‏إظهار الرسائل ذات التسميات egypt. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات egypt. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

أفكار سياسية لحزب مصر القوية

هذه بعض المقترحات مني للحزب في الفترة القادمة [ملاحظة: أنا شخص من خارج الحزب] تنقسم إلى ثلاث أقسام: قبل انتخابات مجلس الشعب، أثناء الانتخابات، والمرحلة الأهم: بعد الانتخابات.

قبل الانتخابات

من المشاكل التي تواجه الحزب - وهي من أكبر المشاكل في رأيي - مشكلة الpositioning، وهو مصطلح تسويقي بمعنى "الفكرة المرتبطة بك أو بمنتجك، بحيث يمكن أن يقال لو كنت تريد _______ فلدينا المطلوب".

الـposition الخاص بحزب الحرية والعدالة مثلاً هو "دولة اسلامية معتدلة". حزب الدستور يحاول الحصول على position في عقول الناس هو "حزب يبحث عن الديموقراطية والحريات". حزب الأمة المصرية (الذي يؤسسه حازم صلاح أبو إسماعيل) ربما يكون الـposition الذي يسعى له هو "دولة اسلامية 'حازمة' بلا تنازلات"، وهكذا. فما هو الـposition الخاص بمصر القوية؟ بدون الإجابة على هذا السؤال أخشى أن يأتي الكثير من الناس فيقولوا "ده حزب كويس" ويسكتوا، بدون حماسة حقيقية أو تقدير للأهمية الحقيقية للدور الذي يقوم به الحزب.

أنا لا أقول أن الحزب بلا موقع محدد، أنا فقط أقول أن هذا الموقع قد يشعر به مؤسسو الحزب لكن لا يوجد تعبير قوي عنه بين الناس..

ما هي اتجاهات الحزب إذاً؟ ربما تكون هذه (في رأيي الشخصي):
  • إسلامي
  • يرى دوراً كبيراً لمسؤولية الدولة [مقابل القطاع الخاص]، في النهضة، رعاية الفقراء، العدالة الاجتماعية...الخ
  • يتسامى عن الصراعات الآيديولوجية أو الصراعات بشكل عام، ويحاول بدلاً من ذلك التركيز على صنع الدولة الحديثة المتطورة، وهذا يتضح من تسميته "مصر القوية"، ويأخذ هذا الموضوع كمشروع بحثي وليس مجرد تقليد لتجارب سابقة.
المشكلة هنا أن هذه الصورة تبدو أعقد من اللزوم أحياناً عند توصيلها للمواطن العادي. الأمر يحتاج قصة موحدة تربط هذه الجوانب. وحين أقول قصة أقصد هذا بالفعل: شيء مجسد يتخيله الناس ويتنفسونه، وليس مجرد مجموعة من الآيديولوجيات.

(أعتقد أن لديّ قصة مناسبة، لكني لا أريد الحديث عنها بعد لأني لم أنته بعد من مراجعة جوانبها المختلفة)

عموماً كما قلت: لابد من تحديد الـposition، وإيصال هذا الـposition لكل أعضاء الحزب وكل من يتعامل معه، ثم انعكاس هذه الفكرة في اللقاءات الصحفية والحملات الدعائية...الخ. لابد أن يوجد فكرة تجعل الناس يقولون "مصر القوية" حين يأتي ذكرها.

أثناء الانتخابات

سوف يكون هناك بعض العوائق لانتخاب الحزب: البعض سيقول أنه بلا خبرة سياسية، البعض سيقول أنه ليس إسلامياً حقاً، والبعض سيقول أنه ليس متجهاً لبناء الدولة الحديثة حقاً، والبعض سيقول "كلام كويس بس احنا عاوزين أفعال".

هناك شيء ربما يساعد في هذا الموضوع (وربما الحزب يقوم به بالفعل وأنا لا أعلم): حزمة من الأفعال.

قوانين مخطط لاقتراحها في البرلمان، قائمة بالقضايا المخطط طرحها للمناقشة، قائمة "بالمواقف" في القضايا المعروفة (الدستور، العدالة الاجتماعية، الانتقال السياسي من النظام القديم لنظام ما بعد الثورة،....الخ). أنا أعلم أن الحزب له مواقف في كل هذه الأشياء لكن يتبقى توثيق كل هذه القوانين/الخطط/المواقف ثم تقديمها للناس بكثافة في الإعلام والحملات الانتخابية. سوف تقولون للناس "ما تنتخبوناش عشان بس شايفيين اننا كويسين أو محترمين أو على كفاءة، انتخبونا لو انتوا واخذين المواقف دي زينا".

هذا الموضوع له مزايا عديدة:
  • بينما بعض الأحزاب الأخرى (وليس بالضرورة كلها) تقدم مجموعة من المباديء العامة، أنتم ستقولون للناخب بالضبط ماذا يمكن أن يتوقع. بدلاً من تقديم "علبة مغلقة" أنتم تقولون له "سوف ترى ما بداخل العلبة قبل شراؤها".
  • المباديء العامة أيضاً مهمة، لكنكم بتقديم هذه القائمة تظهرون مبادئكم وليس فقط تخبرون بها. من الصعب أن أقول أن هذا الحزب ليس إسلامياً إن كان من ضمن القوانين التي سيقترحها أشياء مرتبطة بالشريعة. من الصعب أن اسأل كيف يريد تحقيق العدالة الاجتماعية إن كان هذا الكيف مطروح أمامي كلما ذُكر الحزب. وهكذا.
  • هذا يعطي الناس نقاطاً محددة يتناقشوا فيها، بدلاً من الكلام بأشياء عامة مثل "كويس/وحش/متطرف/معتدل".
  • هذا يطرح القضايا نفسها للنقاش أمام المجتمع، فيكون الحزب قد بدأ بدوره الفكري حتى قبل حصول أعضائه على أية مناصب.
بعد الانتخابات

في الحقيقة لا أتوقع أن يأخذ الحزب مقاعداً كثيرة في الدورة البرلمانية الحالية (هذه طبيعة الموقف الحالي)، لكننا قد تعلمنا من أمثال أ/حاتم عزام أو أ/عصام سلطان أن العبرة ليست بعدد المقاعد، إنما العبرة بما تفعله في منصبك. لابد من استثمار هذا الموضوع. الديموقراطية ليست في أساسها اصوات وعداد، الديموقراطية مبنية على الحوار الديموقراطي، والذي ينبغي أن يحدث هو الوصول لإجماع ياتي من النقاش حول الأفكار، وليس اعتبار عدد الاصوات مثل الأهداف في مباراة كرة.

لكن لماذا نستخدم هذه النقطة فقط في إقرار عدد من القوانين؟ لماذا لا نستخدمها في تغيير شكل الحوار السياسي في مصر؟ :)

في الواقع الحوار السياسي في مصر لا يعجبني كثيراً..إنه لا يخرج في أكثره عن شيء من:
  • التخوين والشائعات.
  • الوصول لحلول وسط بين الأطراف المتنازعة.
  • تبادل الآراء ومحاولة الإقناع بواسطة أساليب إقناعية جدلية مختلفة.
النوع الأول مرفوض، والنوع الثاني ينبغي أن يكون الحل الأخير وليس الوسيلة الأساسية، والنوع الثالث هو الأقرب لما يقوم به المعتدلون/المخلصون، لكنه في الواقع لا يغير الآراء كثيراً. كم مرة تجادل طرفان عن العدالة الاجتماعية مثلاً ثم خرج طرف منهم وقد غير رأيه؟ في الغالب كل من الطرفين لديه حججه التي أقنعته لكنها لن تقنع الطرف الآخر (الذي لديه حجج بدوره).

هناك طريقة رابعة، والذي يقدّم هذه الطريقة إلى سائر أطراف الحوار السياسي المصري سيكون في أعيني بطلاً قومياً. هذه الطريقة هي القرار المبني على البيانات.

هب أننا مختلفون على موضوع مجانية التعليم (في كل المراحل) هل تؤثر على جودة التعليم أم لا. يمكننا أن نقوم بتجربة: خذ أفضل عشرين أو ثلاثين دولة في المجال التعليمي، وانظر لموقف كل دولة فيه من مجانية التعليم. أو خذ إحصائيات عن الدول التي كان تعليمها خاصاً وأُدخلت فيه المجانية، أو العكس، هل حدث تغير ما؟ وهل المجانية كانت هي العامل فعلاً أم كان هناك عوامل أخرى؟ (هنا يفيد النظر للدراسات عالية الجودة التي تتبع المنهج العلمي).

في هذه الحالة قد يجد المواطن نفسه في حوار سياسي مختلف، ويجد أعضاءً يكون ردهم لمن يخالفهم: هذه هي البيانات التي تدعم قراري، فأتني ببيانات أفضل منها.

اقتراحي أن يقوم حزب مصر القوية بتجهيز مركز أبحاث لدعم الحوار السياسي، بحيث يقوم بتجهيز كل عضو بالدراسات والبيانات والإحصائيات في كل قضية سوف تناقش قريباً في البرلمان، بحيث يكون النقاش دائماً بهذا المستوى ولا أقل من ذلك.
على المدى الطويل، هذا قد يدفع أحزاب أخرى كثيرة وأفراد إلى استخدام نفس الأسلوب، ويجعل المواطن يعتاد على هذا ويكون له معياراً عند اختيار من يمثله.

وهذا قد يكون ما يأتي بمصر قوية حقاً.

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

ابتكار وتطوير لا إبداء رأي

حين تدخل في حوار مع الناس: هل تتحدث بنية الابتكار والتطوير أم تتحدث بنيّة إبداء الرأي؟

مجتمع لا يفعل شيئاً

عوائق تاريخية كثيرة منعت المجتمع من أن يشعر أنه يتحكم في واقعه: حكم مستبد، مشاكل اقتصادية، تعليم مبني على التلقين..وضع هذا الأمر الناس في بيئة فكرية تعوق التفكير في العمل وتركز على إبداء الرأي: الأكثرية ترى نفسها مشجعين وليس لاعبين. جماهير وليس مؤديين. نقاد وليس مبتكرين.

لذلك فإنه بالنسبة لهم كل كلمة تقال هي "رأي".

حين أنتقد شكل النشاط الحالي في الـACM مثلاً، فإن الرد الذي أتلقاه دائما هو: لماذا ترى أن الـACM غير مفيد؟؟ لم أسمع أبداً عمن يسأل عن شكل البدائل وكيف يمكن تطوير النشاط ويستزيد من التفاصيل في هذا. الآن تعال نحلل الأمر حسب خلفية المتحدثين:

- لو كنت تفكر بنية المخترع، فأنت دائماً تبحث عن الثغرات في كل شيء من أجل الإتيان بجيل قادم من ذلك الشيء، يتلاشى الثغرات وأكثر.

- ولو كنت تفكر بنية إبداء الرأي، فأنت تفكر هل الشيء الحالي، في صورته الحالية، جيد أم سيء بدون التفكير في الصور الأخرى التي يمكن أن يكون عليها.

وكيف سنتقدم للأمام هكذا؟

هب أنني ذكرت مشكلة ما في تعريب العلوم. مشكلة لأول وهلة تبدو صعبة.

- لو كنت من مدرسة "إبداء الرأي" فسيكون ردك أن كيف أن هذه المشكلة ليست عائقاً حقيقياً، وسوف تتخذ موقفاً دفاعيا.

- لو كنت من مدرسة "الابتكار والتطوير" فستكون سعيداً لأن هذه النقطة قد أثيرت، وتبدأ في أن تفكر: كيف يمكن حلها؟


وإن الطريق طويل. وسوف تجد أنصار التعريب أنفسهم يمثلون عائقاً فيه: كلما جئت بمشكلة مشروعة في طريق التعريب، سوف تجد من يهاجمك لأنه قادم من خلفية "إبداء الرأي"، ويفسر كل كلامك على أنك عدو التعريب.

ولقد مللت. دائماً الحوار في صورة "كذا كويس، كذا وحش". هل نحن نقاد ارستقراطيين، نرتدي المونوكل وندخن البايب، ونجلس نشاهد الأوبرا؟ لماذا لا يكون الحوار أكثر عمقاً؟

حوار سطحي

هناك طبعاً ميزة لإبداء الرأي، هي أنك لا تحتاج للتحدث بكثير من التفصيل. لو كنا نتحدث مثلاً عن مجانية التعليم، فإن أكثر حجتين أسمعهما هي "سوف يفشل التعلم لو صار مجانياً" أو "كيف نترك التعليم للأغنياء فقط". لو استزدت من المتكلم فكثيرا ما لا تجد المزيد.

كم من الناس حاول أن يجيب على السؤال إجابة مستندة على بيانات؟ من قام بعمل حصر للدول المتقدمة علمياً، ثم رأى كم دولة فيهم ذات تعليم مجاني أو تعليم بمقابل؟ هذا الموضوع لا يأخذ أكثر من عشر دقائق على الويكيبديا، لكن قبل ذلك يأخذ رغبة حقيقية في التخطيط لمستقبل المجتمع وليس مجرد إبداء رأي مثلما تبدي رأيك في مطرب أو فريق كرة.

والحوار السياسي المصري، إلا بعض الاستثناءات، دائماً في هذه الصورة:
1- اختر شخصية أو فئة من الناس معروفة سياسياً.
2- هاجمها، أو دافع عنها، أو هاجم من يهاجمونها.
فإلى متى؟

وكم من زوج أخذ يسرد عيوب زوجته (أو العكس)، بدلاً من التفكير في أسباب المشاكل بينهما وحلها؟

وكم من شخص كبير أخذ يشتم في "شباب اليومين دول"، بدلاً من أن يدرس كيف يفكرون أو يدرس كيف يطورهم نحو الأفضل؟ إن فئة مثل الألتراس قد تصبح قوة اجتماعية مؤثرة (ليس فقط كثوريين) لو أحسن توجيهها، لكننا لا نرى إلا هجوماً عليهم أو مدحاً فيهم.

وكم من شخص يمدح شركة مثل مايكروسوفت أو جوجل ويتخذ من نفسه مشجعاً رسمياً لها، بدلاً من أن يفكر في الدروس المستفادة من إدارة هذه الشركات، بهدف تصميم "الجيل القادم" من شركة البرامج المتطورة؟

وكم من شخص لا يقول سوى "مصر مافيش زيها" أو "مصر متخلفة"، بدلاً من أن يقوم من على مقعده الوثير، ويعمل عملاً حقيقياً، ويبذل جهدا حقيقياً، في أن يرى القيم الإيجابة الموجودة في المجتمع المصري ليقويها، أو القيم السيئة ليغيرها؟ لا اقصد شعارات أو بديهيات، بل دراسة حقيقية مبنية على الملاحظة العلمية؟

الخميس، 23 أغسطس 2012

عن حاسبات ونقابتها نتحدث

هناك ثلاث نقاط سوف ندخل فيها في هذا المقال. وأظنه مختلف عن معظم ما قرأت في هذا الموضوع.
  • ماذا عن إنشاء نقابة خاصة بخريجي حاسبات ومعلومات؟
  • وماذا عن لقب "مهندس برمجيات"؟
  • وماذا عن منع مزاولة المهنة لغير خريجي حاسبات؟
المفروض أن يكون الحكم على الأفكار وليس الأشخاص، ولكن رغم ذلك سأقول (لكي يكون الجانب الذي أتخذه واضحاً): أنا خريج حاسبات ومعلومات عين شمس، ومعيد سابق فيها، وقد قدمت للكلية الكثير ولا أزال، وأنا ممن يرون أن علوم الحاسب من شأنها رفع المستوى العلمي للمجتمع كله ودفع المنطقة للنهضة العلمية، ومشاريعي الحالية تثبت ذلك فعلاً لا قولاً.
ثم بعد ذلك...

ماذا عن إنشاء نقابة خاصة بخريجي حاسبات ومعلومات؟

هذا أمر لا مشكلة عندي فيه. إن استوفت الكليات وخريجيها الشروط القانونية فلماذا لا يكون لديهم نقابة؟ هذا أمر طبيعي وكل المتخصصين في المجالات الأخرى يتمتعون بمميزات النقابات. أمر طبيعي وليس مثيراً للجدل.

ماذا عن الانضمام لنقابة أخرى مثل المهندسين أو العلميين؟ أقول لماذا؟ نحن لنا مجالنا الخاص، ولا أسمع أحد يقول لخريج هندسة انضم لنقابة العلميين أو ينصح خريج حقوق أن ينضم لنقابة التجاريين؛ ولا أجد معنى لهذه الأفكار.

وماذا عن لقب "مهندس برمجيات"؟

 لا أرتاح كثيراً لهذه النقطة، وأعتقد أن الهوس المستمر للحصول على لقب "مهندس" له أضراره.

مثلاً، هناك نداءات من حين لآخر بجعل الدراسة في حاسبات خمس سنوات بدلاً من أربعاً إن كان هذا سيسهّل الحصول على اللقب. هذا أمر سيء لأنه يخلط قضية تعليمية بقضية أخرى اجتماعية. الأسوأ أن الذين يطرحون هذه النقطة كثيراً ما يخفون نواياهم الاجتماعية ويظهرون الأمر تعليمياً بأن يقولوا أن الدراسة بالكلية لا تكفي لها السنوات الأربع...الخ؛ هذا يؤدي لحوار مسرحي سخيف تجد قليل من الصادقين فيه، والباقي يقولون شيئاً ويعنون شيئاً آخر.

أنا مقتنع بالأربع سنوات، لكني مستعد للسماع للرأي الآخر بشرط أن يكون رأياً تعليمياً وليس برأي سياسي/اجتماعي متنكر في صورة خوف على المستوى العلمي، وحتى الآن لم أر رأياً كهذا.

نقطة أخرى هامة، أن Computer science هي أمر أكبر من هندسة أصلاً!

لو نظرت للفلسفة وراء علوم الحاسب، فستجد أن لها وجهاً رياضياً، ووجهاً تكنولوجياً قريباً من الهندسة، ووجها علمياً قريباً من العلوم الطبيعية مثل الفيزياء أو علم الفلك. إن الحوسبة هي علم جديد ناشيء ولتطوره تبعات على الفكر البشري في القرن القادم، ولو حصرنا مجالنا في الجانب الهندسي فإننا قد نحظى على المدى القريب ببعض القبول في المجتمع، لكننا على المدى الأبعد قد نفقد فكراً ووعياً مجتمعياً أكبر بكثير.

لماذا نبحث عن الحل السهل ونأخذ لقباً من مجال يشبه مجالنا في بعض جوانبه؟ ألا ينبغي أن نصنع قصص نجاحنا ولقبنا بأنفسنا؟

لماذا لا نبهر المجتمع بالمشاريع والشركات والأبحاث وقصص النجاح حتى يدرك إدراكاً حقيقياً من نكون وماذا نفعل؟

لماذا نتمسك بألقاب من الماضي بينما يمكن أن نكون المستقبل؟

لماذا نحاول إرضاء مجتمع لا يفهمنا بدلاً من أن نغيره؟

لأن لقب المهندس أسهل؟ وهل نختار الحل السهل أم الحل الصحيح؟

وماذا عن منع مزاولة المهنة لغير خريجي حاسبات؟

(إضافة: هذا هو المصدر للمادة المقدمة الخاصة بمزاولة المهنة. صفحة 12، مادة 40).

إن أردت إبطاء معدل النهضة في المجتمع، افعل ذلك.

هل تعلم أن العالم الآن يسير نحو نشر البرمجة للجميع، خريجي علوم حاسب أو لا؟

هل تعلم أنه قد ظهر في الولايات المتحدة كادر جديد اسمه الصحفي/المبرمج، وأن كليات صحفية مثل كلية الصحافة بجامعة ميزوري، أو جامعة كاليفورنيا في بركلي، صاروا يضيفون مكونات برمجية إلى الكورسات؟

هل تعلم أن جامعة ستانفورد بها مركز أبحاث للحوسبة القانونية، لدراسة تأثير التكنولوجياً على النظام القانوني للدولة؟

هل تعلم أنه هناك اطفال في سن العاشرة قد طوروا برامج iPhone؟ وفي سن الثانية عشر أيضاً؟ هل تعلم أنه هناك مصري في الخامسة عشرة من ضمن هؤلاء، وأنه ليس وحده، فهناك مبرمجون كثيرون في سن المراهقة في الوطن العربي، يعرفون PHP, Visual Basic,...الخ؟

هل تعلم أن كثير من رواد الأعمال في مصر والوطن العربي يفتحون شركات تنتج تطبيقات، بينما كثير منهم من خلفية غير برمجية؟

فهل نريد لمجتمعنا أن يأتي بالصحفيين المبرمجين والمحامين المبرمجين والأطباء المبرمجين ويدفنهم قبل أن يظهروا؟ وأن يأتي بالاطفال والمراهقين الأذكياء ورواد الأعمال ويقول لهم "عذراً! اوقفوا تقدمكم سنوات حتى تصيروا خريجي حاسبات؛ إن صرتم"؟

هل نغلق الأبواب بينما غيرنا يفتحها؟

خاتمة
 
هناك تقسيم مزيف للمجتمع أن الناس محصورون بين "حاسباتجي يوافق على قانون النقابة" و "حاقد يرفض القانون". هذا المقال أحد وسائل نفي ذلك: أنا حاسبتاجي وأحب حاسبات حتى النخاع، لكن أرفض القانون الحالي الظالم.

ولقد أخطأ المسؤولون عن هذا القانون (ESEA) حين جمعوا بين شيء تتفق عليه الأكثرية (النقابة) وبين بنود تعبر عن آرائهم الشخصية. وإني أرى في الإصرار على البنود الأخرى ليس فقط ضرراً للمجتمع، ولكن أيضاً ضرراً لخريجي حاسبات أنفسهم، لأن مثل هذا القانون سوف يلاقي رفضاً من المجتمع ويعوق مشروع النقابة الذي نتمناه جميعاً.

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

رفع المستوى الفكري، من أجل مصر القوية

(ملاحظة: أنا أمثل نفسي فقط والآراء المكتوبة آرائي، ولست عضواً في مؤسسة مصر القوية أو أي حزب سياسي، وحين أقول "نفعل كذا" فهي صيغة أدبية لا أكثر)

كنت أيام الانتخابات اتحدث عن برنامج د. أبو الفتوح، وكان هناك اختلاف بين الآراء..

رأيي أن البرنامج مذهل، وأنه لو تم تنفيذه جيداً فسيجعل مصر ليس فقط تلحق بالدول الغربية، بل تسبقها. أما رأي أغلب من أتحدث معهم فهو أنه برنامج "كويس" لا أكثر.

نعم، لقد حصل د. أبو الفتوح على ملايين الأصوات، لكن كم من هذه الأصوات كان بسبب البرنامج، وكم بسبب عوامل أخرى مثل إخلاصه أو تاريخه أو شخصه...الخ؟

ونحن الآن نبدأ العمل السياسي والحزبي والمجتمعي، وهناك طرق لتنفيذ ذلك البرنامج غير مؤسسة الرئاسة، ود. أبو الفتوح وفريقه يعلمون ذلك، وقد أنشأوا حزباً سياسياً ومؤسسات أخرى تمهيداً للعمل السياسي على نطاق واسع وتنفيذ برنامجهم...ولكني أشعر أنه هناك مكون كبير ناقص. هذا المكون قد يعوق تقدم هذا المشروع لسنين. المشكلة في المستوى الفكري.

السيناريو الذي نريد تجنبه

اخشى أن يقول الناس، كما قالوا من قبل: "كويس" ويكتفون بهذا. لماذا أثر فيّ مشروع مصر القوية بهذا الشكل، بينما لم يؤثر في أغلب الناس بنفس الطريقة؟ لأنني لم أتعامل مع البرنامج على أنه مجموعة من الشعارات بل على أساس أنه بحث علمي. لقد بحثت في كل نقطة قالها البرنامج: الديموقراطية التشاركية، أنواع النشاط التعليمي الجديدة، الملكية العامة بإدارة خاصة، الفرق بين كلية الشرطة وأكاديمية الشرطة..كل كلمة من هؤلاء هي كلمة خلاصة أبحاث قادمة من عقل عالِم أو مفكر مصري شارك في وضع البرنامج.

لكن الناس لم يروا فيها إلا الشعارات!

وفي هذه الحالة فإن الناس سوف يختارون - في الانتخابات البرلمانية والمحليات و...و... - سوف يختارون إما من يعرفونه من قبل، وإما أصحاب الشعارات الأقوى، ويكون نصيب "مصر القوية" أعلى من الأحزاب الجديدة مثل التيار المصري مثلاً، لكن ليس منافساً قوياً جداً للاحزاب المهيمنة على الساحة السياسية حالياً.

وكيف نتجنب هذا السيناريو؟

ماذا يفعل الكيان السياسي الجديد في هذه الظروف؟ مؤسسة مصر القوية لديها ميزة هامة جداً: لديها (في رأيي) أفضل برنامج (حالياً) للدولة، ولديها فريق قوي من الخبراء، ولديها أكثر من مائة ألف متطوع. المكون الناقص هو إيصال هذه الرسالة إلى عامة الشعب. البرنامج العلمي يحتاج لتقييم علمي من الناس، ولو ارتفع المستوى الفكري فستتغير الساحة السياسية ويتغير شكل المجتمع.

هناك بالفعل مشاريع لرفع المستوى الفكري للناس، مؤسسات مثل "معرفة" و"رشد"، "قبيلة" وهي تحاول - أو هكذا أظن - أن تكون ليست مجرد "توعية" بل أن ترفع المستوى الفكري فعلاً وتعلم الناس في الاقتصاد والسياسة والإدارة والقانون..

علينا أن نأخذ هذا ونضربه ×100 . وأرى أنه قرار عملي وأننا نستطيع. أليس هذا شيء ينبغي أن نطمح فيه؟ شعب لا يسير وراء الشائعات، ويحلل الخطاب السياسي علمياً، ويختار المرشحين (أياً كان انتماؤهم) بالنظر المدقق إلى برامجهم وفكرهم؟

إن هذا في رأيي يضاهي في أهميته ثورة 25 يناير ذاتها.

وكيف نفعل هذا إذاً؟

الطريقة في سطر واحد ثم نفصّلها: يجب أن يكون رفع المستوى الفكري هو هدف أساسي من أهداف النشاط الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في "مصر القوية".

معنى هذا أنه شيء يهتم به ويعمل فيه الجميع، بداية من القيادات وحتى كل متطوع في كل محافظة. وكذلك الخبراء والإداريين. لا ينبغي رَكن هذه الخطة في ركن ما مثل "اللجنة الثقافية". لابد من اشتراك المؤسسة كلها وإعطاء الموضوع أولوية بالغة. هذا هو السر.

يمكن أن يبدأ د. أبو الفتوح نفسه في تقديم رؤيته وأفكاره بشكل أكثر تفصيلاً. نعم لديه الآن صفحة على الفيسبوك وحساب على تويتر، لكن هذان يقدمان آراء مقتضبة في قضاياً الأحداث الجارية، لماذا لا يكتب مقالات أطول على مدونة؟ ولماذا لا يفعل هذا أيضاً من يستطيع من الخبراء والإداريين؟ تجربة في التشارك الحقيقي مع المجتمع وليس مجرد التخطيط في اجتماعات مغلقة.

(هذا بالمناسبة أحد أسباب شعبية أ/حازم صلاح مثلاً: محاضراته في مسجد أسد بن الفرات وفي برنامجه التلفزيوني. هذا يجعل أفكاره حاضرة دائماً، ومحور حديث وحوار).

أيضاً في صورة فيديوهات، لكن ليس مجرد فيديوهات دعائية (وإن لم نعارض تلك)، بل أيضاً فيديوهات على مستوى فكري أعلى تشرح الخلفيات السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية/القانونية/العلمية وراء قرارات الحزب وسائر مؤسساته. تجعل الناس يستخدمون هذه اللغة العلمية في الحوار، بدلاً من الشعارات والمغالطات والشائعات.

ولماذا لا نستفيد من تجربة الخبراء كمعلمين وكثيرهم أساتذة في الجامعة؟ لماذا لا يشاركون بمحاضرات منتظمة كل في مجاله لمن يريد أن يفهم ويتخذ قراراته على علم؟

وهناك حالياً شخصيات معروفة بفكرها ولكن لا نسمع منها إلا ما يقال عن الأحداث الجارية..لماذا لا تأتي بهؤلاء ويقولون لنا "هيا نبدأ السياسة من البداية. هيا نرى ماذا تعني الدولة وكيف تنظم"، ثم يتم مشاركة هذه المعلومات عبر الأنترنت وعبر العالم الحقيقي ونشرها كذخر علمي؟

ولماذا لا يكون هناك وحدة نشر تابعة للحزب/المؤسسة، تقدم كتب ونشرات فيها خلفيات لكل قرار اتخذ وكل سياسة ، بالمراجع؟

ولماذا لا يكون هناك قناة تلفزيونية (أو برنامج في قناة معروفة) يناقش كل شيء بعمق وليس فقط "كذا كويس، كذا وحش"؟

ولماذا لا يتم التعاون مع المؤسسات الحالية مثل معرفة،...الخ والاستفادة من خبراتهم؟

وماذا عن العمل التطوعي في كل محافظة؟ لماذا لا يكون هناك عمل فكري أكبر من مجرد "توعية سياسية" أو "تنمية بشرية" بل تقوم فعلاً بتغيير الفكر؟ ندوات مكثفة ومناقشات وتدريب ومجالس علم؟

قد يردّ أحد فيقول "وانت فاكر الناس حيفكروا كدة؟؟ ما انت شايف الناس عاملين ازاي!"، أقول: نعم، وهذه هي المشكلة التي نسعى أن نحلها!

نحن إما أن نفترض أن المجتمع سيظل كذلك للأبد، ونسلّم بهذا، ونكتفي بترديد الشعارات وسط المرددين، أو نقول أن انخفاض المستوى الفكري مشكلة قابلة للحل، ونسعى بكل السبل الممكنة لحلها.

لأننا مللنا الحوار السياسي الحالي. ألم تملّوه؟

الاثنين، 2 يوليو 2012

رسالة مفتوحة إلى د. أبو الفتوح ومشروع مصر القوية

هذه مساهمة مني في الحوار الدائر حالياً بشأن تحديد الاتجاه المستقبلي لمشروع مصر القوية. أبدأ بمقدمة سريعة عن التحديات التي تواجه المشروع، ثم تصور لشكل للمشروع أراه صالحاً لمواجهة هذه التحديات.

مقدمة عن التحديات

المشكلة الأساسية التي تواجهنا هو المستوى الفكري العام للمجتمع؛ لقد كنت أثناء فترة الانتخابات أتحدث عن البرنامج والمشروع فيكون الرد غالباً لا يزيد عن "ده كلام كويس!" بدون إدراك للعمق العلمي الحقيقي للمشروع، بدون إدراك أن هذا مشروع بحث مشترك بين عشرات الخبراء وأنه قد يغير من شكل الدولة تماماً، ويجعلها تنافس اوروبا وامريكا.

ولم يكن هذا الأمر بين البسطاء فحسب، بل بين المثقفين أيضاً. وفي رأيي فإن مشروع مصر القوية كي يتقدم لا يكفي تقديمه لصناع القرار ليدرسوا تنفيذه، بل يجب عرضه على الشعب بأكمله، وإعداد الشعب فكرياً لمناقشته، والمساهمة فيه، والمطالبة به من خلال صندوق الانتخابات.

هذا يعطي المشروع تطوراً واستدامة، ويجعله أكثر ثباتاً في حالة تغير الأفراد في مكان صنع القرار، ويجعله مشروعاً قومياً بحق.

[وقد حاولت المساهمة في هذا بشكل ما أيام الانتخابات، بتقديم مجلس علم قمت بشرح البرنامج الانتخابي فيه صفحة بصفحة، وفي رأيي قد يكون من أفضل ما قيل عن "مصر القوية" أقدمه هنا لعله يكون نموذجاً يمكن الاستفادة منه].

