في اواخر التسعينات كانت هناك شائعة تدور، لا اذكر بين الناس أو على الانترنت، عن فدائيين في فلسطين كانوا يطاردون جنود اسرائليين، ثم سمعوا صوت يشبه الهمس من الشجر دلهم على مكان الجنود.
من الواضح ان الذي قال هذا يريد ان يوحي للناس بتحقق الحديث عن محاربة المسلمين لليهود حتى يدل الشجر عليهم، فقال يعني بقى يخلي الناس كدة يتشجعوا ويحسوا ان النصر قرب. يا للكذب.
وإني أرى كثير من الناس يكذبون - لكن بطرق خفية وليس بهذه الفظاظة - لأنه لا يهمهم إن كان كلامهم صحيحاً أم خطأ، كل الذي يهمهم هو تصرف القاريء حين يرى هذا الكلام. هذا هو الكذب التربوي مثل الاب الذي يقول لابنه "اللي ما يغسلش رجله قبل النوم يموت" على رأي السكتش الكوميدي.
مثلاً يقولون: انه لا يوجد فرق في الذكاء بين شخص وشخص انما هي مسألة مجهود (هذه الأيام يقولون مسألة passion)، وأنه يمكن لأي شخص ان يصل لأي مستوى فكري بدون تمييز بين شخص وآخر.
أو احيانا (حين يريدون ان يضحكوا على الآباء لا الابناء) يقولون أنه لا يوجد فرق، وان المسألة مسألة بيئة، وانك لو وضعت ابنك في البيئة الصحيحة فسيمكن بالتأكيد ان يكون اينشتاين.
أيضاً يقولون - دي بقى الكبيرة - انه لا يوجد شيء اسمه الحظ ، وان كل شخص في العالم يستطيع ان يحقق أي شيء يريده على الاطلاق بالعمل والسعي (ولا تنس الpassion).
يذكرني هذا الكلام بنكتة في "فلاش":
لماذا يقولون هذه الاشياء؟ لاحظ ان من يقول هذا لم يقله على اساس علمي -- يعني لو احد اثبت لي تجريبياً انه لا يوجد فروق جينية في الذكاء مثلاً فسأسكت، انما لم يستشهد احد ابداً بمثل هذه التجارب وهو يتكلم. لو اردت مقدمة عن التجارب في الموضوع ارسلك لصديقتنا الويكيبديا.
لكن الذي يتحدث عن هذه الاشياء يتحدث بكل تأكيد وثقة. إنه يتكلم كأن بالنسبة له ينبغي أن يكون العالم هكذا وإلا تكون الدنيا ظلم لا عدل. كيف ينجح هذا لأنه قد ولد ذكياً؟ بل قل كيف يجروء؟؟
لكننا نرى كل يوم ابطال رياضة ومطربين وممثلات ينجحون وجيناتهم لها دور كبير في ذلك ولا احد يعترض. ربما يكون نجاح الرياضي يتطلب تدريبا كثيراً ومجهوداً وpassion، لكن لو كان ذلك البطل جيناته ليست كما يجب لما حصل على ذلك المركز الاولمبي الكبير. حتى ان المدربين ينتقونهم بصفات معينة يبحثون عنها منذ الصغر. لا احد يتعجب ولا يشكو من ظلم الحياة...
لكن الذكاء؟ كيف يجرؤون أن يقولوا هذا!! يا لهؤلاء المتكبرين المعقدين نفسياً الذين يظنون انفسهم افضل من غيرهم، بينما ينبغي ان يظن الجميع ان الفرص متساوية!!
لكن الكذب في هذا الموضوع ليس فقط لأن الكعكة في يد اليتيم عجبة؛ بل لاسباب تربوية في نظرهم تبرر ما يفعلون: انهم يقولون هذا لكي لا يغتر الاذكياء بذكائهم فيتوقفوا عن الكفاح، ولكي لا ييأس من يظن نفسه غير ذكي فلا يكافح.
لقد رأيت هذا بنفسي في الواقع في الفترة التي كنت فيها معيداً في الكلية: رأيت طلبة يتوقفون عن الكفاح ويقولون "ما هو انا واضح اني مش ذكي اصلاً" وربما لو استمروا لنجحوا. رأيت هذا لكني لم احل المشكلة بأن اكذب عليهم. من اراه كذلك كنت احكي لهم قصة طويلة عريضة ملخصها أن:
ماذا عن الحظ؟ هؤلاء التربويين يخشون الاعتراف بشيء اسمه الحظ اصلاً لأنهم يتخيلون انهم ما ان يتفوهوا بكلمة "حظ" حتى سيتوقف الكل عن العمل والسعي ويذهبون ليقرأوا ميكي ويأكلوا الشيبسي...لأنه في الآخر ماهو الموضوع موضوع حظ زي بطوط ومحظوظ كدة نشتغل ليه؟
لا يا سادة. لن اكذب انا عليكم. هناك شيء اسمه الحظ، ولكن من يتوقف عن العمل والسعي فهو لا يفقه شيئاً.
فكر في شيء مثل مايكروسوفت: لقد كان للحظ دور كبير في تحولها الى الشركة العملاقة التي نعرفها:
لو كانت ميكروسوفت تدار بغباء لفشلت ولصعدت شركة اخرى مكانها. ولو لم تكن محظوظة فلا احد يعلم مستقبلها، ربما كانت قد صارت شركة قوية لكن ليست عملاقة، او ربما اندثرت، او ربما وجدت فرصة اخرى وصارت عملاقة برضه...او ربما كان ملّها بيل جيتس وعمل في مجال آخر. لا احد يعلم.
لكن كلما بذلت مجهوداً وفكراً وطورت نفسك كلما كان عامل الحظ معك وليس ضدك: المهارة والكفاح يجعلانك تستفيد من الفرص التي تأتي. التكرار والسعي والتعلم من الاخطاء يزيد من عدد الفرص التي تأتي اصلاً. سأكون تربوياً واقول لك: إن قررت السير في هذا الطريق فحاول. كن شجاعاً. كافح. خطط.
لكن لن اوهمك ان اي شركة تفتحها لابد ان تكون مثل مايكروسوفت. انت وحظك :)
اما تحرير فلسطين فهو بتدارك عيوبنا ونواقصنا والتغلب عليها، وليس بإنكارها.
من الواضح ان الذي قال هذا يريد ان يوحي للناس بتحقق الحديث عن محاربة المسلمين لليهود حتى يدل الشجر عليهم، فقال يعني بقى يخلي الناس كدة يتشجعوا ويحسوا ان النصر قرب. يا للكذب.
وإني أرى كثير من الناس يكذبون - لكن بطرق خفية وليس بهذه الفظاظة - لأنه لا يهمهم إن كان كلامهم صحيحاً أم خطأ، كل الذي يهمهم هو تصرف القاريء حين يرى هذا الكلام. هذا هو الكذب التربوي مثل الاب الذي يقول لابنه "اللي ما يغسلش رجله قبل النوم يموت" على رأي السكتش الكوميدي.
مثلاً يقولون: انه لا يوجد فرق في الذكاء بين شخص وشخص انما هي مسألة مجهود (هذه الأيام يقولون مسألة passion)، وأنه يمكن لأي شخص ان يصل لأي مستوى فكري بدون تمييز بين شخص وآخر.
أو احيانا (حين يريدون ان يضحكوا على الآباء لا الابناء) يقولون أنه لا يوجد فرق، وان المسألة مسألة بيئة، وانك لو وضعت ابنك في البيئة الصحيحة فسيمكن بالتأكيد ان يكون اينشتاين.
أيضاً يقولون - دي بقى الكبيرة - انه لا يوجد شيء اسمه الحظ ، وان كل شخص في العالم يستطيع ان يحقق أي شيء يريده على الاطلاق بالعمل والسعي (ولا تنس الpassion).
يذكرني هذا الكلام بنكتة في "فلاش":
ميدو: ماذا تريد ان تصبح عندما تكبر؟
علام: للاسف مش حيتحقق.
ميدو: ليه؟ بالعزم والاصرار كل شيء ممكن!
علام: يعني ينفع اكون فتاة اعلانات؟؟
علام: للاسف مش حيتحقق.
ميدو: ليه؟ بالعزم والاصرار كل شيء ممكن!
علام: يعني ينفع اكون فتاة اعلانات؟؟
لماذا يقولون هذه الاشياء؟ لاحظ ان من يقول هذا لم يقله على اساس علمي -- يعني لو احد اثبت لي تجريبياً انه لا يوجد فروق جينية في الذكاء مثلاً فسأسكت، انما لم يستشهد احد ابداً بمثل هذه التجارب وهو يتكلم. لو اردت مقدمة عن التجارب في الموضوع ارسلك لصديقتنا الويكيبديا.
لكن الذي يتحدث عن هذه الاشياء يتحدث بكل تأكيد وثقة. إنه يتكلم كأن بالنسبة له ينبغي أن يكون العالم هكذا وإلا تكون الدنيا ظلم لا عدل. كيف ينجح هذا لأنه قد ولد ذكياً؟ بل قل كيف يجروء؟؟
لكننا نرى كل يوم ابطال رياضة ومطربين وممثلات ينجحون وجيناتهم لها دور كبير في ذلك ولا احد يعترض. ربما يكون نجاح الرياضي يتطلب تدريبا كثيراً ومجهوداً وpassion، لكن لو كان ذلك البطل جيناته ليست كما يجب لما حصل على ذلك المركز الاولمبي الكبير. حتى ان المدربين ينتقونهم بصفات معينة يبحثون عنها منذ الصغر. لا احد يتعجب ولا يشكو من ظلم الحياة...
لكن الذكاء؟ كيف يجرؤون أن يقولوا هذا!! يا لهؤلاء المتكبرين المعقدين نفسياً الذين يظنون انفسهم افضل من غيرهم، بينما ينبغي ان يظن الجميع ان الفرص متساوية!!
لكن الكذب في هذا الموضوع ليس فقط لأن الكعكة في يد اليتيم عجبة؛ بل لاسباب تربوية في نظرهم تبرر ما يفعلون: انهم يقولون هذا لكي لا يغتر الاذكياء بذكائهم فيتوقفوا عن الكفاح، ولكي لا ييأس من يظن نفسه غير ذكي فلا يكافح.
لقد رأيت هذا بنفسي في الواقع في الفترة التي كنت فيها معيداً في الكلية: رأيت طلبة يتوقفون عن الكفاح ويقولون "ما هو انا واضح اني مش ذكي اصلاً" وربما لو استمروا لنجحوا. رأيت هذا لكني لم احل المشكلة بأن اكذب عليهم. من اراه كذلك كنت احكي لهم قصة طويلة عريضة ملخصها أن:
- نعم، اظن انه هناك فروق فردية.
- لكن معظم الذين يفشلون لم يفشلوا بسبب "الجينات"، بل غالبا لأنهم لا يعرفون كيف يذاكرون او لم يبذلوا المجهود الكافي.
- عليك ان تستمر في السعي وتطوير نفسك لتصل لمستواك الحقيقي وليس ما تظن نفسك عليه.
- لو اكتشفت، بعد كل كفاح ممكن وكل تطوير للذات وكل حل للمشاكل، انك في الواقع لست ممن يناسبهم المجال فلا بأس من تغييره.
- لكن لا تخادع نفسك بالجملة السابقة وتجعلها سبباً لليأس السريع؛ كن صادقاً مع نفسك.
ماذا عن الحظ؟ هؤلاء التربويين يخشون الاعتراف بشيء اسمه الحظ اصلاً لأنهم يتخيلون انهم ما ان يتفوهوا بكلمة "حظ" حتى سيتوقف الكل عن العمل والسعي ويذهبون ليقرأوا ميكي ويأكلوا الشيبسي...لأنه في الآخر ماهو الموضوع موضوع حظ زي بطوط ومحظوظ كدة نشتغل ليه؟
لا يا سادة. لن اكذب انا عليكم. هناك شيء اسمه الحظ، ولكن من يتوقف عن العمل والسعي فهو لا يفقه شيئاً.
فكر في شيء مثل مايكروسوفت: لقد كان للحظ دور كبير في تحولها الى الشركة العملاقة التي نعرفها:
- وجود Bill Gates في مكتب احد مديري IBM في اللحظة المناسبة ادى لصفقة توزيع DOS مع كل جهاز أي بي ام.
- نظام DOS نفسه لم يكن موجوداً بعد، لكن مايكروسوفت اشترته من شركة اخرى صغيرة وطورته.
- مايكروسوفت جاءت في لحظة تحول العالم من الحواسيب العملاقة للكمبيوتر الشخصي، فنمت كشركة بنفس سرعة نمو الكمبيوتر الشخصي.
- بيل جيتس مدمن عمل. يقال انه كان يعمل 20 ساعة في اليوم ويأخذ اجازات قليلة جداً.
- مايكروسوفت كانوا يحرصون على تعيين افضل المبرمجين واجتذاب افضل الكفاءات، حتى انهم ارسلوا ذات مرة سيارة ليموزين لاستقبال مبرمج وافق على العمل عندهم [هو Anders Hejlsberg المهندس الاساسي وراء دوت نت/لغة سي شارب].
- مايكروسوفت تفادوا اخطاء كثيرة استراتيجية وقعت فيها الشركات الاخرى.
لو كانت ميكروسوفت تدار بغباء لفشلت ولصعدت شركة اخرى مكانها. ولو لم تكن محظوظة فلا احد يعلم مستقبلها، ربما كانت قد صارت شركة قوية لكن ليست عملاقة، او ربما اندثرت، او ربما وجدت فرصة اخرى وصارت عملاقة برضه...او ربما كان ملّها بيل جيتس وعمل في مجال آخر. لا احد يعلم.
لكن كلما بذلت مجهوداً وفكراً وطورت نفسك كلما كان عامل الحظ معك وليس ضدك: المهارة والكفاح يجعلانك تستفيد من الفرص التي تأتي. التكرار والسعي والتعلم من الاخطاء يزيد من عدد الفرص التي تأتي اصلاً. سأكون تربوياً واقول لك: إن قررت السير في هذا الطريق فحاول. كن شجاعاً. كافح. خطط.
لكن لن اوهمك ان اي شركة تفتحها لابد ان تكون مثل مايكروسوفت. انت وحظك :)
اما تحرير فلسطين فهو بتدارك عيوبنا ونواقصنا والتغلب عليها، وليس بإنكارها.
هناك تعليقان (2):
رائع جدا من زمان مقرأتش حاجة مشجعة وملهمة كدة جزاك الله خيرا :)
@Yasmin
سعيد انه اعجبك..الغريبة اني كنت عامله كمقال عن المصارحة بس اكثر من شخص قال لي انه مشجع/ملهم!
ده شيء كويس جداً :)
إرسال تعليق