ينظر البعض لمشاريعي كل مشروع على حدىً فيقول "مشروع كويس" ويسكت. لكن حين تتحد المشاريع مع بعضها، تجد شيئاً كبيراً خفياً. ربما يفسر هذا حماستي الشديدة لتلك المشاريع، وتحملي من أجلها، بينما اكثر الآخرين لا يعبأ بها كثيراً. لأني أرى شيئاً في وسط هذه الأشياء؛ لديّ vision كما يقولون.
قد تجد هذا المقال يبدو كلاماً تقليدياً حتى تقترب من نهايته، ثم تجد - أو أرجو أن تجد - في الجزء الأخير مكافأتك على قراءته للنهاية :)
ما اهتماماتك أيها القاريء؟ هل تهتم بالسياسة والديموقراطية وتحصين المجتمع ضد الحكم الاستبدادي؟
أم أنك مهتم بالبرمجة والتكنولوجيا؟
أم بالاقتصاد والشركات؟
أم بالدولة القوية المتقدمة؟
هل تحلم بال"مستقبل"؟ السيارات الطائرة وغزو الفضاء؟
أم بالعدالة الاجتماعية؟
وماذا لو قلت لك أن جهاز أوراق، تعليم الأطفال البرمجة، التفكير الحوسبي، شركة Makesense، وهذه المدونة، قد تساهم بطريقة أو بأخرى في هذه الاهتمامات؟
كيف ذلك؟ وما علاقة شيء مثل البرمجة بشيء مثل العدالة الاجتماعية أو الديموقراطية؟ وهل يساهم الفيسبوك وتويتر في الثورات مثلاً؟ ما هذا الكلام الفارغ؟
المفاهيم مثل "الحرية" لا توجد في مكان فلسفي خفي، إنها تتحقق في البيئة الاجتماعية التي نعيشها جميعاً، وتتشكل بأفكار الناس ووسائلهم لتحقيق تلك الأفكار: التوزيع الموجود للثروات، وسائل الاتصال وتبادل المعلومات، وسائل تنظيم التفكير والتعبير عنه. لا تعجب أن تكون أحد عوامل النهضة الأوروبية هو انتشار الطباعة، لا تعجب من ازدياد النشاط السياسي بعد ظهور المدونات (وبعدها ظهور الـsocial networking)، ولا تعجب من ارتباط ظهور الديموقراطية في اوروبا بازدهار الطبقة الوسطى.
هل تأخذ الأفكار فرصتها؟ أم تموت لأن صاحب الفكرة مريض ولا يجد تكلفة العلاج [العدالة الاجتماعية] أو لأنه لا يجد وسيلة يخبر بها المجتمع بفكرته [التمكين الإعلامي] أو لأن النظام الأمني العتيد يخاف من التغير المجتمعي ويريد أن يحتفظ بالناس تحت قدمه [الاستبداد ونظم الحكم] أو لأنه حتى ليس متمكناً من سبل التفاوض والإقناع وتنظيم أفكاره؟
ما علاقة هذ بالمشاريع التي اذكرها كثيراً؟ سندخل في نقطة جانبية أخيرة، ثم نعود للمشاريع: أريد أولاً أن أحكي قليلاً عن نفسي...
لقد كنت في مواقف كثيرة من حياتي محظوظاً: عشت حياة الطبقة الوسطى لا اخاف من الأمور المادية، وتعرفت على حب العلم مبكراً، وكنت مبرمجاً قبل دخول كلية الحاسبات بسنين عدة، هذه الكلية نفسها قد ظهرت في الوقت الذي احتجتها فيه: بيئة من المبرمجين محبي العلم الذين يحبون النهضة.
الا أتمنى أن يكون كل شخص أمامه فرصة مثل هذه؟ بيئة يعبر فيها أن أفكاره ويلتقي بأصحاب الأفكار المشابهة، فرصة لتلقي علماً وفكراً، وفرصة مادية ليركز في اهدافه؟
نأتي أخيراً للمشاريع...
للديموقراطية صور كثيرة، ويشترك فيها مفهوم "نزع القوة من القلة وإعطائها للكثرة"، وكل قوة تدار مركزياً يتحكم فيها قلة هي وسيلة لنزع الديموقراطية من المجتمع: الإعلام المركزي يشكل الرأي العام كما يريد أصحابه. قلة التعليم وانخفاض المستوى الفكري تؤدي لحوار سياسي كالذي نراه الآن مليء بالمغالطات ويركز على الأشخاص لا الافكار، ويدفع الجميع للانخداع وراء الشعارات، أما النهضة نفسها فهي حالياً تأتي من ثقافة المشاهير: لو لم تظهر في التلفزيون أو تأخذ جائزة نوبل أو تكون مليونيراً أو تكون عضواً في حزب له ثقل سياسي،...فأين مكانك في النهضة؟
لكن يظهر وسط هذا نوع من الاشخاص اقتحموا هذه البيئة واكدوا ذاتهم فيها: هؤلاء الذين صنعوا قنواتهم على اليوتيوب، وصنعوا شركاتهم من لا شيء تقريباً، وأسسوا مبادرات اجتماعية تؤثر في الانتخابات والرأي العام، ويبدأون هذه الأيام في تشكيل احزاب سياسية صغيرة لكن ربما يكون مستقبلها كبيراً، وكل يوم يعيدون اختراع السياسة والإعلام والعمل.
ما الشيء المشترك بين هؤلاء؟ (1) فكرة جيدة. (2) وسائل مبتكرة للتعبير عن الأفكار ونشرها وتنفيذها.
أما مشاريعي فهدفها بسيط جداً: أن يكون المجتمع كله هكذا.
حين يبرمج الناس من طفولتهم، فسوف يتعلمون التفكير المنطقي المنظم، والتعبير عن الأفكار بطريقة عملية مجسدة، كما يمكنهم أن يخترعوا الأدوات التي يحتاجونها لتحقيق أهدافهم (هل تعلم أن جريدة نيويورك تايمز بدأت في تعيين المبرمجين بقوة، وظهر كادر جديد اسمه "الصحفي المبرمج"، وترى الجريدة أن هذا أملها في إنقاذ الصحافة؟).
تخيل لو كان الكل يخترع الأدوات التي يحتاجها لتحقيق اهدافه. هل لديك أهداف في إدارة شركتك؟ هل تريد صنع قاعدة بيانات للفساد الإداري؟ طبيب ولديك بيانات تريد تحليلها إحصائياً؟ ماذا لو كان لديك الأدوات لتفعل ذلك فوراً بنفسك؟
أما شركة Makesense فهي ليست مخطط لصنع شركة عادية، بل نوع جديد من الشركات: تحترم البحث العلمي، وتدار بطريقة ديموقراطية تحترم فيها الآراء (لتكون الديموقراطية قيمة اجتماعية وليس فقط نظاماً سياسياً)، وتكون مثل دولة صغيرة: إن الدولة هي وكيل لشعوبها وليست سيداً لهم، فلماذا لا تكون الشركة هي وسيلة لمجموعة من المتخصصين لكي يعملوا معاً ويحققوا اهدافهم، بدلاً من النظرة الحالية "سوف يتم إعطاؤك مالاً لتحقق أهداف صاحب الشركة"؟
لو نجحت بضع تجارب في شركات من هذا النوع، وكسبت وازدهرت، فقد يبدأ الناس في تقليد هذا النموذج بدلاً من الاختلاف على واقعيته.
شركات ليست فقط للربح، بل للعمل! ماذا تريد أن تعمل؟ إعلام؟ علم؟ خدمات؟ علاج؟ ماذا عن شركة تكون اسهل في توجيهها نحو تلك الأهداف، وأصعب في الانزلاق نحو الربح الأعمى؟
ماذا عن جهاز أوراق؟ أريده أن يكون وسيلة لإنتاج المعلومات ونشرها، لينتشر في المجتمع ثقافة الإنتاج الفكري. تخيل باحثاً يكتب حواشي على الكتاب بالقلم الإلكتروني، وفي لحظة يتم عمل share لهذه الحاشية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيمكن للآخرين أن يضيفوا تلك الحواشي لنسخة الكتاب لديهم، فيأخذها أحد كمصدر للأفكار في عمله، ويأتي الآخر ليشرحها في مجلس علم، ويأتي ثالث يقتبس منها في كتاب دراسي، بينما في مكان آخر هناك معلم يأخذ عينات نباتات بالكاميراً وفي لحظة يكتب عليها تعليقات وملاحظات (أو يعطي هذا النشاط كواجب دراسي لتلاميذه)، وكل هذا الكترونياً في جهاز يشبه الورقة والقلم؛ ويمكن لأي شخص أن يستخدمه؟
ثقافة إنتاج المعلومات وليس فقط استهلاكها. ثقافة التصميم والاختراع.
مثل هذه الانشغالات هي وظيفة تلك المدونة وتلك المشاريع، ومن أجل هذه الأهداف تجدني كتبت مقالات سياسية أو أيدت مرشحاً معيناً، ومن أجل هذه الأهداف انتقد مسابقات الـACM وأقترح بدائلاً لها، لأن أوراق والشركات والأدوات لن أقدر على صنعها وحدي بكل تأكيد بل تحتاج مجتمعاً يصنعها. هذا ليس مشروع سنة أو سنتين.
وهناك مشاريع أخرى لم أتحدث عنها كثيراً وأتمنى أن أراها في يوم من الأيام مثل مؤسسة إرواء لتمويل الشركات، وأدوات برمجية أسهل بكثير تجعل البرمجة في متناول فئة أكبر بكثير (ديموقراطية حوسبية)، ومشروع "جسر" لسد الفجوة التكنولوجية البرمجية (وقد يمكن للآخرين تطبيقه على مجالات غير برمجية)، وغيرها.
فإن رأيتني انتقد ما تراه في الحاضر، فهذا لأني أتمنى مستقبلاً غيره.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق