في مجتمعنا الآن ظاهرة...ماذا أسميها؟ فلنسمها "سلوك تربوي مبالغ فيه". هذه الظاهرة لها سمتان ألاحظهما:
- حينما يعبر أحد عن إحساس مثل الخوف، الغضب، القلق...الخ، يبدأ المجتمع المحيط في لوم الشخص كأنه سبب المشكلة.
- اعتبار أن ذلك الشعور نفسه هو المشكلة، وليس العوامل التي أدت إليه.
وإن هذا لأمر مثير للعجب، لو حكيت لك عن شخص يشعر بالخوف لأن أسداً يجري وراءه، فلن يقول أحد أن الخوف هو المشكلة؛ المشكلة في الأسد. لكن اخلع الأسد من الصورة وضع شيئاً أكثر تجريداً مثل المال أو الوظيفة أو العلاقات الأسرية...وستجد الجميع ينظر نظرة أخرى لصاحب الشعور السلبي.هذا جانب متطرف من موضوع التنمية البشرية. الناس يشعرون أنه هناك مشاكل في المجتمع مثل التخاذل، سرعة الشعور بالإحباط، نقص المسؤولية الشخصية، فصار الكل يقول "أنت تستطيع أن تنجز أي شيء تريده لو أصررت عليه!!" "أكبر عائق لك هو أنت!!" "انس الشعور بالقلق!!".
لكن التطرف هنا يزيد المشكلة أيها السادة ولا يحلها. هناك شيء اسمه الظروف والعوامل الخارجية. هذا شيء حقيقي ملموس لا يمكن إنكاره. وإني أعجب كيف أمكن للناس أن ينكروه. هذا النوع من التطرف يتبع نموذج "كذا يساء استغلاله، إذاً هيا نلغيه". أي ان الناس يرون ان "الظروف الخارجية" قد صارت شماعة للكثير يضع عليها تخاذله، فكان الحل - من نظرهم - هو إنكار الظروف الخارجية نفسها.
هناك شيء اسمه الـempathy، أي فهم الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر. الاستخفاف بمشاكل الآخرين وما يعوق حياتهم؟ هذا عكس الـempathy.
أما المشاعر السلبية، فهي قد تكون شيئاً جيداً لو عرف الناس كيف يتعاملون معها. الخوف والقلق ينبغي لكل منهما أن يدفع صاحبه للاعتراف بالخطر الذي يخشاه، والاستعداد للتعامل معه. أما الشخص الغاضب فليس بالضرورة لأنه متذمر أو "اكتئابي"، ربما يكون قد ظُلم أو أهين أو رأى ظلماً يقع، وهذا رد فعله الذي يقول "تصرف مع هذا الأمر حالاً".
لا نريد أن نعيش في عالم من الاستظراف والابتسامات المزيفة. إن كان هناك شخص في مشكلة فمن حقه أن يتحدث عن مشكلته ويعبر عنها. لا ينبغي أن نضع حواجز اجتماعية صارمة تجعل كل شخص يكتم ما في نفسه خوفاً من أن يعتبره الآخرون سلبياً أو متذمراً.
حتى الظروف التي يبدو فيها الطرف الآخر "مدللاً"، مثلاً حين يقول أن أهله لا يحترموه أو أن المجتمع لا يفهمه أو أن صديقتها لم تعد تحبها..قد يكون وراء هذا الأمر قضية مشروعة، وما أكثر الأهل الذي يدمرون أبناءهم فعلاً.
قد يقول قائل أنه هناك بالفعل أشخاص متذمرين أو سلبيين أو يغضبون على كل صغيرة وكبيرة. نعم، ولكن هل ندع هذا الأمر يدفعنا لأن ننكر كل مشكلة مشروعة وكل صاحب ظروف عائقة لحياته؟ لابد أن يتعلم المرء كيف يكون رأيه nuanced..وهي كلمة توحي بمعان معينة:
- ليست كل الحالات والظروف مثل بعضها ولو بدا أنها كذلك.
- التفاصيل الصغيرة قد تحدث فارقاً كبيراً.
- لابد من التفكير الفعلي المتأني في الأمر قبل الحكم عليه.
بمعنى أصح - في سياق مقالنا - ليس كل شخص يبدو متذمراً هو كذلك فعلا، كما أنه ليس كل شخص يقول أن ظروفه سيئة هو كذلك فعلاً، والميل هنا أو هناك هو تطرف. ومجتمعنا حالياً متطرف لجانب منهما.
إن لم تكن ستستمع للتفاصيل، فلماذا تحكم؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق