‏إظهار الرسائل ذات التسميات nahda-plan. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات nahda-plan. إظهار كافة الرسائل

السبت، 24 مارس 2012

النهضة بين التصوير والمنطق

اقرأ الآن كتاب "التصوير الفني في القرآن" لسيد قطب، لكن ليس موضوعنا اليوم البلاغة القرآنية، بل فكرة التصوير نفسها كوسيلة للتخاطب البشري، مع بعض الافكار المحيطة بها. الموضوع شيق وسيعجبك لكنه يحتاج لبعض التمهيد، أرجو ان تصبر على قراءة هذا المقال للنهاية عزيزي القاريء :)

مشكلة انني كمبرمج قد ظللت فترة طويلة حياتي هي المنطق والabstraction. كل شيء مصنف بدقة إلى فئات وفصائل ومجردات. انعكس ذلك على اسلوبي في الحديث والكتابة ايضاً.

إن المبرمج يحب جداً ما يسمى التجريد. تجده في البرنامج يتعامل مع سيارة، سيارة نقل، موتوسيكل، فيقول "هاه! إن هذه الاشياء ما هي إلا مركبات!" ثم يبدأ بعمل صنف جديد اسمه مركبة، ويضع فيه الصفات المشتركة بين المركبات كلها، ويقول ان الموتوسيكل والنقل وغيره يندرج تحت هذا الصنف. ثم يكتشف ان المركبات، المأكولات، الملبوسات هي أشياء تباع وتشترى في برنامجه، فيختلق صنفاً جديداً اسمه "سلع" ويدرج الفصائل السابقة تحته، وهكذا حتى تجد ابنية عالية متعددة الطوابق من التجريد.

هذا شيء جيد إن كنت تتعامل مع آلة، لكن مع بشر؟ التجريد في التفاهم البشري؛ في الكتب، الابحاث العلمية، التعليم (وخاصة التعليم!!) يؤدي إلى ارتفاع كثافة المعلومات بطريقة غير عادية، مع انخفاض سهولة فهم هذه المعلومات. انظر إلى الآتي:

هنا تجد ان قانونا معقداً مكتوب في مساحة صغيرة (ارتفاع كثافة المعلومات) لكن مثل هذه القوانين كانت كابوسي في الجامعة، لا ادري من اين جاءت ولماذا جاءت (انخفاض سهولة الفهم).

انتشر هذا الاسلوب أيضا في كتب الدولة الاسلامية القديمة. انظر مثلاً لهذا النص من كتاب "تهافت الفلاسفة" يصف فيه آراء الفلاسفة اليونانين تمهيداً للرد عليها (لست متأكد من صحة وضعي لعلامات الترقيم):

...قولهم يستحيل صدور حادث من قديم مطلقاً؛ لأنا إذا فرضنا القديم ولم يصدر منه العالم مثلاً فإنما لم يصدر لأنه لم يكن للوجود مرجح، بل كان وجود العالم ممكناً إمكاناً صرفاً...فإذا حدث بعد ذلك لم يخل إما أن تجدد مرجح أو لم يتجدد، فإن لم يتجدد مرجح بقي العالم على الإمكان الصرف كما قبل ذلك، وإن تجدد مرجح فمن محدث ذلك المرجح؟ ولم حدث الآن ولم يحدث من قبل؟ والسؤال في حدوث المرجح قائم...

هل فهمت شيئاً؟ ولا أنا.

انظر الآن إلى أي مقال من مفكر حديث، او paper علمية، أو،...أو..تجد ان الموضوع يراعى فيه الكثافة، الدقة، المنطق، لكن ليس بالضرورة صالحاً للاستهلاك البشري.

او انظر مثلاً لهذه الجملة التي غالباً قد قرأتها في كتاب النحو في المدرسة:
لتحويل الفعل الماضي للمبني للمجهول يضم أوله ويكسرما قبل آخره، ولتحويل المضارع يضم أوله ويفتح ما قبل آخره .

كنت اقول لنفسي: لماذا يتعبون نفسهم في قول هذا؟ لماذا لا يقولون "الفعل مثل أكل يحوّل إلى أُكِل، ومثل يضرب يصير يُضرَب"، وانتهى الأمر.

نعود لفكرة التصوير الفني، في القرآن او في غيره. ما هي؟ لن اقدم تعريفاً علمياً دقيقاً، لكن التصوير بشكل عام يتعامل مع الحواس لا فقط العقل. مثلاً من كتاب سيد قطب: "...واشتعل الرأس شيباً". إن الجمال هنا ليس فقط في اساليب البلاغة التقليدية، ولكن لأنه يجعل القاريء يتخيل شيء مثل animation sequence مثل رأس اسود الشعر فجأة ...ششششش... اشتعل شيباً!

نفس الموقف في "وفجرنا الأرض عيوناً"..تشعر فعلاً بانفجار فجأة وخروج الماء من كل جانب كأنك تراه - درووووم - بالمؤثرات الصوتية. وهنا نجد شيئاً مهماً: لقد ابتعدنا عن التجريد، ودخلنا في الصور الحقيقية المجسدة.

لقد اكتشفت منذ مدة - انا المبرمج الذي يحب التجريد، أن التجريد وسيلة جيدة للتعبير الدقيق المحكم لكن ليس التعبير سهل الفهم والتصور. وقد تحدثت في مقالات سابقة للمدونة عن هذا. كتبت مثلاً مقالاً قصيراً اسمه "عن الكتابة" ملخصه هو العبارة الشهيرة "show, don't tell"..
يقول الروائيون: لا تقل "وغضب احمد غضباً شديداً"، بل قل "حين سمع احمد الخبر، القى القلم بعنف نحو الجدار".

وكتبت في مقال نقد فيديو "انكسار الضوء" لتحرير اكاديمي أن هناك دور للفيديوهات التعليمية؛ أن تفهم العين مع الدماغ. نحن نقرأ عن الموجات والجاذبية والتفاضل، لكننا في الأغلب لا نراها. وكتبت في مقال اسمه "فلتكن اشياء حقيقية" كيف ان المجتمع ينسى اسباب السعادة الحقيقية ويجري وراء الاسباب الرمزية..الموضوع مؤثر فيّ جداً كما ترون.

يتحدث الكاتب الشهير جورج اورويل (مؤلف 1984) عن دور اللغة في تأييد الطغيان السياسي، وأنه كلما زادت اللغة جموداً وبعداً عن المعاني الثرية المتنوعة كان اسهل السيطرة على عقول الناس. ونحن نرى هذا بالفعل (مثلا) في المصطلحات العسكرية الامريكية الحديثة. إن مصطلح مثل AWOL يعني اختفاء مفاجيء للجندي بلا سبب معروف. لكن هذا الاختصار متجرد من كل صورة يمكن ان يتخيلها المستمع: انه لا يرسم لك الجندي التائه ولا يعطيك فرصة ان تعتبره بشراً.

يقول اورويل ان الكلمات احيانا تسيطر هي على المعنى فتجعل الكاتب يغير مقصده، لأنه يريد استخدام كلمة معينة فيطوع المعنى للكلمة وليس العكس. ما الحل في رأيه؟ يقول:
Probably it is better to put off using words as long as possible and get one's meaning as clear as one can through pictures and sensations. Afterward one can choose -- not simply accept -- the phrases that will best cover the meaning, and then switch round and decide what impressions one's words are likely to make on another person.

إنه يتحدث مرة اخرى عن الصور والاحاسيس..فهل ينفذ شخصياً كلامه؟ انظر لهذه الجملة على لسان احد الشخصيات في قصة 1984: "إن أردت رؤيةً للمستقبل، تخيل حذاءاً ثقيلاً يدوس على وجه بشريٍ للأبد".

بالمناسبة، علم Computer science على ما يبدو من انه علم مطلق فإنه في الواقع مليء بالتشبيهات والتصويرات، وهو نقطة اخرى تضاف إلى الاساب التي تجعلني فخوراً بانضمامي لهذا العلم من قريب او بعيد..انظر إلى الصور الخلابة:
  • الخطأ البرمجي اسمه bug كالحشرة.
  • دائرة نقل البيانات اسمها Bus كالأتوبيس.
  • هياكل البيانات اسماؤها مشتقة من صور طبيعية: الشجرة، الطابور، الكومة، الرزمة، tree/queue/heap/stack.
وإني لسعيد بهذا الجانب من تخصصي :)

لماذا احكي لك عزيزي القاريء كل هذه الامثلة والتحليلات (اقصد لاسباب غير انه موضوع جميل احب التحدث فيه)؟ لسبب بسيط جداً: لأنك إن أردت أن تكون رجل نهضة أو امرأة نهضة، أو أردت أن تساعدني في مشاريعي، فإن التصوير والهروب من التجريد سيكونان اصدقاء لك في الرحلة.


هل تريد ان تطور التعليم؟ انظر للمعادلة الاحصائية في أول المقال وفكر: كيف يمكن شرحها بطريقة جديدة..فكر في آلة حاسبة تأخذ بعض البيانات وتحسب الانحراف المعياري بطريقة مرئية، ثم هناك بعض الازرار لتغيير شكل البيانات..مثلا ماذا يحدث لو غيرت المتوسط (المرموز له بحرف x فوقه خط) كيف سيتأثر الرسم؟ ماذا لو لم يكن التعبير بين الأقواس مرفوعاً للاس 2؟ لماذا اخذت الجذر الربيعي في النهاية وقسمت على N-1؟

نحن نردد دائماً شعار ان العلم ليس فقط حفظ ولكن لابد ان يعرف الطلبة الفائدة مما يتعلمون ومن أين جاء...الخ. هذا يأخذ صور كثيرة. في حالة الانحراف المعياري مثلاً يمكن ان نتحدث عن تطبيقاته العملية، واثبات القانون، لكن نحتاج أيضاً إلى حس بشري بديهي عن لماذا يأخذ القانون صورته التي يأخذها ولماذا عرّفناه هكذا. ربما يوجد هذا الحس عند شخص احصائي استخدم القانون سنين طويلة في عمله، لكنه ليس عند الطالب المبتديء. هل هناك طريقة لنقل ذلك الحس كما ننقل التمثيل الرياضي؟ لابد هنا ان ننظر في علوم كثيرة مثل اللغة والتصوير والتبصير visualization وتأثير الحواس في المعنى. وأن نعترف أن التجريد ليس كل شيء. انظر إلى مشاريع Kill Math لتر بعض الافكار في قتل التجريد، وهو المصدر الذي أخذت منه فكرة القوانين الرياضية وتجسيدها :)

(لمزيد من الامثلة الشيقة، انظر Visual proofs أو Proof without words)

أو مثلاً عند تعليم الاطفال البرمجة، أنا لا اريد تعليمهم المباديء البسيطة فحسب بل المباديء المتقدمة (تمهيدا للتفكير الحوسبي وكل هذا الكلام). فكر في مبدأ صعب مثل covariance. في لغة Scala - وهي لغة عبقرية - يمكن التعبير عن الcovariance هكذا:
class List[+T]...

وهي كما نرى طريقة دقيقة ومختصرة (كثيفة المعلومات) لكن شرحها لمبتديء ليس سهلا بدون حكاية طويلة عن الcovariance.

لم اضف هذه المزية - اقصد covariance - للغة كلمات بعد، لكن لو اضفتها ستكون غالبا هكذا:
فصيلة قائمة من ت:
قائمة من تفاحة هي قائمة من فاكهة
....باقي التعريفات
نهاية

اعتقد ان كثير منا قد عرف معنى الconvariance الآن :)

قد يعترض قاريء ويقول ان الاسلوب ليس عاماً بما يكفي، وليس مجرداً بما يكفي..أي لغة برمجة تلك التي تعتبر - في سياق معين - ان "تفاحة" و"فاكهة" هي كلمات مفتاحية يفهمها الcompiler؟ اقول: وما المانع؟

وانه يمكن ان نذهب ابعد بكثير، ويكون في المستقبل مجال جديد من "البرمجة الحسية" بأن تكتب البرنامج كخليط من الكود والرسومات التوضيحية والامثلة. أو ان تأخذ مكونات برمجية مرئية تستخدمها..هل تعرف لعبة age of empires؟ تخيل لغة برمجة مثل هذا لكن بدلا من الفلاحين والفرسان هناك مكونات فرز بيانات ورسم بيانات وتخزين بيانات، وانت تعطيها الاوامر كما تعطي الاوامر لجنودك: انت أيها العامل تنقل البيانات إلى "الطاحونة" التي تستخرج منها الجزء المطلوب، بينما أنت ترسمها، ...الخ. ربما يعطي هذا للمجتمع نوع من "الديموقراطية الحوسبية" بحيث يمكن لفئة كبيرة جداً من المجتمع أن تبرمج.

أيضاً مشاريع النهضة تحتاج إلى ان يفهمها المجتمع. وقد كتبت كثيييراً عن التفكير الحوسبي ومازال القليل هو الذي يفهمه، إلى أن قيل لي: تحدث عن آثاره الحقيقية على المجتمع.

اوه! كأنني كنت نائم وافقت! انا اقول للناس كلها "اظهر ولا تخبر"، ثم اجد نفسي اخبر الناس عن التفكير الحوسبي ولا اظهره لهم؟ لأ عيب يا محمد :)

لهذا تراني بعد هذا الاكتشاف كتبت مقالا آخر فيه اخذ كل المواد الدراسية المصرية واحوسبها. هكذا يرى القاريء اثراً حقيقياً للتفكير الحوسبي على التعليم، وإن شاء الله بعد ذلك يمكن كتابة مقالات اخرى عن دور التفكير الحوسبي في تحديث الصناعة يتناول ليس فقط النظريات بل السيارات والاسمنت والشيبسي...أشياء حقيقية!

وبعد، أرجو أن أكون قد أضفت سلاحاً فكرياً جديداً لك عزيزي القاريء. اتمنى لك التوفيق في رحلة النهضة!

الخميس، 22 مارس 2012

برنامجي الانتخابي (2): السياسة التعليمية

(هذا هو الجزء الثاني من سلسلة "ماذا لو كتبت برنامجاً انتخابياً؟"، الجزء الأول هنا عن الاقتصاد)

إن أي برنامج رئاسي حدث في الوطن العربي قد فشل في نقطة اساسية: مازلنا متأخرين علمياً كثيييراً عن الغرب. لا يكفي هنا ان نقلدهم في مدارسهم...الخ، بل يجب البحث عن طرق تغيير جذري لقلب الازمة التي نمر بها حالياً. إن عوائق النهضة العلمية في مصر لكثيرة:
  • عدد الطلبة المهول ونقص الكفاءة في المدرسين.
  • غياب العلم كقيمة في المجتمع نفسه. التعلم من اجل الامتحان.
  • طرق التعليم القديمة والتي نعرفها جميعاً ونعرف عيوبها.

هيا نحل مشكلة "العدد"

ما السبيل إلى تغيير هذا الشكل؟ بالنسبة لموضوع "عدد الطلبة المهول ونقص كفاءة المدرسين" نحتاج إلى تدريب اكبر عدد ممكن من المدرسين الأكفاء بطريقة repeatable بحيث يمكن تطبيقها في أي محافظة بقواعد معروفة. أيضاً نحتاج إلى البحث في وسائل حديثة لخفض تكلفة بناء المدارس بحيث نبني الف مدرسة بالميزانية التي يعتاد ان يبنى بها مائة.

يمكننا هنا ان نقوم بالخطوات الآتية:
  • إنشاء برنامج الخبرة التعليمية المتراكمة، وهو برنامج يقوم دورياً برصد افضل المدارس نتائجاً في مصر (وخارجها) وتسجيل خبرتها بصورة يمكن تكرارها في المدارس الاخرى. بعد عدة لفات iterations من هذا البرنامج قد نكون كونا شيئاً مثل "دليل الدولة والافراد لفتح المدارس النموذجية" يراجع ويحدث باستمرار.
  • إنشاء برنامج الخبرة التعليمية المبثوثة، وهو يبحث - مرة اخرى - عن افضل المدارس في مصر ويرسل معلميها، بعد بلوغهم مرحلة معينة من الخبرة والمنصب، في رحلة انتشار عبر المدارس الاخرى في وظائف استشارية او ادارية لينقلوا لها خبرتهم. العكس صحيح: يمكن ارسال صغار المعلمين من المدارس العادية في برنامج تدريب mentoring لستشربوا ثقافة التعليم المتطور المضبوط من تلك المدارس.
  • الدراسة الجدية لتخفيض تكلفة انشاء المدارس وصيانتها باستخدام وسائل تكنولوجية ورقابية واجتماعية. هل تعلم ان المدرسة الاجنبية التي تعلمت انا فيها لم تكن تسلمنا الكتب لنملكها؟ كنا نعيدها كما هي للمدرسة في آخر الترم ومن اتلف الكتاب يدفع ثمنه. تكلفة اقل = مدارس اكثر.
  • رفع قيود حقوق النسخ copyright عن الكتب المدرسية بحيث يمكن تصويرها بطريقة قانونية في اي ماكينة تصوير او ان تطبعها أي دار نشر طباعة جيدة وتبيعها.
هيا نحل مشكلة المعلم

أما إعداد المعلم فله جانب اقتصادي وجانب فكري. مشكلة وظيفة المعلم انها ليست scalable اقصد ان وظيفة مثل البرمجة او التجارة مثلاً يمكن مضاعفة الربح بدون الحاجة لمضاعفة الجهد (اشتر بضاعة اكثر، اطبع نسخ اكثر من الCD) بينما وظيفة كالمعلم لا يمكن للمعلم الواحد مضاعفة المنتج (عدد التلاميذ الناجحين) بدون مضاعفة الجهد والوقت المبذول. يؤدي هذا إلى هروب العباقرة المبدعين من تلك الوظيفة إلى وظائف مرموقة اجتماعياً كالطب او وظائف اكثر ربحية كالبرمجة، وما احوجنا لهؤلاء العباقرة كمعلمين!

في تلك الحالة إما ان تتدخل الدولة برفع رواتب المعلمين، وإما استحداث وسيلة لجعل التعليم scalable (كمحاولات مثل خان اكاديمي) وإما بوضع نموذج اقتصادي يمكن فيه للمعلم التربح من مهنته في السوق الحر (تخيل شيء مثل الدروس الخصوصية لكن بدافع علمي حقيقي لا تجارة بحتة). اعتقد ان النقاط الثلاثة تستحق ان تبحث:
  • يمكن ان نبدأ برفع رواتب المعلمين لتضاهي قيمتهم في السوق لو اخذوا وظائف اخرى.
  • يمكن ايضا وضع آليات لكي يقدم من يريد من اهل الخبرة في التدريس. ربما برنامج "مدارس اهلية" أو "مدارس عملية" يقوم فيه اطباء بتدريس الاحياء، مهندسون بتدريس الرياضيات..الخ كتطوع او وسيلة لزيادة الدخل. بهذا لا يحرم نفسه من سوق العمل وفي نفس الوقت لا يخسر المجتمع خبرته التعليمية. يحتاج الامر مزيد من الدراسة لضبط هذه الفكرة...
  • البحث في الوسائل التكنولوجية للتوسع الرأسي في انتاج المعلم مثل التعليم الالكتروني، التعليم عن بعد...
  • وأخيراً يكون هناك مكونات "تعليم تكميلي" تقدم تعليماً لكن ليس بالضرورة بشهادات، مثل إعادة تجربة حلقات العلم في الدولة الاسلامية لكن ليس في العلوم الدينية فقط، او تقديم وسائل للتعليم في المنزل للاهالي الذين يريدون الاستزادة في العلم لأبنائهم.
تغيير راديكالي

لابد من النظر في نظريات التعليم الجديدة. سأقولها هنا اختصاراً لأن هذا مقال اجتماعي لا علمي:
  • نظريات Piaget في فهم مراحل نمو الطفل الفكري وبناء مناهج تتماشى معها.
  • نظريات الـconstructionist learning والتعليم بالممارسة (هذا تبسيط للنظرية لكن سأستخدم هذا التعبير اختصاراً) بأن يتعلم الطفل الفيزياء مثلاً بكتابة العاب على الكمبيوتر.
  • دراسة وبحث تطبيق كل النظريات الخارجة من اماكن "اعادة اختراع التعليم" المحترمة مثل MIT Lifelong Kintergarden.
  • كنت اريد أن اقول "تعليم الاطفال البرمجة" لكن لو قلتها سيهمل الناس كل النقاط الاخرى ولا يركزوا سوى في هذا الجانب لأني مشهور باهتمامي بذلك الموضوع. (ربما من اجل هذا يتفادى احد المرشحين المعروفين تسميته بالمرشح الاسلامي رغم فكره الاسلامي المعروف).
بالطبع لا احب التقليد الاعمى ولا المشي وراء الموضة: لابد من دراسة كل من هذه النظريات على يد افضل الخبراء المصريين، واتخاذ قرار لكل منها بالتطبيق الفعلي او الرفض او التطبيق مع الموائمة لمجتمعنا.

لو لم تملّ بعد من خطط تطوير التعليم يمكنك ان تنظر إلى ما اريد ان اقول عن مدارس المستقبل، الاجهزة الالكترونية في التعليم، او الجزء الاخير من هذا المقال عن العلم المستشري.

يتبقى جزء "العلاقات الخارجية" والجزء الثوري عن التعامل مع النظام القديم، لكني تعبت واريد ان انام. ربما حين اصحو اكمل الأجزاء القادمة :]

برنامجي الانتخابي

لا تخف عزيزي القاريء، لست انوي الترشح - مازالت البلد بأمان لا تقلق - لكن هذا المقال أريد منه هدفين:
  1. كيف اتخيل شكل البرنامج الانتخابي الجيد؟ لا اقول "محتواه" لكن اقول "شكله". كيف احكم انا شخصيا ان هذا البرنامج يستحق بالفعل وصف كبرنامج رئاسي سواء أعجبني ام لا؟
  2. وجدتها أيضاً فرصة لوصف رأيي في قضايا مختلفة.
ملاحظة: انا لست خبيراً في أي من المجالات التي سأتحدث عنها، ولا في وضع البرامج الانتخابية. كل ما هو مكتوب في هذا المقال هو آراااااء.

