(ملاحظة: أنا أمثل نفسي فقط والآراء المكتوبة آرائي، ولست عضواً في مؤسسة مصر القوية أو أي حزب سياسي، وحين أقول "نفعل كذا" فهي صيغة أدبية لا أكثر)
كنت أيام الانتخابات اتحدث عن برنامج د. أبو الفتوح، وكان هناك اختلاف بين الآراء..
رأيي أن البرنامج مذهل، وأنه لو تم تنفيذه جيداً فسيجعل مصر ليس فقط تلحق بالدول الغربية، بل تسبقها. أما رأي أغلب من أتحدث معهم فهو أنه برنامج "كويس" لا أكثر.
نعم، لقد حصل د. أبو الفتوح على ملايين الأصوات، لكن كم من هذه الأصوات كان بسبب البرنامج، وكم بسبب عوامل أخرى مثل إخلاصه أو تاريخه أو شخصه...الخ؟
ونحن الآن نبدأ العمل السياسي والحزبي والمجتمعي، وهناك طرق لتنفيذ ذلك البرنامج غير مؤسسة الرئاسة، ود. أبو الفتوح وفريقه يعلمون ذلك، وقد أنشأوا حزباً سياسياً ومؤسسات أخرى تمهيداً للعمل السياسي على نطاق واسع وتنفيذ برنامجهم...ولكني أشعر أنه هناك مكون كبير ناقص. هذا المكون قد يعوق تقدم هذا المشروع لسنين. المشكلة في المستوى الفكري.
السيناريو الذي نريد تجنبه
اخشى أن يقول الناس، كما قالوا من قبل: "كويس" ويكتفون بهذا. لماذا أثر فيّ مشروع مصر القوية بهذا الشكل، بينما لم يؤثر في أغلب الناس بنفس الطريقة؟ لأنني لم أتعامل مع البرنامج على أنه مجموعة من الشعارات بل على أساس أنه بحث علمي. لقد بحثت في كل نقطة قالها البرنامج: الديموقراطية التشاركية، أنواع النشاط التعليمي الجديدة، الملكية العامة بإدارة خاصة، الفرق بين كلية الشرطة وأكاديمية الشرطة..كل كلمة من هؤلاء هي كلمة خلاصة أبحاث قادمة من عقل عالِم أو مفكر مصري شارك في وضع البرنامج.
لكن الناس لم يروا فيها إلا الشعارات!
وفي هذه الحالة فإن الناس سوف يختارون - في الانتخابات البرلمانية والمحليات و...و... - سوف يختارون إما من يعرفونه من قبل، وإما أصحاب الشعارات الأقوى، ويكون نصيب "مصر القوية" أعلى من الأحزاب الجديدة مثل التيار المصري مثلاً، لكن ليس منافساً قوياً جداً للاحزاب المهيمنة على الساحة السياسية حالياً.
وكيف نتجنب هذا السيناريو؟
ماذا يفعل الكيان السياسي الجديد في هذه الظروف؟ مؤسسة مصر القوية لديها ميزة هامة جداً: لديها (في رأيي) أفضل برنامج (حالياً) للدولة، ولديها فريق قوي من الخبراء، ولديها أكثر من مائة ألف متطوع. المكون الناقص هو إيصال هذه الرسالة إلى عامة الشعب. البرنامج العلمي يحتاج لتقييم علمي من الناس، ولو ارتفع المستوى الفكري فستتغير الساحة السياسية ويتغير شكل المجتمع.
هناك بالفعل مشاريع لرفع المستوى الفكري للناس، مؤسسات مثل "معرفة" و"رشد"، "قبيلة" وهي تحاول - أو هكذا أظن - أن تكون ليست مجرد "توعية" بل أن ترفع المستوى الفكري فعلاً وتعلم الناس في الاقتصاد والسياسة والإدارة والقانون..
علينا أن نأخذ هذا ونضربه ×100 . وأرى أنه قرار عملي وأننا نستطيع. أليس هذا شيء ينبغي أن نطمح فيه؟ شعب لا يسير وراء الشائعات، ويحلل الخطاب السياسي علمياً، ويختار المرشحين (أياً كان انتماؤهم) بالنظر المدقق إلى برامجهم وفكرهم؟
إن هذا في رأيي يضاهي في أهميته ثورة 25 يناير ذاتها.
وكيف نفعل هذا إذاً؟
الطريقة في سطر واحد ثم نفصّلها: يجب أن يكون رفع المستوى الفكري هو هدف أساسي من أهداف النشاط الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في "مصر القوية".
معنى هذا أنه شيء يهتم به ويعمل فيه الجميع، بداية من القيادات وحتى كل متطوع في كل محافظة. وكذلك الخبراء والإداريين. لا ينبغي رَكن هذه الخطة في ركن ما مثل "اللجنة الثقافية". لابد من اشتراك المؤسسة كلها وإعطاء الموضوع أولوية بالغة. هذا هو السر.
يمكن أن يبدأ د. أبو الفتوح نفسه في تقديم رؤيته وأفكاره بشكل أكثر تفصيلاً. نعم لديه الآن صفحة على الفيسبوك وحساب على تويتر، لكن هذان يقدمان آراء مقتضبة في قضاياً الأحداث الجارية، لماذا لا يكتب مقالات أطول على مدونة؟ ولماذا لا يفعل هذا أيضاً من يستطيع من الخبراء والإداريين؟ تجربة في التشارك الحقيقي مع المجتمع وليس مجرد التخطيط في اجتماعات مغلقة.
(هذا بالمناسبة أحد أسباب شعبية أ/حازم صلاح مثلاً: محاضراته في مسجد أسد بن الفرات وفي برنامجه التلفزيوني. هذا يجعل أفكاره حاضرة دائماً، ومحور حديث وحوار).
أيضاً في صورة فيديوهات، لكن ليس مجرد فيديوهات دعائية (وإن لم نعارض تلك)، بل أيضاً فيديوهات على مستوى فكري أعلى تشرح الخلفيات السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية/القانونية/العلمية وراء قرارات الحزب وسائر مؤسساته. تجعل الناس يستخدمون هذه اللغة العلمية في الحوار، بدلاً من الشعارات والمغالطات والشائعات.
ولماذا لا نستفيد من تجربة الخبراء كمعلمين وكثيرهم أساتذة في الجامعة؟ لماذا لا يشاركون بمحاضرات منتظمة كل في مجاله لمن يريد أن يفهم ويتخذ قراراته على علم؟
وهناك حالياً شخصيات معروفة بفكرها ولكن لا نسمع منها إلا ما يقال عن الأحداث الجارية..لماذا لا تأتي بهؤلاء ويقولون لنا "هيا نبدأ السياسة من البداية. هيا نرى ماذا تعني الدولة وكيف تنظم"، ثم يتم مشاركة هذه المعلومات عبر الأنترنت وعبر العالم الحقيقي ونشرها كذخر علمي؟
ولماذا لا يكون هناك وحدة نشر تابعة للحزب/المؤسسة، تقدم كتب ونشرات فيها خلفيات لكل قرار اتخذ وكل سياسة ، بالمراجع؟
ولماذا لا يكون هناك قناة تلفزيونية (أو برنامج في قناة معروفة) يناقش كل شيء بعمق وليس فقط "كذا كويس، كذا وحش"؟
ولماذا لا يتم التعاون مع المؤسسات الحالية مثل معرفة،...الخ والاستفادة من خبراتهم؟
وماذا عن العمل التطوعي في كل محافظة؟ لماذا لا يكون هناك عمل فكري أكبر من مجرد "توعية سياسية" أو "تنمية بشرية" بل تقوم فعلاً بتغيير الفكر؟ ندوات مكثفة ومناقشات وتدريب ومجالس علم؟
قد يردّ أحد فيقول "وانت فاكر الناس حيفكروا كدة؟؟ ما انت شايف الناس عاملين ازاي!"، أقول: نعم، وهذه هي المشكلة التي نسعى أن نحلها!
نحن إما أن نفترض أن المجتمع سيظل كذلك للأبد، ونسلّم بهذا، ونكتفي بترديد الشعارات وسط المرددين، أو نقول أن انخفاض المستوى الفكري مشكلة قابلة للحل، ونسعى بكل السبل الممكنة لحلها.
لأننا مللنا الحوار السياسي الحالي. ألم تملّوه؟
هناك تعليقان (2):
صباح الفل
احتاج ان اتواصل معك
m.hekal85@gmail.com
بخصوص مصر القوية
@محمد هيكل
تم الاتصال :)
إرسال تعليق