الصورة المقترحة للمشروع

نطرح أن يكون مشروع مصر القوية في صورة مؤسسة (ويمكن أن يكون لها ذراع سياسية أو حزبية)، يحدد لها لها ثلاثة أنشطة أساسية:


1- مركز أبحاث (think tank) لتنقيح وتطوير تصور "مصر القوية"، سياسيا واقتصاديا واجتماعياً وتعليمياً...الخ، وهذا ما بدأ بالفعل في العام ونصف السابقين في إعداد البرنامج الانتخابي، ومع مبادرة "لمصر"، وهو قرار بديهي في وجود هذا التجمع الحالي للخبراء الذين اجتمعوا مع د. أبو الفتوح.

2- العمل التطوعي، ويكون موجهاً في الأساس لرفع المستوي الفكريّ (وهو أكبر من مجرد "التوعية"، نحن نريد فهما حقيقياً ومشاركة حقيقية في الحوار القومي)، ومن أجل ذلك يمكن تقديم الندوات، مجالس العلم، الحملات، المحاضرات. ويكون للخبراء الذين وضعوا الخطط والمشاريع دوراً في التواصل مع المجتمع.

مما يستحق الذكر أن أنشطة مثل محاربة الفقر، اصلاح العشوائيات، محو الأمية لها أيضاً دور في رفع المستوى الفكري؛ لكي يبدأ الأفراد المعنيون في الاطمئنان على وضعهم المالي ويكون بذلك لديهم وسعاً للمشاركة في الحوار السياسي والقومي. لذلك لا نرى مانعاً أن تقوم المؤسسة بمثل هذا الدور بلا تناقض بين هذا وبين دورها الأساسي في رفع المستوى الفكري.

3- وجه إعلامي قوي: لابد من قنوات غزيرة (ومتنوعة) لإيصال الفكر أولاً بأول إلى الجميع وتغيير صورة الحوار الاجتماعي السياسي،
وعدم الاكتفاء باستخراج نتائج الأبحاث وإيصالها لصناع القرار، بل لابد أن تكون الفكرة متاحة للشعب بكامله يقوم بحوار قومي عنها، ويكون الجميع شركاء في تطويرها وتطبيقها على مستوى الدولة.

ومن أجل ذلك الهدف يمكن:

  • تكوين قناة تليفزيونية جديدة، أو الظهور في برنامج في قناة معروفة.
  • كتابة مقالات عن المؤسسة في الصحف، ظهور أعمدة عن مشروع مصر القوية تغطي النشاط بانتظام.
  • إصدار كتب بصفة دورية عن نتائج البحث، سواء بصورة مخصصة للخبراء أو رجل الشارع.
  • قنوات تواصل مع المجتمع على الإنترنت، قناة يوتيوب، وسيلة ليشارك الجميع في الحوار مثل منتديات أو ما شابه.
  • ...إلخ

نلاحظ هنا أننا لا نبحث عن مجرد "علاقات عامة"، نحن نريد شراكة حقيقية مع المجتمع ورفع للمستوى الفكري، وإيصال النتائج العلمية للجميع.

وبعد، فإننا بالطبع لم نقترح امتناعاً من المشروع عن التواصل مع صناع القرار السياسي أو امتناعاً عن سائر المقترحات الأخرى، لكننا أردنا وسيلة لتوسيع الفكرة ونشرها عبر المجتمع كله، مما يعطيها ثباتاً ويجعلها أكبر من نشاط يمارسه مؤسسوها فحسب لتصبح فكرة المجتمع كله، وبذلك يكون لها فرصة أكبر بكثير في التحقق.

الجمعة، 4 مايو 2012

ادعم مرشحك، معركة الانتخابات مازالت قائمة

هناك فكرة تنتشر بين الثوريين هذه الايام انه لا ينبغي التركيز في الانتخابات حالياً، وان يكون التركيز الوحيد على رحيل العسكر بالمظاهرات وما شابه.
يأتي هذا الامر في عدة صور:
  • التساؤل على غرار: انتوا فاكرين انه بعد ده كله عاوز يسيب السلطة اصلاً؟
  • نشر فكرة ان الرئيس الجديد لن يكون له صلاحيات لأن الحكومة/المحافظات/الحرس الجمهوري...الخ من العسكر وان كل مرشحي الرئاسة طيبين لكن سذج لأنهم يظنوا غير ذلك.
  • الشعور ان الأمر هذه المرة مختلف، والبعض يلمح انه يريدها ثورة غير سلمية.
كل هذا يقلقني....اخشى ان يصدق الثوار هذا ثم نجد عمرو موسى رئيساً.

لابد من عدم التوقف عن دعم مرشحك الثوري. لابد من سير معركة الانتخابات وعدم تركها. قبل ان تتهمني بخيانة الثورة او ما شابه اقول: انزل مظاهرات واعتصامات زي ما انت عاوز، لكن لا تتوقف عن المعركة الانتخابية.

اولا

اياك ان تظن ان ما يحدث الآن من مسيرات ضمان لأن يزول حكم العسكر. لقد كانت احداث محمد محمود بيننا منذ قريب، مات من مات، وسحل من سحل، وكان لها جرساً إعلامياً اكبر واعنف، لم تؤد سوى لقدوم الجنزوري واعلان موعد انتخابات. لكن لم يرحل العسكر.

هل تظن الرأي العام قد تغير فجأة وصار مع الثوار او المعتصمين؟ هل تظن الملايين سيأتوا يعتصمون معك مثلما حدث ايام مبارك؟ هل تظن أن القوى الثورية نفسها موحدة محكمة التماسك؟ الم نجرب هذا ايام ثورة يناير 2012، وايام العصيان المدني؟

اتهمني بما تشاء من اتهامات انني اريد تثبيط الهمم والعزائم، لكني على الاقل لن اتهم نفسي بتصديق الاوهام. انا لا اثبط أم الهمم: الكل ينزل يشارك في الاعتصامات مش دي المشكلة، المشكلة في توهم ان هذا كاف يغني عن المعارك الانتخابية

ثانياً

لا داع لفرض رؤيتك الخاصة وتجاهل الماضي او النظريات السياسية: نعم، لو سلم العسكر السلطة فلن يكون تسليماً كاملاً او حقيقياً. سيحاولون الاستحواذ عليها حتى في وجود رئيس ثوري...ولكن هذا طبيعي! في دول كثيرة تخلصت من الحكم العسكري كان هناك نزاع بين رئيس وطني وعسكر يحكم.

في تركيا كان اردوغان/جول رؤساء دولة واقعة في شرك العسكر، لكنهم نجحوا عبر مزيج من الاصلاح السياسي والنهضة الاقتصادية ان يجمعو الشعب في صفهم. تخيل رئيس وطني تمكن في بضع سنوات من اغراق البلد بالوظائف وخفض الاسعار و...و...هل سيظل الشعب يقف مع العسكر كما يفعل الآن؟ هل سيظل يشتم في الثورة؟ ومع من سيقف الشعب وقتها في حالة نزاع على السلطة بين الرئيس الوطني والعسكر؟ سيقف مع الذي يخفض سعر كيلو الطماطم، هذه نظرية سياسية علمية.

تالثاً

وليست النهضة هي السبيل الوحيد لتفكيك الدولة العميقة . هذه ليست اول مرة يأتي رئيس ليجد نفسه في مواجهة مراكز قوى. لقد كان السادات في نفس الموقف مع القوى القديمة وقام بثورة التصحيح ليفككها. او تجارب كثيرة في امريكا الجنوبية (البرازيل كانت تحت حكم عسكري وخرجت)، تجربة تركيا كما قلنا. هناك دول كثيرة جداً مرت بهذا، ان الامر ليس بدعة، والمرشحين الوطنيين ليسوا بهذه السذاجة. ماذا تتوقع: ان يكشفوا كل خططهم عن تفكيك الدولة بينما العسكر مازال يحكم؟

لي اعتراضات كثيرة على الاخوان وقراراتهم، لكن اعترف انهم بحق براجماتيين. مهما كانت الاحداث تدور فهم يعرفون كيف يهتمون بالانتخابات والدعاية والحملات. هذا ليس طمعاً او انانية كما يقال، بل هذا لأنهم ببساطة ينظرون نحو النتائج. هل اترك المناصب للفلول لأن مجلس الشعب مقيد الصلاحيات أو الرئيس مقيد الصلاحيات أو..أو؟

هل انا عديم الاحساس حين انظر للانتخابات والناس يموتون في الشوارع؟ سأكون عديم الاحساس اكثر وانا اترك القتلة يحكمون حكما منتخباً، لكي يشرعوا المزيد من القتل ويردون على كل من يعترض: لقد أتيت بالديموقراطية! اتعترض على رئيس منتخب ديموقراطياً؟؟ انت عدو الديموقراطية!

رابعاً

تخيل الحال لو كان الرئيس عمرو موسى او احمد شفيق: سوف يكون الاصلاح اصعب بكثيييييييييير. مهما قيل عن الدولة العميقة فإنه من المنطقي جداً ان تحقيق حرية حقيقية اسهل بمراحل في وجود رئيس ثوري عن وجود رئيس غير ثوري.

الامر لا يحتاج كثير من الكلام: من يعرض عن المساهمة في السباق الرئاسي ويقلل من اهميته يرضى برئاسة الفلول. هكذا ببساطة.

حتى لو كنت واثقا ان العسكر سيرحل قبل موعد الانتخابات فلماذا لم تحضّر الخطة "ب"؟ ان العسكر لديه عشر خطط احتياطية، ولكل خطة احتياطية خطط احتياطية، ويحاول اللعب في الملاعب القانونية والانتخابات والاعلام والصفقات والبلطجية و...و...فلماذا نركز نحن كل قوانا على خطة واحدة، ثم نقول على مرشحي الرئاسة سذج؟

الأربعاء، 18 أبريل 2012

ارسطو وصدام والثورة المصرية

يا مصريين، يا أهل الارض والترعة -- باحبكم
ما تصدقوش اللي يقول غوغاء والا جهلة، انتوا اساتذة ومافيش زيكم

يسألون لماذا نقرأ؟ حين نقرأ كتاب اسمه "اشهى وصفات صنع البسكويت" فالأمر واضح، نقرأه لأننا نريد صنع اشهى البسكويت. لكن ماذا عن شيء مثل التاريخ؟ الفلسفة؟ النقد الادبي؟ نحن ببساطة نقرأ هذه الاشياء كي نفهم.

نفهم ماذا؟ سأحكي لك اليوم حكاية عن افلاطون وارسطو والثورة المصرية، وعن البرامج الانتخابية...

كانت هناك خلافات بين افلاطون وارسطو عن السياسة ونظم الحكم. كنت اقرأ مقالاً في هذا الموضوع ثم رأيت في افتتاحيته هذه المقولة:

So first fundamental difference between Plato and Aristotle: the first thinks the difference as inherent to humanity, the second thinks equality. This starting point radiates the rest of their political thought.

تقول ان اول اختلاف بين افلاطون وارسطو ليس عن طبيعة الدولة بل عن طبيعة الانسان..يميل افلاطون للتركيز على الاختلافات بين الناس كصفة جذرية بهم، بينما يميل ارسطو للمساواة بينهم. هذا الاختلاف يؤثر بعد ذلك في افكارهم السياسية.

طب واحنا مالنا؟؟ فكر في هذه المقولات التي قد سمعتها في مصر قبل وبعد الثورة:
  • احنا شعب ابن ^%$#^ ما يلمناش الا الكرباج
  • حانتخب شفيق/عمر سليمان عشان راجل يعرف يلم البلد دي
  • ما ينفعش اتنحى، كدة حاسيب مصر للاخوان
  • الشعب المصري ليس مستعداً للديموقراطية. انها سوف تأتي، لكن متى؟؟؟
  • نطالب المجلس العسكري بإعلان دستوري بضع مباديء فوق دستورية!
  • ينبغي للمرأة من الإخوان أن تفضل الزواج من شخص داخل الجماعة
  • البرادعي خسارة في بلد مثل مصر
  • حازموووون
هل تعرف ما الشيء المشترك بين كل هذه النقاط؟ كل واحدة منهم تقسم مصر إلى فئات اعلى وفئات اقل..وللفئة الأعلى امتيازات عن الاشخاص العاديين.

هل ترى ان مصر لا امل فيها لأن الناس جهلة متخلفون ينساقون وراء الشعارات الدينية؟ هل ترى مؤامرة امريكية لن يخرجنا منها إلا البطل الهمام؟ هل ترى مصر مثل الطفل الذي يتنازع عليه ابواه - مبارك والاخوان - بدون ان يكون له اختيار في مصيره؟

هل ترى ان المصريين غوغاء لا يحكمهم إلا الكرباج، وبالتالي لابد من تقسيم المجتمع إلى "حامل الكرباج" الذي يحكم و"خائف الكرباج" المحكوم؟ هل توميء برأسك في موافقة حين ترى هذا الكاريكاتير؟


لهذا الكاريكاتير معي قصة طريفة: رأيته في حساب فيسبوك لشخص من الذين دائماً يدافعون عن المجلس العسكري ويقول ان الثوار خونة...الخ، وهو لديه نظرية ان الجيش هو افضل ما في مصر وان اي شخص من خارجه ليس لديه نفس النظرة ولا القدرة. ليس من العجب إذاً أن يعمل شير لهذه الصورة...

ثم يأتي السؤال: وهل من الواقعية ان نعتبر الناس متساوون؟ أليس فيهم الطيب والشرير، الذكي والغبي، المتحضر والهمجي؟ لماذا ينبغي ان نعيش في تمثيلية ان كل الناس هم امامير قطاقيط فتافيت؟

نعم. الناس مختلفون، لكن المساواة تأتي في ان يأخذ كل شخص فرصته لإثبات ذاته وتحقيق اهدافه، بدون ان نحكم حكم مسبق عليه.

تخيل ان لدي شوال به كرات حمراء وكرات زرقاء لا اعرف عدد كل منهما ومددت يدي في الشوال. هل استطيع ان احكم إن كانت يدي ستخرج بكرة حمراء ام زرقاء بدون ان اجري التجربة فعلاً؟ هذه هي المساواة: لا تحكم بدون إجراء التجربة. بدون تقديم الفرصة.

هذه النقطة مهمة جداً، انت حين ترضى بالطاغية فأنت حكمت حكما مسبقاً ان هذا عاقل وهؤلاء رعاع. لماذا ينبغي ان نصدق هذا الحكم؟ إن الديموقراطية، الانتخابات، الحوار المجتمعي ما هي إلا وسائل - ولو تقريبية - للتمييز بين من يستحق الحكم، بطريقة عادلة او علمية وبلا تمييز مسبق.

هذا يفسر أيضاً ما يفعله الاخوان هذه الايام: انهم صادقون في شعار "نحمل الخير لمصر"، لكن ربما يودون أن يضيفوا "نحمله وحدنا". يبدو انه قد ظهر لبعض المتعصبين منهم - الذين يمسكون مراكز قيادة - انه هناك فرق بين السياسي الاخواني والسياسي العادي؛ ربما يرون انفسهم اولى لأنهم اعرق تاريخا، او اكثر تنظيما، او تحملوا التعذيب مدة اطول، او اي شيء، فصار بالنسبة لهم كون السياسي منهم هو دليل كاف على قدرته على قيادة البلد. لا تحتاج لفتح الشوال لترى لون الكرة، يكفي لون الشوال نفسه...

نفس النظام يظهر في الوجه القبيح للرأسمالية كما تمارس في امريكا مثلاً: هناك رأي متطرف يظهر الآن في الحوار السياسي الامريكي ان الفقراء يستحقون ما يجري لهم. فقط لو توقفوا عن الكسل! فقط لو كانوا اكثر ذكاء أو اكثر طموحاً! إن مجرد كون الاغنياء اغنياء والفقراء فقراء لهو دليل كاف على ان كل شخص في المكان الذي يستحقه!

المشكلة - مرة اخرى - ان هذا النظام لم يقس على فرص متكافئة. ماذا عن الذين ولدوا في غنى فتعلموا افضل تعليم، واخذوا مالاً من ابائهم لكي يفتحوا شركات. وتحملوا بسهولة الخسارة في اول شركتين فتحوهم حتى تعلموا حسن الإدارة؟ هل نقارن هؤلاء مع الذين ولدوا في فقر مدقع؟

لكن لو كان المجتمع به تكافل وتكافؤ فرص: قوانين منافسة شريفة بين الشركات الكبيرة والصغيرة، تعليم ورعاية صحية بالمجان، قدرة لأي شخص ذو كفاءة أن يحكم، فرص تمويل للشركات والمشاريع الكبيرة والصغيرة -- فإن هذه تكون تجربة عادلة. نعم هناك فروق: هناك مجتهدون وكسالى، اذكياء واغبياء، طموحين ومتواكلين، لكن النظام غير العادل يمنع المجتهدين الطموحين حقاً من الظهور. يمنعنا من إجراء التجربة.

الاثنين، 16 أبريل 2012

محوران واربع اصناف

هناك محوران قد نصنف بها الناس:

لا اظن انني استخدم هذه المصطلحات بطريقة صحيحة، لكنها اقرب ما استطعت لما اريد وصفه. سأشرح قصدي منها على أية حال. تذكر أن هذه "تعريفات" مناسبة لهذه المقالة وليس بالضرورة التعريفات الصحيحة:

adaptive مقابل adealistic: أي الشخص الذي يتقبل الوضع الحالي كما هو (ويقول على نفسه واقعي) ويفعل ما يراه ينبغي لينجح في هذا الوضع. يقابل ذلك الشخص الidealistic الذي يفرض مبادئه على سلوكه ويسعى لأن يفرضها على البيئة المحيطة أيضاً، في سعي لتغيير الواقع للأفضل.

concept-driven مقابل pragmatic: هذه مقابلة بين الشخص الذي يحكم سلوكه مجموعة من المفاهيم لابد وأن يسير عليها. مثلا كلما فعل شيء يسأل "هل تصرفي ديموقراطي" أو "هل تصرفي متفق مع مباديء الرأسمالية" أو"...الاشتراكية"؛ الخ. يقابل ذلك الشخص البراجماتي الذي يسأل "هل هذا سيحقق لي اهدافي؟ هل هذا في عداد الممكن؟".

تصنف لنا هذه المحاور الناس إلى اربعة اصناف: متكيف براجماتي، وربما يكون هذا هو الشائع في مصر الآن، متكيف يسير بالمفاهيم، وهذه لا اجد لها مثالاً، مثالي يسير بالمفاهيم، وهذه تراها في كثير من الشباب (منهم بعض الشباب الثوريين)، والمثالي البراجماتي، وهو ما احب ان اكون عليه.

وهذا بيت القصيد من هذا المقال: اني لا ارى تناقضاً بين أن يكون الشخص يسعى للإصلاح والتغيير والوصول لأفضل الحالات، وبين أن يكون عملياً يعرف ما ينبغي عمله وكيف يحصل على ما يريد (بلا تعديات اخلاقية). اريد ان اقول ان ما اسميه idealist و concept-driven هما شيئان لا شيئاً واحداً.

يحكى ان عمر بن الخطاب خشى من فشل حملة فتح مصر، وفي نفس الوقت رآها فرصة جيدة لو نجحت، فأرسل خطاباً لعمرو بن العاص (وكان في الطريق لمصر) وقال له: إن فتحت هذا الخطاب وانت لم تصل لمصر بعد فعد ولا تكمل، وإن كنت وصلت حين تفتح هذا الخطاب فتابع.

فماذا فعل عمرو بن العاص؟ يبدو انه كان بذكاءه المعروف قد خمن محتوى الخطاب؛ فلم يفتحه حتى وصل لداخل الحدود المصرية؛ ثم فتحه.

او الدين الاسلامي ككل: انه قد وضع لك مباديء عظيمة، إلا انه وضع معها اقراراً بأنه هناك حالات خاصة تقتضي تصرفات خاصة: لحم الخنزير محرم، إلا لمن اضطر غير باغ ولا عاد. الكذب حرام إلا حالات معينة (مثل الاصلاح بين زوجين). الحيوانات لها حقوق ولابد من رحمتها، لكن ليس بتطرف نراه احيانا (سمعت ذات مرة أن احد اعضاء PETA، وهي جمعية أمريكية لحقوق الحيوان، يقول ان حياة الحشرة تساوي عنده حياة الانسان).

عن نفسي مثلاً احاول قدر الإمكان التقليل من انتمائي للـ"إيات"، على غرار اشتراكية، رأسمالية، ليبرالية..الخ. انا مع "الشيء الصحيح"، وغالبا يكون الشيء الصحيح هو "الشيء الذي ينفع". الاشتراكية بالنسبة لي ليست مبدأ اعتنقه، لكن آخذ منها بعض المباديء مثل التعليم المجاني، الرعاية الصحية،...الخ. الرأسمالية أرى منها الوجه القبيح (سيطرة الشركات في امريكا، او ما حاول الحزب الوطني صنعه في مصر) لكن لن انكر اهمية السوق الحرة والقطاع الخاص الكبرى.

ولكن أعتبر هذه "الإيات" نظريات ظهرت في القرن التاسع عشر، ولا ينبغي السير عليها حرفياً كمباديء. إنها في افضل الاحوال نظريات تقريبية. يمكن الاستفادة منها لكن لا داع لتبنيها كما هي.

ثم ننظر للشارع السياسي: بعد انتهاء الثورة بقليل في 2011 كان هناك خلافات كثيرة حول شكل الدستور، شكل الدولة رئاسية ام برلمانية، وخلافات ايديولوجية كثيرة انستنا جانب براجماتي مهم جداً: اعضاء النظام القديم مازالوا يحكمون!

كأفراد وجماعات تشارك في الحوار السياسي كان يمكن ان نتصرف تصرفاً افضل بكثير، فالمجلس العسكري لا ايديولوجية له؛ لا هو اسلامي ولا ليبرالي ولا اشتراكي. هو فقط يريد الحكم والسيطرة. لكن في نفس الوقت هناك قوى اسلامية ظنت (لسبب لا افهمه) ان المجلس حليفها في اقامة الدولة الاسلامية، وقوى ليبرالية حاولت الاستعانة بالمجلس لفرض مباديء ما في الدستور الذي سيتشكل. ومازالت عواقب هذا الصراع تؤثر فينا حتى الآن.

ثم نجد مثلاً هذه الأيام من يرفض قانون العزل السياسي بحجة انه مفصل لشخص واحد (عمر سليمان). انا شخصيا ارى القانون ضروريا ولو لم يرشح عمر سليمان نفسه اصلاً لكن.....ما المانع من قانون مفصل على شخص واحد؟؟ لو كان القانون اسمه الرسمي "قانون منع عمر سليمان من الترشح لأنه قاتل، غير انه حيضيع البلد لو اترشح وفاز" فأنا مؤيد له.

لكن التخلي عن المفاهيم/الconcepts لابد ان يكون بحساب وحذر..هناك فرق بين "كسر القاعدة في الحالات الخاصة" وبين "تجاهل القاعدة تماما". وقتها سنجد انفسنا نكذب، ونتلاعب، ونفصّل عشرات القوانين لاشخاص معينين بمناسبة وبدون مناسبة...لهذا اكتسبت البراجماتية سمعة سيئة كأنها صفة للمستغلين عديمي الاخلاق بينما هي ليست كذلك.

البراجماتية ببساطة هي اتخاذ القرارات في البيئة الموجودة لا البيئة التي نتمنى ان توجد. نحن نتمنى ان لا يوجد عالم فيه خطر على الدولة من النظام القديم يحتاج لتصرفات خاصة، البعض يتمنى عالم تنفع فيه الاشتراكية المطلقة او الرأسمالية المطلقة، أو نستطيع فيه ان نحافظ (دائماً) على حياة البشر والحشرات على حد سواء.

الأحد، 8 أبريل 2012

الاستقرار مش جاي من عمر سليمان

بيقولوا ان اللي ماعندوش ولاد ولا مسؤولية هو اللي مش حينتخب عمر سليمان.

ولادنا...الثورة قامت ليه؟ عشان ولادنا يكبروا في دولة كويسة. عشان يلاقوا وظيفة كويسة، وتعليم كويس، وبيت كويس يعيشوا فيه. والثورة لازم تكمل عشان ما يحتاجوش هم كمان ينضربوا ويتسحلوا في الشوارع زي اهلهم.

انت فكرك الثورة حتقف لو عمر سليمان والا شفيق مسكوا؟ دي حتولع عشر مرات. الاستقرار ما بيجيش من القسوة، الاستقرار بييجي من العدل.

انت فاكر لما رئيس قمعي (انت مسميه "راجل") يمسك الحكم الثورة حتقف؟ شوف سوريا: بيدبحوا الناس بالسكينة زي الغنم، وبيسلخوهم احياء، وكل يوم المظاهرات بتزيد. لأن الناس قرفت. لان الاستقرار ما بيجيش من الضرب والسحل. الاستقرار بييجي من العدل. احنا نفسنا الثورة تقف النهاردة قبل بكرة، بس تقف على عدل. هم اللي بيولعوا فيها. هو احنا اللي عملنا احداث بورسعيد؟ هو احنا اللي عملنا احداث محمد محمود؟ ده احنا كنا بنتظاهر عشان الكلام ده ما يحصلش تاني.

تفتكر احنا صحيح فاضيين وبندور على حاجة نهيص عليها؟ تفتكر بنحب نتخانق مع دبان وشنا؟ انا مبرمج، وعندي مشاريع قد كدة تعليم ونهضة، وعندي شركة عاوز افتحها. بس ما ينفعش اسيب البنات يتسحلوا واسكت. مش دي الرجولة ولا ده اللي حيجيب الاستقرار. الاستقرار مش من السحل. الاستقرار من العدل.

انا نفسي افضى لشغلي ولحالي، ولبناء المجتمع ومكافحة الفقر والبطالة. انما اللي بيحارب الاستقرار فعلاً هم مش احنا: يمشي حسني يجيبوا طنطاوي، يمشي طنطاوي يحيبوا سليمان. كل ما نيجي نقول خلصنا ياللا نبني البلد نلاقيهم مصرّين يفضل الحرامي حرامي والظالم ظالم.

فكرك عمر سليمان - مرشح المجلس العسكري اللي راح لجنة الانتخابات والشرطة العسكرية بتحرسه - هو اللي حيجيب الاستقرار؟ لو كان نفسهم في الاستقرار صحيح كانوا جابوا فلوس حسني المتهربة من برة. كانوا وقفوا تصدير الغاز. كانوا حلوا المشاكل.

فكرك البلطجية حيسكتوا لما عمر سليمان يمسك؟ طيب فكر كدة: لو رئيس جه عشان الناس خايفة من البلطجية، حيشيل البلطجية ليه؟ مش جه بسببهم؟ ومش هم اللي بيسلطهم على الثوار؟ مشيانهم معناه نهاية حكمه..لا حيسيبهم ويغذيهم كمان من فلوسنا.

وحيحارب الفقر ليه؟ هو لولا الفقر كان عرف يشتري الاصوات؟ كل ما الفقر زاد كل ما الناس باعت كرامتها. ده شكل البلد اللي هو عايزه طبعاً.

المرشحين التانيين عندهم برنامج للامن عاملينه خبراء. عاملين برامج للعدالة. لأ مش نصابين، دول ناس اتسجنوا وكافحوا طول عمرهم عشان مبادئهم -- دي فرصة الاستقرار الحقيقية: دول ما لهمش مصلحة في البلطجية والضرب..دول عاوزين الناس تهدا عشان البلد تتبني. عشان ولادنا. عشان نعمل دولة حديثة. كفاية ذل بقى.

الجمعة، 6 أبريل 2012

انزلوا الشارع مستنيين ايه؟

هناك سلاح فتاك يستخدمه الثوريون: اظهار عدم منطقية الطرف المخطيء في بوست ساخر على تويتر.

هذا السلاح قد اتى بفعالية لا مثيل لها:
  • الاخوان وحزب النور يهيمنون على البرلمان.
  • بوسترات حازم صلاح تملأ الأرض.
  • لا تمثيل برلماني للفكر الثوري غير ثلاثة اربعة.
  • جموع من الشعب تمقت الثورة.
  • هناك تأييد شعبي كبير لعمر سليمان وعمرو موسى.
هل تعرف كيف سيبدو حكم عمر سليمان لو فاز؟ سأخبرك: مثل حكم مبارك بالضبط، لكن اكثر كفاءة واكثر فتكاً. هذا هو مبارك لو كان بكامل صحته، وبدون عوائق سياسية من احمد عز وامثاله، وبحقد قاتل على كل ما يبت بصلة للثورة والثوار. وقد يكون بيننا وبين ذلك الحكم بضع اسابيع.

امامك عزيزي الثائر ثلاث اختيارات:
  • تنزل التحرير وحدك ثم تعود مضروبا، إلى أن يأتي وقت الاعتقال بتهمة الخيانة وتلقي اموال من الخارج.
  • تنفذ بجلدك الآن قبل ان يمنعوك من السفر.
  • تسيب ام التويتر وتنزل تتكلم مع الناس عشان ما ينتخبوش حذاء عسكري ثقيل على رقبتهم.
حتقول لي مافيش فايدة من الناس دول؛ واقول لك هذا خطؤك الأكبر: من سنة كان الناس دول بيحدفوا الجزم على صورة حسني مبارك على شاشات الميدان. كانوا سواقين وفلاحين وسمكرية مراهقين واهل احياء شعبية. لما كانت الثورة هدفها توحيد الشعب ودعوة الناس للقيام على الظلم.....كان منها فايدة.

الناس دول من ذهب. الناس دول شالوا حسني. وما احتاجوش غير دفعة للامام؛ غير أمل انهم يخلصوا.

فيه مبادرة اسمها "تويت شارع"، عاملين حملات لحوار مع الناس العاديين، مع المعلم زكريا وخالتي خضرا والاسطى علي. دي صفحتها على الفيسبوك. وفيه غيرها كثير. شوف الخطط ايه وشارك بإيديك. مطلوب اكثر مساعدة ممكنة.

طب مش عاجباك الحملة دي؟ اعمل انت حاجة طيب: كلم الناس على القهوة وفي التاكسي. كلم قرايبك وطلبة كليتك واهلك في البلد. حذر الناس من مرشحي الفلول ومرشحي امن الدولة. أيد حتى مرشحك المحترم أياً كان، بس مش بس لاصحابك على الفيس: للناس اللي عمرهم ما سمعوا غير عمرو موسى اصلاً.

اصل سهل، سهل قوي، انك تقول "مافيش فايدة! حاقاطع الانتخابات!" وانت قاعد في سيلانترو ولابس تي شيرت جيفارا، بينما احمد شفيق بيكسب مؤيدين جدد كل يوم بالآلاف. لو انت اكثر وعياً من الناس وسبتهم تبقى غلطتك انت على فكرة.

الخميس، 5 أبريل 2012

ثلاث قصص قصيرة بطولة "شلبي فوقوا يا بشر"

= 1 =
شلبي: انتي لسة بتلبسي النقاب وامريكا طلعوا القمر؟؟

الفتاة: هو الخريطة الفلكية مكتوبة على وشي مثلاً؟

شلبي: ليه لاغية تفكيرك؟ ليه بتتبعي الدوجماتية؟ ليه بتردي ردود غير عقلانية؟؟
مش حتفوقوا بقى يا بشر؟؟؟؟؟؟؟؟؟

= 2 =
شلبي: كل المرشحين زبالة. مافيش حد عدل. كلهم طمعانين في المنصب

الصديق: ليه بتقول كدة؟ هل فحصت كل واحد وبرنامجه؟

شلبي: كلهم عاملين صفقة مع المجلس العسكري! مافيش تغيير. انتوا بتسلموا لهم البلد. كان المفروض تقولوا لا للتعديلات. حتضيعوا البلد. فوقوا يا بشر!!

= 3 =
شلبي: البلد دي مش حتتصلح. مافيش فيها امل. الناس جهلة وحيقاوموا اي محاولة للتغيير.

الصديق: ليه؟ مش فيه ناس بيصلحوا؟ مش فيه ناس بيطوروا العلم؟ مش فيه مؤسسات وجمعيات اهلية؟

شلبي: مش حتتصلح غير لو غيرنا قيم المجتمع كله بحيث تبقى نسخة طبق الاصل من القيم الاوروبية. غير كدة انسى.

الصديق: عندك ابحاث مثلاً او دراسات عن الكلام ده؟

شلبي: ايوة، امريكا طلعوا القمر وانتو مش حتفوقوا يا بشر.

الخميس، 22 مارس 2012

برنامجي الانتخابي (2): السياسة التعليمية

(هذا هو الجزء الثاني من سلسلة "ماذا لو كتبت برنامجاً انتخابياً؟"، الجزء الأول هنا عن الاقتصاد)

إن أي برنامج رئاسي حدث في الوطن العربي قد فشل في نقطة اساسية: مازلنا متأخرين علمياً كثيييراً عن الغرب. لا يكفي هنا ان نقلدهم في مدارسهم...الخ، بل يجب البحث عن طرق تغيير جذري لقلب الازمة التي نمر بها حالياً. إن عوائق النهضة العلمية في مصر لكثيرة:
  • عدد الطلبة المهول ونقص الكفاءة في المدرسين.
  • غياب العلم كقيمة في المجتمع نفسه. التعلم من اجل الامتحان.
  • طرق التعليم القديمة والتي نعرفها جميعاً ونعرف عيوبها.

هيا نحل مشكلة "العدد"

ما السبيل إلى تغيير هذا الشكل؟ بالنسبة لموضوع "عدد الطلبة المهول ونقص كفاءة المدرسين" نحتاج إلى تدريب اكبر عدد ممكن من المدرسين الأكفاء بطريقة repeatable بحيث يمكن تطبيقها في أي محافظة بقواعد معروفة. أيضاً نحتاج إلى البحث في وسائل حديثة لخفض تكلفة بناء المدارس بحيث نبني الف مدرسة بالميزانية التي يعتاد ان يبنى بها مائة.

يمكننا هنا ان نقوم بالخطوات الآتية:
  • إنشاء برنامج الخبرة التعليمية المتراكمة، وهو برنامج يقوم دورياً برصد افضل المدارس نتائجاً في مصر (وخارجها) وتسجيل خبرتها بصورة يمكن تكرارها في المدارس الاخرى. بعد عدة لفات iterations من هذا البرنامج قد نكون كونا شيئاً مثل "دليل الدولة والافراد لفتح المدارس النموذجية" يراجع ويحدث باستمرار.
  • إنشاء برنامج الخبرة التعليمية المبثوثة، وهو يبحث - مرة اخرى - عن افضل المدارس في مصر ويرسل معلميها، بعد بلوغهم مرحلة معينة من الخبرة والمنصب، في رحلة انتشار عبر المدارس الاخرى في وظائف استشارية او ادارية لينقلوا لها خبرتهم. العكس صحيح: يمكن ارسال صغار المعلمين من المدارس العادية في برنامج تدريب mentoring لستشربوا ثقافة التعليم المتطور المضبوط من تلك المدارس.
  • الدراسة الجدية لتخفيض تكلفة انشاء المدارس وصيانتها باستخدام وسائل تكنولوجية ورقابية واجتماعية. هل تعلم ان المدرسة الاجنبية التي تعلمت انا فيها لم تكن تسلمنا الكتب لنملكها؟ كنا نعيدها كما هي للمدرسة في آخر الترم ومن اتلف الكتاب يدفع ثمنه. تكلفة اقل = مدارس اكثر.
  • رفع قيود حقوق النسخ copyright عن الكتب المدرسية بحيث يمكن تصويرها بطريقة قانونية في اي ماكينة تصوير او ان تطبعها أي دار نشر طباعة جيدة وتبيعها.
هيا نحل مشكلة المعلم

أما إعداد المعلم فله جانب اقتصادي وجانب فكري. مشكلة وظيفة المعلم انها ليست scalable اقصد ان وظيفة مثل البرمجة او التجارة مثلاً يمكن مضاعفة الربح بدون الحاجة لمضاعفة الجهد (اشتر بضاعة اكثر، اطبع نسخ اكثر من الCD) بينما وظيفة كالمعلم لا يمكن للمعلم الواحد مضاعفة المنتج (عدد التلاميذ الناجحين) بدون مضاعفة الجهد والوقت المبذول. يؤدي هذا إلى هروب العباقرة المبدعين من تلك الوظيفة إلى وظائف مرموقة اجتماعياً كالطب او وظائف اكثر ربحية كالبرمجة، وما احوجنا لهؤلاء العباقرة كمعلمين!

في تلك الحالة إما ان تتدخل الدولة برفع رواتب المعلمين، وإما استحداث وسيلة لجعل التعليم scalable (كمحاولات مثل خان اكاديمي) وإما بوضع نموذج اقتصادي يمكن فيه للمعلم التربح من مهنته في السوق الحر (تخيل شيء مثل الدروس الخصوصية لكن بدافع علمي حقيقي لا تجارة بحتة). اعتقد ان النقاط الثلاثة تستحق ان تبحث:
  • يمكن ان نبدأ برفع رواتب المعلمين لتضاهي قيمتهم في السوق لو اخذوا وظائف اخرى.
  • يمكن ايضا وضع آليات لكي يقدم من يريد من اهل الخبرة في التدريس. ربما برنامج "مدارس اهلية" أو "مدارس عملية" يقوم فيه اطباء بتدريس الاحياء، مهندسون بتدريس الرياضيات..الخ كتطوع او وسيلة لزيادة الدخل. بهذا لا يحرم نفسه من سوق العمل وفي نفس الوقت لا يخسر المجتمع خبرته التعليمية. يحتاج الامر مزيد من الدراسة لضبط هذه الفكرة...
  • البحث في الوسائل التكنولوجية للتوسع الرأسي في انتاج المعلم مثل التعليم الالكتروني، التعليم عن بعد...
  • وأخيراً يكون هناك مكونات "تعليم تكميلي" تقدم تعليماً لكن ليس بالضرورة بشهادات، مثل إعادة تجربة حلقات العلم في الدولة الاسلامية لكن ليس في العلوم الدينية فقط، او تقديم وسائل للتعليم في المنزل للاهالي الذين يريدون الاستزادة في العلم لأبنائهم.
تغيير راديكالي

لابد من النظر في نظريات التعليم الجديدة. سأقولها هنا اختصاراً لأن هذا مقال اجتماعي لا علمي:
  • نظريات Piaget في فهم مراحل نمو الطفل الفكري وبناء مناهج تتماشى معها.
  • نظريات الـconstructionist learning والتعليم بالممارسة (هذا تبسيط للنظرية لكن سأستخدم هذا التعبير اختصاراً) بأن يتعلم الطفل الفيزياء مثلاً بكتابة العاب على الكمبيوتر.
  • دراسة وبحث تطبيق كل النظريات الخارجة من اماكن "اعادة اختراع التعليم" المحترمة مثل MIT Lifelong Kintergarden.
  • كنت اريد أن اقول "تعليم الاطفال البرمجة" لكن لو قلتها سيهمل الناس كل النقاط الاخرى ولا يركزوا سوى في هذا الجانب لأني مشهور باهتمامي بذلك الموضوع. (ربما من اجل هذا يتفادى احد المرشحين المعروفين تسميته بالمرشح الاسلامي رغم فكره الاسلامي المعروف).
بالطبع لا احب التقليد الاعمى ولا المشي وراء الموضة: لابد من دراسة كل من هذه النظريات على يد افضل الخبراء المصريين، واتخاذ قرار لكل منها بالتطبيق الفعلي او الرفض او التطبيق مع الموائمة لمجتمعنا.

لو لم تملّ بعد من خطط تطوير التعليم يمكنك ان تنظر إلى ما اريد ان اقول عن مدارس المستقبل، الاجهزة الالكترونية في التعليم، او الجزء الاخير من هذا المقال عن العلم المستشري.

يتبقى جزء "العلاقات الخارجية" والجزء الثوري عن التعامل مع النظام القديم، لكني تعبت واريد ان انام. ربما حين اصحو اكمل الأجزاء القادمة :]

برنامجي الانتخابي

لا تخف عزيزي القاريء، لست انوي الترشح - مازالت البلد بأمان لا تقلق - لكن هذا المقال أريد منه هدفين:
  1. كيف اتخيل شكل البرنامج الانتخابي الجيد؟ لا اقول "محتواه" لكن اقول "شكله". كيف احكم انا شخصيا ان هذا البرنامج يستحق بالفعل وصف كبرنامج رئاسي سواء أعجبني ام لا؟
  2. وجدتها أيضاً فرصة لوصف رأيي في قضايا مختلفة.
ملاحظة: انا لست خبيراً في أي من المجالات التي سأتحدث عنها، ولا في وضع البرامج الانتخابية. كل ما هو مكتوب في هذا المقال هو آراااااء.

اجمال قبل التفصيل

لا احب أن اختصر الرأي في "الإيات" على غرار ثورية، رأسمالية، قومية..لكن هذا هو اول شيء ينظر له الناس. لذلك - بعد التحذير ان التفاصيل اهم من المصطلحات، وان المصطلحات لها معاني كثيرة مختلفة عند الناس، وانه ارجو ان تقرأ باقي البوست لا أن تقف هنا :]، اقول مواقفي في "إيات":
  1. دولة اسلامية حديثة.
  2. اقتصاد سوق حر لكن باهتمام كبير بالتكافل الاجتماعي وتفادي اخطاء الرأسمالية المتطرفة.
  3. صناعة تضاهي الغرب.
  4. سياسة تطوير تعليمي وبحثي راديكالي، أي تغيير نظام التعليم ومستواه تغييراً جذرياً يوازي ما يحدث بالغرب أو يفوقه.
  5. السياسة الخارجية تشبه سياسة تركيا: علاقات طيبة بكل الدول تقريبا مع مواقف حاسمة عند الضرورة. انفتاح بالذات على الدول العربية وفتح ابواب تعاون في كل شيء. علاقات طيبة بالغرب.
  6. آن الأوان ترحلي يا دولة العواجيز.
سأتفادى جانب "الدولة الاسلامية الحديثة" لأني لم ادرسه كثيراً (تذكر، انا لست مرشحاً حقيقياً هاها) وانتقل لتفصيل الجوانب الأخرى...

اقتصاد حر بضوابط

بشكل عام سيبدو النظام أنه رأسمالي، لكن ستكون الدولة واقفة أمام الاحتكاريين ودولة رجال الاعمال على طريقة الحزب الوطني (أو على طريقة امريكا حاليا، وهي النموذج الذي ارادوا تقليده). من هذه الامثلة:
- رعاية صحية مجانية، تعليم مجاني، لكن بدون "قوى عاملة".
- سيظل الدعم للسلع الاساسية (الارز، الدقيق، البنزين).

في نفس الوقت لابد من بذل جهد كبير من اجل حراك اجتماعي حقيقي، بمعنى أن الدعم...الخ يتم اعتباره "سنادات" مؤقتة لتحويل الفقراء إلى طبقة وسطى أو غنية، وعدم اعتباره معاشا يأخذونه ويظلون كما هم للابد. لابد من برامج:
  • رفع الاستقلالية المهنية، أي وجود مصادر جديدة ومتنوعة للدخل غير العمل الحكومي أو وظائف القطاع الخاص، مثل الشركات متناهية الصغر (كل شركة موظف او اثنين) في المجالات التي تنفع مثل البرمجة، وسائل تحقيق الدخل الذاتية passive income، استخدام التكنولوجيا في العمل الحر (مثل بيع المنتجات المنزلية الكترونياً)، ...الخ.
  • مشاريع لمساعدة من تلقوا مجانية التعليم على تلقي اقصى استفادة مما تعلموه، عن طريق قواعد بيانات للخريجين واصحاب العمل (الفكرة سرقتها اليوم من مؤتمر حيّ)، عقد ندوات مستمرة في كل مدرسة عن سوق العمل كما يحدث في امريكا، الخ.
  • خبراء اجتماعيين يقدمون استشارات للذين يعانون من البطالة لكي يعينوهم أن يعودوا واقفين على اقدامهم ومتابعة حالاتهم دورياً. مع المعونة المادية عند الضرورة خاصة لمن يعول.
  • انشاء مؤسسات تنقيب فكري think tanks للإتيان بطرق لتصدير الخبرة عالمياً مثلما حدث في الهند في مشروع الـsoftware outsourcing.
  • انشاء برنامج يسمى "لم يفت الوقت" لتعليم من فاتهم التعليم المدرسي أو الجامعي ويريدون جدياً إعادة تأهيل انفسهم. ويكون البرنامج معد لكي يمكنهم الجمع بين عملهم الحالي والتعليم.
  • معظم هذه الافكار تكون مثلاً 25% مشاريع حكومية والباقي من جمعيات اهلية تنشأ بنفسها او تنشئها الدولة في اول ثلاث سنوات مثلا وتتركها لكفاءات تديرها بعد ذلك.
في هذه الحالة فإن الدولة تقوم بدور لا هو بالرأسمالي المطلق، ولا هو بدور "الأب الذي يطعم المواطن بيده". انها تثق في ان المواطن هو شخص ناضج قادر على الإنتاج لكنها في نفس الوقت تعلم انه هناك وسائل انتاج يحتاجها أي مواطن ليبدأ العمل؛ وأنه من غير العدل ان نتوقع للمواطن ان يرفع من مستواه المادي بنفسه بينما هو لا يجد قوته او علاجه او ما يتعلم به ليعمل ويجتهد.

اقتصاد انتاجي

مشكلة الاقتصاد الحالي اننا لسنا بنفس المستوى الانتاجي مثل الدول الاخرى. لابد للنظر لجزئين: التكنولوجيا، والقدرة الانتاجية.
التكنولوجيا: هل نقدر على انتاج طائرة؟
القدرة الانتاجية: لو اردنا انتاج الف طائرة في الشهر مثلا، هل سنقدر؟

لحل المشكلتين لابد من وجود عوامل كثيرة:
  1. المعرفة بالوسائل الانتاجية know how
  2. الخبرة في ادارة مصانع، تعيين عمال، ...الخ
  3. قيم اجتماعية مثل اتقان العمل والاهتمام بالتفاصيل وحب المغامرة
  4. سوق للتصرف في المنتجات
  5. قوانين منافسة شريفة، حفاظ على البيئة، حقوق العاملين،...الخ
  6. رأس مال مهول (صناعات مثل الطائرات، رقائق الكمبيوتر،...الخ لا يدخلها إلا ذوي المليارات)
الصين قد قامت بحل هذه المشكلة بالاستثمارات الاجنبية ودعوة الدول الاخرى لبناء مصانع لديها بمغريات العمالة الرخيصة...الخ. قد ينفع هذا في بعض المجالات لكن لا اشعر انه يمكن تطبيقها عموماً. فلنر ما يمكن عمله إذاً..

رأس المال والسوق يسيران جنباً إلى جنب، في وجود السوق يأتي المستثمرون - داخليا وخارجيا - على امل الاستفادة من هذا السوق والتربح منه. إذاً علينا ان ننظر للاسواق التي يمكن غزوها. هناك انواع من ذلك...
  • انشاء اسواق جديدة مثلما تفعل الآن شركات الطاقة الشمسية او الشركات التي تنتج SmartPhone.
  • البحث عن اسواق موجودة قابلة للاختراق.
  • التحالف لصنع منتجات لغيرنا يبيعونها في اسواق يسيطرون عليها - الاسلوب الصيني.

اما انشاء الاسواق الجديدة فيعتمد على الإبداع والإرادة، أي على الافراد اكثر من المؤسسات. في تلك الحالة يمكن اتباع النموذج الاسرائيلي: الكثرة والتنوع تغلب الحجم. صدق او لا تصدق، كانت الحكومة المصرية مهتمة جداً بدعم انشاء شركات التكنولوجياً منذ 2005 او ما يسبقها؛ المشكلة انهم كانوا كل عام يدعمون عدد قليل من الشركات بمبالغ كبيرة. سوف نفعل نحن العكس: كل عام ادعم مائة شركة او اكثر دعما ماليا قليلاً (مائة الف جنيه او اقل) لكن احرص حرصاً شديداً على اختيار العباقرة ذوي الإرادة الحديدية.

أشعر ان اغلب المؤسسات المصرية لدعم الشركات تسير وراء الموضة: هذا العام cloud computing، العام السابق mobile applications -- كلا! هذه المرة سوف يكون الاختيار علميا جداً؛ لابد اولا من اختيار من سيختارون الشركات، إما أن يكونوا قد اسسوا بانفسهم شركات ناجحة، أو أن يكونوا انجزوا ابحاثا عن انشاء الشركات منشورة في مؤتمرات عالمية..لن نفرط مرة اخرى في مال الدولة المخصص لدعم المشاريع.

هذا عن انشاء اسواق جديدة؛ ماذا عن اختراق اسواق موجودة؟ يمكن للدولة إنشاء وحدة "هجومية" تدرس عاماً بعد عام: أي سوق علينا الدور أن ندخله؟ هناك في التسويق مبدأ اسمه barriers to entry أو عوائق دخول السوق. مثلاً لو أردت صنع سيارة جديدة وتسويقها، ماذا سيحول دون شراء المصريين مثلاً لها؟ لابد من إزالة العوائق واحداً واحداً، واختيار الاسواق بطريقة متدرجة (مثلا الصناعات التكميلية ، ثم قطع الغيار، ثم سيارات العمل كالأتوبيسات والنقل، ثم السيارات الشخصية).

ثم لابد من التبادل التجاري مع طوب الارض: السوق الداخلية، الدول العربية، العالم الاسلامي، كله. لقد كان العرب في الدولة الاسلامية عباقرة في التجارة، والامبراطورية البريطانية بنيت على التجارة (احتلت الهند لاجل الشاي، مصر لأجل القطن...). لابد من بيع الثلج اللاسكيمو والدفايات للسعودية كما يقال. لابد من ازالة كل الحواجز التي تعوق ذلك التبادل. ربما يمكن عمل بعض الاشياء...

  • إنشاء وحدة للثقافة التجارية الدولية، تدرس العادات الشرائية للدول الاخرى، عوامل تفضيل افرادها لمنتج على الآخر، حتى الاسماء الجذابة للمنتجات في لغاتهم، وتنشر هذه المعلومات للمنتجين المصريين.
  • انشاء هيئة لدراسة جانب النقل الدولي: دراسة إن كانت الدولة تحتاج مثلاً خط نقل بري او جوي لدولة ما لأن التبادل التجاري معها كثيف. ينطبق هذا الامر بالذات على الدول العربية والافريقية بالطبع.

يبقى فكرة المعرفة بالتكنولوجيا know how، الخبرة الانتاجية (وهي غير المعرفة)، القوانين، والقيم الخاصة باتقان العمل. المشكلة ان المقال صار الآن اطول مما ينبغي فسأتحدث فيها باختصار شديد...

- لابد من اجتذاب كل مصري قام بجمع خبرة حقيقية من العمل بالخارج في شركات مثل انتل، مايركوسوفت، سواء خبرة ادارية او تكنولوجية ونشر خبرته في كل مكان.

- يمكن عمل مصانع محتضنة، أي تنشئها الدولة وتديرها لبضع سنين ثم تبيعها للقطاع الخاص في برامج نقل ملكية. هذا يحل مشكلة "المصنع يحتاج بضع سنين لكسب الخبرة والتجارب دون الخوف من الربح والخسارة". لو كان هذا غير عملي (بسبب الخوف من الفساد او عودة القطاع العام) فقد يمكن دعم الدولة للمستثمرين الطموحين الذين يريدون انشاء سيارة مثلا لكن يخشون الخسارة المادية.

- عمل مؤسسات لدعم الصناعة المفتوحة الموازية: فكرة وضع تصميمات هندسية والكترونية في صورة open source ووسائل انتاج رخيصة تتيح للافراد والمجموعات الصغيرة دخول عالم الصناعة. إذا كان عدد كبير من الهواة فتح الباب لنظام مثل لينكس ظنناه لا يأتي إلا من شركة عملاقة، فلِمَ لا نجرب ان نتركهم يصنعوا منتجات حقيقية بدون الخوف من الخسارة المهولة التي تأتي من انشاء مصنع كبير؟

- القوانين والقيم الاجتماعية امرها معروف بطرق الاصلاح والتطوير القانون الاجتماعي المعتادة.


(سأكتب الاجزاء الخاصة باصلاح التعليم، السياسة الخارجية، التعامل مع النظام القديم في مقالات اخرى أولهم ما يلي:

الجزء الثاني - اصلاح التعليم.

الأربعاء، 21 مارس 2012

سياسة الدولة (1) - مجانية التعليم

كل شاب مصري يكوّن هذه النظرية عن مجانية التعليم. أنا شخصيا كونتها في فترة ما من حياتي ثم اعرضت عنها:

ينبغي إلغاء مجانية التعليم، فهي عبء على الدولة. كما ان التعليم ينبغي أن يكون لمن يحبه ويستحقه ولا يوزع على الناس هباء. يجب يكون التعليم مجاني حتى الإعدادية، فقط، ثم بعد ذلك يتم إلغاء المجانية إلا من بعض المنح للمتفوقين من الفقراء.

مشكلة هذه النظرية انها توحي لمن يسمعها أن صاحبها فكر في كل شيء وسد كل الثغرات، كما تشعره أنه عملي لا يردد الشعارات (فهو يرى الموضوع شعاراً)، واخيراً تشعره انه تغلب على الفكر "الاشتراكي" الخاص بالفترة السابقة في مصر. هذا الشعور بالرضا عن النفس يقوم بدور مثل الفيروس، فيجعل الفكرة تنتشر من شخص لآخر ويجعل انتزاعها ممن يؤمن بها صعباً.

لكني سأحاول.

الصعود الاجتماعي

قمت في مقال سابق بالحديث عن محاور للنهضة، منها "طبقة وسطى قوية". بدون الطبقة الوسطى لا ديموقراطية (فالشعب خائف على لقمة العيش ولا يجرؤ على الاعتراض) ولا تقدم علمي (فالمرء دائر بين كذا وظيفة لا يجد وقتا للتركيز في البحث العلمي) ولا امان (لأنه من الفقراء من سيتجه للجريمة/البلطجة).

هناك شيئين ينبغي التفكير فيهما لرعاية الطبقة الوسطى في أي دولة: الحفاظ على اهل الطبقة الوسطى من الانزلاق لأسفل، بأن يضطر مثلاً لإنفاق مدخراته كلها في عملية جراحية حين يمرض، والشيء الثاني هو فتح سبيل للصعود الاجتماعي بإتاحة فرصة لأهل الطبقات الفقيرة ان يعملوا في وظائف مرموقة (ماداموا يستحقونها) أو يفتحوا شركات....الخ.

هنا يأتي دور مجانية التعليم: ان الجيل الأعلى مني (اهل الخمسينات مثلا) قد بدأوا حياتهم - بالكامل تقريبا - من طبقات ضعيفة مهاجرة من الارياف او مثل ذلك، وخاضوا حياتهم يكافحون حتى صاروا يسكنون في شيراتون ومدينة نصر والجولف. وإن كفاحهم هذا ليكون اصعب عشرات المرات لولا تعليم مدرسي وجامعي مجاني. اسأل أبيك عزيزي القاريء هل كان مستفيداً من التعليم المجاني ام لا (وآبائي استفادوا). انا اتحدث جدياً. انا منتظر حتى تسأله وتأتي :)

ماذا عن تقديم منح المتفوقين لحل تلك المشكلة؟ ممم...سيكون وقتها الصعود الاجتماعي بمثابة انبوبة رفيعة يمر منها كل سنة نفر صغير من "المتفوقين" والباقي يظل غصباً عنه في الطبقة الفقيرة للابد. غير ان هذا سيربط بين التفوق والخروج من الفقر ارتباطاً وثيقاً وسيبدأ الناس في دفع ابنائهم لأن يحسبوا من المتفوقين بأي ثمن: الغش، الرشوة، التزوير...

لماذا لا نعترف ان الطالب الاقل من المتفوق له حق في التعليم؟ لاحظ التعبير: أنا لا اتحدث عن الفاشل دراسيا بل عن من يمكنه ان يتعلم ويكون عضوا منتجا في المجتمع بعلمه لكن ليس من افضل 5% أو 10%.

ماذا عن مجانية للفقراء فقط دون الاغنياء؟ سيؤدي هذا لمشاكل هو الآخر: ما تعريف فقير؟ وكيف نتأكد ان هؤلاء المتقدمين للمنحة هم فقراء بالفعل؟ لابد وقتها من إنشاء بيروقراطية جديدة للتمييز بين الغني والفقير، ولهذه البيروقراطية موظفون ومفتشون وقواعد يتم تحديثها بحسب الحالية الاقتصادية وتكاليف كان الاولى انفاقها لتعليم الناس ولو كانوا اغنياء اصلاً. ناهيك عن الأذى النفسي الذي يصيب الإنسان الذي يذهب ليثبت أنه "فقير" كي يحظى بالعلم. الا تشاهدون المسلسلات القديمة عن مصر قبل الثورة؟ الم تسمعوا عن مأساة اسمها "شهادة فقر"؟

النهوض الاقتصادي

ثم يقولون "ولكن مصر يخرج منها عشرات آلاف الخريجين كل عام ولا وظائف لكل هؤلاء". اقول ان هذه مشكلة دولةٍ تعتبر المتعلم عالة وليس فرصة. ماذا فعلت الهند؟ لديهم تعليم مجاني وقلة في الوظائف -- ففكروا في فكرة outsourcing وجلبوا الوظائف من الخارج عبر الانترنت حتى صار الامريكان يشكون من اخذ الهنود لوظائفهم. اكثر من هذا: هذه الاموال التي تدخل لهم تبذل الآن في تحقيق نهوض اقتصادي هندي، واخرجت الكثيرين هناك من طبقاتهم الاجتماعية الدنيا.

لا اقول ان الحل في الـoutsourcing (أقصد ليس فيه بالذات) لكن الفكرة الاساسية هنا هي اعتبار فكرة "آلاف المتعلمين" مورداً لا عبئاً، والإتيان بخبراء ومبدعين يخرجوا لنا بمائة مشروع مثل outsourcing وافضل. ببساطة لو ضبطنا النموذج الاجتماعي بحيث يكون العائد المالي من التعليم > المال المنفق عليه، فستكون المجانية هي افضل شيء للاقتصاد :)

الفكر

انظر للمشهد السياسي الآن: غياب للثقافة السياسية هددت نجاح الثورة نفسها، وقد تؤثر على الانتخابات القادمة، وغياب للفكر المطلوب لصنع الديموقراطية (أن يعرف الجميع شيئا عن السياسة، الاقتصاد، القانون...الخ ليختاروا ويقوّموا ممثليهم في الدولة)، وثغرات فكرية كثيرة تسعى مؤسسات وافراد للتوعية بها. الآن تخيل نفس المشهد مع وجود نسبة اكثر بكثير لم يكملوا سوى الإعدادية او الثانوية. سوف تتحول الثغرات إلى هاوية.

تخيل مجتمعنا الحالي الذي تنتشر فيه الخرافات، وتمرح فيه الشائعات، ويختلف الناس بدون حجج منطقية تدعمهم، ويعلو الرأي الشخصي فوق الرأي الموضوعي. اخبرني بحق: هل ترى الحل في تعليم اكثر أم أقل؟؟

الدول الاخرى

هذا المقال يحكي عن المدارس الفنلندية، وهي تعد من افضل المدارس في العالم حتى ان الدول الاخرى ترسل البعثات لتعرف ما يفعلون بالضبط. شدت انتباهي هذه الجملة:

Only a small number of independent schools exist in Finland, and even they are all publicly financed. None is allowed to charge tuition fees. There are no private universities, either. This means that practically every person in Finland attends public school, whether for pre-K or a Ph.D.

هل تدرك مدى هذا الموقف؟ انا ادعو لنظام مختلط من المدارس والجامعات الحكومية والخاصة، لكن فنلندا ذهبت لأبعد من هذا فجعلت كل المؤسسات التعليمية، كل المدارس والجامعات، مجانية!!

في هذه الظروف قد يحسب البعض أن هذا سيؤدي لكارثة قومية ينهار فيها تعليم الدولة واقتصادها، لكن العكس تماما حدث: من افضل التعليم في العالم.

الواقعية بالنسبة لي ليس معناها "التشاؤم" أو "شد الحزام"، بل معناها النظر للتجارب الموجودة في الواقع والاستفادة من نتائجها، حتى لو لم تكن نتائج متماشية مع افكارك الاصلية.

ماذا عن امريكا؟ اقرأ هذا المقال عن انخفاض معدل خريجي الجامعات لديهم. مقتطف من المقال:

One of those challenges is the cost of college, which continues to rise, even as family income has flattened. Students from well-off families are far more likely to go to college than students from poor households, according to the report.

Among families earning $100,000 or more, 91 percent of students go to college. That number drops to 78 percent among middle-income families ($50,000 to $100,000). And for families earning less than $20,000 a year, it's 52 percent.

"We need a new social contract about tuition," Callan said. "It's a political football that discourages low-income people from attending college and middle-income people from saving for it."


انظر كيف تنتهي الفقرة بالحديث عن كيف ان ذوي الدخل المتوسط يعرضون عن الادخار من اجل التعليم الجامعي لابناءهم. فكرة الادخار نفسها كشرط مسلّم به للتعليم فكرة تزعجني للغاية. الذي يحدث ان قرار "التعليم ام لا" هو قرار عصيب لكل اسرة امريكية، بعضهم يدخر او يقترض فقط ليقدم فرصة لدخول ابناءهم الكلية. بعضهم يدخل ابنا ويترك الآخرين، وكثير من الطلبة يقترض من البنوك ليدخل الجامعة ثم يعيش مديوناً لسنين بعد تخرجه، ويتحكم البنك بحياته. تخيل ذلك لنفسك: تخرج من الكلية مديوناً بعشرات الآلاف بينما انت بعد تبحث عن وظيفة ولم تقبض اول قرش في حياتك.

الدولة الاسلامية

ولقد كانت مجانية التعليم، مع مجانية العلاج واطعام الفقراء وكل سائر أوجه التكافل الاجتماعي، هي من الصفات المميزة للدول الاسلامية لقرون. اقرأ أي من كتب د.راغب السرجاني...الخ ليحكي لك عن المكتبات التي تملأ الشوارع بلا مقابل والجامعات (الازهر، القيروان، بغداد، الاندلس...) التي تنفق على طلابها لا ينفق طلابها عليها. هذا جزء من ثقافتنا اصلا ولا ادري لمَ كل هذا الالتباس في تقييمه.

خاتمة

لقد قلت ما يمكنني من حجج في هذا الموضوع المهم، وقد حاولت قدر الإمكان البعد عن الشعارات لكي لا يظن القاريء ان الامر مجرد شعار، وسعيت لتقديم حجج اقتصادية وسياسية واجتماعية، وامثلة من اوروبا وامريكا، لكي ندور في فلك النقاش العلمي.

الجمعة، 16 مارس 2012

لماذا اخترت فلان كمرشحي للرئاسة؟


مشكلتي هي انه هناك افراد كثيرون يثقون بي، لذلك لم احب ان اعلن على المدونة انني اخترت "فلان" لكي لا اؤثر فيهم. لكن في هذه الظروف اريد ان اعبرعن رأيي لأني أراه مهما. حلا لذلك الإشكال (أو الإشكالية كما يقول المثقفون هذه الايام) سوف اذكر كل الاسباب التي دفعتني لانتخابه ولن اذكر اسم المرشح سوى في النهاية. بذلك أرجو ان يكون تركيز القاري على الاسباب يقبلها أو يرفضها، وليس على الشخص نفسه.

الصعود الحضاري الصاروخي

لا يخفى علينا اننا تابعين للغرب (أي لأمريكا). هم الذين يصدرون لنا التكنولوجيا، هم الذين يعينون لنا الحكام، هم الذين يصدرون لنا الاسلحة (بالموديل والقدرات التي يحددوها)، هم الذين نقترض منهم. الدولة بكاملها موظفون لديهم. هناك طريقة واحدة فقط لحل تلك المشكلة: ان نضاهيهم علما واقتصاداً وإنتاجاً في حوالي عشرة سنوات.

لو لم نفعل ذلك فببساطة سيتصرفون: سيربطون المعاونات الاقتصادية بسياسات معينة مفروضة علينا، أو يمولوا حركات سياسية داخلية توافق اهواءهم، أو يكرروا التجربة العراقية. أو...أو...حتما ستأتي لحظة نحتاجهم ويساعدوننا بشروطهم، أو نخشاهم ويملون علينا شروطهم. عشر سنوات مفيدة لأنهم لن يصدقوا اننا سوف ننهض في تلك الفترة، فنستطيع ان نلملم اركان بيتنا ونبني مستقبلنا وهم مشغولون ثم نواجههم كقوة عالمية مساوية لهم. اكثر من ذلك "حياخذوا بالهم".

قبل ان تناقشني في السنوات العشر..لا اقصد هذا الرقم تحديداً..ربما اكثر قليلا او اقل قليلا لكن في كل الاحوال يجب الا يكون اكثر من اللازم. لو انك ممن يظنون اننا نحتاج على الاقل 50 او مائة سنة مثلا فلن يؤثر عليك هذا المقال بشيء -- اذهب وانتخب من شئت :)

التوافقيين وغيرهم

الآن نأتي لبعض الاسئلة:
1- ما موقفي من سؤال "رئيس ثوري أو توافقي"
2- ما موقفي من "رئيس اسلامي او غير اسلامي".

نبدأ بالتوافقيين: باختصار شديد جداً، أنا اريده أن يكون رئيس "صعود حضاري صاروخي". وهذه الصفة من المستحيل ان توجد فيما يسمى "غير ثوري" أو "توافقي".

هل نستطيع تخيل رئيساً يجمع بين عدم الثورية والقدرة على الصعود الصاروخي للبلد؟ لم نجد من النظام القديم سوى التلصيم والتبعية للغرب (في احسن الاحوال) او السرقة والتنكيل (في اسوأها). لو كان "غير ثوري" معناها "شبيه بعمر سليمان أو عمرو موسى" إذا فهو الخراب.

ماذا عن فكرة رجل غير ثوري لكي يسير بجوار الحائط ولا يستفز امريكا، حتى نبني الدولة الحديثة؟ ثم نواجه امريكا بمصالحنا واهدافنا؟ لن يحدث هذا لأن الطريقة الوحيدة لكي نصير امة حقيقية لا تحدث إلا بتغيير حقيقي في النظام الاجتماعي: حرية، توزيع عادل للثروات، كرامة...الخ

هب اننا اتينا بـ"غير ثوري حكيم": سوف يبقي على امن الدولة يعينون اساتذة الجامعات، سوف يحافظ على سيطرة الدولة على التلفزيون، سوف يعينون وزراء يفضلون الطاعة على التطوير...الخ...الخ. يعني البلد لنن تتقدم لحظة. لماذا سيفعل كل هذا؟ لأنه لو فعل عكس هذه الأشياء فسيكون - بحسب التعريف - ثورياً!

اما الاطراف التي تريد رئيسا لا يخيف امريكاً، فهذا ببساطة يؤدي إلى سلام مؤقت مع امريكا مع عدم التقدم الحضاري، فلا نستطيع مواجهة امريكا بعد، فنضطر لسلام مؤقت جديد معها، فنختار رئيس توافقي جديد، فلا يؤدي لتقدم حضاري....الخ....الخ

ماذا لو ادعى البعض انهم سيخرجون من هذه الحلقة بأن يتركوا الرئيس توافقيا ثم يطورون البلد باسلوب غير رئاسي (برلماني، المؤسسات الاجتماعية...الخ)؟ لا! إن أردنا مشروعاً حضارياً حقيقياً فيجب ألا يكون مبنيا على تمثيليات واتفاقات. لابد من شفافية مطلقة وايمان حقيقي بالمشروع على مستوى الدولة كلها من رئيسها للكناس في الشارع، وإلا تكون دولة متعددة الشخصيات مبنية على اساس من المناورات والخداع.

المشروع الاسلامي

ماذا عن المشروع الاسلامي؟ ببساطة: المشروع الاسلامي لا يتم بدون صعود صاروخي. لو سعينا لتطبيق الشريعة ونحن كما نحن سياسيا واقتصادياً وعسكريا فسنجد المؤامرة تلو المؤامرة حتى ينهار ذلك المشروع.

تذكر الدولة العثمانية: لقد كانت دولة خلافة اسلامية لكنها غارقة في الديون لاوروبا، متخلفة علمياً، ومحاولات تحديثها (وهي محاولات محمودة) كانت تسير ابطأ مما ينبغي. ببساطة كانت ضحية المؤامرات. احيانا مؤامرات ثقافية مثل نشر العلمانية بحجة التقدم العلمي، احيانا مؤامرات سياسية مثل خلق احزاب جديدة والزج بها في تقويض الدولة الاسلامية بحجة اصلاحها، او مؤامرات عسكرية مثل احتلال مصر.

اقول اذاً ان الطريق الوحيد للحصول على الدولة الاسلامية المرغوبة هو الصعود الحضاري الصاروخي. مرشح اسلامي بدون صعود صاروخي = مرشح اسلامي من حيث النية فقط.

هنا يأتي مفترق طرق: قد يكون امامنا مرشح "اسلامي صعودي" وفي تلك الحالة يكون الموقف مثالياً، أو "مرشح غير اسلامي صعودي" ويكون هو "الصعودي الوحيد".

هل سأقبله في تلك الحالة؟ إن كان يحترم الحريات والعملية الديموقراطية فنعم. منطقياً:
1- لو كان اسلاميا لا يقدر على الصعود، فسيبدأ في تطبيق الاسلام فترة ثم ينهار كل شيء بسبب التبعية الامريكية. بالنسبة لي كأنه يستوي مع غير الاسلامي.
2- لو كان غير اسلامي لكن (أ) يقدر على الصعود الصاروخي. (ب) يحترم الحريات والعملية الديموقراطية. (ج) لا يعادي الاسلام ولا يزرع سبل مقاومة الفكر الاسلامي في الدولة. في هذه الحالة فإنه من المتوقع ان يترك البلد افضل بكثير مما هي عليه، وفي نفس الوقت يكون المفكرون الاسلاميون قد بدأوا في تغيير المجتمع وتوجيهه نحو مشروع الدولة الاسلامية، ويمكن وقتها بسهولة ان يأتي رئيس قادم اسلامي (وصعودي هو الآخر) ويحكم دولة اقدر على مواجهة المؤامرات...الخ.

بس الموضوع احسن من كدة

لكن الشخص الذي ارشحه انا اراه يجمع بين الاسلامية و"الصاروخية". في الواقع - وهذا قد يغضب مؤيديه - لا اظنه يملك العبقرية الفذة التي تجعله بمفرده يغير شكل الدولة، لكن ارى ان لديه ما يكفي من الذكاء واحترام الحريات لكي يعطي الدولة نفسها فرصة كي تنهض. إن الدولة مليئة بالعباقرة والمكافحين وذو الرؤى، وما نحتاج له كي ننهض هو:
- حل للمشاكل الاقتصادية لكي يستطيع الناس ان يطمئنوا على الطعام والمأوى...الخ فيتفرغوا للنهضة.
- ما يكفي من الديبلوماسية لكي تنحل امريكا عن دماغنا فترة ما نبني فيها الوطن.
- حل للمشاكل الامنية والقمعية...الخ لكي يمارس الناس حياتهم بلا خوف. التغلب على مؤامرات امن الدولة...الخ
- نظام سياسي "محترم" يتيح للافضل ان يأخذ مكانه، وليس للاكثر نفاقا للحاكم او الافضل طاعة.
- حريات للسياسة، الصحافة، ...الخ

نحن نحتاج ببساطة للكتف الذي ستقف عليه الدولة المصرية الحديثة، وليس للساق التي تحملها. لكن حتى هذا الدور "الكتفي" من اصعب الادوار على الاطلاق. إنه مسؤولية قد تساهم في تحديد شكل مصر للقرن القادم وما بعده.

مين هو طيب؟؟

حسناً..لو استثنينا الفلول والمهرجين والتوافقيين، لن يتبقى شخص يذكر سوى: حمدين صباحي، خالد علي، ابو الفتوح، حازم صلاح.

اما خالد علي فهو بالنسبة لي صندوق اسود (اقصد بالنسبة لي انا وليس لكل المجتمع، لأني لم اقرأ عنه شيئاً بعد) فلن اتحدث عنه حتى تظهر لي معلومات اخرى. من الواضح انه يحقق شرط الثورية، فهل يحقق شرط "الصاروخية"؟ هذا هو السؤال.

اما حمدين فأشعر انه عادل وشريف لكن لا اظن أن تكون تغييراته جذرية، بمنعى انه سيكون مثل عبد الناصر او السادات مثلا (في الجوانب الجيدة لا الجوانب القمعية) لكن في حكمه ستكون مصر في احسن الاحوال دولة عربية تقليدية قوية وليس دولة في طريقها لتضاهي اوروبا وامريكا.

ماذا عن حازم صلاح؟ اشعر ان كلامه تقليدي نوعاً ما ومشاريعه عن تعمير سيناء، ...الخ ليست هي الحل المطلق. كما اني لا اظنه مهتم جدا بموضوع الحريات. قد يكون اكثر المرشحين "اسلامية" او على الاقل اكثرهم اعلانا عن اسلاميته، لكن بدون شطر "الصعود" الذي ذكرته مرارا، يتساوى مع غير الاسلاميين.

حسناً ماذا عن ابي الفتوح؟ قد اكون مخطئا في حكمي - قد يكون في الواقع رئيس صعود عادي لا صاروخي - لكن من الذين هم امامي الآن اعتقد انه اقربهم لهذا، لأنه:
  • يركز على حرية الصحافة، استقلال القضاء، ...الخ وهي جوانب حيوية لا تقوم دولة حديثة بدونها.
  • يستعين بخبراء اقتصاديين وسياسيين محترمين. انظر مثلا لكلام د.رباب المهدي عن خطته السياسية: انها تقول ان الديموقراطية التشاركية (المتبعة في معظم البلاد) ليست كافية ولابد مما هو اعلى - حين تجد شخصا يقول ان النموذج الأمريكي للديموقراطية غير كاف فهو كلام عالم واثق بشدة من علمه. نفس الشيء مع الخبير الاقتصادي: هذا شخص يبدأ بالمصطلحات العلمية وكلام الخبراء منذ اول دقيقة للسلسلة التي يتحدث فيها عن البرنامج الاقتصادي.
  • لديه دبلوماسية نحتاجها في الفترة القادمة لتحل امريكا عن قفانا.
  • بدأ مبادرة اسمها "لمصر" لتجميع الخبراء لحل مشاكل الدولة والاستعانة بالشباب للعمل التطوعي. هذه توحي لي بشيئين: (أ) ان فكره يتماشى مع رأيي في ترك الدولة تنهض بنفسها ودعم الخبرات والطموح...فكرة الكتف لا الساق اياها. (ب) انه قد بدأ العمل في النهضة قبل تولي الرئاسة - كما انه اعلن نيته الاستمرار في المبادرة ولو لم يفز - وهذا يشعرني ان النهضة في الرجل لا المنصب.
  • انه...اسلامي :)

وبعد فإن رأيي متكون من معلومات قليلة وملاحظات متناثرة وقد يكون خطأً. لا تركز في قراري النهائي، لا تعتبرني موجهك الانتخابي. ابحث عن المعلومات بنفسك. الهدف الاساسي الذي اردته من هذا المقال هو فكرة "الصعود الصاروخي" وضرورته لكل شيء، ومنها المشروع الاسلامي -- ما عدا ذلك هو انطباعات اكثر منها كلام علمي. ولو خرجت من المقال بمبدأ الصعود هذا لكفاني. ولو اردت اخباري بمعلومات اغير بها رأيي فلا تتردد.

السبت، 10 مارس 2012

سنوات قطر - مصر التي لم أرها

يكون الطفل كياناً مدهشاً حتى يبلغ حوالي الرابعة عشرة، ثم يصير مملاً. يأخذ هذا التحول تقريباً اربع سنوات يكون فيها خليطاً من الإدهاش والملل حتى يبلغ الثامنة عشرة، فيكون مللاً تاماً. وبما إني لست بريئاً من هذا، فسأحكي لكم - اعزائي القراء - عن اهم خمس سنوات في حياتي: 1987-1992، حين كنت من سن 8 إلى 13، وقضيت هذه السنوات الخمس في قطر.

لعل من توابع هذه السفرية انني لم ار مصر في تلك الفترة! أتعجب دائما لماذا يسخر المصريين دائماً من بلدهم وانفسهم بينما انا غارق في التفاؤل (هذه المدونة تتحدث عن النهضة منذ 2008، قبل الثورة وفي اسوأ الفترات السياسية)، ربما يكون جزء من السبب انني لم اشهد مصر في الثمانينات! في التسعينات كان الأمر افضل قليلاً، أو على الاقل كان معتاداً..لكن في الثمانينات كان تحول مصر من دولة محترمة - أعني محترمة بما يناسب أي دولة عربية في تلك الفترة - إلى دولة يسخر منها الصديق قبل العدو.

كنت ارى عن مصر لمحات قليلة في التلفزيون والجرائد والافلام. أو من المصريين الآخرين المقيمين في قطر (وباستثناء بعض الأشخاص الافاضل، لم احب اكثرهم) وكانت الاخبار سيئة...

الافلام وقتها كلها تقريباً عن المخدرات (في التسعينات ستصير عن الإرهاب لكن لا نستعجل انفسنا)، المسلسلات كان العصر الذهبي لها نوعاً ما: رأفت الهجان مثلاً -- كانت امي تشاهد المسلسل وتبكي وهي تتذكر البلد التي فارقناها. الوسية (لو سمع عنها احد)...الخ، لكن الافلام، إن لم تكن عن المخدرات، كانت عن المادية والانتهازية والفساد. وكانت الجملة المتكررة في كل فيلم: "معاك قرش؛ تسوى قرش، ما معاكش؛ ما تسواش حاجة". اشعر أنه كان هناك قانون وقتها يلزم كل كاتب سيناريو ان يتضمن هذه الجملة وإلا سيعاقب بالسجن والغرامة.

والسيناريو الخاص بكل فيلم: شخص بدأ فقيراً، تعرف على شخص آخر "واصل" اجتماعيا بسبب الصفقات الفاسدة، اتفقا على جريمة كبرى تنقل هذا الشخص إلى مستوى اجتماعي اعلى بكثير، وإما ان الجريمة فشلت أو انها نجحت لكن الشخص نفسه تغير وصار متعاليا على المجتمع لا يبالي بالآخرين، ولابد ان يتضرر من جرائمه ابوه العجوز او اخته البريئة أو قريته التي آوته...الخ، وهكذا نعرف ان الجريمة سلوك خاطيء لكن ليس قبل أن يأخذ المشاهد جولة سياحية عن المجتعات الراقية والحفلات و...و...

(أشعر ان هذه القصة العامة مازالت موجودة في الافلام المصرية المعاصرة..لكني لا اشاهد افلاما مصرية لأتأكد).

لماذا اخذت ثلاث فقرات من المقال حديثاً عن الافلام؟ لأنها كانت هي المعلومات لدي، الطفل المصري بالخارج، عما يحدث في الداخل. لم اكن قد فهمت تماما معنى هذه الافلام والدوافع الاجتماعية وراءها إلا انه غالبا - على مستوى شعوري لا فكري - قد اوحت لي انه "هناك شيء خطأ" يحدث في الوطن.

