحولها الى الشركة العملاقة التي نعرفها:
  • وجود Bill Gates في مكتب احد مديري IBM في اللحظة المناسبة ادى لصفقة توزيع DOS مع كل جهاز أي بي ام.
  • نظام DOS نفسه لم يكن موجوداً بعد، لكن مايكروسوفت اشترته من شركة اخرى صغيرة وطورته.
  • مايكروسوفت جاءت في لحظة تحول العالم من الحواسيب العملاقة للكمبيوتر الشخصي، فنمت كشركة بنفس سرعة نمو الكمبيوتر الشخصي.
لكن الحظ لم يكن السبب الوحيد في نجاحهم:
  • بيل جيتس مدمن عمل. يقال انه كان يعمل 20 ساعة في اليوم ويأخذ اجازات قليلة جداً.
  • مايكروسوفت كانوا يحرصون على تعيين افضل المبرمجين واجتذاب افضل الكفاءات، حتى انهم ارسلوا ذات مرة سيارة ليموزين لاستقبال مبرمج وافق على العمل عندهم [هو Anders Hejlsberg المهندس الاساسي وراء دوت نت/لغة سي شارب].
  • مايكروسوفت تفادوا اخطاء كثيرة استراتيجية وقعت فيها الشركات الاخرى.
ما سبب نجاحهم إذاً؟ الحظ ام الشطارة؟ السؤال نفسه - عذراً - ساذج. يذكرنا هذا بالصراعات المزيفة على غرار الصراع بين الرجل والمرأة أو الصراع بين الاجيال...ان الامر كمن يسأل: أيهما أهم للحياة، القلب ام الرئة؟؟ سؤال فلسفي جداً بلا فائدة عملية.

لو كانت ميكروسوفت تدار بغباء لفشلت ولصعدت شركة اخرى مكانها. ولو لم تكن محظوظة فلا احد يعلم مستقبلها، ربما كانت قد صارت شركة قوية لكن ليست عملاقة، او ربما اندثرت، او ربما وجدت فرصة اخرى وصارت عملاقة برضه...او ربما كان ملّها بيل جيتس وعمل في مجال آخر. لا احد يعلم.

لكن كلما بذلت مجهوداً وفكراً وطورت نفسك كلما كان عامل الحظ معك وليس ضدك: المهارة والكفاح يجعلانك تستفيد من الفرص التي تأتي. التكرار والسعي والتعلم من الاخطاء يزيد من عدد الفرص التي تأتي اصلاً. سأكون تربوياً واقول لك: إن قررت السير في هذا الطريق فحاول. كن شجاعاً. كافح. خطط.

لكن لن اوهمك ان اي شركة تفتحها لابد ان تكون مثل مايكروسوفت. انت وحظك :)

اما تحرير فلسطين فهو بتدارك عيوبنا ونواقصنا والتغلب عليها، وليس بإنكارها.

الاثنين، 2 أبريل 2012

إنما هي صورة كلية

ومعنى قاطيغورياس باليونانية، يقع على المقولات. والمقولات عشر، وتسمى: القاطاغوريات.

(من "مفاتيح العلوم" للخوارزمي)

يحب المجتمع كثيراً وضع النفس بين اختيارات: المنطق ام البديهة؟ الوراثة ام البيئة؟ العلم ام المكسب؟ الاشتراكية ام الرأسمالية؟ الويندوز ام اللينكس؟ واحياناً يسموها صراعات: الصراع بين الاجيال، الصراع بين الرجل والمرأة..وصراعات اخرى اسوأ.

اعتقد ان هذا نابع من الثقافة الغربية، وهي بدورها نابعة من المنطق اليوناني. لقد كان اليونانيون مولعون بالمنطق والتصنيفات، كل عبارة لديهم هي اما صواب ام خطأ بالدليل المنطقي، كل شيء يقسمونه إلى اصناف انيقة تسمى categories...وكل فكرة صحيحة فلابد ان يكون ما يناقضها يجانب الصحة.

وفي الثقافة الغربية الحديثة ظهر ما يسمى reductionism...تفكيك كل شيء إلى مكونات اصغر: الانسان ما هو إلا خلايا، والخلايا ما هي إلا بروتينات، وهي بدورها ما هي إلا جزيئات. وكل شيء ما هو إلا مكوناته. ويقول المرء هذا ويظن نفسه قد بلغ من كل شيء علماً.

لكننا لا نرى هذا في الشرق. ان الكلمة نفسها (جرب ان تنطقها) توحي بالسحر والتنوع والغنى. الشرق لا يكتفي بالعقل، انما يعرف قيمة الاحساس البديهي. الشرق لا يهمه فقط الفعالية، بل يعرف قيمة الجمال. انظر للمباني الاسلامية القديمة: تجمع بين المتانة والزينة. انظر للزخارف الاسلامية: تجمع بين الرياضيات والجمال. انظر للمباني الصينية، انظر للخط العربي.

