الأحد، 4 أبريل 2010

بيئة حية متكاملة

في طفولتي كان عندي كمبيوتر صخر. وكانت تلك الأجهزة تملأ الدنيا في سائر بلاد الوطن العربي. جهاز صنعته شركة ياماها، مبنيّ على نظام MSX، معرّبٌ يفهم لغتي. قبل "الكمبيوتر الشخصي" كان هناك "الكمبيوتر المنزلي".

الجهاز فيه لغة برمجة جاهزة. افتح الكمبيوتر، انتظر، اضغط زر "4"، صرت في بيئة البرمجة! أدّى هذا إلى ظهور جيل من المبرمجين في سن العاشرة فما فوق. لم تكن هناك كليات الحاسبات ولم يكونوا يعرفون انه هناك وظيفة اسمها "مبرمج" يقوم بها محترف يأخذ أجراً. اطفال وجدوا اللغة أمامهم فبرمجوا. هكذا بكل بساطة. انا نفسي لم اكن اعتبر نفسي مبرمجا شديد التمكن وقتها، كنت اكتب برامج عادية بينما غيري يكتب العابا كاملة.

الشركة العربية التي قدمت هذا الكمبيوتر لم تكتف بالجهاز فحسب، لكنها قدمت أيضا برامج بعضها تعليمي وبعضها ترفيهي وبعضها احترافي. من هذه البرامج كانت لغة Basic معرّبة اسمها "صخر Basic". لم استخدم أنا هذه اللغة وتعلمت على لغة الBasic الأنجليزية، لكن ثاني لغة برمجة تعلمتها كانت لغة Logo المعرّبة هي الأخرى. كم مرة كتبتُ فيها هذه الكود يا ترى؟:

يا مربع
كرر ٤ [امام ٥٠ يمين ٩٠]
نهاية

نشرت الشركة أيضا كتبا برمجية عديدة للأطفال. منها كتب أجنبية مترجمة ومنها إنتاج عربي.

لم تكن الشركة منتجة كمبيوتر صخر هي اللاعب الوحيد في هذا المضمار. من ناحية الأجهزة كان هناك الكومودور والسنكلير والتكساس وغيرهم. وفي مجال النشر كان هناك دور نشر كثيرة تنتج كتبا في البرمجة في مختلف الدول العربية. بعضها مترجم، بعضها إنتاج عربي أصيل. وكثيرها بجودة عالية جدا. كانت هناك أيضا مجلة اسمها "ميكرو" -أظنها كانت لبنانية- تقدم برامجا على صفحاتها وأبواب تعليمية وركن للقراء ليرسلوا برامجهم التي تنشرها المجلة. كان باقي القراء يكتبون هذه البرامج بأيديهم سطرا سطرا لينفذوها بعد ذلك. لا اظن مجلة ميكرو المجلة الوحيدة، بل غالبا كان هناك الكثير غيرها.

الذي اريد أن اقوله من كل هذا أن البرمجة لم تكن نشاطاً فردياً بل ظاهرة اجتماعية: موردو الأجهزة، الناشرون، الأطفال، المجلات كلهم يكوّنون بيئة حية متكاملة (ecosystem)، كل منهم له ما يقدمه وما يستفيد منه. هذا يبيع، وهذا يكتب، وهذا يرسل برامجه لبريد القراء. الكل مستفيد. الكل رابح.

لو اشتريت جهازاً حديثاً عليه الWindows فكيف ستبرمجه؟ برنامج الpaint واضح مكانه. برنامج الكتابة كذلك. لكن أين لغة البرمجة؟ أين الكتب؟ بل نحن الآن مستهلكون للتكنولوجيا لا صانعون لها. لم تنقرض حركة البرمجة في الصغر تماما؛ لن اتعجب مثلا لو رأيت مبرمج عربي في الرابعة عشرة يبرمج visual basic أو PHP الآن، لكن لم يعد الموقف كما كان.

أريد بإذن الله إعادة إنشاء تلك البيئة الحية المتكاملة. أريد لغات برمجة عربية، أريد كتبا في كل شيء: كيف تؤلف برامجك. كيف تحلّ الواجبات المدرسية بالبرمجة. كيف تساعدك البرمجة في إجراء تجارب علمية. كيف تكتب برنامجا يحسب ميزانية المنزل. كيف تطوّع هذا الجهاز لحسابك. كيف تكون صانعا للتكنولوجيا. أريد أن أرى الأطفال يُرِي بعضهم البعض البرامج ويتبادلون الsource code.

على المدى الطويل أتمنى بديلا لكمبيوتر صخر لكن بمقاييس القرن الواحد والعشرين. عربيّ. سلس. رخيص. قويّ. عودة لفكرة الكمبيوتر المنزلي المخصص لأهداف الأسرة وليس فقط الأعمال.

لعل هذه البيئة تعود إن شاء الله. قديما كان شعار كمبيوتر صخر هو "يجعل التعلم متعة". وإني لأراه شعارا جديرا بالتمسك به.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

http://more8.wordpress.com/2010/04/04/ain-shams-summer-of-code-assoc/
تحب تبقى مينتور ؟