الشيء الآخر الذي شعرت به ان الوطن العربي نفسه في مشكلة..دائماً الأخبار عن "حركة أمل، حركة فتح، منظمة التحرير الفلسطينية"...كانت اسماء كلها غريبة ومخيفة اذ لا تتردد إلا وهناك اخبار عن قصف او ضرب او قتل. لم اكن اعرف ان حركة اسمها "أمل" يمكن ان اشعر بالتوجس كلما سمعت اسمها.

كانت قطر عضواً في مجلس التعاون الخليجي، ودخلت مصر في شيء اسمه "مجلس التعاون العربي" الذي كان يبدو مبادرة من صدام حسين زعيم العراق. وقتها جلس ابي مع المصريين يمزح قائلاً "...ياللا افرح يا عم! بقى عندنا احنا كمان مجلس!" ورنة السخرية واضحة في صوته. في البداية تعجبت: لماذا لا يفرح ابي وهذه خطوة تجاه الوحدة العربية؟؟ لكن مع الوقت اتضح ان هذا المجلس لم يكن سوى حركات لا معنى لها، وسرعان ما لم يتحدث عنها احد بعد ذلك.

كان مجلس التعاون العربي "حركة" من سلسلة من الحركات السياسية قام بها صدام وانتهت "بحركة" غزو الكويت في آخر سنواتنا في قطر. اذكر حين كنا نشتري اقنعة مضادة للغازات، وحين كنا نشتري اللاصق ونسد به فتحات النوافذ، وحين كنت ارسم كاريكاتير عن "الغازات" التي سيطلقها صدام علينا...

احياناً اتعاطف مع صدام؛ لو كان شخصية في قصة لكان شخصية تراجيدية جداً عن الفتى الذي قام بانقلاب وظن نفسه زعيماً، ثم فشل المرة تلو المرة في أي محاولة لتحقيق تلك الزعامة، فالتفت تقتيلا في شعبه وجيرانه حتى مات مقتولا مهاناً على يد دولة اجنبية...ثم اتذكر ضحاياه من شعب الكويت، والمصريين العائدين في اكفانهم، وشعب العراق نفسه المعذب، ويذهب عني أوهام الشفقة.

هذه هي قصة كل "الثورات" العربية التي حدثت في الخمسينات والستينات، الرجل الذي يظن نفسه زعيماً، ويحاول في البداية ان يحدث نهضة وان يهدد امريكا وإسرائيل، ثم لا يلبث أن يكتشف انه فاشل عديم القدرة فيلتفت إلى بلده ينهب هذا ويعتقل ذاك ويعذب تلك إلى أن تصبح الدولة على حافة الانهيار، حتى تقوم ثورة حقيقية شعبية تنزعه من وهمه --إن لم يفعل الأمريكان ذلك أولاً.

شوية مجانين عملوا حفلة، كل واحد رجع بدولة، جه يشيلها ثقلت عليه، جه يركبها وقعت بيه...وفي الآخر شاطته ومشيت في حالها، قال ياريتني ما رحت الحفلة.

نعود إلى ذكرياتي في قطر...

كان من الواضح أيضاً ان مصر تمر بأزمة مالية. دائماً الحديث عن عاطف صدقي رئيس الوزراء الشهير، وعن شيء اسمه "تعويم الجنيه". وكل يوم ضريبة جديدة، حتى صار محمد الرزاز وزير المالية وقتها هو المصدر الرئيسي لنكت جريدة الاخبار. يتحدثون عن ضريبة التركات، وعن الدمغات لكل شيء والوزير الذي غذاؤه المفضل محشي ورق دمغة. وكان لدى الحكومة وقتها سلوكاً طريفاً هو حل المشكلة بتغيير اسمها لشيء آخر، مثلاً ألغوا ضريبة التركات المكروهة ووضعوا بدلاً منها شيئاً اسمه "رسم الأيلولة"، واذكر عاطف صدقي في حوار صحفي والمذيع يسأله شيئاً عن القطاع العام فيرد في غضب: "بتتكلم ليه عن القطاع العام؟؟ احنا اصلا لغينا القطاع العام خلاص! وحطينا بداله قطاع الأعمال العام".

(للامانة، اعتقد ان المشكلة كانت اكبر بكثير من عاطف صدقي، وان الرجل يبدو أنه كان له دوراً في نقل مصر إلى مرحلة "يمكننا الآن أخيراً ان نبدأ التطور الاقتصادي" التي ظهرت في التسعينات (لكن تحولت فيها الدولة إلى دولة رجال الاعمال، مما ادى لظهور امثال احمد عز، لكن هذه قصة اخرى)).

ذات مرة اقيم معرض للمنتجات المصرية في قطر، وذهبت مع ابي وامي له، لنجد: منتجات رديئة غير متقنة، اشخاص غير ودودين، كل شيء غالي مبالغ فيه. كان بعض المصريين يظنون ان اهل الخليج سذج يسهل النصب عليهم. طبعاً كان الافتراض خطأ ولم يشتر احد منهم بضاعتهم الكوميدية -- أي التي تصلح للعرض في فيلم كوميدي عن المحلات الفاشلة -- وعدنا نشعر بالخجل من هؤلاء العارضين الاغبياء الذين اساؤوا لكل مصري في هذا اليوم.

شيء آخر - قام امير قطر (خليفة بن حمد وقتها) بزيارة لمصر، والصحفيين المصريين يسألوه عن كل شيء، ثم سألته احدى الصحفيات "هل هناك مساعدات ستقدمها قطر لمصر؟ مساعدات سياسية، مساعدات كذا، مساعدات مالية؟"

(كانت الصحفية تتحدث صوتيا لكن كلمة "مساعدات مالية" كانت مكتوبة بالخط الثقيل مثلما كتبتها أعلاه، صدق او لا تصدق)

نظر الشيخ خليفة اليها نظرة تقول "من علم هذه مهنة الصحافة؟؟؟" ثم رد رداً دبلوماسياً لا اذكره على غرار "من الطبيعي ان تتحدث الدول عن التعاون الاقتصادي أو ان تعاون الدول بعضها عند الضرورة". كان يتكلم بعصبية لأن السؤال فعلاً....!!

في تلك الفترة كان حسني مبارك مازال يعمل (كان حاكما ظالما لكن...على الاقل كان وقتها يعمل ولا يقيم في شرم الشيخ) وكانت هوايته وقتها هو زيارة الدول العربية أو دعوة زعماءها لزيارة مصر. كان لنا دور ما في العلاقات الخارجية والقضية الفلسطينية...الخ، وعلى الطريقة المصرية كان هناك لافتة كبيرة خارج المطار مكتوب عليها "مرحبا بضيف مصر الكبير" لا تتغير ابداً، قال يعني بقى كل ضيف حييجي يفتكرها محطوطة مخصوص عشانه. اذكيا احنا مش كدة؟؟ (ربما لا تزال هذه اللافتة موجودة حتى الآن..المفروض أن اذهب واتأكد)

القصد، كانت هذه عينة مما رأيته عن مصر في الثمانينيات...وإن كانت هذه هي العينة فما بالك بالبلد نفسها؟ احيانا اتعجب من سلبية كثير من الناس وتشاؤمهم، ثم اتذكر: لو عشت تلك الأيام في تلك الظروف لكان من السهل جداً أن تكون سلبياً..انا تربيت بعيداً عن هذا كله في جو من الاستقرار الاجتماعي والراحة المادية، ومع ذلك كنت اكتئب من الافلام او الاخبار او العينات القليلة التي أراها..سوف اتسامح قليلاً مع كل شخص سلبي في سن الثلاثين فما فوق، اما ابناء العشرينات وما تحتها فلم افهمهم بعد :)

لقد اخذت مصر الكثير حتى تنهض من تلك الفترة ولا تزال كثير من عواقبها معنا. احتاج الامر للمصلحين امثال عمرو خالد وغيره، ودخول الانترنت والفضائيات التي كشفت للناس وجهات نظر جديدة (كانت هذه من المميزات النادرة لحادثة حزينة هي غزو الكويت...أن وعى الناس للقنوات الاجنبية والمستوى الصحفي العالي)، وظهور موضة تطوير الذات وكيف تعامل زوجتك وكيف تربي ابناءك...الخ، وظهور جيل احدث من المفكرين والمعلمين والكتاب والعلماء والمدونين في كل المجالات وحتى احيانا افراد من الحكومة القديمة يحاولوا ان يحركوا الأمر للأمام.

ولا ننسى اهلنا: إن الثورة تهاجم كثيراً الجيل القديم المتخاذل وتفتخر بأنها ثورة شباب - وفي هذا معها حق - لكن ذلكم الجيل الذي تعلم السير بجوار الحائط هو نفسه الذي كان يذهب للخليج ليقضي عمره في غربة، او يبقى في مصر يركب الاتوبيس ويتحمل المدير المتعسف ويكوّن الجمعية، حتى ينهض جيل من شباب الطبقة الوسطى يخافون على الحق اكثر من خوفهم على الوظيفة. وهم في هذا لهم التقدير.

كفانا حديثاً عن السياسة. ربما في الجزء القادم اتحدث عن مدرستي في قطر مرة اخرى أو شيء :)

الثلاثاء، 28 فبراير 2012

دولة المسئولية

كانت الدولة الإسلامية قديماً تستشري فيها فكرة المسؤولية. الدولة مسؤولة عن المواطن. ليست مجرد مسؤولة اقتصادياً أو أمنياً أو قانونياً -- مسؤولة عن المواطن. هل المواطن سعيد؟ هل هو راض؟ هل هو بصحة جيدة؟ هل يربي ابناءه بلا مشاكل؟

كان المريض يعالج في المستشفى العام بالمجان ويأكل طعاماً طيباً حتى أغرى البعض ان يتمارض ليقيم بعض الوقت في المستشفى، وحين يخرج يأخذ منحة من المال تعويضاً عن الفترة التي منعه المرض فيها من العمل، وفوق ذلك تبنى المستشفى في اماكن ذات هواء نقي لتسهيل شفاء المريض، ولن أعجب لو رأيت مستشفيات في يومنا مبنية بجانب مدخنة مصنع.

واليوم سوف ارسم لكم صورة عن دولة المسؤولية الحديثة التي اتمناها. لن أركز في هذا المقال تحديداً كيف يمكن تحقيقها فهذا يحتاج خطط وعمل وتنسيق يطول الحديث عنه، لكن دعنا اليوم نرسم الصورة. ضع هذه الصورة نصب عينيك. فكر فيها كل يوم وناقشها وتفكر كيف يمكن تحقيقها. أريدك ان تشعر ان هذا ليس كلام خيالات بل رؤية يمكن تنفيذها.

الدولة التي اريدها تشعر بالمسؤولية تجاه المواطن ليس فقط من دستور او قانون او لوائح، لكن لأن هذه قيمة في المجتمع نفسه، الحاكم يخاف على الشعب وصاحب الشركة يخاف على الموظفين والزوج يخاف على زوجه والموسر يخاف على الفقير والفقير يخاف على المسكين. حتى الحيوانات تجد من يشفق عليها ويعني بها. البيئة الطبيعية نفسها موضع عناية واشفاق.

لا تخطط المحافظة فقط الطرق والكباري والمطبات، بل تبني في كل حي حدائق عامة يراعى فيها الجمال، ويسمح للاطفال بقطف الفاكهة من شجرها بلا تخريب، وفيها اماكن للفرش والاكل (لأن المصريين يحبون هذا هاها) ويوزع من الثمر لفقراء الحي.

الاهتمام فيها ليس فقط بما يسمى "الصورة الكلية" من تقارير بورصة وما شابه بل على مستوى أشياء حقيقية: هل الخضروات واللحم يزيد سعره باستمرار ام يجد الناس ما يأكلون؟ هل الاطفال يتعلمون بالفعل في المدارس؟ هل يزداد قبول الموظفين للرشاوي؟ هل الفقر والإحباط يدفعان الناس للشجار في الشوارع أو قراءة الصحف الصفراء؟

أوهل يتخيل شخص عمر بن عبد العزيز مثلاً إن رأى فقيراً لا يجد قوت يومه -- هل يختبيء عمر وقتها وراء رسومات بيانية عن الحالة الاقتصادية المزدهرة؟ لا يتخيل هذا احد.

الدولة هنا ليس مقصود بها "رئيس الجمهورية" أو "الحكومة"، الذي اصفه من الصعب أن يحدث بدون مشاركة من المجتمع كله، قيمة المسؤولية كما قلت لدى الجميع، مؤسسات المجتمع المدني، الوقف، الزكاة والصدقات، العمل التطوعي،...الخ،...الخ. لكن في نفس الوقت لا نخادع انفسنا ونقول ان الدولة ليس لها دور أساسي او ان سياستها لن تؤثر. وما فائدة الدولة إن لم يكن رعاية....رعاياها؟

وماذا عن العلم؟ قديما في الدولة الإسلامية كان هناك مكتبة في كل شارع، لماذا لا نعيد هذا؟ ونصنع أيضاً استكشافية [وهي مكان عرض للعلم مثل تلسكوبات وقبة سماوية، تجارب، سيارات وآلات شفافة لترى كيف تعمل من الداخل...الخ...الخ] ليرى الناس عجائب الكون وإحكامه ويقدروا قيمة العلم الذي كُشف لنا به ما لم نحسب نفسنا سنراه؟

ولماذا لا يمتليء المجتمع بالتربويين والاجتماعيين والخبراء الذين يعرضون خدماتهم ليل نهار للإصلاح بين الازواج المختلفين أو التوفيق بين الأهالي وابنائهم المتمردين عليهم أو ارشاد الناس لتربية اطفالهم أو حتى التوفيق بين زملاء العمل او الشركاء المختلفين؟

ولماذا لا ينسق المجتمع كي لا يكون جائع يوم العيد، بأن ينسق المتبرعون مع الدولة مع المطاعم لكي تكون هناك وجبة لكل من يدخلها برقم البطاقة مثلا او بكوبونات تصرف لمن يستحقها؟

ولماذا لا يخاف اصحاب الشركات على موظفيهم، فلا يكون هناك overtime إلا في الظروف الخاصة وبدون الإضرار بالموظفين أو تجاهل إرادتهم، ولا تكون ساعات العمل فوق البشرية التي نراها في الشركات؟ ولماذا لا يكون حسن المعاملة المعروف في شركات مثل مايكروسوفت وجوجل - والذي يشبه تدليل الموظفين احيانا - هو شيء معتاد ومنتشر في القطاع الخاص؟ وقبل ان تقول لي ان هذا "اشتراكية" أو "كلام سيقتل الشركات" فأنا اذكرك ان اول من نفذ هذه السياسات هي اغنى اغنياء الشركات في العالم.

ولماذا لا يشعر كل منا، فرداً وموظفاً وحاكماً، بالمسؤولية تجاه الآخرين؟

الأربعاء، 11 يناير 2012

خطط النهضة: جدول المحتويات

هذه الصفحة تجميع يحدث باستمرار لمقالات النهضة دون غيرها، لمن يريد ان يقرأها او ينشرها

خطة النهضة الأساسية

الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع

التفكير الحوسبي

التفكير الحوسبي: مفتاح لنهضة علمية عربية
التفكير الحوسبي، كيف سيغير العلم؟
A key for advancing science and technology: computational thinking
البرمجة والتفكير وفرصة للتفوق العلمي
يوم في حياة أطفال مبرمجين
يوم في حياة أعضاء بمركز التفكير الحوسبي

تطبيق التفكير الحوسبي عمليا (بوجه عام، المجال التعليمي)

تطوير التعليم

أفكار عن صنع مدارس المستقبل
كنا نفعل أشياء!
الاجهزة الالكترونية المبرمجة وتطوير التعليم
مجانية التعليم: انا معها

الأطفال والبرمجة

علّموا الأطفال البرمجة
لغة برمجة عربية تعليمية: بعض الاعتراضات والرد عليها
بيئة حية متكاملة

اختراعات وافكار ومشاريع

مركز التفكير الحوسبي
كلمات، لغة البرمجة العربية الجميلة
جهاز أوراق: عربي، قلمي، ذكي