‏إظهار الرسائل ذات التسميات society. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات society. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 مارس 2026

يا ترى حيحصل ايه لجوجل وقتها؟

 صارت الإعلانات تضايقني.

 لا أقصد محتوى الإعلانات لكن الإعلانات نفسها. رأيت مؤخراً إعلاناً لشاي ليبتون وفكرت: لماذا جاءت شركة بريطانية لحدّ هنا لتبيع الشاي؟ لماذا لا يشتري الناس من أي مصنع قريب؟ ولماذا brand name اصلا؟ لماذا لا يشترون "فقط شاي" كما كان يحدث في معظم تاريخ الإنسانية؟

 ثم إعلانات شركات خطوط الموبايل: الإعلانات لا يوجد فيها أي شيء عن المنتج اصلا بل هي أشخاص مشهورون يغنون ويرقصون، ومع ذلك الإعلانات تحقق أهدافها بأن تأتي بالأرباح لصانعيها. معنى هذا ان المنتجات صارت متطابقة ولم يعد هناك أي فرق بينها سوى اسم الشركة. وأهمية الإعلان هنا ليس أن يقول "هذا منتج جيد وسيعجبك" بل "اشتر مني انا! أنا!". صارت هذه الشركات مثل بائع الآيس كريم الذي يجذب الاطفال بالموسيقى.

 صرت أفكر في العالم قديماً حيث كان يذهب الإنسان للتاجر فيطلب المنتجات بإسم الصنف لا  الإسم التجاري. أشعر أن هذا أفضل بكثير للمستهلك. لو قلت هذا لأحد سوف يعطيني محاضرة عن فائدة الbrand names وانها تشجع المنتجين على تحسين جودة منتجاتهم لكي يرتفع اسمهم وسط الناس الخ الخ. هل هذا الكلام حقيقي؟ هناك في رأيي منتجات ممتازة  ظهرت في مصر واختفت ولم يسمع بها احد، واستمر الناس في شراء نفس الماركات المعروفة.

 لماذا يوجد شيء اسمه "رقم اتصالات" او "رقم فودافون"؟ لماذا لا يكون الرقم خاص بصاحبه يدفع له اشتراكا سنويا بسيطا، ثم حين يريد شحن رصيد للمكالمات يشحن من أي شركة في أي وقت. وهنا ويكون السوق خليطا من الشركات الكبيرة والصغيرة، وتكون المنافسة على السرعة/الجودة/السعر وليس على سعر المطرب الذي تستطيع الشركة الإتيان به في إعلانها؟ كانت شركات الإنترنت هكذا في التسعينات، وكان أمراً جيداً في رأيي.

 والموبايلات نفسها؛ أريد أن أقدر أن أشتري الmotherboard والCPU والكاميرا والشاشة كما أريد واقوم بتجميعهم (أو يجمّعهم المحل لمن لا يعرف الطريقة) وأقوم بإبدال بعض هذه المكونات في وقت لاحق حين يظهر ما هو أفضل.

 إذا كنت ترى هذه الأفكار غريبة وغير مريحة لك فأدعوك أن تفكر بالعكس: تخيل لو اختفت عربات الخضر والفاكهة في مصر ولم يعد متاحا سوى الbrand names، برتقال ماركة "بحراوي" وتفاح ماركة "The Orchard" ولم يعد هناك شيء اسمه "فاكهة فقط"؟

 ماذا لو اختفت فكرة الكمبيوتر الشخصي من المكوّنات وصار الاجهزة المكتبية مثل اللابتوب والموبايل؛ لا يوجد شيء اسمه "كمبيوتر" وإنما فقط Dell أو HP أو Lenovo؟ ماذا لو اختفى "اللحم" من السوق ولم يعد الجزارون يبيعون إلا نفس اللحوم المجمدة في السوبر ماركت بماركاتها المعروفة؟

ألا تشعر معي أن هذا العالم سيكون مخيفاً، تقيّدت فيه اختيارات الإنسان فيما يشتريه؟ عالم من الاحتكار والbrand loyalty واختفاء التنوع حتى صارت كل حبة طماطم مطابقة للأخرى؟

ثم ألا تشعر معي أن العالم الذي أتمناه سيكون ثريا متنوعا، وبدلا من عدد محدود من الموبايلات المتشابهة يمكن أن يكون لكل إنسان الجهاز الذي يريده بالضبط، مفصّلاً لعمله او هواياته؟ ثم -- لا ننسى -- يكون كل جهاز بثلث سعره الحالي إذ يتنافس عدد كبير من مصنّعي المكونات على الجودة والسعر؟

 أرى أن مجتعاتنا عموماً، وشكل الإنتاج والتجارة فيها خصوصاً، تحتاج لأن تُصمّم بإرادة وتخطيط لتكون بصورة في مصلحة الإنسان العادي ولا تُترَك لتمليها الشركات على الجميع بما لديها من مال وإعلانات. 

الاثنين، 15 سبتمبر 2025

السنن الكونية (1): عن التحدي الإنساني الصعب والهروب للحل السهل

 قرأت كثيراً تعبير "السنن الكونية"، لكني دائماً اقرأه في سياق موضوع آخر يدافع عنه الكاتب، ولم اجد من كتب عن هذه السنن نفسها او حاول أن يصنع كتالوجاً من السنن المختلفة. (لو كنت تعرف عمن فعل شيئاً مثل هذا فأخبرني!). في هذه السلسلة سأحاول ان احكي عن امثلة مما اراه يندرج تحت هذه السنن. كل ما اكتبه هنا هو رأيي الشخصي لا أكثر.

 سوف نتحدث اليوم عن أمر يتكرر في حياة كل إنسان فرد، وفي كل مجتمع، وفي كل ثقافة، وهو أمر كبير منسوج في تاريخ البشرية كلها، وفي رأيي من أهم جوانب الحياة الإنسانية. اتكلم عن الموقف الآتي:

 1- الإنسان أو المجموعة لديهم هدف كبير، أو هم في خطر ما لابد أن يتصدوا له

2- لكن الأمر صعب جداً، سوف تحتاج أن تبذل مجهودا كبيرا، مع احتمالات نجاح ضعيفة جدا

3- في هذه اللحظة يأتي شيطان (حقيقي أو مجازي) ويعرض عليك حلا سهلاً ومضموناً. هذا الحل ليس بحقيقيّ، إنه انهزام مزيّن بمكياج وليس انتصاراً، لكنه سهل ومضمون

4- ماذا يفعل الإنسان هنا؟ يمكنه أن يقول "سوف استمر في الحل الصعب، حتى لو كان احتمال نجاحه ضئيلا"، لكن تبدو له هذه الفكرة، نفسياً، غبية. هذا هو دور الحل السهل: ان ينفّرك من الحل الحقيقي

5- الكفاح البشري الفردي، وكفاح الأمم، ملخصه هو "ماذا سيفعل الإنسان إزاء هذا الاختيار؟"

ما أن جاءت لي هذه الفكرة حتى وجدت لها أمثلة لا تحصى! في حياتي الشخصية، وحياة أشخاص أعرفهم، في التاريخ، في القضايا السياسية الحالية، وفي القصص والافلام. لا تصدقني؟ سوف اضرب لك أمثلة...

- هناك دول تعيش على الديون والمنح والمعونات لأن قادتها ليسوا مؤمنين بقدرتهم على بناء اقتصاد حقيقي ويسمونه أمراً مستحيلاً. (احيانا ينفون اللوم عن أنفسهم ويقولون أن الشعب هو الذي يفتقد هذه القدرة، لكننا جميعاً نعرف الحقيقة)

 - للذين دخلوا كليات صعبة: كم من اقربائك قالوا لك ان تبتعد عن هذه البهدلة التي لن تحتملها، وأنه ينبغي أن تدخل كلية سهلة تتفوق فيها مرتاحاً؟

- حين يخطيء الإنسان في حق شخص، هل سيعتذر ويتحمل الغصّة التي تأتي مع الاعتراف بالخطأ، أم سيتظاهر للأبد أنه لم يخطيء؟

 - هناك جماعة من الناس مُنعوا أن يعيشوا في دولة أو حتى دُويلة، بل مجبرون أن يعيشوا في شظية من دولة، لكنهم يخوضون حرباً عسكرية ضد عدو يخيف كل الدول التي تحيط به، التي هي اختارت الحل السهل

- النظم المستبدة احيانا تعرض على الذين يقاوموها صفقات: سوف تأخذ منصبا في الدولة، سوف نحتفي بك كمثقف ونجعلك تظهر في التلفزيون لتقول كلام المثقفين الذي تحبه، لكنك منذ تلك اللحظة ستكون موالياً للنظام مائة بالمائة. إن رفضت عرضنا ستدخل السجن أو المنفى

- حين يتصل بك صديقك ويسألك لماذا تأخرت، هل ستقول "أنا في السيارة عند ناصية الشارع الذي سنتقابل فيه" أم ستقول "أنا أمام باب المنزل وسأركب السيارة الآن"؟

- اقرأ قصة حياة أي عالم أو مصلح اجتماعي، هل ستتفاجأ لو وجدت جملة على غرار "وتجاهله المجتمع، وسخر منه الناس، وحاربه الكثير"؟

- هل نصنّع سيارة/الكترونيات/ai محلياً، أم نأتي بمنتج أجنبي، نقوم بتجميعه ووضعه في كرتونة محلية، ونقدمه على أنه من إنتاجنا؟

 - هناك عدد هائل من الافلام الأمريكية (وغير الامريكية أيضا) قصتهم لها نفس التركيب: البطل يعيش حياة بسيطة، تأتي مهمة كبرى تناديه، يحقق انتصاراً مبدئيا، تأتي الصعوبة الحقيقية وتحطم ما أنجزه، يأتيه الإغراء أن يترك كل شيء ويعود لحياته القديمة لأنه غير مؤهل/لا يستحق الانتصار والفوز بالحياة الجديدة، يأتي موقف جاد عن القرار: أتوقف أم أستمر؟

 - ماذا افعل اللحظة القادمة؟ هل اقوم بذلك العمل المقرف المتأخر عليّ، أم أفتح السوشال ميديا؟

أعتقد أنني قد أوضحت لك كفايةً أن لحظة القرار هذه متوغلة توغلاً شديدة في الحياة الإنسانية، وأنه من السنن الكونية أن الاقوياء حقاً هم من يقررون القرار الصعب حين يجدون انفسهم في تلك اللحظة.

البطولة أن تستمر في ما تفعله حين يكون صعبا وحين يكون احتمال الفوز ضعيفا، وحين ينظر لك الحل السهل بمغرياته ومكياجه ويقول لماذا لا تختارني أنا. حتى ابطال القصص نعرف أنهم ابطال ونصفق لهم حين يواجه المحارب عشرين خصما في معركة واحدة، او يواجه الجيش الارضي جيشا من الاطباق الطائرة، او يدخل البطل السجن من أجل مبادئه.

الثلاثاء، 29 يناير 2013

ما يمكن أن يكون

يبدأ الطفل الصغير في سرد حكاية؛ ويبدأ بعض الكبار من حوله في السخرية من الكلام العشوائي الغريب الذي يقوله. أما أنا فأنبهر، وأطلب منه أن يستمر. لديّ نظرية أنه هناك مسار من التفكير مشى فيه الطفل حتى يصل لهذه الحكاية، هو فقط ليس نفس تفكيرنا المألوف.

يقول Piaget أن المعرفة مثل بناء متعدد الطوابق؛ وكل مستوى جديد ينبني على المستويات السابقة، وأنه حتى إن كان المستوى السابق به ثغرات فكرية إلا أنه ضروري للمستوى الذي يليه، وبالتالي هو مرحلة مهمة في تطور الطفل فكرياً.
____________

ويبدأ المبرمجون في السخرية من لغة Lisp. لديهم حجتان دائماً: انها مليئة بالأقواس، وأنها ليست ناجحة تجارياً. كذلك لغة Prolog لم أر أحداً يتحدث أبداً عن شيء فيها إلا وتساءل: هل تستخدم تجارياً في أي شيء؟

أما أنا حين رأيت تلك اللغة تغير الكثير من تفكيري عن البرمجة: لقد رأيت طريقة قوية جداً للتفكير في البرنامج. ما الذي يهم إن كانت ناجحة تجارياً أم لا؟ أنا أريد مستقبلاً تكون فيه البرمجة كلها بهذا الشكل!
____________

 ورأيت ذات مرة على أحد المنتديات من يقول أن العرب متأخرون في إنتاج علومهم الخاصة، وقدم مثالاً على ذلك هو أن لغة البرمجة العربية كلمات أضعف حتى من الـVisual Basic. الكلام صحيح: كلمات أضعف من الـVB (التي هي أصلاً لغة قوية جداً، قبل أو بعد الـnet.)، لكنها في نفس الوقت مشروع لم يكتمل. لن أطلب من الناس أن يقيّموا كلمات باعتبار ما يمكن أن يكون؛ بل قيموها كما ترونها، لكن في نفس الوقت سأقول أن كلمات في صورتها الحالية هي [على ما أرجو] فصل في قصة أطول.
____________

ويبدأ بعض من المصريين في مهاجمة كل طموح في بلد أفضل لهم، ويظنون أن هذه هي الواقعية. وما تزال ترى العبارات المتكررة: "انت في مصر! احنا بلد .........! مش شايف الزبالة في الشوارع؟ مش شايف البلطجية؟".
____________

هل رأيت أبداً مبنى قد قارب أن يكتمل بناؤه الأساسي، لكن لم يبدأ "تشطيبه"؟ ستجد المبنى عبارة عن صورة من الرمال والطوب الأحمر والتراب والأسمنت؛ لكن هناك من يستطيع أن ينظر لنفس المبنى ويراه جميلاً رحباً.

أو بشيء أقرب لفكر المبرمج: تخيل فريقاً موهوباً قد كتب engine خاص بلعبة مليء بالإمكانيات المتقدمة، لكنه لم يكمل بعد صناعة الـmodels الخاصة بالشخصيات والمستويات. ستبدو اللعبة رديئة لمن  لا يعرف التفاصيل.

بدلاً من السخرية من هذا البناء نصف المكتمل فكر: كيف نكمله؟ كيف نريده أن يبدو في صورته النهائية؟

الخميس، 6 ديسمبر 2012

تحقق الإمكان الإنساني

تعلمنا في الفيزياء أن التداخل قد يكون بناءاً أو هداماً [constructive or destructive interference]. قد يدعم بعض الموجات بعضاً وتكون بناءة، أو يصد بعضها بعضاً وتكون هدامة. وقد عشت في هذا العالم كثيراً لأرى التداخلات الهدامة. ولقد مللت.

كم من عبقري كان ليرفع مستوى العلم في البلد، بل في العالم، فقط لو وجد التعليم الكافي، أو الرعاية الصحية، أو من يدعمه، أو من يشجعه؟ لكن البلد قد حكمها اللصوص والسفاحين والطماعين.

كيف كان ليصبح شكل المجتمع لو توقف الناس عن التناحر والسرقة والاستبداد، وبدأ كل شخص يتفرغ ليجيب على سؤال: ما هو الحد الأقصى للإمكان الإنساني؟ ما أفضل شيء نستطيع أن نبنيه، وأفضل علم نستطيع أن نبحثه، وأفضل فكر نستطيع أن ننتجه؟ ما هو الإمكان الحقيقي لنا؟

كيف نحقق العدل والرخاء؟ كيف نواجه الأمراض والتلوث والتصحر؟ ماذا نفعل بشأن المخلوقات التي كادت تنقرض؟

كيف نحل المشاكل الاجتماعية؟ ماذا نفعل تجاه ارتفاع نسب الطلاق، وتمرد الأبناء على آبائهم؟ هل هناك أطفال يُضايقون أو يعتدى عليهم في المدارس؟ كيف نحل تلك المشاكل؟

هل المدن جميلة (وليس فقط نظيفة)؟ هل الناس سعداء بالمشي فيها؟ ما الذي يسبب التعاسة للناس؟ هل يحبون وظائفهم أم يعملون فيها على مضض؟

ولكن قبل أن يحدث ذلك علينا أن نفكر في أسئلة اخرى:
  • كيف تتصرف مع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الصراعات السياسية التي نتجت بعد خلع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الخونة الذين يريدون العودة للسلطة بأي شكل؟
  • كيف تتصرف مع كل عنيد لا يصغى للعقل، وتقدم له الحجه تلو الحجة فلا يناقشك في صحة حجتك أو خطئها، بل يستكبر ويعتبر أن المشكلة الحقيقية أنك لم تفهم قصده، ويبدأ في "شرح" كلامه لك مرة أخرى؟
وإني لم أر مثل ذلك أشياء كبيرة تعتمد على أشياء صغيرة. قبل أن نبدأ في التفكير في التقدم العلمي أو العدالة الاجتماعية عليك أولاً أن تقنع فلاناً أن ينزل من بيته وينتخب، أو أن يراجع قرار كذا، أو ألا يتحيز لكذا. ملايين المعارك الصغيرة كل يوم بين كل أفراد الوطن، وتشعر بالخسارة مع كل حوار يطول وينتهي بعناد، وبعض الناس يأتيه إغراء أن يستبد برأيه هو الآخر، وأن يحكم على الناس أنهم أغبياء ويحتاجون من يجبرهم لا من يحاورهم؛ بعضهم يستسلم للإغراء وآخر يمسك نفسه ويقول لا؛ لن أحل الاستبداد باستبداد.

لا بأس؛ هذا جزء من الرحلة. هذا جزء من البناء، هذا جزء من "تحقق الإمكان الإنساني". الأشياء الكبيرة تعتمد على الأشياء الصغيرة، حقيقة علمية.

ذات مرة نشر عالم اسمه زويكي بحثاً عما سماه "النجمة النيوترونية" Neutron star. كان يقدم تنبؤا عن وجود هذا النوع من النجوم، وكان تنبؤه استناج من خصائص الذرات والنيوترونات. لا تستطيع أن تفصل بين سلوك النجوم/الثقوب السوداء...الخ وبين سلوك الذرات والجزيئات.

وماذا عن الـDNA؟ تركيب لا يرى إلا بالميكروسكوب، ويؤثر على خصائص الكائن الحي وشكله ولونه وطوله وقصره وقوته وضعفه.

الذي يحدث هذه الأيام، من الحوارات والمظاهرات والاتفاقات والمقالات والتصريحات، هو أن الـDNA الخاص بالمجتمع يتشكل. وإني أشتاق لأن أرى المجتمع الوليد وخصائصه.

الأحد، 18 نوفمبر 2012

عن كون كلمات لغة للأطفال، ولماذا لا تكون لغة احترافية

هناك أكثر من شخص تحدث معي عن سبب إصراري أن تكون لغة كلمات لغة تعليمية وليست لغة لعمل برامج احترافية مثلها مثل Java, Python, ...الخ.

هذا المقال سأقسمه إلى ثلاثة أجزاء:
  • الأسباب اللي تدعو لـ"حرفنة" كلمات.
  • ردي على بعض هذه الأسباب
  • متطلبات تحويل كلمات إلى لغة احترافية، لكي يكون الحوار واقعياً ويفهم القاريء الموضوع بالضبط.
الرأي الآخر: لماذا لا تجعلها احترافية؟

من الأسباب التي تدعو لجعل كلمات لغة احترافية:

  1. قد يكون هناك عائقاً نفسياً يمنع البعض من استخدام لغة للأطفال أو المبتدئين.
  2. ماذا سيفعل الأطفال (أو الكبار المبتدئين) بعد تعلم كلمات إن أرادوا عمل برامج احترافية؟
  3. ماذا عن حلم البرمجة باللغة العربية في كل مكان؟

1- لن يحب أحد أن يستخدم لغة للمبتدئين: هذا جانب اجتماعي/تسويقي. هناك فئة من المبرمجين لا تحب إلا ما هو "قوي" و"احترافي". وهذا قد يدفع البعض لعدم استخدام كلمات لأنها "لعبة". هناك جانب آخر أجتماعي هو أن بعض العرب للأسف لا يرى أنه هناك منتج جيد يمكن أن يخرج من عقل مبرمج عربي، وبعض من هؤلاء سيظنون أنني جعلت كلمات للأطفال لأخفي عيوبها أو ليكون لدي عذر جاهز لأي ثغرة في اللغة: أنها للاطفال.

2- ماذا سيفعل الأطفال (أو الكبار المبتدئين) بعد تعلمها؟ هذا سؤال معقول. هب أن شخصاً تعلم كلمات ثم أراد أن يصنع برامجاً كبيرة أو تجارية، هل سيجب عليه أن يتعلم لغة برمجة أجنبية؟ إن كنت أقول أنني صنعت كلمات لرفع حاجز اللغة الذي يعوق تعلم البرمجة، فلماذا لا أرفع أيضاً (أو بتعبير أدق: أساعد في رفع) حاجز اللغة الذي يعوق البرمجة الاحترافية؟

3- ماذا عن تحقيق حلم البرمجة باللغة العربية؟ هذا جانب اجتماعي أيضاً: لو ظهرت لغة برمجة عربية احترافية، ألن يؤدي هذا لشعور بالفخر في سائر أنحاء الوطن العربي، وأن يزداد العرب ثقة في قدرتهم على النهوض بأمتهم، وأن يكون شيئاً جميلاً على العموم؟

الرأي الخاص بي: لماذا لم أجعلها كذلك

بالنسبة لجانب أن البعض سيراها لعبة: لقد تعلمت البرمجة على كمبيوتر صخر وأنا طفل، وكنت أبرمج لأستمتع بوقتي قبل أن أعرف بوجود كلية اسمها "حاسبات" أو وظيفة اسمها "مطور برامج". كلمات بدأت لأقدم نفس الفرصة لأطفال اليوم، ولم تصنع لتكون لغة احترافية.

بالنسبة لتقديم أداة لمن تعلم كلمات لكي يصنع برامجاً أكبر: كما قلت، سؤال معقول. لكن رفع حاجز اللغة للبرمجة الاحترافية يحتاج لجهد أكبر بكثير من صنع لغة برمجة فحسب. يحتاج مكتبات libraries للرسومات والوب وقواعد البيانات. يحتاج ترابطاً مع اللغات الأخرى، يحتاج توثيقاً كبيراً، يحتاج متابعة وتصليح للعيوب باستمرار، يحتاج وسيلة لتقديم الدعم الفني (ولو في صورة منتديات) والأهم من هذا: يحتاج قسم تسويق يعمل ليل نهار لجذب الشركات والمبرمجين المستقلين للتطوير بكلمات وإضافة مكتبات لها.

وهذا ما لا أستطيع أن أقوم به حالياً. ما أستطيع أن أقوم به هو تطوير اللغة نفسها، وهو ليس أمراً سهلاً حتى للغة مبتدئين.

ربما هذا حلم يحتاج لمساهمة من المجتمع كله. فليصنع الناس لغات برمجة عربية أخرى، تعليمية واحترافية وتجريبية. كلمات - لمن لا يعرف - مفتوحة المصدر: يمكن لأي مبرمج أن يدرس الكود ويعرف كيف كتبت. يمكن للمجتمع إن أراد أن يتعلم منها ويصنع مثلها أو أفضل.

الجزء الأخير: الخطوات المطلوبة لتكون كلمات احترافية

(الحديث هنا تكنولوجي وليس اجتماعي، لن أتحدث عن التسويق أو الدعم الفني...الخ ولكن عن تطوير اللغة نفسها).

أولاً: كلمات في صورتها الحالية لغة قوية جداً. فيها مثلاً هذه الإمكانيات:
  • tail call elimination
  • destructuring
  • lambda expressions - في الإصدارة القادمة
  •  green threads
  • CSP channels
وهي إمكانيات معظمها لا يوجد في ++C، ولا بايثون، ولا جافا. (في حالات معينة مثل CSP  يمكن تطعيم تلك اللغات بمكتبات خارجية لتقديم هذه الإمكانيات، لكن في حالات مثل tail calls لا يمكن).

لكن على الجانب الآخر، اللغات الأخرى تقدم تنفيذا سريعاً للبرامج، تقدم garbage collection متقدم عن كلمات (ماعدا ++C التي لا تحب مثل هذه الرفاهيات)، تقدم مكتبات لأي شيء تريده، تقدم ضماناً معقولاً لخلو المترجم والآلة الافتراضية من الأخطاء، وتقدم خاصية استدعاء دوال خارجية [بايثون تقدم ctypes لاستدعاء إجراءات مكتوبة بالسي، جافا تقدم JNI لنفس السبب، سي شارب تقدم P/Invoke، وهكذا).

كلمات تحتاج إذاً، لكي تكون أقرب للاحترافية:
  • تطوير الآلة الافتراضية الخاصة بها (وهي من تصميمي واسمها SmallVM) لتكون أسرع وبجامع مهملات أفضل. أو كتابة نسخة من كلمات تعمل على ألة افتراضية موجودة.
  • ضبط إمكانية FFI الخاصة بها (وهي الخاصية التي تكافيء JNI/ctypes المذكورة بأعلاه). الخاصية موجودة بالفعل في كلمات لكنها تحتاج لاستكمالها.
  • إصلاح الكثير من الثغرات والنواقص الموجودة
  • صنع خاصية multiplexing over threads، ولو تم صنع هذه الخاصية فستكون ميزة نادرة لكلمات، لا توجد إلا في لغات مثل Google Go أو Erlang
  • صنع بعض المكتبات الأساسية مثل web, database, networking
  • عمل كل هذا بدون التأثير على سهولة تعلم اللغة، أو ملاءمتها للأطفال، أو جمالها [ربما يتطلب هذا فصل اللغة إلى لغتين واحدة للاطفال والأخرى احترافية، لكن بنفس الـsyntax تقريباً ونفس المكتبات].
بعض هذه الإمكانيات يجري العمل فيه فعلاً (مثلاً أعمل حالياً في خاصية multiplexing)، والبعض مؤجل للمدى الطويل، والبعض لا أدري إن كنت سأقوم به فعلاً أم لا. من يعلم؟ هؤلاء الذين يطلبون لغة احترافية، ربما يحصلون عليها ذات يوم.

السبت، 3 نوفمبر 2012

عطش للأفكار الأصيلة

حين أقول "فكرة أصيلة" فقولي محاولة لترجمة original idea، والمقصود هو فكرة ليست مجرد تكرار للأفكار المعروفة. وأنا أعيش في حالة عطش دائم للأفكار الأصيلة، ويمكن تلخيص حياتي في أنها رحلة بحث عن الجديد، والنادر، والمبتكر. ولذلك أتحدث عن البرمجة، والرسم، والتأليف. كل من هذه هو ببساطة رحلة بحث عن فكرة جديدة [وتنفيذها].

والمشكلة هي أنني شخص يحب الأفكار الأصيلة يعيش في عالم يحب المكرر والمألوف...

- الشباب الجامعي الذي "يمزح" عن طريق تكرار القفشات من الأفلام الكوميدية.
 - السياسيون الذين يكررون الشعارات كل يوم حتى صارت تصريحاتهم هي clip show من لصق الشعارات ببعضها (والجمهور يحب هذا وينتخبهم).
 - حتى البرمجة؛ يكاد يصير تلخيصها الآن في تطبيقات "خزن البيانات ثم اعرضها"، والـUML ، والـ design patterns.

هل تريد أكبر دليل على كلامي؟ انظر إلى لغة مثل الـ Prolog، إنها "فكرة أصيلة" بمعنى الكلمة، وتغير من تفكيرك في البرمجة تماماً، لكن الجميع يسخر منها لأنها أكاديمية، أو لأنه لم يفهم الcut، أو لأنها لن تأتي له بوظيفة. حتى الذين يحبونها، يحبونها بطريقة "لغة كويسة" وليس بطريقة "أريد أن أعرف المزيد!!".

وفي عالم الشركات الجديدة وريادة الأعمال، توجد هذه الأيام مقولة منتشرة هي "الأفكار ليست مهمة، المهم التنفيذ"، وهذا تحوير ساذج لمقولة أقرب للدقة هي "مهما كانت الفكرة جيدة لن تنجح إن كان التنفيذ سيئاً".

وبحثي عن الأفكار الأصيلة يفسر أيضاً تأييدي لشخص مثل د. أبو الفتوح: في الانتخابات الرئاسية الماضية كانت برامج المرشحين تتراوح بين "ليس لديه برنامج أصلاً" و"برنامج هو ببساطة إعادة صياغة لما يعرفه الناس". شخص واحد حاول (عن طريق الخبراء الذين استعان بهم) أن يأتي بجديد فعلاً، مثل الديموقراطية التشاركية، التخطيط بالمشاركة، ...الخ. لكن لم ينتبه له أحد! حين يسمع الناس مصطلحاً مثل "الديموقراطية التشاركية" يسمعونها "الديموقراطية الجيدة"، ولا يخطر ببالهم أن هذا مصطلح علمي يعبر عن نوع جديد تماماً من الديموقراطية قد يغير من مصير البلد. في مجتمع يحب الأفكار النمطية، حتى الأفكار الأصيلة يظنها الناس نمطية.

