الاثنين، 1 أغسطس 2011

أنت والمغالطات المنطقية

صار الحوار السياسي مزعجا هذه الأيام؛ أشبه بصورة كاريكاتيرية عبارة عن وجهين يصرخان في بعضهما.

هناك مغالطات منطقية يقع فيها العديد من الأطراف. في المجتمعات الغربية صارت المغالطات مصطلحات دارجة لها أسماء، وهناك كتالوجات بها. سأسرد في هذا المقال بعض هذه المغالطات الشهيرة ومحاولة لتعريب اسمائها وأمثلة لها.

لماذا أفعل ذلك؟
  • أولا ليراجع كل منا نفسه قبل أن يتحاور، ويلغي من كلامه الخاص كل حجة فيها مغالطة (ذلك على افتراض أن الشخص نفسه يسعى للمصداقية بالطبع)
  • ثانيا لمساعدة القاريء على تقييم مصداقية الأخبار والمقالات والحوارات التي يقرأها كل يوم، ويرى إن كانت مبنية على حجج سليمة أم فاسدة
  • ثالثاً، لكي يستعين به المحاور إن كان الطرف الآخر استخدم - بقصد أو غير قصد - مغالطة في كلامه
شيء أخير: لقد تعمدت أن أوجد مصطلحاً عربياً لكل مغالطة ليس من أجل فكرة عامة على غرار تعريب العلوم وما شابه ولكن من أجل هدف مختلف: لأني أريد أن تكون الأسماء نفسها دارجة؛ بحيث يمكن لشخصان يتحاوران أن يقول أحدهما مثلاً "حجتك فيها مغالطة لا يتبع" فيفهمه الآخر والجمهور فوراً بلا حاجة لشرح المغالطات كلها من البداية.

الآن نأتي للكتالوج...

اسم المغالطة: Ad-hominem
الاسم العربي: هجوم تجاه الشخص لا الحجة

هذه أشهر مغالطة موجودة في مجتمعنا حالياً، أن يأتي الخصم ويجد عيباً ما (يراه) في الطرف الآخر، وعليه يكون الاستنتاج أن الطرف الآخر على خطأ. المغالطة هنا واضحة: حتى لو كان خصمك شخصاً سيئاً في نظرك فهذا ليس رداً كافياً على حجته...وكل التخوين والاتهام والسخرية من الناس لا تجعلهم مخطئين في وجهة نظر ما بالذات ولو كانت الاتهامات صحيحة.

كيف تتصرف: نبه الطرف الآخر أنه بهجومه الشخصي عليك يحاول أن يفلت من الرد على حجتك، واطلب منه رداً محدداً على كلامك

اسم المغالطة: Strawman argument
الاسم العربي: استبدال حجة أسهل

هذه أيضاً ذائعة هذه الأيام؛ أن تفسر كلام خصمك تفسيراً ليس بالضبط ما قصده لكن شيئاً له علاقة ما بما قاله، ويكون شيء أسهل بكثير في الرد. مثلاً:

يقول طرف من الأطراف "أنا مع الحكم الإسلامي"
فيرد الطرف الآخر "هل تريد ولاية الفقيه مثل إيران؟؟؟؟"

الطرف الأول لم يقل هذا مطلقاً، لكن الطرف الثاني أراد أن يرد على شيء يسهل الرد عليه، ففسر كلام الأول تفسيراً مخطئاً بهدف التيسير على نفسه.

اسمها بالانجليزية "مغالطة رجل القش" تشبيها بشخص خاف من مواجهة رجل حقيقي فصنع رجلاً ضعيفا من القش وهزمه :)

كيف تتصرف: قل "كلامي لا يُستدلّ منه بالضرورة ما تقول، أنت فسرت كلامي بشكل خاطيء، وغيرت الموضوع إلى نقطة كذا بدلاً من معنى كلامي الأصلي".

اسم المغالطة: Non-sequiter
الاسم العربي: لا يتبع

هنا يقول المتحدث أنه هناك معلومة حقيقية (أ) ثم يستنتج منها نتيجة (ب)، مع أن ب ليست بالضرورة نتيجة منطقية تتبع أ

مثلاً:
- هناك تأخير في محاكمة مبارك، ومعنى ذلك أن المجلس العسكري متواطيء مع مبارك نفسه
- فلان سافر إلى أمريكا ويعمل في شركة أمريكية، إذاً هو عميل أمريكي
- تم تعيين فلان في لجنة كذا وهو من الإخوان المسلمين، إذاً المجلس العسكري متواطيء مع الإخوان

...وهكذا

اسم المغالطة: False dilemma
الاسم العربي: الاختيارات المزيفة، الزنقة الإجبارية

هنا يضع المتحدث أمامك بديلان أو أكثر ويجبرك أن تختار بينهما، بينما في الواقع هناك اختيارات أخرى لم يذكرها قد تخرج من "الزنقة" الي يحاول أن يضعك فيها.

مثلاً:
- "لماذا لم ترشح فلاناً؟ هل تريدها دولة علمانية؟"
- "كيف تترك الإسلاميين يفعلون ما يريدون؟ هل تريدها دولة كهنوتية؟"
- "لماذا تعارض إمساك أحمد شفيق بمنصب رئيس الوزراء؟ ألا تعلم أن البديل هو الفوضى؟"

كيف تتصرف: وضح أن الطرف الآخر صاغ كلامه بحيث لا يكون أمامك سوى هذه الاختيارات، اقترح بدائل أخرى إن أمكن.

اسم المغالطة: Appeal to emotions
الاسم العربي: اللجوء للعاطفة، التماس عاطفي

هنا يحاول الطرف الآخر أن يضع الموضوع في قالب عاطفي جداً لكي يطفيء أي ردود على كلامه، مثلاً:
- كيف لا تريد الانضمام للمسيرة من التحرير للعباسية؟ ألا تذكر دماء الشهداء؟ ألا تدرك معاناة أهلهم الذين لم يروا القصاص لأبنائهم؟
- لماذا تصر على محاكمة مبارك؟ انه رجل كبير في الثمانين وتعبان صحياً، كما أنه حارب وخدم الوطن..ارحموا الناس يا ناس!

اسم المغالطة: "Fallacy fallacy" (لا أعرف إن كان هذا اسماً رسمياً/دارجاً أم لا)
الاسم العربي: مغالطة "كلامك فيه مغالطة، إذن أنت على خطأ"

حين تجد مغالطة في كلام الطرف الآخر فليس معنى هذا أن رأيه الأصلي خطأ بالضرورة، فقط معناه أن هذه الحجة بالذات ليست دليلاً منطقياً على كلامه. قد يكون هناك أو لا يكون دليل آخر حقيقيّ. تذكر أن هدفنا هو المحافظة على مصداقية الحوار وليس "سحق" الخصم بأي وسيلة كانت ولو غير عادلة!

تذكر أيضاً أن المنطق ليس كل شيء أحياناً. مثلاً لو رأيت رجلاً متشح بالسواد ويمسك سكيناً ويسير ورائي، فهذا ليس دليلاً كافياً أنه سيء النية، لكن قد يكون من الحكمة أن أبتعد عنه :)

هذه كانت عينة من المغالطات المنطقية. ربما أستطيع أن أقدم المزيد من النماذج في مقال مستقبليّ.

هناك تعليق واحد:

Anbu يقول...

جزاك الله خيرًا . بالفعل نحتاج للتعرف عليها.