اجمال قبل التفصيل

لا احب أن اختصر الرأي في "الإيات" على غرار ثورية، رأسمالية، قومية..لكن هذا هو اول شيء ينظر له الناس. لذلك - بعد التحذير ان التفاصيل اهم من المصطلحات، وان المصطلحات لها معاني كثيرة مختلفة عند الناس، وانه ارجو ان تقرأ باقي البوست لا أن تقف هنا :]، اقول مواقفي في "إيات":
  1. دولة اسلامية حديثة.
  2. اقتصاد سوق حر لكن باهتمام كبير بالتكافل الاجتماعي وتفادي اخطاء الرأسمالية المتطرفة.
  3. صناعة تضاهي الغرب.
  4. سياسة تطوير تعليمي وبحثي راديكالي، أي تغيير نظام التعليم ومستواه تغييراً جذرياً يوازي ما يحدث بالغرب أو يفوقه.
  5. السياسة الخارجية تشبه سياسة تركيا: علاقات طيبة بكل الدول تقريبا مع مواقف حاسمة عند الضرورة. انفتاح بالذات على الدول العربية وفتح ابواب تعاون في كل شيء. علاقات طيبة بالغرب.
  6. آن الأوان ترحلي يا دولة العواجيز.
سأتفادى جانب "الدولة الاسلامية الحديثة" لأني لم ادرسه كثيراً (تذكر، انا لست مرشحاً حقيقياً هاها) وانتقل لتفصيل الجوانب الأخرى...

اقتصاد حر بضوابط

بشكل عام سيبدو النظام أنه رأسمالي، لكن ستكون الدولة واقفة أمام الاحتكاريين ودولة رجال الاعمال على طريقة الحزب الوطني (أو على طريقة امريكا حاليا، وهي النموذج الذي ارادوا تقليده). من هذه الامثلة:
- رعاية صحية مجانية، تعليم مجاني، لكن بدون "قوى عاملة".
- سيظل الدعم للسلع الاساسية (الارز، الدقيق، البنزين).

في نفس الوقت لابد من بذل جهد كبير من اجل حراك اجتماعي حقيقي، بمعنى أن الدعم...الخ يتم اعتباره "سنادات" مؤقتة لتحويل الفقراء إلى طبقة وسطى أو غنية، وعدم اعتباره معاشا يأخذونه ويظلون كما هم للابد. لابد من برامج:
  • رفع الاستقلالية المهنية، أي وجود مصادر جديدة ومتنوعة للدخل غير العمل الحكومي أو وظائف القطاع الخاص، مثل الشركات متناهية الصغر (كل شركة موظف او اثنين) في المجالات التي تنفع مثل البرمجة، وسائل تحقيق الدخل الذاتية passive income، استخدام التكنولوجيا في العمل الحر (مثل بيع المنتجات المنزلية الكترونياً)، ...الخ.
  • مشاريع لمساعدة من تلقوا مجانية التعليم على تلقي اقصى استفادة مما تعلموه، عن طريق قواعد بيانات للخريجين واصحاب العمل (الفكرة سرقتها اليوم من مؤتمر حيّ)، عقد ندوات مستمرة في كل مدرسة عن سوق العمل كما يحدث في امريكا، الخ.
  • خبراء اجتماعيين يقدمون استشارات للذين يعانون من البطالة لكي يعينوهم أن يعودوا واقفين على اقدامهم ومتابعة حالاتهم دورياً. مع المعونة المادية عند الضرورة خاصة لمن يعول.
  • انشاء مؤسسات تنقيب فكري think tanks للإتيان بطرق لتصدير الخبرة عالمياً مثلما حدث في الهند في مشروع الـsoftware outsourcing.
  • انشاء برنامج يسمى "لم يفت الوقت" لتعليم من فاتهم التعليم المدرسي أو الجامعي ويريدون جدياً إعادة تأهيل انفسهم. ويكون البرنامج معد لكي يمكنهم الجمع بين عملهم الحالي والتعليم.
  • معظم هذه الافكار تكون مثلاً 25% مشاريع حكومية والباقي من جمعيات اهلية تنشأ بنفسها او تنشئها الدولة في اول ثلاث سنوات مثلا وتتركها لكفاءات تديرها بعد ذلك.
في هذه الحالة فإن الدولة تقوم بدور لا هو بالرأسمالي المطلق، ولا هو بدور "الأب الذي يطعم المواطن بيده". انها تثق في ان المواطن هو شخص ناضج قادر على الإنتاج لكنها في نفس الوقت تعلم انه هناك وسائل انتاج يحتاجها أي مواطن ليبدأ العمل؛ وأنه من غير العدل ان نتوقع للمواطن ان يرفع من مستواه المادي بنفسه بينما هو لا يجد قوته او علاجه او ما يتعلم به ليعمل ويجتهد.

اقتصاد انتاجي

مشكلة الاقتصاد الحالي اننا لسنا بنفس المستوى الانتاجي مثل الدول الاخرى. لابد للنظر لجزئين: التكنولوجيا، والقدرة الانتاجية.
التكنولوجيا: هل نقدر على انتاج طائرة؟
القدرة الانتاجية: لو اردنا انتاج الف طائرة في الشهر مثلا، هل سنقدر؟

لحل المشكلتين لابد من وجود عوامل كثيرة:
  1. المعرفة بالوسائل الانتاجية know how
  2. الخبرة في ادارة مصانع، تعيين عمال، ...الخ
  3. قيم اجتماعية مثل اتقان العمل والاهتمام بالتفاصيل وحب المغامرة
  4. سوق للتصرف في المنتجات
  5. قوانين منافسة شريفة، حفاظ على البيئة، حقوق العاملين،...الخ
  6. رأس مال مهول (صناعات مثل الطائرات، رقائق الكمبيوتر،...الخ لا يدخلها إلا ذوي المليارات)
الصين قد قامت بحل هذه المشكلة بالاستثمارات الاجنبية ودعوة الدول الاخرى لبناء مصانع لديها بمغريات العمالة الرخيصة...الخ. قد ينفع هذا في بعض المجالات لكن لا اشعر انه يمكن تطبيقها عموماً. فلنر ما يمكن عمله إذاً..

رأس المال والسوق يسيران جنباً إلى جنب، في وجود السوق يأتي المستثمرون - داخليا وخارجيا - على امل الاستفادة من هذا السوق والتربح منه. إذاً علينا ان ننظر للاسواق التي يمكن غزوها. هناك انواع من ذلك...
  • انشاء اسواق جديدة مثلما تفعل الآن شركات الطاقة الشمسية او الشركات التي تنتج SmartPhone.
  • البحث عن اسواق موجودة قابلة للاختراق.
  • التحالف لصنع منتجات لغيرنا يبيعونها في اسواق يسيطرون عليها - الاسلوب الصيني.

اما انشاء الاسواق الجديدة فيعتمد على الإبداع والإرادة، أي على الافراد اكثر من المؤسسات. في تلك الحالة يمكن اتباع النموذج الاسرائيلي: الكثرة والتنوع تغلب الحجم. صدق او لا تصدق، كانت الحكومة المصرية مهتمة جداً بدعم انشاء شركات التكنولوجياً منذ 2005 او ما يسبقها؛ المشكلة انهم كانوا كل عام يدعمون عدد قليل من الشركات بمبالغ كبيرة. سوف نفعل نحن العكس: كل عام ادعم مائة شركة او اكثر دعما ماليا قليلاً (مائة الف جنيه او اقل) لكن احرص حرصاً شديداً على اختيار العباقرة ذوي الإرادة الحديدية.

أشعر ان اغلب المؤسسات المصرية لدعم الشركات تسير وراء الموضة: هذا العام cloud computing، العام السابق mobile applications -- كلا! هذه المرة سوف يكون الاختيار علميا جداً؛ لابد اولا من اختيار من سيختارون الشركات، إما أن يكونوا قد اسسوا بانفسهم شركات ناجحة، أو أن يكونوا انجزوا ابحاثا عن انشاء الشركات منشورة في مؤتمرات عالمية..لن نفرط مرة اخرى في مال الدولة المخصص لدعم المشاريع.

هذا عن انشاء اسواق جديدة؛ ماذا عن اختراق اسواق موجودة؟ يمكن للدولة إنشاء وحدة "هجومية" تدرس عاماً بعد عام: أي سوق علينا الدور أن ندخله؟ هناك في التسويق مبدأ اسمه barriers to entry أو عوائق دخول السوق. مثلاً لو أردت صنع سيارة جديدة وتسويقها، ماذا سيحول دون شراء المصريين مثلاً لها؟ لابد من إزالة العوائق واحداً واحداً، واختيار الاسواق بطريقة متدرجة (مثلا الصناعات التكميلية ، ثم قطع الغيار، ثم سيارات العمل كالأتوبيسات والنقل، ثم السيارات الشخصية).

ثم لابد من التبادل التجاري مع طوب الارض: السوق الداخلية، الدول العربية، العالم الاسلامي، كله. لقد كان العرب في الدولة الاسلامية عباقرة في التجارة، والامبراطورية البريطانية بنيت على التجارة (احتلت الهند لاجل الشاي، مصر لأجل القطن...). لابد من بيع الثلج اللاسكيمو والدفايات للسعودية كما يقال. لابد من ازالة كل الحواجز التي تعوق ذلك التبادل. ربما يمكن عمل بعض الاشياء...

  • إنشاء وحدة للثقافة التجارية الدولية، تدرس العادات الشرائية للدول الاخرى، عوامل تفضيل افرادها لمنتج على الآخر، حتى الاسماء الجذابة للمنتجات في لغاتهم، وتنشر هذه المعلومات للمنتجين المصريين.
  • انشاء هيئة لدراسة جانب النقل الدولي: دراسة إن كانت الدولة تحتاج مثلاً خط نقل بري او جوي لدولة ما لأن التبادل التجاري معها كثيف. ينطبق هذا الامر بالذات على الدول العربية والافريقية بالطبع.

يبقى فكرة المعرفة بالتكنولوجيا know how، الخبرة الانتاجية (وهي غير المعرفة)، القوانين، والقيم الخاصة باتقان العمل. المشكلة ان المقال صار الآن اطول مما ينبغي فسأتحدث فيها باختصار شديد...

- لابد من اجتذاب كل مصري قام بجمع خبرة حقيقية من العمل بالخارج في شركات مثل انتل، مايركوسوفت، سواء خبرة ادارية او تكنولوجية ونشر خبرته في كل مكان.

- يمكن عمل مصانع محتضنة، أي تنشئها الدولة وتديرها لبضع سنين ثم تبيعها للقطاع الخاص في برامج نقل ملكية. هذا يحل مشكلة "المصنع يحتاج بضع سنين لكسب الخبرة والتجارب دون الخوف من الربح والخسارة". لو كان هذا غير عملي (بسبب الخوف من الفساد او عودة القطاع العام) فقد يمكن دعم الدولة للمستثمرين الطموحين الذين يريدون انشاء سيارة مثلا لكن يخشون الخسارة المادية.

- عمل مؤسسات لدعم الصناعة المفتوحة الموازية: فكرة وضع تصميمات هندسية والكترونية في صورة open source ووسائل انتاج رخيصة تتيح للافراد والمجموعات الصغيرة دخول عالم الصناعة. إذا كان عدد كبير من الهواة فتح الباب لنظام مثل لينكس ظنناه لا يأتي إلا من شركة عملاقة، فلِمَ لا نجرب ان نتركهم يصنعوا منتجات حقيقية بدون الخوف من الخسارة المهولة التي تأتي من انشاء مصنع كبير؟

- القوانين والقيم الاجتماعية امرها معروف بطرق الاصلاح والتطوير القانون الاجتماعي المعتادة.


(سأكتب الاجزاء الخاصة باصلاح التعليم، السياسة الخارجية، التعامل مع النظام القديم في مقالات اخرى أولهم ما يلي:

الجزء الثاني - اصلاح التعليم.

الأربعاء، 21 مارس 2012

تطبيق التفكير الحوسبي عملياً: المجال التعليمي

كان المقال السابق امثلة عن تطبيق الفكرة في مجالات متنوعة، لكن هذا المقال الجديد عن تطبيقه في التعليم، ولتكن نظرة اكثر تعمقاً وتفصيلاً في هذا المجال بالذات.

هذه الرسالة التي اكتبها الآن موجهة لقاريء مثلي في المجال التكنولوجي/البرمجي، بهدف تنسيق الافكار على امل صياغتها بعد ذلك لجمهور اكثر تنوعاً في خلفياته. أخيراً هذه المناقشة تجمع بين المدى القريب والبعيد بهدف ان تكون رؤية لنهاية الطريق ووسط الطريق معاً..

التعليم قبل الجامعي

تهدف الفكرة لتغيير الخارطة التعليمية بحيث تكون علوم الحاسب - وليس بالضرورة البرمجة - جزءاً من المنهج الرياضي في الاعدادي والثانوي مثلها مثل اخواتها مباديء الرياضيات الحديثة الأخرى (المجموعات، الإحصاء...). هناك ابحاث حاليا تجري في تقريب علوم الحاسب للاطفال لهذا السبب يقوم بها اطراف من MIT، CS Unplugged، وغيرهم.

إذا تم وضع ذلك الاساس يمكن تطوير المناهج ذاتها لتكون مثل البناء الموضوع على اساس رياضي قوي. مثل ذلك:

- تحويل البراهين الهندسية إلى عملية state space search أو مثل ذلك من التقنيات الموجودة في الذكاء الاصطناعي.

- تحويل تعلم اللغات العربية/الانجليزية/...الخ إلى شيء مبني على فكرة syntax, semantics من اللغويات الحوسبية.

- استخدام افكار simulation في شرح الفيزياء.

- استخدام افكار من الdebugging لاضافة اجزاء للمناهج على غرار "كيف اعرف ان عملي ليس خطأ"، مثل التأكد من نتائج تجربة العلوم او انني لم انس شيئا في حل مسألة الجبر...الخ

- يمكن استخدام هياكل البيانات مثل lists, graphs, trees في تدريس كل العلوم تقريبا، بل أيضا كوسائل للمذاكرة وتجميع الافكار. مثلاً: الاسناد في علم الحديث في صورة Graph، او تجارب التعرف على المواد الكيماوية في صورة decision tree.

- تصنيف فصائل الكائنات الحية في شجرة تشبه class hierarchy المستخدمة في البرمجة الشيئية OOP.

- استخدام البرمجة كوسيلة للتعبير الفني، بحيث يكون هناك حصص رسم ثلاثي الابعاد او رسم متحرك مثلا مع حصص الرسم العادية.

- هناك ايضا وسائل حوسبية في المواد الادبية مثل التاريخ..علم الاجتماع، الخ. لا يزال البحث فيها جارياً.

التعليم الجامعي

يعتمد الموضوع هنا على كل كلية ونشاطها. كلية التجارة مثلاً كثير من شغلها هو في حقيقته algorithms، فأعتقد انها قد تكون من اوائل الكليات المستفيدة من المشروع. يمكن في البداية وضع مادة بالسنة الأولى او الثانية مقدمة data structures & algorithms تقدم بحنكة وإتقان بالاتفاق مع اساتذة متفتحين، ثم بناء مواد اخرى عليها تدريجيا حتى تصبح المناهج كلها حوسبية.

بالنسبة للكليات مثل طب، علوم، ...الخ اعتقد ان الموضوع قد يبدأ من الابحاث لا التدريس، بمد يد التعاون مع طلبة الماجستير والدكتوراة المبدعين ودعوتهم إلى مركز التفكير الحوسبي المخطط فتحه، بحيث يمكننا ان نقدم لهم عروضا وكتبا وندوات عن الابحاث في مجال الbioinformatics أو computational medicine ، وهي مجالات عالمية بدأت تظهر بالفعل، ونقدم لهم الدعم الفكري والعلمي ليدخلوا في هذا المجال..بحيث ينشأ جيل من اساتذة الطب والعلوم متمكن من الجمع بين علوم الحاسب ومجالهم الاصلي، ويكونوا بإذن الله بذرة ويد محركة لتطوير مناهج كلياتهم لتصبح فكرحوسبية.

كليات اخرى مثل هندسة هي قريبة اصلاً من المجال الحوسبي، وقد نجد فيها مواهب ترحب بالفعل بالتعاون معنا او الانضمام إلينا.

ماذا عن الكليات النظرية مثل اداب، لغة،...سياسة واقتصاد..الخ؟ سيحتاج الامر بعض الجهد الاعلامي لأننا نريد علماء فيها يكونون مزيجا من الفكر الرياضي ومجالهم الاصلي، لكن مع الوقت قد يتغير الامر. يعتمد الموضوع هنا ايضا على فكرة التواصل مع كل الفئات outreach بحيث يكون الفكر الحوسبي آخذ في الانتشار في المجتمع نفسه، والاطفال يتعلمون البرمجة أيا كانت كليتهم علمية او ادبية...الخ.

ارجو ان تكون الفقرات السابقة قد ساهمت أن تكون نتائج التفكير الحوسبي اقرب للواقع وابعد عن الافكار العلمية المجردة.

الأربعاء، 11 يناير 2012

خطط النهضة: جدول المحتويات

هذه الصفحة تجميع يحدث باستمرار لمقالات النهضة دون غيرها، لمن يريد ان يقرأها او ينشرها

خطة النهضة الأساسية

الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع

التفكير الحوسبي

التفكير الحوسبي: مفتاح لنهضة علمية عربية
التفكير الحوسبي، كيف سيغير العلم؟
A key for advancing science and technology: computational thinking
البرمجة والتفكير وفرصة للتفوق العلمي
يوم في حياة أطفال مبرمجين
يوم في حياة أعضاء بمركز التفكير الحوسبي

تطبيق التفكير الحوسبي عمليا (بوجه عام، المجال التعليمي)

تطوير التعليم

أفكار عن صنع مدارس المستقبل
كنا نفعل أشياء!
الاجهزة الالكترونية المبرمجة وتطوير التعليم
مجانية التعليم: انا معها

الأطفال والبرمجة

علّموا الأطفال البرمجة
لغة برمجة عربية تعليمية: بعض الاعتراضات والرد عليها
بيئة حية متكاملة

اختراعات وافكار ومشاريع

مركز التفكير الحوسبي
كلمات، لغة البرمجة العربية الجميلة
جهاز أوراق: عربي، قلمي، ذكي

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

خطة للنهضة (4): أنا والنهضة

المحتويات: [الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث، الجزء الرابع هذا المقال]


قلت في المقالات السابقة أنني أريد خطة موزعة يقوم بها المجتمع كله، وليس خطة مركزية ذات قائد وجدول زمني...الخ

لكن هناك بعض الأنشطة أسعى لأن أقوم بها بنفسي (هذا لا يمنع الآخرين من القيام بها أيضاً...ربما يتجهون اتجاهات لم تخطر على بالي، أو ننجح نحن الاثنين!). لا أريد أن اسمي نفسي "مفكراً" واجلس على لوحة المفاتيح أكتب. أريد أن اكون شخص ذو فعل يشارك في النهضة بيديه.

ثم أن أفضل طريقة لإقناع الناس بأفكار "الضربات الجراحية"، "العلم المستشري"،...الخ هي أن يرى الناس نماذج تتحقق أمامهم. بكل تأكيد لن اكون أول من يقدم هذه النماذج! فقد بدأت النهضة بالفعل على يد كثيرين شباباً وكباراً كانوا سباقين، بل حتى بعض الأفكار المقترحة على المدونة وجدت من قد حققها بالفعل، لكن على الأقل لعلي أقدم أمثلة تضاف لما فعله هؤلاء.

حسناً، ماذا أريد أن افعل إذاً؟

اول اهتماماتي حاليا هو نقطة التفكير الحوسبي، وقد اتعبتكم بالحديث عنها بالفعل فلن أقول المزيد. لو لم تسمع عنها انظر من فضلك للروابط في العمود الأيسر في بداية هذه الصفحة :)

ثاني اهتاماتي، وإن كان للمدى الطويل، هو جهاز أوراق اللوحي: عربيّ، قلميّ، ذكيّ.

تخيل الـiPad لو كان بقلم ويتعرف على خطك وكتاباتك ورسوماتك. تستطيع أن ترسم شخصيات وتحركها بالكمبيوتر، أو ترسم شكلا هندسيا وتقيس مساحته، أو دائرة كهربائية يحللها الكمبيوتر لك، أو صحفي يدون الملحوظات بخط يده ثم يعود للمكتب ويحولها لنص الكتروني. أو مجلس علم في مسجد، والمعلم والتلاميذ كل منهم معه جهاز اوراق وقلم، وكل منهم ممسك بجهازه يتناقشون ويرسمون ويدونون في حوار بشري/رقمي.

بالنسبة لي أوراق ليس مجرد جهاز كمبيوتر: إنه تجربة اجتماعية. أداة للتعبير عن الأفكار وغرس ثقافة الإبداع. الم يكن اختراع المطبعة أحد عوامل النهضة الأوروبية؟ أتمنى أن يكون أوراق مطبعة القرن الواحد والعشرين.

هناك أشياء صغيرة أيضاً أسعى لعملها حالياً إن شاء الله: مثلاً احاول تقديم مجلس علم أو أكثر (فيزياء، حوسبة..) في المساجد وتصويرها فيديو ونشرها على الإنترنت لعل هذا يوحي لذوي العلم بتقليد الفكرة. غرس بذور إن استطعت.

أفكر أيضاً في شيء على غرار "ويكي نهضة"، موقع يتبادل فيه الناس افكار الضربات الجراحية على محاور الخطة الثلاثة ويخططون للعمل ويتناقشون في حوار مفتوح. لكن غالباً ليس لي خبرة في تنظيم التفاعلات البشرية على الإنترنت، فـ"نشاطي" في هذا الموضوع حالياً هو إخبار الناس بالفكرة :)

هل سأنجح في أي من هؤلاء؟ هل سأبدأ أصلاً فيما لم ابدأ فيه؟ لا أعلم. حتى ذلك الحين الأفكار على المدونة لمن يشاء! لست محتاجا لأن تنتظرني حتى تتحقق الأفكار!

ماذا عنك أنت؟ منذ نشرت الأجزاء الأولى من هذه الخطة ويأتيني السؤال: الخطة تعجبني، لكن ماذا افعل بالضبط؟

كل إنسان له فترة يكتشف فيها اهدافه ووسيلة تحقيقها. انظر إلى رسالة، صناع الحياة، قبيلة TV، سلفيو كوستا، ...الخ...الخ. كل شخص قد جرب وفكر وتناقش حتى وجد "رُكنه" الذي يرتاح له.

تقول لي: كلام حسن، لكن الا يوجد لديك اقتراحات اكثر تحديداً؟ في الواقع كنت أنوي عمل جزء خامس من هذه السلسلة اسمه "أنت والنهضة" أجيب فيه على هذا السؤال، لكن الإجابة لم تتشكل جيداً في ذهني. لو وجدت ما اقول....فانتظروا الجزء القادم!

الاثنين، 31 أكتوبر 2011

للديموقراطية صور كثيرة

رئيس الولايات المتحدة يأتي بالانتخاب، وكذلك أعضاء الكونجرس. دستورهم شهير في هذا الجانب حتى صارت كلمة "دستور جفرسوني" Jeffersonian Constitution تطلق على الدساتير المصنوعة على النمط الأمريكي. لكن الصورة الآن ليست كما نتخيل...

سيطرة رجال الأعمال على الدولة حتى أن القوانين تُفصّل لهم خصيصاً، تفتيش الناس في المطارات، معتقلات جوانتانامو، ضرب المتظاهرين بالرصاص المطاطي في مظاهرات Occupy wall street. طبعاً مازال لديهم نقاط إيجابية كثيرة (ليس هدف مقالي الهجوم عليهم) لكني أريد أن أتساءل: كيف تتآكل الديموقراطية في الأمم؟ وكيف يمكن تحصينها لجعل تآكلها أصعب؟ هذه بالطبع اسئلة لها معنى في الجو السياسي الحالي، جو رسم الصورة المستقبلية للدول العربية، ومن هنا هذا المقال.

تعال نضرب أمثلة على استخدام كلمة "ديموقراطية" في نسق غير سياسي، سنعرف لماذا بعد قليل:
  • الفيسبوك ويوتيوب - ومن قبلهم المدونات - صنعوا ديموقراطية في الإعلام، وصار يمكن لأي شخص أن يصنع بذرة قناة إخبارية (مثل شبكة رصد وغيرهم). وهناك أشخاص مثلي لم يكن ليُسمع لهم صوت بدون هذه الأدوات.
  • المدونات بالذات جعلت إنشاء موقع على الإنترنت بسهولة ملء صندوق نصي. قبل ذلك كان يمكن لمتخصص أن يصنع موقعاً للإنترنت بلغة HTML ويبحث لها عن host، لكن الآن خالتي تستطيع عمل مدونة إن أرادت.
  • لغة Visual basic وبرنامج Microsoft Access صنعوا في عصرهم ديموقراطية برمجية، بحيث يمكن لصيدلي مثلاً أو صاحب سوبر ماركت أن يصنع برنامجاً لمحله دون الحاجة لمبرمج متخصص.
ما الذي يجعلني اطلق كلمة "ديموقراطية" على كل من هذه المواقف؟ الشيء المشترك بين كل من هؤلاء هو فكرة نزع القوة من القلة وإعطاؤها للأكثرية. وللقوة صور عديدة...اقتصادية وفكرية وعلمية وتكنولوجية وسياسية وإعلامية...كل قوة منهم لو تركزت في يد قلة فإن هذه القلة قد تسعى لاستثمار قواها الحالية في اكتساب قوى جديدة. وبهذا تبدأ الديموقراطية في التآكل.

وهذا ما حدث في أمريكا: جزء كبير من مشاكلهم سببها تركز الإعلام في يد فئات محددة توجه الشعب كيفما تشاء، إن أهملت تلك الفئات أي تجاوز لم يغضب من الشعب أحد، وإن ركزت على أشياء أخرى لم يتحدث أحد إلا عنها: لقد صاروا يحددون للناس ما هو المهم وما هو غير المهم. [فكر في ما حدث في مصر أيام مباراة الجزائر أيضاً]

فكيف نحافظ على الديموقراطية إذاً؟ أشياء كثيرة، لكن من ضمنها فكرة "توزيع القوة على الأكثرية":
  • المعلومات قوة، لذلك لابد أن يكون هناك شفافية ويستطيع المواطن أن يعرف كل صغيرة وكبيرة تحدث في إداريات وحكم الدولة. لو تركزت هذه المعلومات في يد قلة فسيكون من الصعب محسابتهم أو وقف الفساد.
  • التكنولوجيا قوة، لذلك لابد أن يكون استخدام الإنترنت مثلاً متاحاً للجميع بلا قيود، وبسعر رخيص وفي كل مكان، وإلا فسيكون السبيل الوحيد للحصول على المعلومات هو الوسائل التقليدية وهي سهل السيطرة عليها. كل تكنولوجيا يملكها قلة ولا يملكها كثرة هي نقطة يمكن إساءة استغلالها.
  • الفكر قوة، ولو لم يكن الشعب كله على مستوى فكري عالٍ فسيمكن في أية لحظة أن يأتي من يسمون أنفسهم النخبة ويدّعوا - ولو زيفاً - أن الجميع لابد أن يستمع لهم لأن التفكير حكراً عليهم.
  • المال قوة، وفي غياب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي - أي وجود فرصة للفقير لكي يعمل ويرفع مستواه - ستجد دولة رجال الأعمال.
  • الوظائف قوة، وأرى أنه لابد من تسهيل عملية أن يفتح من يريد شركته أو عمله الخاص ونشر تلك الثقافة، لكي يزيد استقلال كل شخص اقتصادياً ولا يجد نفسه معتمداً على الحكومة أو المؤسسات الكبيرة يعينونه متى شاووا ويتخلصوا منه متى شاؤوا.
  • اللغة قوة، ولو تعلم الأكثرية فن الخطابة والتفاوض والإقناع لكان ذلك ايسر للحوار القومي بدلاً من أن يحتكر ذوو الكلام المزخرف التأثير على الآخرين.
وهكذا وهكذا..إن كنت تريد ترسيخ الديموقراطية في المجتمع عليك أن تسأل نفسك: ما هي صور القوة؟ وكيف يمكن كسر احتكارها؟

بالمناسبة، هل تذكر خطة النهضة التي ذكرتها من قبل على تلك المدونة؟ اسلوبها هو "رفع المستوى الفكري، تغيير القيم الاجتماعية" ومحاورها "العمل بالاسلام، طبقة وسطى قوية، علم مستشري".

الخطة في اساسها اجتماعية، لكن مثل كل شيء لها جوانب سياسية أيضاً!

الأربعاء، 18 مايو 2011

خطة للنهضة(3): أفكار للضربات الجراحية

[المحتويات: الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث(هذا المقال)، الجزء الرابع]

ملخص المقالات السابقة:
  • الخطة مبنية على رفع المستوى الفكري وتغيير القيم الاجتماعية
  • الخطة مصممة لتكون موزعة على أفراد وجماعات كثيرة في المجتمع، والارتباط بين تلك المجموعات فكري بدون إدارة مركزية
  • الخطة تعتمد على الضربات الجراحية، أي تحقيق أكبر إنجاز ممكن بأقل وقت وتكلفة ممكنة
الآن في هذا الجزء سأقدّم 'كتالوج' من أفكار عديدة لضربات جراحية ممكنة. ليس لي الفضل في الإتيان بأغلب هذه الأفكار، بل هي نتيجة ملاحظة لتجارب داخل وخارج مجتمعنا.

أيضاً هذه الأفكار لا تغطي سوى جوانب محدودة -- مثلاً جزء الطبقة الوسطى هنا يركّز على قضية إنشاء الشركات بينما لم يذكر أشياء أخرى مهمة مثل إدارة الأموال الشخصية -- الفكرة هنا أن يقوم المجتمع، كل بحسب خبرته وقدرته، في التفكير وتغطية سائر الجوانب بنفس نظام الضربات الجراحية. هذا جزء من فكرة الخطة الموزعة!

العمل بالإسلام

تركيزي هنا على الاحتياج لفئة من العلماء الإسلاميين يجمعون بين التفوق في العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وحديث... وبين التفوق في العلوم البشرية مثل القانون والاقتصاد والاجتماع ...الخ. إن أردنا أن نتقدم كأمّة إسلامية، وإن أردنا أن نخرج مما نحن فيه، وإن أردنا أن نغير المجتمع كله، فسنحتاج إلى بيئة بحث علمي إسلامي نشطة غنية.

ما معنى غنية؟
  • أن تكون دراسة الفقه جذابة للعباقرة الذين يقدرون على التمكن من العلم. والحضارة الإسلامية كانت قديما تلد الواحد من هؤلاء تلو الآخر، وما احوجنا الآن لعدد غزير منهم. وجه الغنى هنا هو الغنى بالمواهب.
  • إسقاط الحواجز التي تحول بين العبورمن فئة العوام لفئة المتفقهين، وأن تكون ابواب العلم مفتوحة واسعة كثيرة. وجه الغنى هنا هو الغنى بالدارسين.
  • غنية يعني تستخدم طرق البحث العلمي الحديثة وتستمد قوة لها من التطورات في كل العلوم: علوم اللغويات وعلوم الاجتماع وعلوم الرياضيات وعلوم الحاسب وعلوم الطب وغيرها. الغنى الفكري.
ما معنى نشطة؟

نشطة تعني مراكز ابحاث للحكم الإسلامي والدعوة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي. باحثون وعاملون ومكافحون في كل لحظة وفي كل مكان في العالم لا يتوقفون ليل نهار [وكثير من هذا موجود بالفعل].

ما هي الخطوات الأولى لتحقيق هذه البيئة؟ لديّ اقتراحات مبدئية:

تحديث طريقة كتابة كتب العلوم الإسلامية

فلنبدأ بالأشياء البسيطة: يمكن مثلا تعميم طرق تهيئة النص الحديثة في الكتب: كاستخدام الbullet points في السرد فيما لا يناسبه الفقرات الطويلة، أو استخدام تنسيق معين للاقتباس من كتب اخرى بدلا من الطريقة التقليدية (طريقة قال فلان.....إنتهى) أو استخدام الجداول والرسومات البيانية والاصطلاحات الرياضية لتوضيح المقاصد (مثلا رأيت كاتبا إسلاميا استخدم Venn diagram في أحد كتبه).

ولا ادعو لاستخدام طرق التنسيق الحديثة الأوروبية فقط: فالعلماء المسلمون كانوا رواداً في تنظيم وعرض المعلومات في الكتب وكثيرٌ مما عملوا جدير بإحيائه في الكتب الحديثة، مثل نظام التعليق على الحواشي أو نظام العنوان الطويل الذي يصف كل فقرة أو الفهارس الموضوعية التي كانت في آخر الكتب (والتي كانت أحيانا تأخذ مجلدا كاملا أو أكثر في الكتاب)، ومن استكشف كتبنا القديمة وجد الكثير مما يدهشه.

كما أننا الآن في عصر وسائل التعليم المبتكرةـ والعالم كله -ونحن فيهم- يبحث عن طرق تطوير طرق التعليم كلها، وأعتقد انه هناك آلاف الفرص الخفية لتطوير تعليم الإسلام عن طريق الكمبيوتر أو الأنترنت أو الmobile devices، وهكذا.

الجمع بين علوم الدين والدنيا والتكامل بينهما

وطالما تكلمنا عن رسومات الVenn diagrams فهناك نقطة أخرى: الاستفادة مما وصلنا إليه في العلوم الحديثة لفهم الكتاب والسنة فهما أكثر. وإن كثيرا من علم الأئمة السابقين يمكن وضعه في صيغ علمية حديثة، وأحيانا تكون العلاقة بين القديم والحديث مدهشة. إليكم مثلا:

كنت أستمع لبرنامج عن علم الحديث وكان الشيخ يشرح مصطلح "الإعلاء" [تخيل شخص سمع حديثا عن فلان عن فلان...سبع مرات حتى يصل الإسناد للرسول صلى الله عليه وسلم، لو استمع هذا الشخص للحديث من راو آخر سلسلة إسناده طولها اربعة، فقد صار اسناده هو أعلى لأنه قلل عدد الرواة بينه وبين الرسول. هذا هو الإعلاء.] ولاحظت على الفور شيئا: ان هذا مرتبط جدا بفرع من الرياضيات هو الgraph theory. لقد اخترع علماء الحديث قطعة من الgraph theory وهم لا يعلمون، وأني أرى استفادة عظيمة لو اخذنا مثل هذا العلم وقد صار علما رسميا وطبقناه على روايات الأحاديث.

نفس النظام بالنسبة للعلوم الأخرى: النظر إلى تطورات علوم اللغويات الحديثة لتعميق فهمنا للغة العربية (مع الحرص على عدم الاتباع الأعمى للعلوم الغربية والاعتراف بالخصائص الفريدة للّغة العربية)، النظر للعلوم الطبيعية لتعميق فهمنا للإعجاز العلمي في القرآن والسنّة، النظر للعلوم الاقتصادية والاجتماعية لتعزيز الدعوة للإسلام (مثلا بإظهار الأضرار الاقتصادية الهائلة للربا، وسائر صور إظهار ما كان يخفى من منافع اتباع الشريعة وضرر تركها، وذلك ليرى غير المسلمين ان تلك الشريعة حقا مُنَزّلة من السماء وانها سبقت وتفوق الشرائع الوضعية الحديثة، ويكون ذلك احد عوامل دعوتهم للدين). ومن يتفكر يجد فرصا كثيرة للاستفادة من سائر العلوم الأخرى.

وكل هذا الذي أقول ليس بجديد، بل هو سنّة علماء المسلمين منذ قرون: العلوم الدينية والدنيوية تتطور جنبا إلى جنب ويكمل كل منهما الآخر.

طبقة وسطى قوية

هناك مجتمعات ثقافتها المخاطرة والطموح (انظر مثلا فكرة "الحلم الأمريكي") ومجتمعات أخرى قيمها البحث عن الآمِن والمعروف..مشكلة السعي المطلق للأمان أنه يعوّد على عدم الاستقلالية وأن يتبع المرء دوما مؤسسة كبرى -حكومية أو خاصة- تكون له راعيا، لكن لو كان هذا هو الاختيار الوحيد أمام الناس ستجد أن معظم ثروات المجتمع تتمركز في يد القلّه التي قد قبلوا المخاطرة وأسسوا الشركات، وتجد أن القليل هم المستقلون والباقي تابعون لا يستطيعون الابتعاد كثيرا عن مصالح المؤسسات التي يتبعوها.

ماذا نفعل لنشجع الناس على الاستقلال بأعمالهم وتكوين شركاتهم؟

1- تقديم أمثلة إيجابية كثيرة: فالناس مثلا يخافون من إقامة شركات متعمقة في البحث التكنولوجي، لكن لو ظهرت شركتان أو ثلاثة تقوم بهذا العلم وكسبت الملايين فستجد الناس يركضون حتى يصطدم بعضهم في بعض من العجالة ليصنعوا شركات اكثر طموحا. لابد من الإعلان والتسويق لفكرة فتح الشركات نفسها وتعريف الناس في كل مكان أن النجاح ليس بعيداً.

2- تخفيف المخاطرة في إنشاء الشركات: وذلك بتجميع وتوفير وبحث كل العلوم المطلوبة من تخطيط وتسويق وقانونيات وبيع وتعيين، وعلينا أن نجعل هذه المعلومات متاحة قدر الإمكان (يفضّل أن تكون مجانية) وأن تُحدّث باستمرار، وأتمنى أن يكون هناك مؤتمرات تضم مؤسسي الشركات الناجحين يتحدثون عن خبراتهم ويمدون يدهم للمؤسسين الأقل خبرة. وأن يأتي كُتّاب يعملون حوارات مع هؤلاء المؤسسين ويجمعون خبراتهم في كتب (مثلا كتاب لكل عشر شركات). لا اتحدث عن أمور التنمية البشرية وسائر النصائح العامةـ بل اتحدث عن التفاصيل والخبرات المتخصصة...كيف عين فلان هؤلاء الموظفين العباقرة؟ هل هي الinterviews؟ أم بيئة العمل الجذابة؟ وما نوع اسئلة الinterviews؟ وكيف تأكد أن المتقدمين لم يغشوا في الإجابة؟ ولماذا كانت جذابة تلك البيئة؟ أكان سبب جاذبيتها المرتبات الكافية ام اعطاء الناس الحرية في إدارة انفسهم ام امتيازات غير مادية؟ وكيف وازن بين اعطاء الناس الحرية وبين تأسيس بيئة عمل منظمة مُتحَكّم فيها؟ وكيف باع منتجاته؟ وكيف حافظ على مستوى خدمة العملاء؟ وكيف يقوم بترقية الموظفين؟

معلومات لا تقدر بمال، ووجودها سيُسقِط ألف حاجز أمام إنشاء شركات جديدة.

3- تمويل الشركات الجديدة، خاصة التمويل من نوع seed funding الذي يقدم مبالغ أقل من أنواع التمويل الأخرى مقابل التزامات أقل من أصحاب الشركة. دفع مبالغ قليلة للتمويل له فوائده: أنه يعطي الفرصة لتمويل شركات اكثر، أنه يسمح لأفراد اكثر من المجتمع أن يمولوا بدلا من اقتصار الفرصة على الحكومات أو الأغنياء، وأن كَوْن المبلغ قليل هو نوع من التصفية يدفع الممول للبحث عن الأذكياء المكافحين الذين ينجزون الكثير بأقل ما يمكن. المبرمج المتمكّن مثلا سيعرف كيف يستخدم برامج الopen source وكيف يجمّع اجهزته بنفسه وكيف يستخدم الأنترنت الاستخدام الأمثل للتسويق بدلا من الاستعانة بشركه دعاية غالية، وهكذا. فإن وجدت هؤلاء فهم فعلاً يستحقون التشجيع والدعم.

الخبر الجيد أن مؤسسات الseed funding تنتشر الآن بكثرة في العالم العربي والإسلامي، لكن مازال أمامنا الكثير لنعرفه في ذلك المجال. كيف يمكن تمييز من يستحق التمويل ممن لا يستحق؟ كم سنة ترعى الشركة قبل أن تتركها؟ وكيف ترعاها بالضبط، ما الذي يحتاجه أصحابها منك؟ وماذا تطلب منهم في المقابل؟ يبدو انه كما احتجنا "فقه تأسيس الشركات" في النقطة السابقة فإننا نحتاج "فقه تمويل الشركات" هنا.

4- البحث في طرق جديدة لمزاولة العمل. هناك اشخاص لا يريدون إنشاء شركات وفي نفس الوقت يريدون بعض الاستقلال الشخصي وعدم الارتباط بمؤسسات كبيرة. نحن في القرن ال21 فلماذا نصرّ على ممارسة أعمالنا بالطرق القديمة؟ الا يمكن مثلا عمل شركة برمجة بها فريق إداري وقانوني ومحاسبي ثابت لكن كل مبرمجيها من الfreelancers؟ هكذا يكون المبرمج قد احتفظ بحريته لكن لم يحتج لتولي مسؤوليات لا يريد توليها، وفي نفس الوقت فإن الشركة الأم قد فازت بالمرونة (يمكنها تعيين المبرمجين وتركهم في أي وقت) وبمزايا اقتصادية (لن تدفع مرتبا لمبرمج إلا لو كان يعمل في مشروع) وهكذا.

أو ماذا عن مبنى مستشفى لكن كل طبيب فيه له عيادته الخاصة، والمبنى يوفر خدمات مشتركة مثل غرفة عمليات مجهزة وغرفة أشعة وفريق نظافة، لكن مازال كل طبيب له استقلاليته؟

علم مستشري

1- علّموا الأطفال البرمجة. كما قلت في مقال سابق: البرمجة تعطي نتائج فورية، لأن الطفل سيتشجع حين يكتب برنامجا و يري نتيجته امامه بينما لن يقدر، مثلا، أن يخترع طائرة فورا اذا تعلم كيف تعمل الطائرات، إنتهى. تحدثت كثيراً في هذا المجال،عن أهمية فكرة لغة برمجة عربية لتعليم الأطفال، وأهمية وجود بيئة اجتماعية كاملة من الكتب والمواد التعليمية والخبراء الذين يفهمون في هذا المجال. الموضوع يشغلني كما ترون.

2- العلم بصورة جذابة: في طفولتي كانت هناك الكثير من الكتب التي تحكي عن الجسم البشري والبصريات والآلات والفيزياء والكيمياء كلها بصورة جذابة جدا ورسومات متميزة -ليست فقط رسومات شكلها جميل ولكنها أيضا تجعل الصعب واضحا- بعض هذه الكتب كان مترجما عن كتب أجنبية وبعضها كان عربيا. لا أعلم كيف حال كتب الأطفال هذه الأيام لكني اتمنى فعلا وجود صورا حديثة لهذه الكتب التي رأيتها، والاستفادة من الوسائل الحديثة (كمبيوتر، انترنت...الخ) في هذا الهدف قدر المستطاع.

3- كتب مفتوحة للجميع: هذا الجزء من الخطة يتطلب شيء من التمويل لكنه مازال ممكناً، (هناك مؤسسات خيرية مثلا لديها أموال بالمقدار اللازم). الخطة هي جمع عدد من أفضل الأساتذة والخبراء العلميين وتمويل تأليفهم لكتب في مختلف المجالات، الطب والهندسة والحاسوبيات والرياضيات والفيزياء...الخ وتكون هذه الكتب تصلح ككتب جامعية، بشرط أن يتخلى مؤلف الكتاب عن حقوق الملكية الفكرية ويكون الكتاب متاحا للجميع، إما كمِلْكٍ عامٍ أو تحت رخصة مفتوحة تسمع بالتداول التجاري وغير التجاري. هذا سيؤدي إلى توافر الكتب في كل مكان: من على الإنترنت أو يصوّرها الناس من معارفهم أو تأتي مطابع محلية وتطبعها رخيصة، كل هذا بصورة قانونية تماما. أعتقد ان مثل هذا المشروع حاجز أمني ضروري أمام قوانين الملكية الفكرية الدولية التي قد تؤدي لصعوبة الحصول على المراجع بسبب غلاء هذه الكتب وهيمنة دور النشر الأجنبية على إنتاجها. وعموما ليست تكاليف الخطة بالخيالية لأن الكتاب فيها يُؤلّف وُيدفَع ثمنه مرة واحدة ثم يُطبع ويُوَزّع بلا حدود.

4- مجالس العلم: ذات مرة مررت بجانب مسجد وسمعت محاضرة تُلقَى بالداخل فدخلت وجلست أستمع. كانت تجربة جميلة، أن استمع لعلم بدون سبب اكاديميّ أو وظيفي. اتمنى أن تعود فكرة مجالس العلم، سواء في المساجد أو بصورة مستقلة، كنوع من "العلم العرضي" أي بصورة عارضة بلا خطة مسبقةـ يمر المرء فيرى علما فيجلس يستمع.

5- العلم باللّغة العربية: انظر لمصطلح في علم الأحياء مثل ungulates، أيهما أسهل في التعلّم: "أُنجُليت" أم "الحافريّات"؟ أيهم أدل على سبب التسمية؟ ماذا عن platyhelminthes...هي أم "الديدان المسطّحة"؟ أو لننظر في علم الرياضيات، أنقول dodecahedron أم "ذو الإثنا عشرة سطحا"؟ إن المصطلحات العلمية لاتينية الأصل تبدو غريبة ليس لمتحدثي العربية فحسب بل لمتحدثي الانجليزية أنفسهم الذين تجدهم يبحثون عن معناها كما نبحث نحن! مقابل ذلك فإن اللغة العربية وعاء يستوعب ما تريد من العلوم.

أكثر من ذلك: دراسة وإنتاج العلم بالعربية معناها امتداد عبر المكان (أي أن كل الدول الناطقة بالعربية تستطيع تبادل المعرفة بسهولة على عكس العالم الأمريكي مثلا الذي يجب أن يتعلم لغة جديدة ليقرأ الأبحاث الألمانية...أو ينتظر الترجمة) وامتداد عبر الزمان (أي أن الأجيال القادمة سيكون متاح لها كل العلوم التي أنتجناها كما كان متاح لنا علوم الذين سبقونا، بينما الأوروبيون علومهم السابقة بلغات اخرى أثرية تحتاج متخصصين لفهمها، مثلا كتب نيوتن صدرت باللاتينية). دراسة العلم بالعربية معناها بالطبع أيضا إسقاط عائق كبير من عوائق التعلم أمام أفراد أمتنا.

6- الاستكشافية: هل سمعت عن الexploratorium؟ إنها مثل متحف علميّ يذهب إليه الجميع، خاصة الأطفال، ليروا العلم ويشاهدوا التجارب. كيمياء، تشريح، المغناطيسية، المجموعة الشمسية. بالمناسبة نحن لدينا تجربة مفيدة في هذا المجال لكن يمكننا أن نطور فيها أكثر. أتخيل استكشافيات مبهرة تحت سطح البحر أو منطاد في الجو أو يسير فيه الزائر كأنه بداخل الجسم البشري (هناك مثلاً متحف هكذا في هولندا).

7- الالعاب! أعتقد أنه يمكن الإبداع كثيراً في استخدام الألعاب لتحبيب الأطفال في العلم. لا تخف من التعمق؛ هل تعلم مثلاً أنه هناك لعبة جماعية لتعليم البرمجة اسمها C-Jump؟ أو ألعاب ذات خلفية تاريخية/اقتصادية مثل "Made for trade"؟ بل أنه هناك من يحاول عمل لعبة عن فتح الشركات حيث تحاول الحصور على تمويل وتعين فيها مبرمجين وخبراء تسويق. هيا نحبب الناس في العلم!

8- وسائل للاختراع: من بعد الأطفال، ماذا عن المراهقين والشباب؟ أفكر في نشر "روح المهندس" أو "روح المخترع" فيهم؛ ماذا لو نشرنا بسعر رخيص وبطريقة آمنة وسائل الاختراع؟ نبدأ بالمكونات الإلكترونية من boards وmicrocontrollers ثم بعدها أشياء مثل المضخات، محركات صغيرة، خراطيم وتروس وسيور...ثم ندع الباقي لخيالهم. دعهم يحولون كرسي بعجلات إلى سيارة، ثم يتحكمون بها بالكمبيوتر عن بعد، ثم يصنعون سرباً من السيارات ويلعبوا به العاب real time strategy في الحقيقة الواقعة :)

هناك الآن في مجتمعنا حركة شبابية في اتجاه تعديل شكل السيارة car modding، وهؤلاء شباب يمسكون بجهاز اللحام ويتعلون مهارات تقنية من نفسهم بدون دافع خارجي (بالضبط كما نريد). ربما لو استثمرنا في مثل هذا النشاط وزودناه لحصلنا على سيارة انتاج محلي أنشأها الهواة - تماما مثل عصور المخترعين في أمريكا: ألم يصنع الأخوان رايت طائرة بأنفسهما في ورشتهما الخاصة؟

سيارة عربية open source :)


تذكر أن هذه كلها هي أمثلة توضيحية لفكرة الضربات الجراحة في محاور خطتنا الثلاثة. أتمنى أن تعم هذه الفكرة المجتمع ويبدأ الجميع في وضع ضرباتهم الجراحية الخاصة لتصير الخطة موزعة كما تكلمنا في الجزء السابق. كما قلت: هذه الخطة ليست لقيادة مركزية لكن للمجتمع كله.

هناك أشياء أتمنى أن أقوم بما أستطيع منها (أرحب أن يقوم بها 'المجتمع' أيضا، فلا يوجد ما يجعلني أظن أن تجربتي بالذات هي 'الصحيحة' أو هي التي ستنجح). هذه الأشياء كنت أفكر فيها منذ مدة وتحدثت عن كثير منها على هذه المدونة. بعضها لم أتحدث عنه بعد...

(البقية في الجزء القادم)

الجمعة، 25 فبراير 2011

خطة للنهضة(2): إصلاح موزع، بيئة مفتوحة، ضربات جراحية

[المحتويات: الجزء الأول، الجزء الثاني (هذا المقال)، الجزء الثالث، الجزء الرابع]
إصلاح اجتماعي موزّع

الخطة التي اقترحها ليست "خطة" بالمعنى التقليدي. ليس فيها توزيع لأدوار ولا مراحل أو deadlines أو كل هذا، بل إنه حتى الخطة نفسها لن تكون مكتملة تماما: ستكون بها أجزاء موجودة وأخرى سأترك الناس ليكملوها هم. والأجزاء التي سأقدمها ستكون لها مكونات أنضج من الأخرى.

لن يكون هناك قيادة مركزية تتولى تنسيق كل الأدوار في الخطة، بل سيكون الموضوع في صورة معلومات وأفكار متاحة للجميع، ويساهم فيها الجميع، والكل ينفذها بطريقته سواء وحده أو في فريق يكونه أو ينضم له (يمكن لذلك الفريق أن يصغر أو يكبر لأي حجم). لو أرادت مؤسسة أو جهة حكومية أن تشارك في الخطة فمرحباً بها، لكن يجب عدم الاعتماد على تلك المؤسسة بالذات ولا تحويل الخطة لخطة حكومية لأن هذا سيكون له ثمن سندفعه من صلابة الخطة ومتانتها كما وصفت في المقال السابق.

لماذا هذه الطريقة الجديدة؟ الم يكن الأفضل عمل خطة تقليدية فيها توزيع للأدوار والمراحل وتثبيت للإدارة؟ أليس الأفضل تقديم خطة مكتملة من البداية؟ ما الهدف من كون الخطة "متوزعة" بدلا من "ممركزة"؟

لديّ أربعة أسباب قوية لما أفكر فيه. الخطة الموزعة (1) أسهل انتشارا وأكثر كفاءة. (2) تبقينا صادقين. (3) تشجع بيئة من التجريب والحرية. (4) أليَن مع الأخطاء.

1- أسهل انتشارا وأكثر كفاءة: أنا لا أريد أن انتظر حتى يجتمع فريق من الناس ثم يختارون قيادة ثم يضعوا جدول أعمال ثم...ثم... هذا معناه تقريباً أن الخطة ستتوقف قبل أن تبدأ. أنا أريد أن أبدأ الآن.

أيضاً إن ألزمنا أنفسنا بخطة مركزية فذلك سيساهم في جعل نشر تلك الخطة أصعب لأن كل شخص يود المساعدة سيجب البحث له عن دور في "الفريق الرسمي"، ولو كان موجوداً بالفعل من يقوم بهذا الدور فسنجد أنفسنا نرفض الوافد الجديد لأن دوره متكرر. ولو حدث خلاف بين "القيادات" فسيتعطل التقدّم.

لكن في حالة الخطة الموزعة من أراد أن يساهم فما عليه سوى أن يأخذ فكرة وينفذها بدون الحاجة لإذنٍ ولا تفاوض، ولو اختلف اثنان على طريقة التنفيذ فالحل بسيط جدا: فلنجعل الأمرَ علميّاً وليس بالآراء، وكل منهما له حرية تطبيق طريقته الخاصة كما يشاء، فالطريقة الناجحة يثبت نجاحها تجريبياً والطريقة غير الناجحة نستفيد من دروسها.

ثم أن الخطة الموزعة تعني انه لا حد أقصى لفريق العمل، وتحل مشكلة تكرار المواهب (أي لو وجدنا شخصين يقدران على نفس الدور فيمكن لكل منهما أن يعمل في فريق مستقل ولا داع لاختيار أحد منهما في الفريق "الرسميّ").

وأخيرا، فإن بعض أجزاء الخطة يحتاج أبحاثاً لشهورٍ أو سنينٍ قبل أن يكتمل. والسماح بأن تكون الخطة غير كاملة يعني أنه يمكن البدء في الأجزاء الموجودة بغير تأجيل، ويعني إعطاء الفرصة للآخرين أن يكملوا الناقص هم، ربما بأفضل من صاحب الخطة الأصلي.

2- تبقينا صادقين: في المؤسسات التقليدية كل مدير له سلطة رسمية وسلطة فعالة. أما السلطة الرسمية فتتبع من مركزه ودوره الإداري. وأما السلطة الفعالة فتتبع من كونه على حق وقدرته على إظهار ذلك الحق للناس وقدرته على التنسيق بين أهدافهم وأهدافه. السلطة الفعالة غالبا ما تكون أقوى، وغالبا ما تكون هي السلطة الحقيقية.

تحويل الخطة لخطة موزعة معناه التنازل عن كثير من السلطة الرسمية. من الآن ستكون انت وأفكارك أمام الناس: لا يوجد مركز تختبيء وراءه ولا سبب رسمي يجعل احد يتبعك. لا تعود عبارة "نفذ كلامي لأني القائد" كافية.

هنا تكون الطريقة الوحيدة أمامك للتأثير على الناس هي أفكارك وكلمتك. عليك إذاً أن تسعى لأن تظل على حق طوال الوقت، وتظل طوال الوقت مقنعا. وهذا هو المطلوب.