وحين بدأت في الكتابة على هذه المدونة، قررت شيئاً: لن أكتب في شيء إلا لو كان الموضوع نفسه جديداً، أو إن كان الموضوع معروفاً فلن أكتب إلا لو كان لديّ نظرة جديدة أو زاوية جديدة له. لن تجد على هذه المدونة مقالاً عن التنمية البشرية مثلاً، أو مقالاً يشرح الـquicksort. بشكل عام إن كان البحث بجوجل عن الموضوع يعطي مئات النتائج فلن أكتب عنه.

ولن يكون للمدونة قراء كثيرون جداً :)

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

أفكار سياسية لحزب مصر القوية

هذه بعض المقترحات مني للحزب في الفترة القادمة [ملاحظة: أنا شخص من خارج الحزب] تنقسم إلى ثلاث أقسام: قبل انتخابات مجلس الشعب، أثناء الانتخابات، والمرحلة الأهم: بعد الانتخابات.

قبل الانتخابات

من المشاكل التي تواجه الحزب - وهي من أكبر المشاكل في رأيي - مشكلة الpositioning، وهو مصطلح تسويقي بمعنى "الفكرة المرتبطة بك أو بمنتجك، بحيث يمكن أن يقال لو كنت تريد _______ فلدينا المطلوب".

الـposition الخاص بحزب الحرية والعدالة مثلاً هو "دولة اسلامية معتدلة". حزب الدستور يحاول الحصول على position في عقول الناس هو "حزب يبحث عن الديموقراطية والحريات". حزب الأمة المصرية (الذي يؤسسه حازم صلاح أبو إسماعيل) ربما يكون الـposition الذي يسعى له هو "دولة اسلامية 'حازمة' بلا تنازلات"، وهكذا. فما هو الـposition الخاص بمصر القوية؟ بدون الإجابة على هذا السؤال أخشى أن يأتي الكثير من الناس فيقولوا "ده حزب كويس" ويسكتوا، بدون حماسة حقيقية أو تقدير للأهمية الحقيقية للدور الذي يقوم به الحزب.

أنا لا أقول أن الحزب بلا موقع محدد، أنا فقط أقول أن هذا الموقع قد يشعر به مؤسسو الحزب لكن لا يوجد تعبير قوي عنه بين الناس..

ما هي اتجاهات الحزب إذاً؟ ربما تكون هذه (في رأيي الشخصي):
  • إسلامي
  • يرى دوراً كبيراً لمسؤولية الدولة [مقابل القطاع الخاص]، في النهضة، رعاية الفقراء، العدالة الاجتماعية...الخ
  • يتسامى عن الصراعات الآيديولوجية أو الصراعات بشكل عام، ويحاول بدلاً من ذلك التركيز على صنع الدولة الحديثة المتطورة، وهذا يتضح من تسميته "مصر القوية"، ويأخذ هذا الموضوع كمشروع بحثي وليس مجرد تقليد لتجارب سابقة.
المشكلة هنا أن هذه الصورة تبدو أعقد من اللزوم أحياناً عند توصيلها للمواطن العادي. الأمر يحتاج قصة موحدة تربط هذه الجوانب. وحين أقول قصة أقصد هذا بالفعل: شيء مجسد يتخيله الناس ويتنفسونه، وليس مجرد مجموعة من الآيديولوجيات.

(أعتقد أن لديّ قصة مناسبة، لكني لا أريد الحديث عنها بعد لأني لم أنته بعد من مراجعة جوانبها المختلفة)

عموماً كما قلت: لابد من تحديد الـposition، وإيصال هذا الـposition لكل أعضاء الحزب وكل من يتعامل معه، ثم انعكاس هذه الفكرة في اللقاءات الصحفية والحملات الدعائية...الخ. لابد أن يوجد فكرة تجعل الناس يقولون "مصر القوية" حين يأتي ذكرها.

أثناء الانتخابات

سوف يكون هناك بعض العوائق لانتخاب الحزب: البعض سيقول أنه بلا خبرة سياسية، البعض سيقول أنه ليس إسلامياً حقاً، والبعض سيقول أنه ليس متجهاً لبناء الدولة الحديثة حقاً، والبعض سيقول "كلام كويس بس احنا عاوزين أفعال".

هناك شيء ربما يساعد في هذا الموضوع (وربما الحزب يقوم به بالفعل وأنا لا أعلم): حزمة من الأفعال.

قوانين مخطط لاقتراحها في البرلمان، قائمة بالقضايا المخطط طرحها للمناقشة، قائمة "بالمواقف" في القضايا المعروفة (الدستور، العدالة الاجتماعية، الانتقال السياسي من النظام القديم لنظام ما بعد الثورة،....الخ). أنا أعلم أن الحزب له مواقف في كل هذه الأشياء لكن يتبقى توثيق كل هذه القوانين/الخطط/المواقف ثم تقديمها للناس بكثافة في الإعلام والحملات الانتخابية. سوف تقولون للناس "ما تنتخبوناش عشان بس شايفيين اننا كويسين أو محترمين أو على كفاءة، انتخبونا لو انتوا واخذين المواقف دي زينا".

هذا الموضوع له مزايا عديدة:
  • بينما بعض الأحزاب الأخرى (وليس بالضرورة كلها) تقدم مجموعة من المباديء العامة، أنتم ستقولون للناخب بالضبط ماذا يمكن أن يتوقع. بدلاً من تقديم "علبة مغلقة" أنتم تقولون له "سوف ترى ما بداخل العلبة قبل شراؤها".
  • المباديء العامة أيضاً مهمة، لكنكم بتقديم هذه القائمة تظهرون مبادئكم وليس فقط تخبرون بها. من الصعب أن أقول أن هذا الحزب ليس إسلامياً إن كان من ضمن القوانين التي سيقترحها أشياء مرتبطة بالشريعة. من الصعب أن اسأل كيف يريد تحقيق العدالة الاجتماعية إن كان هذا الكيف مطروح أمامي كلما ذُكر الحزب. وهكذا.
  • هذا يعطي الناس نقاطاً محددة يتناقشوا فيها، بدلاً من الكلام بأشياء عامة مثل "كويس/وحش/متطرف/معتدل".
  • هذا يطرح القضايا نفسها للنقاش أمام المجتمع، فيكون الحزب قد بدأ بدوره الفكري حتى قبل حصول أعضائه على أية مناصب.
بعد الانتخابات

في الحقيقة لا أتوقع أن يأخذ الحزب مقاعداً كثيرة في الدورة البرلمانية الحالية (هذه طبيعة الموقف الحالي)، لكننا قد تعلمنا من أمثال أ/حاتم عزام أو أ/عصام سلطان أن العبرة ليست بعدد المقاعد، إنما العبرة بما تفعله في منصبك. لابد من استثمار هذا الموضوع. الديموقراطية ليست في أساسها اصوات وعداد، الديموقراطية مبنية على الحوار الديموقراطي، والذي ينبغي أن يحدث هو الوصول لإجماع ياتي من النقاش حول الأفكار، وليس اعتبار عدد الاصوات مثل الأهداف في مباراة كرة.

لكن لماذا نستخدم هذه النقطة فقط في إقرار عدد من القوانين؟ لماذا لا نستخدمها في تغيير شكل الحوار السياسي في مصر؟ :)

في الواقع الحوار السياسي في مصر لا يعجبني كثيراً..إنه لا يخرج في أكثره عن شيء من:
  • التخوين والشائعات.
  • الوصول لحلول وسط بين الأطراف المتنازعة.
  • تبادل الآراء ومحاولة الإقناع بواسطة أساليب إقناعية جدلية مختلفة.
النوع الأول مرفوض، والنوع الثاني ينبغي أن يكون الحل الأخير وليس الوسيلة الأساسية، والنوع الثالث هو الأقرب لما يقوم به المعتدلون/المخلصون، لكنه في الواقع لا يغير الآراء كثيراً. كم مرة تجادل طرفان عن العدالة الاجتماعية مثلاً ثم خرج طرف منهم وقد غير رأيه؟ في الغالب كل من الطرفين لديه حججه التي أقنعته لكنها لن تقنع الطرف الآخر (الذي لديه حجج بدوره).

هناك طريقة رابعة، والذي يقدّم هذه الطريقة إلى سائر أطراف الحوار السياسي المصري سيكون في أعيني بطلاً قومياً. هذه الطريقة هي القرار المبني على البيانات.

هب أننا مختلفون على موضوع مجانية التعليم (في كل المراحل) هل تؤثر على جودة التعليم أم لا. يمكننا أن نقوم بتجربة: خذ أفضل عشرين أو ثلاثين دولة في المجال التعليمي، وانظر لموقف كل دولة فيه من مجانية التعليم. أو خذ إحصائيات عن الدول التي كان تعليمها خاصاً وأُدخلت فيه المجانية، أو العكس، هل حدث تغير ما؟ وهل المجانية كانت هي العامل فعلاً أم كان هناك عوامل أخرى؟ (هنا يفيد النظر للدراسات عالية الجودة التي تتبع المنهج العلمي).

في هذه الحالة قد يجد المواطن نفسه في حوار سياسي مختلف، ويجد أعضاءً يكون ردهم لمن يخالفهم: هذه هي البيانات التي تدعم قراري، فأتني ببيانات أفضل منها.

اقتراحي أن يقوم حزب مصر القوية بتجهيز مركز أبحاث لدعم الحوار السياسي، بحيث يقوم بتجهيز كل عضو بالدراسات والبيانات والإحصائيات في كل قضية سوف تناقش قريباً في البرلمان، بحيث يكون النقاش دائماً بهذا المستوى ولا أقل من ذلك.
على المدى الطويل، هذا قد يدفع أحزاب أخرى كثيرة وأفراد إلى استخدام نفس الأسلوب، ويجعل المواطن يعتاد على هذا ويكون له معياراً عند اختيار من يمثله.

وهذا قد يكون ما يأتي بمصر قوية حقاً.

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

طيب ليه المجتمع ما بقاش فجأة مليان بطلبة العلم؟

نحن الآن في عصر الوفرة المعلوماتية. من أراد أن يتعلم سيجد مئات الكتب والدروس والفيديوهات والأوراق البحثية والبرامج والـsource code. لكن ليس الكثير يستغلون هذه الموارد. لماذا؟

هذا سؤال جاد يستحق إجابة جادة. وهذا المقال رسالة إلى كل من يريد النهضة: النهضة لن تأتي بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم. إن لدينا بالفعل ما يكافيء مدرسة وجامعة ومكتبة في كل بيت متصل بالإنترنت؛ ولن تضيف الأجهزة اللوحية كثيراً إلى هذا. فكر لماذا لم يستفد أحد من الموارد الموجودة قبل أن تسارع لعمل صفقة للاستحواذ على موارد جديدة.

هل هو الوقت والمال؟

أحياناً هذه أسباب حقيقية: هناك بيوت ليس لديها أموال لشراء الكتب، أو الاشتراك بالإنترنت. هناك أشخاص وظيفتهم هي كل حياتهم، وبالكاد لديهم وقت لأسرتهم ناهيك عن العلم. إذاً جزء من النهضة هو السير في طريق العدالة الاجتماعية حتى يطمئن الناس على قوتهم وقوت أطفالهم، ويكون لديهم disposable time, disposable income يقضونه في نشاطات أخرى.

ولكني أقول أن نقص الوقت والمال ليس السبب الرئيسي، فهناك طبقات اجتماعية كثيرة لا تعاني من نقص فيهما، وتراها تبحث بحثاً عن طرق لإنفاق وقتها ومالها: هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.

لا أقصد أنهم تافهون: ربما بعضهم كذلك لكن كثير منهم تراه يتمنى فعلاً النهضة ويتحدث عن قيمة العلم ويقارن حالنا بحال الدول الغربية...الخ. فما السبب إذاً؟

القصور الذاتي

Every object in a state of uniform motion tends to remain in that state of motion unless an external force is applied to it.
Newton's first law of motion

مثل الأجسام المادية، فإن كثيراً من الناس ببساطة يعيش حياته كما هي، إلى أن تأتي قوة خارجية تؤثر عليه. معنى ذلك أن العلم لو لم يكن بالفعل مستشرياً فسيميل المجتمع إلى البقاء في تلك الحالة حتى يُبذل جهدٌ حقيقيٌ في تغييرها.

هناك جهود كثيرة مبذولة في ما يسمى التنمية البشرية، لكن لا يوجد جهد مكافيء في العلم الحقيقي. في أحسن الأحوال هناك مبادرات على غرار "مصر تقرأ" لكن لا تؤخذ هذه الأمور بجدية مثلما تؤخذ "صناع الحياة" أو غيرها. هذا يفتح الباب لنسأل: ما الأسباب التي أدت لذلك؟ ربما يحتاج هذا السؤال مقالاً آخر.

ومعظم الناس ببساطة لم يفكروا في الموارد الموجودة أو لم يسمعوا بها. كيف نخبرهم؟

وكثير من المؤسسات الفكرية النهضوية (وليس كلها) تبحث عن التوعية أكثر منها العلم. وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".

ولابد من البحث عن الأسباب.

"ولكن كيف سيؤثر في حياتي؟"

برامج التنمية البشرية لا تستحي من التهويل في أثرها: ان شعار كثير منها حرفياً هو "ايقظ المارد الموجود بداخلك". هم يقدمون لك فكرة أنك ستكون إنساناً أكثر نجاحاً وأقرب للسعادة وأكبر تأثيراً لو نميت نفسك على طريقتهم. أما العلم فماذا سيغير في حياتك؟

فلنفترض أنك قد قرأت وقرأت وقرأت، وتعلمت البرمجة، أو قرأت في الفيزياء، أو في التاريخ، أو في علم الفلك، أو في الاقتصاد، فماذا بعد؟

هناك بالطبع أشخاص يعتبرون العلم هو نفسه المكافأة على التعلم. ماذا عن الباقي الذين يريدون أن يتعلموا لا للعلم لكن لأهداف أخرى؟ وكيف نستكثر من الذين يحبون العلم في حد ذاته؟ ولماذا نرى أن هذا شيء مطلوب لنهضة المجتمع؟

"ولكن العلم ممل"

الحرارة النوعية هي كمية الحرارة اللازمة لرفع درجه حرارة 1 كيلوجرام من المادة بمقدار درجه واحدة. ويرمز لها بالرمز (c) ووحداتها في النظام الدولي هي (جول/كيلوجرام/كلفن).
من ويكيبديا

لماذا أراك تحب الكتب هكذا؟ أنا لا أحب الكتب! هل رأيت كتب المدرسة؟
من حديث مع أقاربي


مشكلتنا لها نواح متعددة: بدايةً معظمنا، في أول خبرة له بالعلم، يرى العلم في الكتب المدرسية، والكتب المدرسية المصرية (وربما هذه مشكلة عالمية) تبدو بلا اتجاه ولا هدف، بل هي مجموعة من الحقائق المرصوصة بعضها بجوار بعض.

