نحن الآن في عصر الوفرة المعلوماتية. من أراد أن يتعلم سيجد مئات الكتب والدروس والفيديوهات والأوراق البحثية والبرامج والـsource code. لكن ليس الكثير يستغلون هذه الموارد. لماذا؟
هذا سؤال جاد يستحق إجابة جادة. وهذا المقال رسالة إلى كل من يريد النهضة: النهضة لن تأتي بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم. إن لدينا بالفعل ما يكافيء مدرسة وجامعة ومكتبة في كل بيت متصل بالإنترنت؛ ولن تضيف الأجهزة اللوحية كثيراً إلى هذا. فكر لماذا لم يستفد أحد من الموارد الموجودة قبل أن تسارع لعمل صفقة للاستحواذ على موارد جديدة.
أحياناً هذه أسباب حقيقية: هناك بيوت ليس لديها أموال لشراء الكتب، أو الاشتراك بالإنترنت. هناك أشخاص وظيفتهم هي كل حياتهم، وبالكاد لديهم وقت لأسرتهم ناهيك عن العلم. إذاً جزء من النهضة هو السير في طريق العدالة الاجتماعية حتى يطمئن الناس على قوتهم وقوت أطفالهم، ويكون لديهم disposable time, disposable income يقضونه في نشاطات أخرى.
ولكني أقول أن نقص الوقت والمال ليس السبب الرئيسي، فهناك طبقات اجتماعية كثيرة لا تعاني من نقص فيهما، وتراها تبحث بحثاً عن طرق لإنفاق وقتها ومالها: هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.
لا أقصد أنهم تافهون: ربما بعضهم كذلك لكن كثير منهم تراه يتمنى فعلاً النهضة ويتحدث عن قيمة العلم ويقارن حالنا بحال الدول الغربية...الخ. فما السبب إذاً؟
مثل الأجسام المادية، فإن كثيراً من الناس ببساطة يعيش حياته كما هي، إلى أن تأتي قوة خارجية تؤثر عليه. معنى ذلك أن العلم لو لم يكن بالفعل مستشرياً فسيميل المجتمع إلى البقاء في تلك الحالة حتى يُبذل جهدٌ حقيقيٌ في تغييرها.
هناك جهود كثيرة مبذولة في ما يسمى التنمية البشرية، لكن لا يوجد جهد مكافيء في العلم الحقيقي. في أحسن الأحوال هناك مبادرات على غرار "مصر تقرأ" لكن لا تؤخذ هذه الأمور بجدية مثلما تؤخذ "صناع الحياة" أو غيرها. هذا يفتح الباب لنسأل: ما الأسباب التي أدت لذلك؟ ربما يحتاج هذا السؤال مقالاً آخر.
ومعظم الناس ببساطة لم يفكروا في الموارد الموجودة أو لم يسمعوا بها. كيف نخبرهم؟
وكثير من المؤسسات الفكرية النهضوية (وليس كلها) تبحث عن التوعية أكثر منها العلم. وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".
ولابد من البحث عن الأسباب.
برامج التنمية البشرية لا تستحي من التهويل في أثرها: ان شعار كثير منها حرفياً هو "ايقظ المارد الموجود بداخلك". هم يقدمون لك فكرة أنك ستكون إنساناً أكثر نجاحاً وأقرب للسعادة وأكبر تأثيراً لو نميت نفسك على طريقتهم. أما العلم فماذا سيغير في حياتك؟
فلنفترض أنك قد قرأت وقرأت وقرأت، وتعلمت البرمجة، أو قرأت في الفيزياء، أو في التاريخ، أو في علم الفلك، أو في الاقتصاد، فماذا بعد؟
هناك بالطبع أشخاص يعتبرون العلم هو نفسه المكافأة على التعلم. ماذا عن الباقي الذين يريدون أن يتعلموا لا للعلم لكن لأهداف أخرى؟ وكيف نستكثر من الذين يحبون العلم في حد ذاته؟ ولماذا نرى أن هذا شيء مطلوب لنهضة المجتمع؟
مشكلتنا لها نواح متعددة: بدايةً معظمنا، في أول خبرة له بالعلم، يرى العلم في الكتب المدرسية، والكتب المدرسية المصرية (وربما هذه مشكلة عالمية) تبدو بلا اتجاه ولا هدف، بل هي مجموعة من الحقائق المرصوصة بعضها بجوار بعض.
المشكلة الثانية أن العلم فعلاً - ولو خارج الكتب المدرسية - يقدم بطريقة جافة مجردة. ومعظم الذين يسعون لحل المشكلة يركزون على جزء "جافة" بأن يضيفوا الرسومات والألوان والحركة ولا يقتربون من جزء "مجردة". ما معنى الحرارة النوعية؟ لا أقصد المعنى المذكور في التعريف، ولكن المعنى مثلما نقول "حياتي لها معنى"...ما السبب الذي جعلنا نعرّف الحرارة النوعية ونضعها في الكتب؟ ما دور هذه المعادلة في سير الطبيعة وفي الاستفادة من العلم؟ ما هو الـraison d'etre لهذا القانون؟
وكيف "أشعر" بهذا القانون وليس فقط "اعرفه"؟ هذه نقطة لا ينتبه لها البعض: أن القوانين لا توجد في الورق ولكنها تتمثل في الطبيعة المحسوسة. لماذا نسلق اللحم في الماء لكن نقليه في الزيت؟ ما علاقة هذا بالحرارة النوعية؟ حتى القواعد التي تبدو مجردة مثل قواعد النحو أو البلاغة، لماذا هي كما نراها وليس بصورة أخرى؟ مثلاً لماذا نضع بعض الطلبات في صورة سؤال مثل "could you pass the salt؟"، وما الأثر النفسي لهذه الصياغة على السامع، وما سبب ذلك الأثر؟
الحديث عن العلم أسهل من الدخول في التفاصيل العلمية. مشاهدة المسلسل أسهل من تعلم البرمجة. إن كنا نبحث عن الأسباب فهذا سبب.
لكني أعتقد أن الصعوبة هي شيء نسبي: في طفولتي كان كثير من الأطفال يبرمجون، وكان هناك مجلات وكتب متخصصة للأطفال المبرمجين. وكان الأطفال يصنعون الصور في الألعاب بالأكواد الhexadecimal. وكان هذا في العالم العربي مثلما كان في الغرب.
وفي هذه الأيام هناك نشاطات كثيرة يمارسها الأطفال والشباب تظنها صعبة حين تفكر فيها. هناك أشخاص كانت أول خبرة برمجية لهم في تصميم مستويات جديدة في الألعاب التي يلعبونها game modding. هناك من يخرجون من الحيز الإلكتروني إلى الحيز المادي ويقومون بتعديل سياراتهم بتصميمات جديدة car modding، (هناك بالمناسبة مجتمعات لتعديل السيارات ضمن الشباب المصري).
وفي الغرب نجد من يهوى تسلق الصخور أو تمثيل الأحداث التاريخية. وفي العرب من نجده يهوى الصيد أو ركوب الخيل. لم تكن الصعوبة حائلاً بين الشخص وما يريد إن كان يريده بما يكفي. فكيف تجعلهم يريدون؟
ولن تكون النهضة العلمية بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم.
هذا سؤال جاد يستحق إجابة جادة. وهذا المقال رسالة إلى كل من يريد النهضة: النهضة لن تأتي بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم. إن لدينا بالفعل ما يكافيء مدرسة وجامعة ومكتبة في كل بيت متصل بالإنترنت؛ ولن تضيف الأجهزة اللوحية كثيراً إلى هذا. فكر لماذا لم يستفد أحد من الموارد الموجودة قبل أن تسارع لعمل صفقة للاستحواذ على موارد جديدة.
هل هو الوقت والمال؟
أحياناً هذه أسباب حقيقية: هناك بيوت ليس لديها أموال لشراء الكتب، أو الاشتراك بالإنترنت. هناك أشخاص وظيفتهم هي كل حياتهم، وبالكاد لديهم وقت لأسرتهم ناهيك عن العلم. إذاً جزء من النهضة هو السير في طريق العدالة الاجتماعية حتى يطمئن الناس على قوتهم وقوت أطفالهم، ويكون لديهم disposable time, disposable income يقضونه في نشاطات أخرى.
ولكني أقول أن نقص الوقت والمال ليس السبب الرئيسي، فهناك طبقات اجتماعية كثيرة لا تعاني من نقص فيهما، وتراها تبحث بحثاً عن طرق لإنفاق وقتها ومالها: هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.
لا أقصد أنهم تافهون: ربما بعضهم كذلك لكن كثير منهم تراه يتمنى فعلاً النهضة ويتحدث عن قيمة العلم ويقارن حالنا بحال الدول الغربية...الخ. فما السبب إذاً؟
القصور الذاتي
Every object in a state of uniform motion tends to remain in that state of motion unless an external force is applied to it.
— Newton's first law of motion
— Newton's first law of motion
مثل الأجسام المادية، فإن كثيراً من الناس ببساطة يعيش حياته كما هي، إلى أن تأتي قوة خارجية تؤثر عليه. معنى ذلك أن العلم لو لم يكن بالفعل مستشرياً فسيميل المجتمع إلى البقاء في تلك الحالة حتى يُبذل جهدٌ حقيقيٌ في تغييرها.
هناك جهود كثيرة مبذولة في ما يسمى التنمية البشرية، لكن لا يوجد جهد مكافيء في العلم الحقيقي. في أحسن الأحوال هناك مبادرات على غرار "مصر تقرأ" لكن لا تؤخذ هذه الأمور بجدية مثلما تؤخذ "صناع الحياة" أو غيرها. هذا يفتح الباب لنسأل: ما الأسباب التي أدت لذلك؟ ربما يحتاج هذا السؤال مقالاً آخر.
ومعظم الناس ببساطة لم يفكروا في الموارد الموجودة أو لم يسمعوا بها. كيف نخبرهم؟
وكثير من المؤسسات الفكرية النهضوية (وليس كلها) تبحث عن التوعية أكثر منها العلم. وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".
ولابد من البحث عن الأسباب.
"ولكن كيف سيؤثر في حياتي؟"
برامج التنمية البشرية لا تستحي من التهويل في أثرها: ان شعار كثير منها حرفياً هو "ايقظ المارد الموجود بداخلك". هم يقدمون لك فكرة أنك ستكون إنساناً أكثر نجاحاً وأقرب للسعادة وأكبر تأثيراً لو نميت نفسك على طريقتهم. أما العلم فماذا سيغير في حياتك؟
فلنفترض أنك قد قرأت وقرأت وقرأت، وتعلمت البرمجة، أو قرأت في الفيزياء، أو في التاريخ، أو في علم الفلك، أو في الاقتصاد، فماذا بعد؟
هناك بالطبع أشخاص يعتبرون العلم هو نفسه المكافأة على التعلم. ماذا عن الباقي الذين يريدون أن يتعلموا لا للعلم لكن لأهداف أخرى؟ وكيف نستكثر من الذين يحبون العلم في حد ذاته؟ ولماذا نرى أن هذا شيء مطلوب لنهضة المجتمع؟
"ولكن العلم ممل"
الحرارة النوعية هي كمية الحرارة اللازمة لرفع درجه حرارة 1 كيلوجرام من المادة بمقدار درجه واحدة. ويرمز لها بالرمز (c) ووحداتها في النظام الدولي هي (جول/كيلوجرام/كلفن).
— من ويكيبديا
لماذا أراك تحب الكتب هكذا؟ أنا لا أحب الكتب! هل رأيت كتب المدرسة؟
— من حديث مع أقاربي
— من ويكيبديا
لماذا أراك تحب الكتب هكذا؟ أنا لا أحب الكتب! هل رأيت كتب المدرسة؟
— من حديث مع أقاربي
مشكلتنا لها نواح متعددة: بدايةً معظمنا، في أول خبرة له بالعلم، يرى العلم في الكتب المدرسية، والكتب المدرسية المصرية (وربما هذه مشكلة عالمية) تبدو بلا اتجاه ولا هدف، بل هي مجموعة من الحقائق المرصوصة بعضها بجوار بعض.
المشكلة الثانية أن العلم فعلاً - ولو خارج الكتب المدرسية - يقدم بطريقة جافة مجردة. ومعظم الذين يسعون لحل المشكلة يركزون على جزء "جافة" بأن يضيفوا الرسومات والألوان والحركة ولا يقتربون من جزء "مجردة". ما معنى الحرارة النوعية؟ لا أقصد المعنى المذكور في التعريف، ولكن المعنى مثلما نقول "حياتي لها معنى"...ما السبب الذي جعلنا نعرّف الحرارة النوعية ونضعها في الكتب؟ ما دور هذه المعادلة في سير الطبيعة وفي الاستفادة من العلم؟ ما هو الـraison d'etre لهذا القانون؟
وكيف "أشعر" بهذا القانون وليس فقط "اعرفه"؟ هذه نقطة لا ينتبه لها البعض: أن القوانين لا توجد في الورق ولكنها تتمثل في الطبيعة المحسوسة. لماذا نسلق اللحم في الماء لكن نقليه في الزيت؟ ما علاقة هذا بالحرارة النوعية؟ حتى القواعد التي تبدو مجردة مثل قواعد النحو أو البلاغة، لماذا هي كما نراها وليس بصورة أخرى؟ مثلاً لماذا نضع بعض الطلبات في صورة سؤال مثل "could you pass the salt؟"، وما الأثر النفسي لهذه الصياغة على السامع، وما سبب ذلك الأثر؟
"ولكن العلم صعب"
وحتى من يبحث عن العلم فيها نجده يتحدث عن العلم أكثر منها في العلم. أي أن رسالته هي "ندوة عن أهمية العلم" أكثر منها "ندوة عن الـcontext free grammars".
— أنا، من جزء سابق في هذا المقال
هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.
— أنا برضه
— أنا، من جزء سابق في هذا المقال
هؤلاء يقضون الساعات على الفيسبوك، أو الفيديو جيمز، أو في الخروج، أو في الكوفي شوبس.
— أنا برضه
الحديث عن العلم أسهل من الدخول في التفاصيل العلمية. مشاهدة المسلسل أسهل من تعلم البرمجة. إن كنا نبحث عن الأسباب فهذا سبب.
لكني أعتقد أن الصعوبة هي شيء نسبي: في طفولتي كان كثير من الأطفال يبرمجون، وكان هناك مجلات وكتب متخصصة للأطفال المبرمجين. وكان الأطفال يصنعون الصور في الألعاب بالأكواد الhexadecimal. وكان هذا في العالم العربي مثلما كان في الغرب.
وفي هذه الأيام هناك نشاطات كثيرة يمارسها الأطفال والشباب تظنها صعبة حين تفكر فيها. هناك أشخاص كانت أول خبرة برمجية لهم في تصميم مستويات جديدة في الألعاب التي يلعبونها game modding. هناك من يخرجون من الحيز الإلكتروني إلى الحيز المادي ويقومون بتعديل سياراتهم بتصميمات جديدة car modding، (هناك بالمناسبة مجتمعات لتعديل السيارات ضمن الشباب المصري).
وفي الغرب نجد من يهوى تسلق الصخور أو تمثيل الأحداث التاريخية. وفي العرب من نجده يهوى الصيد أو ركوب الخيل. لم تكن الصعوبة حائلاً بين الشخص وما يريد إن كان يريده بما يكفي. فكيف تجعلهم يريدون؟
ولن تكون النهضة العلمية بتوزيع الأجهزة اللوحية في المدارس (وإن كنا نرحب بكل خطوة نافعة)، بل من فهم سلوك الناس ودوافعهم.
هناك تعليق واحد:
مقال جميل جدا ومفيد بس انا برفض فكرة ربط العلم اصلا بالمدرسه
إرسال تعليق