الشرق لا يهتم بكل جزئية على حدى. بل بالكل مع بعضه.

حين تأتي لغات البرمجة من الغرب تجدها - الا قليلاً - جافة ومليئة بأشياء عجيبة مثل static, void, x++, protected

بينما اللغات من الشرق تأتي مثل Ruby، يقول مبرمجها انه اراد لغة يستمتع الناس وهم يبرمجون بها. ياللهول! بينما الجميع يتحدث عن الperformance، maintainability نجد شخصاً يتحدث عن حالة المبرمج النفسية! الا ينبغي ان يسخر المبرمجون - هذه الكائنات العقلانية - من سفاهته؟ ومع ذلك فهي اللغة الناجحة التي تكتب لها الكتب وتعقد لها المؤتمرات.
5.times { print "hello" } if x == 5

كذلك لغة كلمات لو لم تلاحظ..لا اقصد الكتب والمؤتمرات (هذه لعلها آتية) بل الاهتمام بالحس البشري والشكل الجمالي.

حتى كلمة "شكل جمالي" ليست ظريفة جداً، انها توحي ان الفعالية منفصلة عن الجمال، وان الجمال هو "شكل" خارجي بينما المحرك الفعال يعمل بالداخل. وإن تعلمنا شيئاً من شركة Apple فهو ان الصورة تتبع الوظيفة، والوظيفة تتبع الصورة، وان الشكل الجيد لا يأتي إلا من بناء داخلي جيد، وأن وضع صورة جميلة بالفوتوشوب على برنامجك لا يجعله برنامجاً جيداً.

صحيح..هل قلت لكم ان ستيف جوبز متأثر بالثقافة الشرقية؟ هذه حقيقة لمن يعرف قصة حياته.

لقد صارت فكرة "الكلية" جزء من فلسفة العلم نفسه. نظرية dual nature of electron التي تجمع بين نظريتين عن طبيعة الالكترون. فكرة ان المادة والطاقة شيء واحد بصور مختلفة (معادلة آينشتين الشهيرة). حتى المنطق: لم يعد يكفي دائماً الحد الفاصل بين "صواب" و"خطأ" بل صار هناك تطبيقات تحتاج مستويات بين ذلك (مثلاً fuzzy logic). إن الامور تتغير.

حين تقدم نظرية علمية، حاول ان تفكر في صياغتها والفهم البشري لها، وليس فقط الدقة والشمول.

حين تقدم مواد تعليمية، لا تجعلها مواد جافة صماء، ولا تجعلها مجرد صور جميلة، ولا تجعلها مواد جافة صماء معها صور جميلة..بل اجعل الجمال والعلم ممتزجان...

هذه فكرة الكلية: انها ليست ان اجمع "أ" مع "ب"، وإنما ان اجعل "أ" و "ب" كل منهما يغذي الآخر ويعتمد عليه.

حين تقدم برنامجاً سياسياً، لا تجعله مجرد شعارات عاطفية تثير الحماس على لا شيء، ولا تجعله محاضرة مملة في علم الاقتصاد وفلسفة السياسة. تذكر: لقد صنعت هذه العلوم لخدمة البشر، كي تكون سيوفاً نصارع بها الفقر والقمع والتخلف...ارسم لنا صورة غنية تنساب من النظريات إلى المجتمع.

ودعك من الصراعات على غرارالصراع بين الاجيال او بين الرجل والمرأة..هذه اختيارات مزيفة انني يجب ان اؤيد احداً منهم دون الآخر.

هل معنى ذلك ان الثقافة الغربية لا فائدة منها؟ بل بالعكس تماماً! إن المنطق والرياضيات اساس العلوم الحديثة، وهناك صراعات فعلا مجتمعية موجودة في مجتمعات نراها. وهناك افكار صحيحة بينما نقيضها خاطيء. لا ينبغي ان يفسر المرء فكرة "الكلية" بأن يهدم الجدار بين الجميل والقبيح، الصحيح والخاطي، العلم والخرافات، ويقول انها مسألة آراء واننا نقبل كل شيء ولا نرفض شيئاً..هذا تطرف لا داعي له.

وهذا هو جمال فكرة "الكلية": إنها تأبى ان تزيح بالكامل فكرة "الجزئيات" أو "القاطاغوريات" على رأي اليونان - هي سلاح قوي ويفيدنا ان نستخدمه، فقط ليس كل شيء في الحياة يمكن تصنيفه إلى خانات انيقة.