المشكلة الثانية أن العلم فعلاً - ولو خارج الكتب المدرسية - يقدم بطريقة جافة مجردة. ومعظم الذين يسعون لحل المشكلة يركزون على جزء "جافة" بأن يضيفوا الرسومات والألوان والحركة ولا يقتربون من جزء "مجردة". ما معنى الحرارة النوعية؟ لا أقصد المعنى المذكور في التعريف، ولكن المعنى مثلما نقول "حياتي لها معنى"...ما السبب الذي جعلنا نعرّف الحرارة النوعية ونضعها في الكتب؟ ما دور هذه المعادلة في سير الطبيعة وفي الاستفادة من العلم؟ ما هو الـraison d'etre لهذا القانون؟

وكيف "أشعر" بهذا القانون وليس فقط "اعرفه"؟ هذه نقطة لا ينتبه لها البعض: أن القوانين لا توجد في الورق ولكنها تتمثل في الطبيعة المحسوسة. لماذا نسلق اللحم في الماء لكن نقليه في الزيت؟ ما علاقة هذا بالحرارة النوعية؟ حتى القواعد التي تبدو مجردة مثل قواعد النحو أو البلاغة، لماذا هي كما نراها وليس بصورة أخرى؟ مثلاً لماذا نضع بعض الطلبات في صورة سؤال مثل "could you pass the salt؟"، وما الأثر النفسي لهذه الصياغة على السامع، وما سبب ذلك الأثر؟

"ولكن العلم صعب"

وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".
 — أنا، من جزء سابق في هذا المقال

هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.
  — أنا برضه

 الحديث عن العلم أسهل من الدخول في التفاصيل العلمية. مشاهدة المسلسل أسهل من تعلم البرمجة. إن كنا نبحث عن الأسباب فهذا سبب.

لكني أعتقد أن الصعوبة هي شيء نسبي: في طفولتي كان كثير من الأطفال يبرمجون، وكان هناك مجلات وكتب متخصصة للأطفال المبرمجين. وكان الأطفال يصنعون الصور في الألعاب بالأكواد الhexadecimal. وكان هذا في العالم العربي مثلما كان في الغرب.

وفي هذه الأيام هناك نشاطات كثيرة يمارسها الأطفال والشباب تظنها صعبة حين تفكر فيها. هناك أشخاص كانت أول خبرة برمجية لهم في تصميم مستويات جديدة في الألعاب التي يلعبونها game modding. هناك من يخرجون من الحيز الإلكتروني إلى الحيز المادي ويقومون بتعديل سياراتهم بتصميمات جديدة car modding، (هناك بالمناسبة مجتمعات لتعديل السيارات ضمن الشباب المصري).

وفي الغرب نجد من يهوى تسلق الصخور أو تمثيل الأحداث التاريخية. وفي العرب من نجده يهوى الصيد أو ركوب الخيل. لم تكن الصعوبة حائلاً بين الشخص وما يريد إن كان يريده بما يكفي. فكيف تجعلهم يريدون؟

 ولن تكون النهضة العلمية بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم.

السبت، 6 أكتوبر 2012

احذر: قد تكون لا تريد النهضة

كان البعض يقول أن الحرية ممكنة إذا كان الشعب يريدها حقاً. يظن المرء أن هذا شعارات، ثم جاءت الثورة المصرية وتعلمت أن العبارة صحيحة لكن جزء "يريدها حقاً" له معنىً كبير: هل الشعب يريد الحرية لدرجة أنه مستعد أن يُضرب بالأمن المركزي كلما نزل للميدان، وأن يموت منه ضحاياً، وأن يترك حياته ليمكث في الخيام مهما طال الوقت؟ إذن الحرية ممكنة.

ماذا عن النهضة؟ إن لم يحدث الشيء فقد يكون السبب هو (1) عوامل خارجية تعوق حدوثه. أو (2) صاحب القرار [المجتمع في حالة النهضة] لا يريد للشيء أن يحدث.

وكلا السببين مشروع: أحياناً يكون عوامل خارجية وأحياناً غياب للإرادة، لكن في الظروف الحالية غياب الإرادة أمر أريد الحديث عنه.

منذ مائة عام ربما قلنا أن العوامل الخارجية عائق يصعب التغلب عليه: كيف ستعلم كل هؤلاء الناس؟ كيف ستبني البنية التحتية للدولة؟ كيف ستغير المجتمع؟ ما الطريق الصحيح؟

لكننا الآن في عصر مختلف: اليوم هناك وفرة معلوماتية، وكل منا يستطيع - إن أراد - أن يحصل على تعليم يكافيء جامعة أجنبية كاملة فقط من المواد التعليمية المتاحة بالمجان على الإنترنت.

فإن أراد سد الفجوة التكنولوجية فهناك نظم تشغيل كاملة مفتوحة المصدر يستطيع أن يدرسها أو يعلمها للآخرين، ومترجمات لغات برمجة، ونظم ذكاء اصطناعي، وبرامج رسومية. هناك أيضاً نظم hardware مفتوحة المصدر، وهناك تصميمات كاملة لشرائح CPU قديمة لكن يمكن البدء بها ولو كهواية.

وإن أراد إصلاحاً سياسياً فالمجتمع المصري نفسه مليء بالخبراء الذين لديهم رؤىً ومشاريع منذ عقود، ومليئ بالمصادر لمن يريد التعلم. قل لي: هل ثقفت نفسك سياسياً؟ ماذا تعرف عن نظم الحكم؟ عن نظم الإدارة؟ عن أنواع الديموقراطية؟ عن النظم الاقتصادية؟ كيف تحدد من ستنتخب إذاً؟ هل تظن السياسة هي التصفيق لشخصيتك المفضلة أو حزبك المفضل؟

فإن أراد فتح شركة فهناك عشرات الطرق للحصول على تمويل في الوطن العربي.

فإن أراد تطوير التعليم فهناك تجارب ناجحة يمكن دراستها (ذكرت منها الكثير على هذه المدونة).

هذا إن أراد.

طبعاً الأمور ليست مظلمة، هناك بالفعل مبادرات فردية وجماعية في هذه المجالات. هناك من يعلمون أنفسهم ويعلمون الآخرين ويفتحون شركات. على الأقل جزء من المجتمع لديه تلك الإرادة - الحقيقية وليست الشعارات - للنهضة.

لكني أتمنى أن يكون الأمر أسرع. أن يكون هناك جزء كبير فعال في المجتمع يدرك أن النهضة ليست حادثة ينتظرها، بل شيء يستطيع أن يبدأ فيه من اليوم.

الجمعة، 28 سبتمبر 2012

المستقبل للحوسبة

في كاليفورنيا، تم السماح قانونياً بتسيير السيارة التي تقود نفسها. هل هي سيارة حقاً؟ هي مليئة بأجهزة الرادار، الكاميرات، GPS، والقائد الذي يتعامل مع كل هذه الإشارات، يفسر الصور ويخطط للرحلة ويرسل الأوامر للسيارة، هو في النهاية برامج. هو algorithms. هو حوسبة. ما نسميه سيارة يسميه آخرون كمبيوتر على عجلات. والتحدي الأكبر في صنع السيارة لم يكن الجزء الميكانيكي، بل الـAI, Computer Vision, ...الخ

ماذا عن السيارات "المملة" التي يقودها إنسان؟ مليئة هي الأخرى بالحوسبيات. يقول هذا المقال أن بعض السيارات المرسيدس الحديثة بها حوالي 100 معالج دقيق، ويتحدث بالتفصيل في هذا الموضوع.

فلنترك العملي ونذهب للنظري: نظرية الألوان الأربعة Four color theorem لم يكن من السهل إثباتها بالورقة والقلم مثل النظريات الرياضية التقليدية، بل تم الاستعانة بالكمبيوتر في إثباتها (اختزال كل الحالات إلى بضعة آلاف من الحالات الخاصة، ثم التأكد بالكمبيوتر أن كل من هذه الحالات الخاصة يمكن تلوينها بأربعة ألوان). هنا لم يكن الكمبيوتر يقوم بدور "IT"، بل بدور بحثي علمي صرف.

ماذا عن الروبوتات؟ هذا الروبوت الذي صممته تويوتا، هل تظنه مجرد أجزاء ميكانيكية مترابطة، تم تجميعها بمفك؟ لو كنت مبرمجياً لأتى على بالك كمية البرمجة المطلوبة ليعمل مثل هذا الجهاز مثلما تراه يعمل.

وسوف يكون للروبوتات دور كبير عسكري. هل لعبت ألعاباً استراتيجية مثل Red Alert أو Age of empires؟ الآن تخيل لو كان الذكاء الاصطناعي الخاص بهذه الألعاب قد ارتفع مستواه كثيراً، وصار يتحكم في "وحدات" حقيقية. جيش من بضع عشرات من الآليين يفكرون كأنهم عقل واحد ينفذون خطة مشتركة. من سيبرمج هذا؟

لاحظ أن مصطلح الحوسبية ليس معناه "اخبرني نتيجة 5+12" فحسب. بل إن كل ما يلي جزء من الحوسبة:
  • برنامج يأخذ صورة ويضع دائرة حول كل الوجوه البشرية فيها.
  • برنامج يخطط أفضل مسار للسيارة للوصول إلى شارع معين.
  • برنامج يأخذ وصفاً للوحداث العسكرية المتاحة والبيئة المحيطة ويقدم خطة حربية.
  • برنامج يأخذ بيانات المبيعات للعشر سنين الماضية ويقدم نصائح لخطط تسويقية أفضل.
  • برنامج يأخذ خريطة للموائد في قاعة الاحتفالات، وقائمة للمدعوين والعلاقات بينهم [صداقة، أسرية] ويقدم خطة مثلى لتوزيع المدعوين على الموائد.

الآن المفاجأة: هل تعلم أن كليات حاسبات في مصر تعمل في هذه الأشياء منذ سنين؟ لدينا مشاريع تخرج في الرؤية بالكمبيوتر، في أشياء مرتبطة بالروبوتات. في التخطيط الأوتوماتيكي في الألعاب الاستراتيجية. وأكثر.

لهذا أتمنى أن تأخذ حاسبات فرصتها، لأنها أكبر بكثير من "الكلية اللي بتطلع مبرمجين يشتغلوا في شركات برمجة". إنها الكلية ذات الموقع الأساسي في النهضة وصنع المستقبل. والعناية بها قد تجعلنا من "اللاعبين" في الملعب التكنولوجي العالمي بدلاً من "المتفرجين".

لا يهمني كثيراً اللقب والنقابة، بل يهمني أن تكون الكلية في مستوىً علمي يرتفع باستمرار. أن تجذب المواهب إليها (معلمين أو طلبة جدد). أن تُحل مشاكلها الإدارية. أن يكون طلبتها وخريجوها طموحين يريدون تغيير العالم و"حوسبته". أن يعرف المجتمع عن هذه السبل التنموية ويدعمها. التطوير. المستقبل. النهضة.

الخميس، 20 سبتمبر 2012

يا مدارس يا مدارس، لزمتك ايه؟

 يا مدارس يا مدارس، قولي لي إيه لزمتك؟
ليه أروحك كل يوم، واستحملك؟
عملت إيه بالهرولة، والقسمة المطولة،
والجغرافيا والـmental arithmetic؟

لابد لنا كمجتمع أن نناقش الهدف من هذه المؤسسات التي نعتمد عليها -- المدارس والجامعات، قبل أن نفكر في تطويرها أو تقييمها.

الإجابة التقليدية لسؤال "ما الهدف" تكون غالباً مبسطة جداً: الهدف من الجامعات هو الإعداد لسوق العمل، والهدف من المدارس هو الإعداد للجامعات. هذا يتماشى مع قصة حياة كل منا. لكن هذه الإجابة المبسطة لا تفسر أشياء كثيرة. مثلاً:
  •  لماذا يعلمونهم الضرب والقسمة المطولة بينما الآلات الحاسبة متوفرة في كل مكان؟
  • لماذا أخذنا جغرافيا؟ الضغط الجوي؟ كيمياء؟
  • ما فائدة مادة الـProlog في كلية الحاسبات؛ بينما لغة البرولوج ليست شائعة في سوق العمل؟
  • وفي الواقع، ما فائدة حاسبات نفسها بينما الكورسات تملاً البلد؟
  • وما فائدة الكليات التي تدرس التاريخ مثلاً؟ أو الآدب؟ وماذا يهمنا في تطور الشعر في حقبة كذا؟ 
أفكر في هذه الأمور، وأقول هاهنا أفكاري..

الهدف الأول هو الحفاظ على التراث العلمي للبشرية. الضغط الجوي الذي نأخذه في الإعدادية كان نتيجة أبحاث علماء في النهضة الأوروبية، وكانت تلك الأبحاث مسبوقة بنقاشات ونظريات (كثر فيها المغالطات) بدأت منذ عهد الفلاسفة اليونانيين. القسمة المطولة من أيام الخوارزمي. حساب المثلثات ازدهر كذلك في الدولة الإسلامية.

كل كلية كذلك تغطي العلم في مجالها. كليات الطب والهندسة تحافظ على علم أخذ قروناً حتى تشكل، بينما كلية حديثة نوعا ما مثل حاسبات تحافظ على قرن تقريباً من التطور العلمي، وإن كان علم computer science له جذور في علوم أخرى قديمة.

الهدف الثاني (خاص بالمدارس) هو تقديم خلفية علمية واسعة. أنت في المدارس تأخذ رياضيات، لغة، جغرافيا، طبيعة...الخ...الخ. هذا يفيدك في الحياة بطرق قد تشعر بها أو لا تشعر..

مثلاً لو تذكرت أنه هناك في إفريقيا مخزون كبير من المواد الخام لم يستنفذ بعد؛ قد تفهم لماذا تدار الحروب هناك بهذا الشكل؛
نفس الفكرة لو تعمقت فيها تفسر بعض أسباب بقاء الحكم الديكتاتوري في الشرق الأوسط كل هذه الفترة، أو صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، أو...أو...

لو فهمت النحو جيداً، قد يفيدك في دخول مجال اللغويات الحوسبية في المستقبل وعمل برنامج للترجمة الآلية.

لو فهمت مباديء الرياضيات، يمهد هذا لفهم مباديء الاقتصاد، وبالتالي تكون أقدر على الدخول في حوار قومي عن شكل الدولة ودورها، أو انتخاب أشخاص ذوي أفكار معينة وتجنب آخرين.

هل تفيد الخلفية العلمية الواسعة شيئاً غير هذه الأمثلة العملية؟ هنا بيت القصيد، والهدف الحقيقي من هذا المقال: الخلفية العلمية توسع فكرك.

هذا من أهم ما تقدمه المدارس والجامعات على الإطلاق. على الإطلاق!

ربما لا أحتاج لتطبيق القسمة المطولة لأن الآلات الحاسبة متوفرة، لكن فهم القسمة المطولة سيفيدني جداً!
- سوف يعلمني ما معنى الخوارزمية وكيفية تنفيذها.
- سوف يعلمني طرق رياضية مهمة: كيف أقسم المشكلة إلى أجزاء صغيرة وأحل كل جزء وحده ثم أجمع الحلول لتصير حل المشكلة الأصلية.
- سوف يعلمني أهمية التعبير عن الأعداد بطريقة معينة (مثل النظام العشري) تسلم نفسها للعمليات المطلوبة كالضرب والقسمة.

اسمعك تقول أنك لم تر في حياتك أحداً تعلم هذه الأشياء. أرد فأقول لك: أليس معنى ذلك أن مقالي هذا مهم للغاية؟ :)

مثال آخر: لغة Prolog في حاسبات..
- سوف أتعلم منها أهمية كتابة برنامج يعبر عن الهدف الذي أريد تحقيقه، وليس وسيلة تنفيذ ذلك الهدف.
- سوف أتعلم منها أن البرمجة لها صور كثيرة غير الصورة المألوفة؛ وربما يدفعني هذا للتفكير في صور جديدة.
- قد أتعلم منها أنه يمكن فصل البرنامج عن وسيلة تنفيذه (أي أن نفس البرنامج يمكن تنفيذه بطرق متعددة).

مشكلة هذه الأشياء، سواء في مثال القسمة أو البرولوج، أنها أشياء لا تظهر بصورة واضحة: إنها أشياء لا أكتبها في السي في ولن تُسأل عنها في الإنترفيو، وبالتالي لا ينجذب لها الكثير. لكنها أفكار تأتي بالعباقرة..إنها أفكار تدفع المعرفة البشرية للأمام.

هل تعلم أن الشريحة الإلكترونية في جهاز الكمبيوتر تقوم بالجمع والطرح والضرب بطريقة شبيهة بما أخذت في المدرسة (لكن بالنظام الثنائي)؟ تخيل لو كانت الآلة الحاسبة موجودة وقتها ولا يتعلم أحد سوى بها، والجميع لا يعرف معنى الضرب أصلاً أو خوارزمية القيام به؛ بالنسبة له الضرب هو لغز بلا حل سوى بالآلة الحاسبة -- كيف كانت ستتطور البرمجة؟

وقد قرأت ذات مرة ورقة بحثية كاتبها يجمع أفكار من البرمجة، مع نظريات Piaget للتطور المعرفي، مع شكل الفيزياء الذي كان يتغير، مع التطورات الجديدة في الإلكترونيات، كل هذا ليصمم جهازاً جديداً يكون رفيق الطفل في تعلمه وتفكيره.

أو لغة Erlang، وهي تجمع بين نموذج Actor model، نموذج نظري حوسبي، مع أفكار عن الـfault tolerance، وتم عمل أول إصدارة بها بالبرولوج (!)، لتكون أحد اللغات المفيدة التي تستخدمها شركات مثل Ericcson، Facebook، Amazon...شركات كبيرة رابحة.

هذه هي ميزة الخلفية العلمية الواسعة: هات أفكاراً من التاريخ واللغة، أو الفيزياء والبرمجة، أو الرسم والرياضيات، أو من ثلاثة مجالات أو أربعة، وقدم للبشرية شيئاً جديداً.

وقتها لا يكفي أن تعرف "اقل ما يمكن لدخول سوق العمل"، بل لابد من أن تدخل في النظري والعملي، القديم والجديد، المعروف والمغمور. لابد أن تتعلم جيداً.

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

ابتكار وتطوير لا إبداء رأي

حين تدخل في حوار مع الناس: هل تتحدث بنية الابتكار والتطوير أم تتحدث بنيّة إبداء الرأي؟

مجتمع لا يفعل شيئاً

عوائق تاريخية كثيرة منعت المجتمع من أن يشعر أنه يتحكم في واقعه: حكم مستبد، مشاكل اقتصادية، تعليم مبني على التلقين..وضع هذا الأمر الناس في بيئة فكرية تعوق التفكير في العمل وتركز على إبداء الرأي: الأكثرية ترى نفسها مشجعين وليس لاعبين. جماهير وليس مؤديين. نقاد وليس مبتكرين.

لذلك فإنه بالنسبة لهم كل كلمة تقال هي "رأي".

حين أنتقد شكل النشاط الحالي في الـACM مثلاً، فإن الرد الذي أتلقاه دائما هو: لماذا ترى أن الـACM غير مفيد؟؟ لم أسمع أبداً عمن يسأل عن شكل البدائل وكيف يمكن تطوير النشاط ويستزيد من التفاصيل في هذا. الآن تعال نحلل الأمر حسب خلفية المتحدثين:

- لو كنت تفكر بنية المخترع، فأنت دائماً تبحث عن الثغرات في كل شيء من أجل الإتيان بجيل قادم من ذلك الشيء، يتلاشى الثغرات وأكثر.

- ولو كنت تفكر بنية إبداء الرأي، فأنت تفكر هل الشيء الحالي، في صورته الحالية، جيد أم سيء بدون التفكير في الصور الأخرى التي يمكن أن يكون عليها.

وكيف سنتقدم للأمام هكذا؟

هب أنني ذكرت مشكلة ما في تعريب العلوم. مشكلة لأول وهلة تبدو صعبة.

- لو كنت من مدرسة "إبداء الرأي" فسيكون ردك أن كيف أن هذه المشكلة ليست عائقاً حقيقياً، وسوف تتخذ موقفاً دفاعيا.

- لو كنت من مدرسة "الابتكار والتطوير" فستكون سعيداً لأن هذه النقطة قد أثيرت، وتبدأ في أن تفكر: كيف يمكن حلها؟


وإن الطريق طويل. وسوف تجد أنصار التعريب أنفسهم يمثلون عائقاً فيه: كلما جئت بمشكلة مشروعة في طريق التعريب، سوف تجد من يهاجمك لأنه قادم من خلفية "إبداء الرأي"، ويفسر كل كلامك على أنك عدو التعريب.

ولقد مللت. دائماً الحوار في صورة "كذا كويس، كذا وحش". هل نحن نقاد ارستقراطيين، نرتدي المونوكل وندخن البايب، ونجلس نشاهد الأوبرا؟ لماذا لا يكون الحوار أكثر عمقاً؟

حوار سطحي

هناك طبعاً ميزة لإبداء الرأي، هي أنك لا تحتاج للتحدث بكثير من التفصيل. لو كنا نتحدث مثلاً عن مجانية التعليم، فإن أكثر حجتين أسمعهما هي "سوف يفشل التعلم لو صار مجانياً" أو "كيف نترك التعليم للأغنياء فقط". لو استزدت من المتكلم فكثيرا ما لا تجد المزيد.

كم من الناس حاول أن يجيب على السؤال إجابة مستندة على بيانات؟ من قام بعمل حصر للدول المتقدمة علمياً، ثم رأى كم دولة فيهم ذات تعليم مجاني أو تعليم بمقابل؟ هذا الموضوع لا يأخذ أكثر من عشر دقائق على الويكيبديا، لكن قبل ذلك يأخذ رغبة حقيقية في التخطيط لمستقبل المجتمع وليس مجرد إبداء رأي مثلما تبدي رأيك في مطرب أو فريق كرة.

والحوار السياسي المصري، إلا بعض الاستثناءات، دائماً في هذه الصورة:
1- اختر شخصية أو فئة من الناس معروفة سياسياً.
2- هاجمها، أو دافع عنها، أو هاجم من يهاجمونها.
فإلى متى؟

وكم من زوج أخذ يسرد عيوب زوجته (أو العكس)، بدلاً من التفكير في أسباب المشاكل بينهما وحلها؟

وكم من شخص كبير أخذ يشتم في "شباب اليومين دول"، بدلاً من أن يدرس كيف يفكرون أو يدرس كيف يطورهم نحو الأفضل؟ إن فئة مثل الألتراس قد تصبح قوة اجتماعية مؤثرة (ليس فقط كثوريين) لو أحسن توجيهها، لكننا لا نرى إلا هجوماً عليهم أو مدحاً فيهم.

وكم من شخص يمدح شركة مثل مايكروسوفت أو جوجل ويتخذ من نفسه مشجعاً رسمياً لها، بدلاً من أن يفكر في الدروس المستفادة من إدارة هذه الشركات، بهدف تصميم "الجيل القادم" من شركة البرامج المتطورة؟

وكم من شخص لا يقول سوى "مصر مافيش زيها" أو "مصر متخلفة"، بدلاً من أن يقوم من على مقعده الوثير، ويعمل عملاً حقيقياً، ويبذل جهدا حقيقياً، في أن يرى القيم الإيجابة الموجودة في المجتمع المصري ليقويها، أو القيم السيئة ليغيرها؟ لا اقصد شعارات أو بديهيات، بل دراسة حقيقية مبنية على الملاحظة العلمية؟

الخميس، 23 أغسطس 2012

عن حاسبات ونقابتها نتحدث

هناك ثلاث نقاط سوف ندخل فيها في هذا المقال. وأظنه مختلف عن معظم ما قرأت في هذا الموضوع.
  • ماذا عن إنشاء نقابة خاصة بخريجي حاسبات ومعلومات؟
  • وماذا عن لقب "مهندس برمجيات"؟
  • وماذا عن منع مزاولة المهنة لغير خريجي حاسبات؟
المفروض أن يكون الحكم على الأفكار وليس الأشخاص، ولكن رغم ذلك سأقول (لكي يكون الجانب الذي أتخذه واضحاً): أنا خريج حاسبات ومعلومات عين شمس، ومعيد سابق فيها، وقد قدمت للكلية الكثير ولا أزال، وأنا ممن يرون أن علوم الحاسب من شأنها رفع المستوى العلمي للمجتمع كله ودفع المنطقة للنهضة العلمية، ومشاريعي الحالية تثبت ذلك فعلاً لا قولاً.
ثم بعد ذلك...

ماذا عن إنشاء نقابة خاصة بخريجي حاسبات ومعلومات؟

هذا أمر لا مشكلة عندي فيه. إن استوفت الكليات وخريجيها الشروط القانونية فلماذا لا يكون لديهم نقابة؟ هذا أمر طبيعي وكل المتخصصين في المجالات الأخرى يتمتعون بمميزات النقابات. أمر طبيعي وليس مثيراً للجدل.

ماذا عن الانضمام لنقابة أخرى مثل المهندسين أو العلميين؟ أقول لماذا؟ نحن لنا مجالنا الخاص، ولا أسمع أحد يقول لخريج هندسة انضم لنقابة العلميين أو ينصح خريج حقوق أن ينضم لنقابة التجاريين؛ ولا أجد معنى لهذه الأفكار.

وماذا عن لقب "مهندس برمجيات"؟

 لا أرتاح كثيراً لهذه النقطة، وأعتقد أن الهوس المستمر للحصول على لقب "مهندس" له أضراره.

مثلاً، هناك نداءات من حين لآخر بجعل الدراسة في حاسبات خمس سنوات بدلاً من أربعاً إن كان هذا سيسهّل الحصول على اللقب. هذا أمر سيء لأنه يخلط قضية تعليمية بقضية أخرى اجتماعية. الأسوأ أن الذين يطرحون هذه النقطة كثيراً ما يخفون نواياهم الاجتماعية ويظهرون الأمر تعليمياً بأن يقولوا أن الدراسة بالكلية لا تكفي لها السنوات الأربع...الخ؛ هذا يؤدي لحوار مسرحي سخيف تجد قليل من الصادقين فيه، والباقي يقولون شيئاً ويعنون شيئاً آخر.

أنا مقتنع بالأربع سنوات، لكني مستعد للسماع للرأي الآخر بشرط أن يكون رأياً تعليمياً وليس برأي سياسي/اجتماعي متنكر في صورة خوف على المستوى العلمي، وحتى الآن لم أر رأياً كهذا.

نقطة أخرى هامة، أن Computer science هي أمر أكبر من هندسة أصلاً!

لو نظرت للفلسفة وراء علوم الحاسب، فستجد أن لها وجهاً رياضياً، ووجهاً تكنولوجياً قريباً من الهندسة، ووجها علمياً قريباً من العلوم الطبيعية مثل الفيزياء أو علم الفلك. إن الحوسبة هي علم جديد ناشيء ولتطوره تبعات على الفكر البشري في القرن القادم، ولو حصرنا مجالنا في الجانب الهندسي فإننا قد نحظى على المدى القريب ببعض القبول في المجتمع، لكننا على المدى الأبعد قد نفقد فكراً ووعياً مجتمعياً أكبر بكثير.

لماذا نبحث عن الحل السهل ونأخذ لقباً من مجال يشبه مجالنا في بعض جوانبه؟ ألا ينبغي أن نصنع قصص نجاحنا ولقبنا بأنفسنا؟

لماذا لا نبهر المجتمع بالمشاريع والشركات والأبحاث وقصص النجاح حتى يدرك إدراكاً حقيقياً من نكون وماذا نفعل؟

لماذا نتمسك بألقاب من الماضي بينما يمكن أن نكون المستقبل؟

لماذا نحاول إرضاء مجتمع لا يفهمنا بدلاً من أن نغيره؟

لأن لقب المهندس أسهل؟ وهل نختار الحل السهل أم الحل الصحيح؟

وماذا عن منع مزاولة المهنة لغير خريجي حاسبات؟

(إضافة: هذا هو المصدر للمادة المقدمة الخاصة بمزاولة المهنة. صفحة 12، مادة 40).

إن أردت إبطاء معدل النهضة في المجتمع، افعل ذلك.

هل تعلم أن العالم الآن يسير نحو نشر البرمجة للجميع، خريجي علوم حاسب أو لا؟

هل تعلم أنه قد ظهر في الولايات المتحدة كادر جديد اسمه الصحفي/المبرمج، وأن كليات صحفية مثل كلية الصحافة بجامعة ميزوري، أو جامعة كاليفورنيا في بركلي، صاروا يضيفون مكونات برمجية إلى الكورسات؟

هل تعلم أن جامعة ستانفورد بها مركز أبحاث للحوسبة القانونية، لدراسة تأثير التكنولوجياً على النظام القانوني للدولة؟

هل تعلم أنه هناك اطفال في سن العاشرة قد طوروا برامج iPhone؟ وفي سن الثانية عشر أيضاً؟ هل تعلم أنه هناك مصري في الخامسة عشرة من ضمن هؤلاء، وأنه ليس وحده، فهناك مبرمجون كثيرون في سن المراهقة في الوطن العربي، يعرفون PHP, Visual Basic,...الخ؟

هل تعلم أن كثير من رواد الأعمال في مصر والوطن العربي يفتحون شركات تنتج تطبيقات، بينما كثير منهم من خلفية غير برمجية؟

فهل نريد لمجتمعنا أن يأتي بالصحفيين المبرمجين والمحامين المبرمجين والأطباء المبرمجين ويدفنهم قبل أن يظهروا؟ وأن يأتي بالاطفال والمراهقين الأذكياء ورواد الأعمال ويقول لهم "عذراً! اوقفوا تقدمكم سنوات حتى تصيروا خريجي حاسبات؛ إن صرتم"؟

هل نغلق الأبواب بينما غيرنا يفتحها؟

خاتمة
 
هناك تقسيم مزيف للمجتمع أن الناس محصورون بين "حاسباتجي يوافق على قانون النقابة" و "حاقد يرفض القانون". هذا المقال أحد وسائل نفي ذلك: أنا حاسبتاجي وأحب حاسبات حتى النخاع، لكن أرفض القانون الحالي الظالم.

ولقد أخطأ المسؤولون عن هذا القانون (ESEA) حين جمعوا بين شيء تتفق عليه الأكثرية (النقابة) وبين بنود تعبر عن آرائهم الشخصية. وإني أرى في الإصرار على البنود الأخرى ليس فقط ضرراً للمجتمع، ولكن أيضاً ضرراً لخريجي حاسبات أنفسهم، لأن مثل هذا القانون سوف يلاقي رفضاً من المجتمع ويعوق مشروع النقابة الذي نتمناه جميعاً.

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

رفع المستوى الفكري، من أجل مصر القوية

(ملاحظة: أنا أمثل نفسي فقط والآراء المكتوبة آرائي، ولست عضواً في مؤسسة مصر القوية أو أي حزب سياسي، وحين أقول "نفعل كذا" فهي صيغة أدبية لا أكثر)

كنت أيام الانتخابات اتحدث عن برنامج د. أبو الفتوح، وكان هناك اختلاف بين الآراء..

رأيي أن البرنامج مذهل، وأنه لو تم تنفيذه جيداً فسيجعل مصر ليس فقط تلحق بالدول الغربية، بل تسبقها. أما رأي أغلب من أتحدث معهم فهو أنه برنامج "كويس" لا أكثر.

نعم، لقد حصل د. أبو الفتوح على ملايين الأصوات، لكن كم من هذه الأصوات كان بسبب البرنامج، وكم بسبب عوامل أخرى مثل إخلاصه أو تاريخه أو شخصه...الخ؟

ونحن الآن نبدأ العمل السياسي والحزبي والمجتمعي، وهناك طرق لتنفيذ ذلك البرنامج غير مؤسسة الرئاسة، ود. أبو الفتوح وفريقه يعلمون ذلك، وقد أنشأوا حزباً سياسياً ومؤسسات أخرى تمهيداً للعمل السياسي على نطاق واسع وتنفيذ برنامجهم...ولكني أشعر أنه هناك مكون كبير ناقص. هذا المكون قد يعوق تقدم هذا المشروع لسنين. المشكلة في المستوى الفكري.

السيناريو الذي نريد تجنبه

اخشى أن يقول الناس، كما قالوا من قبل: "كويس" ويكتفون بهذا. لماذا أثر فيّ مشروع مصر القوية بهذا الشكل، بينما لم يؤثر في أغلب الناس بنفس الطريقة؟ لأنني لم أتعامل مع البرنامج على أنه مجموعة من الشعارات بل على أساس أنه بحث علمي. لقد بحثت في كل نقطة قالها البرنامج: الديموقراطية التشاركية، أنواع النشاط التعليمي الجديدة، الملكية العامة بإدارة خاصة، الفرق بين كلية الشرطة وأكاديمية الشرطة..كل كلمة من هؤلاء هي كلمة خلاصة أبحاث قادمة من عقل عالِم أو مفكر مصري شارك في وضع البرنامج.

لكن الناس لم يروا فيها إلا الشعارات!

وفي هذه الحالة فإن الناس سوف يختارون - في الانتخابات البرلمانية والمحليات و...و... - سوف يختارون إما من يعرفونه من قبل، وإما أصحاب الشعارات الأقوى، ويكون نصيب "مصر القوية" أعلى من الأحزاب الجديدة مثل التيار المصري مثلاً، لكن ليس منافساً قوياً جداً للاحزاب المهيمنة على الساحة السياسية حالياً.

وكيف نتجنب هذا السيناريو؟

ماذا يفعل الكيان السياسي الجديد في هذه الظروف؟ مؤسسة مصر القوية لديها ميزة هامة جداً: لديها (في رأيي) أفضل برنامج (حالياً) للدولة، ولديها فريق قوي من الخبراء، ولديها أكثر من مائة ألف متطوع. المكون الناقص هو إيصال هذه الرسالة إلى عامة الشعب. البرنامج العلمي يحتاج لتقييم علمي من الناس، ولو ارتفع المستوى الفكري فستتغير الساحة السياسية ويتغير شكل المجتمع.

هناك بالفعل مشاريع لرفع المستوى الفكري للناس، مؤسسات مثل "معرفة" و"رشد"، "قبيلة" وهي تحاول - أو هكذا أظن - أن تكون ليست مجرد "توعية" بل أن ترفع المستوى الفكري فعلاً وتعلم الناس في الاقتصاد والسياسة والإدارة والقانون..

علينا أن نأخذ هذا ونضربه ×100 . وأرى أنه قرار عملي وأننا نستطيع. أليس هذا شيء ينبغي أن نطمح فيه؟ شعب لا يسير وراء الشائعات، ويحلل الخطاب السياسي علمياً، ويختار المرشحين (أياً كان انتماؤهم) بالنظر المدقق إلى برامجهم وفكرهم؟

إن هذا في رأيي يضاهي في أهميته ثورة 25 يناير ذاتها.

وكيف نفعل هذا إذاً؟

الطريقة في سطر واحد ثم نفصّلها: يجب أن يكون رفع المستوى الفكري هو هدف أساسي من أهداف النشاط الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في "مصر القوية".

معنى هذا أنه شيء يهتم به ويعمل فيه الجميع، بداية من القيادات وحتى كل متطوع في كل محافظة. وكذلك الخبراء والإداريين. لا ينبغي رَكن هذه الخطة في ركن ما مثل "اللجنة الثقافية". لابد من اشتراك المؤسسة كلها وإعطاء الموضوع أولوية بالغة. هذا هو السر.

يمكن أن يبدأ د. أبو الفتوح نفسه في تقديم رؤيته وأفكاره بشكل أكثر تفصيلاً. نعم لديه الآن صفحة على الفيسبوك وحساب على تويتر، لكن هذان يقدمان آراء مقتضبة في قضاياً الأحداث الجارية، لماذا لا يكتب مقالات أطول على مدونة؟ ولماذا لا يفعل هذا أيضاً من يستطيع من الخبراء والإداريين؟ تجربة في التشارك الحقيقي مع المجتمع وليس مجرد التخطيط في اجتماعات مغلقة.

(هذا بالمناسبة أحد أسباب شعبية أ/حازم صلاح مثلاً: محاضراته في مسجد أسد بن الفرات وفي برنامجه التلفزيوني. هذا يجعل أفكاره حاضرة دائماً، ومحور حديث وحوار).

أيضاً في صورة فيديوهات، لكن ليس مجرد فيديوهات دعائية (وإن لم نعارض تلك)، بل أيضاً فيديوهات على مستوى فكري أعلى تشرح الخلفيات السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية/القانونية/العلمية وراء قرارات الحزب وسائر مؤسساته. تجعل الناس يستخدمون هذه اللغة العلمية في الحوار، بدلاً من الشعارات والمغالطات والشائعات.

ولماذا لا نستفيد من تجربة الخبراء كمعلمين وكثيرهم أساتذة في الجامعة؟ لماذا لا يشاركون بمحاضرات منتظمة كل في مجاله لمن يريد أن يفهم ويتخذ قراراته على علم؟

وهناك حالياً شخصيات معروفة بفكرها ولكن لا نسمع منها إلا ما يقال عن الأحداث الجارية..لماذا لا تأتي بهؤلاء ويقولون لنا "هيا نبدأ السياسة من البداية. هيا نرى ماذا تعني الدولة وكيف تنظم"، ثم يتم مشاركة هذه المعلومات عبر الأنترنت وعبر العالم الحقيقي ونشرها كذخر علمي؟

ولماذا لا يكون هناك وحدة نشر تابعة للحزب/المؤسسة، تقدم كتب ونشرات فيها خلفيات لكل قرار اتخذ وكل سياسة ، بالمراجع؟

ولماذا لا يكون هناك قناة تلفزيونية (أو برنامج في قناة معروفة) يناقش كل شيء بعمق وليس فقط "كذا كويس، كذا وحش"؟

ولماذا لا يتم التعاون مع المؤسسات الحالية مثل معرفة،...الخ والاستفادة من خبراتهم؟

وماذا عن العمل التطوعي في كل محافظة؟ لماذا لا يكون هناك عمل فكري أكبر من مجرد "توعية سياسية" أو "تنمية بشرية" بل تقوم فعلاً بتغيير الفكر؟ ندوات مكثفة ومناقشات وتدريب ومجالس علم؟

قد يردّ أحد فيقول "وانت فاكر الناس حيفكروا كدة؟؟ ما انت شايف الناس عاملين ازاي!"، أقول: نعم، وهذه هي المشكلة التي نسعى أن نحلها!

نحن إما أن نفترض أن المجتمع سيظل كذلك للأبد، ونسلّم بهذا، ونكتفي بترديد الشعارات وسط المرددين، أو نقول أن انخفاض المستوى الفكري مشكلة قابلة للحل، ونسعى بكل السبل الممكنة لحلها.

لأننا مللنا الحوار السياسي الحالي. ألم تملّوه؟

الخميس، 16 أغسطس 2012

مشاعر سلبية إيجابية

في مجتمعنا الآن ظاهرة...ماذا أسميها؟ فلنسمها "سلوك تربوي مبالغ فيه". هذه الظاهرة لها سمتان ألاحظهما:
  • حينما يعبر أحد عن إحساس مثل الخوف، الغضب، القلق...الخ، يبدأ المجتمع المحيط في لوم الشخص كأنه سبب المشكلة.
  • اعتبار أن ذلك الشعور نفسه هو المشكلة، وليس العوامل التي أدت إليه.
وإن هذا لأمر مثير للعجب، لو حكيت لك عن شخص يشعر بالخوف لأن أسداً يجري وراءه، فلن يقول أحد أن الخوف هو المشكلة؛ المشكلة في الأسد. لكن اخلع الأسد من الصورة وضع شيئاً أكثر تجريداً مثل المال أو الوظيفة أو العلاقات الأسرية...وستجد الجميع ينظر نظرة أخرى لصاحب الشعور السلبي.هذا جانب متطرف من موضوع التنمية البشرية. الناس يشعرون أنه هناك مشاكل في المجتمع مثل التخاذل، سرعة الشعور بالإحباط، نقص المسؤولية الشخصية، فصار الكل يقول "أنت تستطيع أن تنجز أي شيء تريده لو أصررت عليه!!" "أكبر عائق لك هو أنت!!" "انس الشعور بالقلق!!".

لكن التطرف هنا يزيد المشكلة أيها السادة ولا يحلها. هناك شيء اسمه الظروف والعوامل الخارجية. هذا شيء حقيقي ملموس لا يمكن إنكاره. وإني أعجب كيف أمكن للناس أن ينكروه. هذا النوع من التطرف يتبع نموذج "كذا يساء استغلاله، إذاً هيا نلغيه". أي ان الناس يرون ان "الظروف الخارجية" قد صارت شماعة للكثير يضع عليها تخاذله، فكان الحل - من نظرهم - هو إنكار الظروف الخارجية نفسها.

هناك شيء اسمه الـempathy، أي فهم الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر. الاستخفاف بمشاكل الآخرين وما يعوق حياتهم؟ هذا عكس الـempathy.

أما المشاعر السلبية، فهي قد تكون شيئاً جيداً لو عرف الناس كيف يتعاملون معها. الخوف والقلق ينبغي لكل منهما أن يدفع صاحبه للاعتراف بالخطر الذي يخشاه، والاستعداد للتعامل معه. أما الشخص الغاضب فليس بالضرورة لأنه متذمر أو "اكتئابي"، ربما يكون قد ظُلم أو أهين أو رأى ظلماً يقع، وهذا رد فعله الذي يقول "تصرف مع هذا الأمر حالاً".

لا نريد أن نعيش في عالم من الاستظراف والابتسامات المزيفة. إن كان هناك شخص في مشكلة فمن حقه أن يتحدث عن مشكلته ويعبر عنها. لا ينبغي أن نضع حواجز اجتماعية صارمة تجعل كل شخص يكتم ما في نفسه خوفاً من أن يعتبره الآخرون سلبياً أو متذمراً.

حتى الظروف التي يبدو فيها الطرف الآخر "مدللاً"، مثلاً حين يقول أن أهله لا يحترموه أو أن المجتمع لا يفهمه أو أن صديقتها لم تعد تحبها..قد يكون وراء هذا الأمر قضية مشروعة، وما أكثر الأهل الذي يدمرون أبناءهم فعلاً.

قد يقول قائل أنه هناك بالفعل أشخاص متذمرين أو سلبيين أو يغضبون على كل صغيرة وكبيرة. نعم، ولكن هل ندع هذا الأمر يدفعنا لأن ننكر كل مشكلة مشروعة وكل صاحب ظروف عائقة لحياته؟ لابد أن يتعلم المرء كيف يكون رأيه nuanced..وهي كلمة توحي بمعان معينة:
  • ليست كل الحالات والظروف مثل بعضها ولو بدا أنها كذلك.
  • التفاصيل الصغيرة قد تحدث فارقاً كبيراً.
  • لابد من التفكير الفعلي المتأني في الأمر قبل الحكم عليه.
بمعنى أصح - في سياق مقالنا - ليس كل شخص يبدو متذمراً هو كذلك فعلا، كما أنه ليس كل شخص يقول أن ظروفه سيئة هو كذلك فعلاً، والميل هنا أو هناك هو تطرف. ومجتمعنا حالياً متطرف لجانب منهما.

إن لم تكن ستستمع للتفاصيل، فلماذا تحكم؟

السبت، 4 أغسطس 2012

المستقبل..

ينظر البعض لمشاريعي كل مشروع على حدىً فيقول "مشروع كويس" ويسكت. لكن حين تتحد المشاريع مع بعضها، تجد شيئاً كبيراً خفياً. ربما يفسر هذا حماستي الشديدة لتلك المشاريع، وتحملي من أجلها، بينما اكثر الآخرين لا يعبأ بها كثيراً. لأني أرى شيئاً في وسط هذه الأشياء؛ لديّ vision كما يقولون.

قد تجد هذا المقال يبدو كلاماً تقليدياً حتى تقترب من نهايته، ثم تجد - أو أرجو أن تجد - في الجزء الأخير مكافأتك على قراءته للنهاية :)

ما اهتماماتك أيها القاريء؟ هل تهتم بالسياسة والديموقراطية وتحصين المجتمع ضد الحكم الاستبدادي؟
أم أنك مهتم بالبرمجة والتكنولوجيا؟
أم بالاقتصاد والشركات؟
أم بالدولة القوية المتقدمة؟
هل تحلم بال"مستقبل"؟ السيارات الطائرة وغزو الفضاء؟
أم بالعدالة الاجتماعية؟

وماذا لو قلت لك أن جهاز أوراق، تعليم الأطفال البرمجة، التفكير الحوسبي، شركة Makesense، وهذه المدونة، قد تساهم بطريقة أو بأخرى في هذه الاهتمامات؟

كيف ذلك؟ وما علاقة شيء مثل البرمجة بشيء مثل العدالة الاجتماعية أو الديموقراطية؟ وهل يساهم الفيسبوك وتويتر في الثورات مثلاً؟ ما هذا الكلام الفارغ؟

المفاهيم مثل "الحرية" لا توجد في مكان فلسفي خفي، إنها تتحقق في البيئة الاجتماعية التي نعيشها جميعاً، وتتشكل بأفكار الناس ووسائلهم لتحقيق تلك الأفكار: التوزيع الموجود للثروات، وسائل الاتصال وتبادل المعلومات، وسائل تنظيم التفكير والتعبير عنه. لا تعجب أن تكون أحد عوامل النهضة الأوروبية هو انتشار الطباعة، لا تعجب من ازدياد النشاط السياسي بعد ظهور المدونات (وبعدها ظهور الـsocial networking)، ولا تعجب من ارتباط ظهور الديموقراطية في اوروبا بازدهار الطبقة الوسطى.

هل تأخذ الأفكار فرصتها؟ أم تموت لأن صاحب الفكرة مريض ولا يجد تكلفة العلاج [العدالة الاجتماعية] أو لأنه لا يجد وسيلة يخبر بها المجتمع بفكرته [التمكين الإعلامي] أو لأن النظام الأمني العتيد يخاف من التغير المجتمعي ويريد أن يحتفظ بالناس تحت قدمه [الاستبداد ونظم الحكم] أو لأنه حتى ليس متمكناً من سبل التفاوض والإقناع وتنظيم أفكاره؟

ما علاقة هذ بالمشاريع التي اذكرها كثيراً؟ سندخل في نقطة جانبية أخيرة، ثم نعود للمشاريع: أريد أولاً أن أحكي قليلاً عن نفسي...

لقد كنت في مواقف كثيرة من حياتي محظوظاً: عشت حياة الطبقة الوسطى لا اخاف من الأمور المادية، وتعرفت على حب العلم مبكراً، وكنت مبرمجاً قبل دخول كلية الحاسبات بسنين عدة، هذه الكلية نفسها قد ظهرت في الوقت الذي احتجتها فيه: بيئة من المبرمجين محبي العلم الذين يحبون النهضة.

الا أتمنى أن يكون كل شخص أمامه فرصة مثل هذه؟ بيئة يعبر فيها أن أفكاره ويلتقي بأصحاب الأفكار المشابهة، فرصة لتلقي علماً وفكراً، وفرصة مادية ليركز في اهدافه؟

نأتي أخيراً للمشاريع...

للديموقراطية صور كثيرة، ويشترك فيها مفهوم "نزع القوة من القلة وإعطائها للكثرة"، وكل قوة تدار مركزياً يتحكم فيها قلة هي وسيلة لنزع الديموقراطية من المجتمع: الإعلام المركزي يشكل الرأي العام كما يريد أصحابه. قلة التعليم وانخفاض المستوى الفكري تؤدي لحوار سياسي كالذي نراه الآن مليء بالمغالطات ويركز على الأشخاص لا الافكار، ويدفع الجميع للانخداع وراء الشعارات، أما النهضة نفسها فهي حالياً تأتي من ثقافة المشاهير: لو لم تظهر في التلفزيون أو تأخذ جائزة نوبل أو تكون مليونيراً أو تكون عضواً في حزب له ثقل سياسي،...فأين مكانك في النهضة؟

لكن يظهر وسط هذا نوع من الاشخاص اقتحموا هذه البيئة واكدوا ذاتهم فيها: هؤلاء الذين صنعوا قنواتهم على اليوتيوب، وصنعوا شركاتهم من لا شيء تقريباً، وأسسوا مبادرات اجتماعية تؤثر في الانتخابات والرأي العام، ويبدأون هذه الأيام في تشكيل احزاب سياسية صغيرة لكن ربما يكون مستقبلها كبيراً، وكل يوم يعيدون اختراع السياسة والإعلام والعمل.

ما الشيء المشترك بين هؤلاء؟ (1) فكرة جيدة. (2) وسائل مبتكرة للتعبير عن الأفكار ونشرها وتنفيذها.

أما مشاريعي فهدفها بسيط جداً: أن يكون المجتمع كله هكذا.

حين يبرمج الناس من طفولتهم، فسوف يتعلمون التفكير المنطقي المنظم، والتعبير عن الأفكار بطريقة عملية مجسدة، كما يمكنهم أن يخترعوا الأدوات التي يحتاجونها لتحقيق أهدافهم (هل تعلم أن جريدة نيويورك تايمز بدأت في تعيين المبرمجين بقوة، وظهر كادر جديد اسمه "الصحفي المبرمج"، وترى الجريدة أن هذا أملها في إنقاذ الصحافة؟).

تخيل لو كان الكل يخترع الأدوات التي يحتاجها لتحقيق اهدافه. هل لديك أهداف في إدارة شركتك؟ هل تريد صنع قاعدة بيانات للفساد الإداري؟ طبيب ولديك بيانات تريد تحليلها إحصائياً؟ ماذا لو كان لديك الأدوات لتفعل ذلك فوراً بنفسك؟

أما شركة Makesense فهي ليست مخطط لصنع شركة عادية، بل نوع جديد من الشركات: تحترم البحث العلمي، وتدار بطريقة ديموقراطية تحترم فيها الآراء (لتكون الديموقراطية قيمة اجتماعية وليس فقط نظاماً سياسياً)، وتكون مثل دولة صغيرة: إن الدولة هي وكيل لشعوبها وليست سيداً لهم، فلماذا لا تكون الشركة هي وسيلة لمجموعة من المتخصصين لكي يعملوا معاً ويحققوا اهدافهم، بدلاً من النظرة الحالية "سوف يتم إعطاؤك مالاً لتحقق أهداف صاحب الشركة"؟

لو نجحت بضع تجارب في شركات من هذا النوع، وكسبت وازدهرت، فقد يبدأ الناس في تقليد هذا النموذج بدلاً من الاختلاف على واقعيته.

شركات ليست فقط للربح، بل للعمل! ماذا تريد أن تعمل؟ إعلام؟ علم؟ خدمات؟ علاج؟ ماذا عن شركة تكون اسهل في توجيهها نحو تلك الأهداف، وأصعب في الانزلاق نحو الربح الأعمى؟

ماذا عن جهاز أوراق؟ أريده أن يكون وسيلة لإنتاج المعلومات ونشرها، لينتشر في المجتمع ثقافة الإنتاج الفكري. تخيل باحثاً يكتب حواشي على الكتاب بالقلم الإلكتروني، وفي لحظة يتم عمل share لهذه الحاشية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيمكن للآخرين أن يضيفوا تلك الحواشي لنسخة الكتاب لديهم، فيأخذها أحد كمصدر للأفكار في عمله، ويأتي الآخر ليشرحها في مجلس علم، ويأتي ثالث يقتبس منها في كتاب دراسي، بينما في مكان آخر هناك معلم يأخذ عينات نباتات بالكاميراً وفي لحظة يكتب عليها تعليقات وملاحظات (أو يعطي هذا النشاط كواجب دراسي لتلاميذه)، وكل هذا الكترونياً في جهاز يشبه الورقة والقلم؛ ويمكن لأي شخص أن يستخدمه؟

ثقافة إنتاج المعلومات وليس فقط استهلاكها. ثقافة التصميم والاختراع.

مثل هذه الانشغالات هي وظيفة تلك المدونة وتلك المشاريع، ومن أجل هذه الأهداف تجدني كتبت مقالات سياسية أو أيدت مرشحاً معيناً، ومن أجل هذه الأهداف انتقد مسابقات الـACM وأقترح بدائلاً لها، لأن أوراق والشركات والأدوات لن أقدر على صنعها وحدي بكل تأكيد بل تحتاج مجتمعاً يصنعها. هذا ليس مشروع سنة أو سنتين.

وهناك مشاريع أخرى لم أتحدث عنها كثيراً وأتمنى أن أراها في يوم من الأيام مثل مؤسسة إرواء لتمويل الشركات، وأدوات برمجية أسهل بكثير تجعل البرمجة في متناول فئة أكبر بكثير (ديموقراطية حوسبية)، ومشروع "جسر" لسد الفجوة التكنولوجية البرمجية (وقد يمكن للآخرين تطبيقه على مجالات غير برمجية)، وغيرها.

فإن رأيتني انتقد ما تراه في الحاضر، فهذا لأني أتمنى مستقبلاً غيره.

الاثنين، 30 يوليو 2012

أنت والفونسة الجحوية

هذا المقال عن الإدارة والمجتمع، لكن أولاً لابد أن نتحدث عن جحا.

كان جحا منهمكاً في البحث عن شيء في الشارع، تحت فانوس الإضاءة. فسأله جاره: علام تبحث يا جحا؟؟
قال: عن قرش وقع مني في البيت.
فتساءل الجار: ولم تبحث عنه هنا وقد سقط في البيت؟
رد جحا: هنا نور وهناك ظلام.

وأحياناً يكون لدى الإنسان فكرة لكنه لا يجد الكلمة التي يعبر بها عنها، وقد وجدت مصطلحاً للفكرة التي في بالي: الفونسة الجحوية (بفتح الفاء وتسكين الواو)، وتعريفها: الميل لاتباع وسيلة واضح أنها لا تحل المشكلة المطلوبة، لكنها الأسهل في التنفيذ.

ولو بحثت في مجتمعنا لوجدت فونسات كثيرة.

نبدأ بشيء في شركات البرمجة: تقييم إنجاز المبرمج بعدد سطور الكود التي كتبها كل يوم. أي شخص برمج قليلاً يعرف ان هذا ليس مقياساً لأي شيء؛ بل إن المتمرسين في البرمجة سيخبروك أن التعبير عن البرنامج بكود أقل غالباً ما يرفع من جودته ويقلل فرص الأخطاء، وأن الإنجاز الحقيقي في تقليل سطور البرنامج لا تزويدها.

لكن هناك ميزة رهيبة للتقييم بعدّ السطور: إنها عملية سهلة! يمكن كتابة برنامج يعد سطور الكود في ثوان، ثم في دقائق برنامج يصنع رسوماً بيانية تخبرنا بعدد سطور الكود لهذا المبرمج كل يوم، وبنظرة واحدة يمكن ملاحظتها صعودا وهبوطاً. وفجأة يصير كل شيء بالأرقام والجداول والرسوم ويشعر الجميع أننا نسير على منهج علميّ.

ثم ننظر للمدارس الخاصة فإذا بها تحب البطولات. بطولات رياضية أو مسابقات أو شطرنج أو أي شيء -- المهم أن يكون له ترتيب ونتائج بالأرقام ومسابقة على مستوى الجمهورية (أو الأفضل: على مستوى دولي). وبذلك تستطيع المدرسة بكل ثقة أن تضع إعلاناً في الجرائد "مدرسة كذا تهنيء طلابها على حصولهم على المركز الأول في..."، على أمل أن يقرأ أولياء الأمور الإعلان ويذهبوا بأبنائهم لتلك المدرسة المتفوقة.

هل هناك صلة علمية بين فوز المدرسة ببطولة كذا وبين حُسْن تعلم الإبن فيها؟ لكن لماذا نرهق أنفسنا بهذه الحيرة بينما الترتيب في المسابقة لا يكذب، بالضبط مثل الرسومات البيانية التي تعدّ سطور الكود؟

أو استخدام الكمبيوتر في المدارس (وهذه مشكلة في الدول الأجنبية وليس فقط لدينا)، يمكنك أن تدرس علم النفس التربوي، وتبحث في نظريات التعليم، وتجري التجارب، وتحسن اختيار المعلمين، ... أو يمكنك أن تعقد صفقة مع شركة ما لتضع كمبيوتر tablet في يد كل طفل، وتصنع تعاقداً آخر مع شركة برمجيات لتصنع برامجاً دراسية مليئة بالرسوم المتحركة، بدون أي تقييم حقيقي للأثر الذي ستحدثه هذه الإضافات، وإني لن أعجب لو رأيت مدرسة تقليدية بسبورة - لكن معلموها خبراء باحثون - وهي تمسح الأرض بمدرسة مليئة بالحواسيب والتعليم الإلكتروني لكن بدون تخطيط علمي.

أو يمكنك الحديث عن النهضة بمشاريع على غرار تنظيف الشوارع أو دورات تنمية بشرية (وهي أمور قد تكون نافعة لكنها لن تكون ما يحدث النهضة) ولا تفكر في القضايا الكبيرة، لأن الأولى أسهل وقد خبرها الناس وعرفوا كيف ينظموها.

لابد من الخروج من دائرة "أن نفعل ما نعلمه ولو لم يحل المشكلة". لابد من الخروج من دفء عمود النور ومد يدنا في الظلام..

الخميس، 5 يوليو 2012

أنشطة فكرية للأطفال

هذا المقال هو أفكار مقترحة مني لأنشطة شيقة يقوم بها الأطفال لتمرين عضلاتهم التفكيرية. قد يمكن تطبيقها في المدارس، أو كنشاط صيفي، أو يقوم بها الأهل مع أبنائهم.

إن الحديث كثير عن كيف أن التعليم الحالي يلقن الأطفال معلومات بلا تفكير، ولكننا لا نتحدث بنفس الكثرة عن شكل التعليم "التفكيري" الذي نتمناه، فإن تحدثنا نتحدث حديثاً عاماً عن ضرورة تفتيح الذهن، التعلم بالممارسة، الإبداع، لكن أمثلة حقيقية، حية لا نجدها كثيراً.


رسم قصص مصورة

دع الطفل يكتب سيناريو القصة (كل لقطة ماذا تصف، وماذا تقول كل شخصية) ثم يحكي القصة عن طريق comic strips. دعه مسؤولاً بالكامل عن القصة، لكن لا بأس أن تقترح له أفكاراً على غرار اكتب مغامرة، اكتب قصة خيال علمي، اكتب قصة تاريخية،. اعرض عليه نماذج للقصص الموجودة وناقش الـtechniques المستخدمة فيها مثل إظهار المشهد من زوايا مختلفة، عمل زوم على الوجه في اللقطات الدرامية، ...الخ

صنع كلمات متقاطعة

 تأليف الكلمات المتقاطعة ليس شيئاً سهلاً! ارسم مربع ن×ن (حيث ن مثلاً 8، 10، أو أكثر حسب مستوى الاطفال) ثم دعهم - بإشراف منك أو بأقل إشراف ممكن - يضعون كلمات في الصفوف والأعمدة، يلاحظون كيف تتداخل الكلمات وكيفية فك هذا التداخل، أين يضعون المربعات السوداء. هناك heuristics معينة للكلمات المتقاطعة الجيدة: أن يكون الكلام المعكوس أو المبعثر قليل، أن تكون الخلايا السوداء متناثرة غير متجاورة،...الخ.

صنع ألغاز

 مثلاً يؤلف الأطفال لغز "استخرج الاختلافات الستة بين الرسمتين"، وكيف يجعلون الاختلافات خفية ومحيرة (يمكن عمل اللغز بالكمبيوتر أو الورق الشفاف لكي تكون الأجزاء الأخرى متطابقة)، 

يمكنهم تصميم ألغاز أخرى مثل المتاهات، والمتاهة الجيدة لها قواعد رياضية وهناك اجزاء من علم computer science متعلقة بتصميمها.

(لو كنت مهتماً بالعلاقة بين علوم الـalgorithms والمتاهات، أحيلك إلى هذا العرض، وهو من أجمل ما قيل في هذا الموضوع. طبعاً مع الاطفال يمكن تبسيط الأمر أو التدرج فيه).

زخارف إسلامية 

هل تعرف أن المهندس القديم في الدولة الإسلامية كان يستخدم في زخارفه شيئين فحسب: البرجل والمسطرة؟ لم يحتج بعد ذلك سوى عقله وخياله. وهل تعلم أنه هناك نظريات علمية راقية وراء هذه الزخارف، وأنه هناك باحثون في جامعات بالخارج، سواء art أو computer science أو math، يدرسون هذه الزخارف ويحللونها؟

لماذا لا نأتي بالأطفال ونأتي بالبرجل والمسطرة، ونأتي بكتاب أو اثنين عن مباديء الزخرفة الإسلامية، ونجعلهم يأخذون جولات في صنع زخارفهم وتصميماتهم؟

بعض المصادر السريعة: دروس من مصمم بريطاني مهتم بالزخارف الإسلامية، وهذه صفحة مشروع لعالم متخصص في computer graphics في جامعة كندية، الصفحة تحتوي papers عن الزخارف الإسلامية والـgraphics منها رسالة دكتوراه في هذا الموضوع. وهناك اهتمام عالمي بالمجال يمكن لمن يبحث عنه أن يجد الكثير.

ماذا سيتعلم الطفل؟

قبل أن نتابع الأمثلة لنا وقفة سريعة نناقش فيها الفوائد التعليمية من كل هذا. أول فائدة هي التخطيط. في الكلمات المتقاطعة مثلاً كل كلمة تضعها سوف تؤثر على المربعات المحيطة، وعليك ان تفكر اكثر من خطوة للأمام. نفس الشيء بالطبع في القصة أو المتاهة.

الشيء الآخر هو التقييم الصادق للذات. إن الرسمة الجيدة أو الزخرفة الجميلة أو اللغز المحير تظهر جودته أمام الطفل، وهي أشياء للطفل خبرة بها ورآها من قبل في المجلات أو القصص أو على الإنترنت. في هذه الحالة فإن الطفل يتعلم التفكير الناقد وكيف يقارن بين عمله والأعمال الأخرى، وكيف يطور عمله ويسد الثغرات التي به، أو على الأقل يعرف المهارات التي يحتاج أن يتعلمها ليصنع شيئاً أفضل.

لابد في هذه الحالة للمعلم أن يحسن التعامل مع الموقف لكي لا يفقد الطفل ثقته بنفسه، فيجرب المعلم بنفسه أولاً أن يصنع النشاط المطلوب قبل أن يطلب من الأطفال ذلك، وأن يطور عمله هذا إلى أن يبلغ المستوى القريب من الاحترافي ليمسك بيد الطفل ويأخذه في ذلك الطريق، فإن وجد أنه من الصعب بلوغ ذلك المستوى، بسبب سن الأطفال أو ضيق الوقت أو الإمكانيات، فليكن صادقاً مع الأطفال ويقول "سوف نقترب من الأعمال الاحترافية في كذا لكن لن نستطيع عمل الأوجه الأخرى بسبب كذا..".

يتعلم الطفل أيضاً كيف يفكر في جمهوره، أي كيف يجعل القصة شيقةً أو اللغز محيراً. هذا التفكير في أثر العمل على الآخرين يفتح الباب في المستقبل لفن الصياغة المقنعة أو التفاوض أو في مجال الـuser interaction design في صناعة البرمجيات أو في تصميم المنتجات لاحتياجات المستخدم...الخ

ثم يتعلم الطفل أيضاً من هذه الأنشطة الثقة بالنفس، والفخر بإنتاجه الشخصي.

ولا ننسى أنه يتعلم أيضاً علوماً حقيقية، فالكلمات المتقاطعة تحتاج ثروة لغوية، والزخارف الإسلامية بها كثير من الرياضيات والهندسة، والالغاز بها تفكير منطقي وحس جمالي، وهكذا.

نعود للأفكار...

جغرافيات

لقد كان جزء من التقدم العلمي للدولة الإسلامية في الجغرافيا والخرائط. كذلك أيام النهضة الأوروبية. لماذا لا نستعيد تلك الثقافة وذلك الفكر؟ هل يمكن أن يقوم الأطفال باستكشاف مكان ما (حديقة، المدرسة...) وصنع خرائط لها؟ أعتقد أيضاً أن شيء مثل Google earth منجم ذهب لهذه الأشياء. مثلاً يمسكوا بخريطة للقاهرة ومطلوب منهم استخدامها للعثور على مكان معين على Google earth، أو "استكشاف" منطقة معينة أو حتى دولة أو دول عن طريق GE ثم رسم خريطة لها. أيضاً يمكن التفكير في الجغرافيا الفلكية: يستخدمون التلسكوب ويرسمون خريطة لقطاع معين من الفضاء بنجومه. أو الاسترشاد بالنجوم كما كان يفعل المسافرون القدامى.

هذا الكلام بالمناسبة مليء بالهندسة التحليلية وحساب المثلثات :)

Codes, cryptography, and cryptanalysis

النهاردة يا ولاد هدفنا بسيط جداً: سمير عليه يكتب رسالة بالشفرة، أحمد عليه يفكها، والرسالة حتعدي الأول على شريف ومجدي، وهم عليهم يحاولوا يعرفوا الرسالة من غير ما يكونوا عارفين الشفرة إيه!

بعد هذه البداية، هناك الكثييييير جداً مما يمكن عمله. هناك مثلاً شفرات استخدمت تاريخياً في حروب الرومان، أو في الحرب العالمية الأولى، وهي وإن كانت ليست قوية جداً بمقاييسنا الحالية، إلا أنها قد تكون مناسبة للتعليم. هذه خلفية تاريخية عن التشفير للأطفال. هذه أيضاً خلفية غنية عن طرق تشفير مختلفة للأطفال.

ملاحظات أخيرة

رغم أن هذه الأنشطة مصنوعة ليتعلم الأطفال بالممارسة، إلا أن دور المعلم هنا حيوي جداًـ رغم أنه ظاهرياً التلاميذ هم من
 يقومون بالعمل.

لابد أن يكون المعلم متمكناً من النشاط، لأننا نتحدث عن ثقة التلميذ بنفسه وفخره بعمله، فلابد أن يكون المعلم قادر أن يصل به لهذا المستوى أصلاً.

ولابد أن يكون المعلم مثقف علمياً في المجال المطلوب تعليمه، ومثقف عموماً، لأنك كما ترى هذه الانشطة تتداخل في الرياضيات، الهندسةـ التاريخ، وحتى علوم الحاسب أحياناً. بهذه الخلفية الفكرية الثرية سوف يثري المعلم علوم الاطفال ويجعل الموضوع فعلاً علم وممارسة وليس فقط "قص ولصق".

ليس مطلوباً بالضرورة أن يعلهم algorithms مثلاًـ لكن حين يكون عالم هو بذلك سوف يؤثر ذلك على طريقة شرحه، وعلى الاقتراحات والافكار التي سيقدمها، وعلى تعامله مع المشاكل، وعلى وصفه الدقيق (ولو كان مبسطاً) للعمليات التي يقوم بها الأطفال، ولا عيب أن يقول بقدر الإمكان عن النظريات الحقيقية من وراء الأنشطة التي يقومون بها.

الاثنين، 2 يوليو 2012

رسالة مفتوحة إلى د. أبو الفتوح ومشروع مصر القوية

هذه مساهمة مني في الحوار الدائر حالياً بشأن تحديد الاتجاه المستقبلي لمشروع مصر القوية. أبدأ بمقدمة سريعة عن التحديات التي تواجه المشروع، ثم تصور لشكل للمشروع أراه صالحاً لمواجهة هذه التحديات.

مقدمة عن التحديات

المشكلة الأساسية التي تواجهنا هو المستوى الفكري العام للمجتمع؛ لقد كنت أثناء فترة الانتخابات أتحدث عن البرنامج والمشروع فيكون الرد غالباً لا يزيد عن "ده كلام كويس!" بدون إدراك للعمق العلمي الحقيقي للمشروع، بدون إدراك أن هذا مشروع بحث مشترك بين عشرات الخبراء وأنه قد يغير من شكل الدولة تماماً، ويجعلها تنافس اوروبا وامريكا.

ولم يكن هذا الأمر بين البسطاء فحسب، بل بين المثقفين أيضاً. وفي رأيي فإن مشروع مصر القوية كي يتقدم لا يكفي تقديمه لصناع القرار ليدرسوا تنفيذه، بل يجب عرضه على الشعب بأكمله، وإعداد الشعب فكرياً لمناقشته، والمساهمة فيه، والمطالبة به من خلال صندوق الانتخابات.

هذا يعطي المشروع تطوراً واستدامة، ويجعله أكثر ثباتاً في حالة تغير الأفراد في مكان صنع القرار، ويجعله مشروعاً قومياً بحق.

[وقد حاولت المساهمة في هذا بشكل ما أيام الانتخابات، بتقديم مجلس علم قمت بشرح البرنامج الانتخابي فيه صفحة بصفحة، وفي رأيي قد يكون من أفضل ما قيل عن "مصر القوية" أقدمه هنا لعله يكون نموذجاً يمكن الاستفادة منه].

الصورة المقترحة للمشروع

نطرح أن يكون مشروع مصر القوية في صورة مؤسسة (ويمكن أن يكون لها ذراع سياسية أو حزبية)، يحدد لها لها ثلاثة أنشطة أساسية:


1- مركز أبحاث (think tank) لتنقيح وتطوير تصور "مصر القوية"، سياسيا واقتصاديا واجتماعياً وتعليمياً...الخ، وهذا ما بدأ بالفعل في العام ونصف السابقين في إعداد البرنامج الانتخابي، ومع مبادرة "لمصر"، وهو قرار بديهي في وجود هذا التجمع الحالي للخبراء الذين اجتمعوا مع د. أبو الفتوح.

2- العمل التطوعي، ويكون موجهاً في الأساس لرفع المستوي الفكريّ (وهو أكبر من مجرد "التوعية"، نحن نريد فهما حقيقياً ومشاركة حقيقية في الحوار القومي)، ومن أجل ذلك يمكن تقديم الندوات، مجالس العلم، الحملات، المحاضرات. ويكون للخبراء الذين وضعوا الخطط والمشاريع دوراً في التواصل مع المجتمع.

مما يستحق الذكر أن أنشطة مثل محاربة الفقر، اصلاح العشوائيات، محو الأمية لها أيضاً دور في رفع المستوى الفكري؛ لكي يبدأ الأفراد المعنيون في الاطمئنان على وضعهم المالي ويكون بذلك لديهم وسعاً للمشاركة في الحوار السياسي والقومي. لذلك لا نرى مانعاً أن تقوم المؤسسة بمثل هذا الدور بلا تناقض بين هذا وبين دورها الأساسي في رفع المستوى الفكري.

3- وجه إعلامي قوي: لابد من قنوات غزيرة (ومتنوعة) لإيصال الفكر أولاً بأول إلى الجميع وتغيير صورة الحوار الاجتماعي السياسي،
وعدم الاكتفاء باستخراج نتائج الأبحاث وإيصالها لصناع القرار، بل لابد أن تكون الفكرة متاحة للشعب بكامله يقوم بحوار قومي عنها، ويكون الجميع شركاء في تطويرها وتطبيقها على مستوى الدولة.

ومن أجل ذلك الهدف يمكن:

  • تكوين قناة تليفزيونية جديدة، أو الظهور في برنامج في قناة معروفة.
  • كتابة مقالات عن المؤسسة في الصحف، ظهور أعمدة عن مشروع مصر القوية تغطي النشاط بانتظام.
  • إصدار كتب بصفة دورية عن نتائج البحث، سواء بصورة مخصصة للخبراء أو رجل الشارع.
  • قنوات تواصل مع المجتمع على الإنترنت، قناة يوتيوب، وسيلة ليشارك الجميع في الحوار مثل منتديات أو ما شابه.
  • ...إلخ

نلاحظ هنا أننا لا نبحث عن مجرد "علاقات عامة"، نحن نريد شراكة حقيقية مع المجتمع ورفع للمستوى الفكري، وإيصال النتائج العلمية للجميع.

وبعد، فإننا بالطبع لم نقترح امتناعاً من المشروع عن التواصل مع صناع القرار السياسي أو امتناعاً عن سائر المقترحات الأخرى، لكننا أردنا وسيلة لتوسيع الفكرة ونشرها عبر المجتمع كله، مما يعطيها ثباتاً ويجعلها أكبر من نشاط يمارسه مؤسسوها فحسب لتصبح فكرة المجتمع كله، وبذلك يكون لها فرصة أكبر بكثير في التحقق.