3- بيئة للتجربة الحرة: التقدّم في أي مجتمع أو مؤسسة يعتمد على توازن بين حسن الإدارة (منعا للفوضى) وبين حرية التجربة والمخاطرة (منعا للجمود). ونحن الآن في عصر جديد والمجتمع يتغير من حولنا والتجربة الآن لها أهمية قصوى بأن القواعد التقليدية لم تعد تكفي. الخطة الموزعة تعني أن كل شخص متأثر بالخطة يمكنه أن ينفذها بأسلوبه الخاص ونمطه. ولعلها مع الوقت تتحور وتتشكل حتى تأتي في صورة لم يتوقعها حتى أصحاب الأفكار الأصلية!

أتمنى أن اجد سبعة فِرَق ينفّذون نفس الفكرة بسبعة طرق مختلفة. أتمنى أن يحدث "تفريخ" للأفكار بحيث تلد كل فكرة أفكاراً أخرى. أتمنى أن يجرّب كل شخص ما يريد بشجاعة وبدون انتظار إذنٍ من "المدير".

4- أليَن مع الأخطاء: ماذا لو كانت الخطة مخطئة؟ ماذا لو كانت صحيحة ونُفّذت بالطريقة الخطأ أو حتى نُفّذت جيداً لكن لم يكن الحظ مواتياً؟ لو تحقق ما أرجو فلن تكون تلك مشكلة كبيرة لأنه سيكون هناك -إن شاء الله- عشرات الفرق ومئات أو آلاف الأفراد كلٌ يجرب بطريقته الخاصة ومجاله الخاص، وهكذا تجد الخطة تدخل في اتجاهات جديدة وتمر من حول الأخطاء كتيار الماء يمر من حول الصخرة.

(وحين نقرأ عن مزايا الdistributed computing، ألا نجد من أهمها الfault tolerance؟)

ولو فشل فريق من الفرق فلديهم وقت إن أرادوا يستعيدون فيه أنفاسهم، ويتعلّمون من أخطائهم، ويعاودون المحاولة بدون أن يؤثر ذلك على باقي الخطة.

بيئة مفتوحة

لما سبق أتمنى أن يكون نشاط النهضة في مجتمعنا في بيئة فكرية حية. فكر في الموضوع مثل مشاريع الOpen source: الخطط معلنة ومفتوحة. من حق أي شخص أن يستفيد منها أو أن يعدل عليها أو يفرّع منها مشاريعا جديدة، والتعديلات الأفضل تعود لصاحب المشروع الأصلي ليضمها إلى جذورها الأولى. الكل يتبادل الخبرات والمعارف، والخطط الأفضل هي التي تزدهر.

إن مشاريع الopen source تعلمنا أن حرية التجربة -على المدى الطويل- كثيرا ما تفوق التصميم المركزي، وإن مشروعا مثل Linux صار يتقدم ويزداد ابتكارا لأن كل مبرمج مبدع يمكنه أن "يلعب" فيه بغير إذنٍ ولا تكلفة. ولم يؤد هذا لتطور Linux فحسب بل صار له أيضا "أولاد" مثل Android. فلنجرب التخطيط بمثل هذه الطريقة إذاً.

وأخيراً: نحن قد جربنا ثورة شعبية بلا قائد. فلماذا لا تكون النهضة -هي أيضا- نهضة مجتمع لا نهضة قائد؟

ضربات جراحية

نأتي الآن لنقطة مهمة جداً: أنا أريد الخطة متوزعة على أفراد أو فرق صغيرة وكبيرة، فهل هذا واقعيّ؟ أليست الحكومات والمؤسسات الكبرى هي التي تستطيع أصلاً فعل شيء لأن لديها الأموال والموارد والتنظيم...الخ...الخ؟

ليس ذلك واقعياً جداً. إنه ببعض الإبداع وبعض التكنولوجيا (والإبداع أهم من التكنولوجيا) يستطيع الفرد الواحد أن يفعل ما يفعله مائة.

(أنظر لدور الفيسبوك مثلاً في الثورة المصرية.)

نحن نريد في خطتنا أن نركّز على الضربات الجراحية. إنّ الجراح الماهر يضرب بالمشرط في المكان الصحيح فتجده قد عالج المرض في ثوانٍ، ونحن بدورنا نريد أن نخطط لتحقيق أهداف تؤثر على آلاف من الناس بأقل موارد ممكنة.

مثال على ذلك مثلاً أكاديمية سلمان خان، وهو أمريكيٌ من أصلٍ بانجلادشيّ أراد أن يساعد في مجال التعليم فقام بعمل تسجيلات فيديو يشرح فيها المواد المدرسية من الرياضيات والعلوم لكل المراحل ووضعها على الإنترنت. مثل هذا العمل يمكن أن تكون نتيجته كفتح مدرسة في كل مكان به إنترنت! ثم أنه أتى آخرون وبنوا هم على المنصة التي وضعها (مثلاً شركة عربية قامت بنشر فيديوهات لهذه الدروس مترجمة)، ويمكن لأفراد أو مجموعات التدريس بهذه المواد أو الإضافة إليها؛ وهكذا تتحرك عجلة التعليم...

نحن نريد إذاً نشر روح الضربات الجراحية في نهضتنا، ونريد للناس أن يفكروا في هذا الاتجاه، وأن يفعلوا ذلك بحرية وبدون الحاجة لإدارة مركزية، وأن يكون هناك اهتمام خاص بمحاورنا الثلاثة: العمل بالإسلام، الطبقة الوسطى القوية، العلم المستشري.

في الجزء الثالث أقدّم لك أمثلة للضربات الجراحية في كلّ من هذه المحاور :)

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

خطة للنهضة(1): المجتمع الذي نعيش فيه

[المحتويات: الجزء الأول (هذا المقال)، الجزء الثاني ، الجزء الثالث، الجزء الرابع]

انظر نظرة سريعة إلى ما نحن فيه الآن...

قد خرجنا لتونا من ثورة (أو انتفاضة)، وهناك حديث كثير عن الديموقراطية، والتقدم الاقتصادي، والبحث العلمي، وعن دولة جديدة.

لكننا لا نستطيع أن نفعل كل ذلك ونحن كما نحن نفس الأشخاص. كل خطوة من الخطوات السابقة لها ثمن فكري لابد أن نجهز لدفعه. لا أتكلم فقط عن "الاستعداد للديموقراطية" أو "ثقافة الديموقراطية" التي يتحدث عنها البعض، بل أتكلم عن مستوىً فكريٍ شامل في كل مجالات الحياة، دينية وسياسية واقتصادية وعلمية واجتماعية...

هناك شيئان أركّز عليهما هنا:
  • المستوى الفكري العام للمجتمع
  • القيم الاجتماعية
(لا أقصد القيم بمعنى الأخلاق فقط...بل بمعناها في علم الاجتماع؛ مثلا المجتمع الأمريكي يحب فكرة فتح الشركات وعمل المشاريع، المجتمع الاوروبي له قيم متعلقة بالحرية الفردية "أحترم حريتك إن لم تتعد على حريتي"....الخ، وعلينا ان ننتقي القيم المرغوب فيها ونفصل بينها وبين غير المرغوب فيها. سيتضح الأمر بعد قليل).

لماذا هاتين النقطتين؟ تعال نتكلم أولا عن الإسلام وحياتنا.

هناك في كثير من الناس فقر بالمعرفة الاسلامية. بدايةً من مباديء الحياة اليومية (كثير من الناس لا يعرف كيفية التيمم مثلا) ومروراً بمعنى كلمة "فتوى" وشروط من يفتي، والتمييز بين فتوى علمية ورأي شخصي. هذا الفقر يؤدي لأن يكون المجتمع معرض لمن يريد تضليله. معرض لأن يأتي أي شخص يقوم بارتداءِ جلبابٍ ويبدأ في الحديث عن الإسلام كأنه يعي ما يقول ويقدم لك سيلاً من المغالطات، ومن الناس مَن قد يتأثر بهم لعدم معرفته بأي شيء عن الفتوى والفقة.

ثم ونحن الآن نتكلم عن الديموقراطية ودولة جديدة ودستور جديد سيكون أمامنا تحدٍ كبير يتمثل في الصراع بين الإسلام والعلمانية (العلمانية هي الدعوة للحكم بالقوانين البشرية والفصل بين الدين والدنيا، والكلمة اصلها مرتبط بـ"العالم" -المقصود الدنيا- وليس بـ"العلم"). في بدايات القرن الماضي كان هناك حوار وطني طويل بين الراغبين في الحكم بالإسلام وبين العلمانيين، دار هذا الحوار في الكتب وفي الصحافة وفي الندوات وحتى على المقاهي، وأتوقع الآن أن يدور مثل هذا الحوار وقد يأخذ سنيناً طويلة..

نقطة مهمة هي أنه في بدايات القرن الماضي كان الناس على درجة واسعة من الثقافة، وكنت تجد كتابا عن المجتمع المصري مؤلفه موظف بالبريد أو مقالاً كتبه مدرس ثانوي...كان المجتمع كله على مستوىً فكريٍ عالٍ يسمح بأن يكون الجميع طرفاً في الحوار، إما مستمعاً وإما مشاركاً، ويسمح للحوار أن يكون على مستوىً راقٍ يبتعد عن السطحية. فإن أردنا أن يكون الحوار الحالي بنفس القوة فيجب تجهيز المجتمع نفسه فكريا لذلك، وإلا بدلاً من أن يكون حواراً قوميا فسيكون حوار في قاعة كذا فندق كذا ولم يستمع له أحد.

هناك أيضاً دور مهم للعلوم البشرية في هذا الحوار، ودور لها في العلوم والأنشطة الإسلامية عموما، من فقه وتفسير ودعوة...الخ
كيف نستفيد من النظريات القانونية الحديثة في الفقه الإسلامي؟ ماذا عن النظريات السياسية الحديثة والحكم الاسلامي؟ ماذا عن الاقتصاد الإسلامي؟ السياسة الخارجية الإسلامية؟

ما المنافع الاقتصادية من تحريم الربا؟ ما المشاكل الاجتماعية التي يحلها السماح بتعدد الزوجات؟ ألا ينبغي الاستعانة بالأبحاث في مثل تلك المواضيع أثناء الدعوة للإسلام؟ أبحاث حقيقية مؤكدة بالأرقام والإحصائيات وليس مجرد اجتهادات فكرية؟

[ملاحظة: هناك بالفعل مؤسسات إسلامية تجري مثل هذه الأبحاث وأكثر؛ هدفي هنا ليس نقداً أو القاء لومٍ على أحد بل التوعية بأهمية العلوم الدنيوية في خدمة الإسلام]

ماذا عن العلوم الأخرى مثل النحو ودوره في التفسير وما شابه؟ هناك محاولات كثيرة ظهرت لتطوير علم النحو العربي، بعضها بعيد عن الصواب والآخر قد يكون قد اقترب من الصواب (إلى حد ما)، ألا ينبغي أن يكون هذا نشاط يعترف بأهميته المجتمع كله ويقوم به الكثير بدلاً من أن يكون نشاطاً فردياً؟ إنني أرى من علامات النهضة في أية مجتمع اهتمام الناس بلغاتهم؛ وفي النهضة الأوروبية ظهر نشاط واسع في كتابة القواميس وضبط قواعد اللغة الانجليزية (مثلا)، وحتى الآن في بلاد مثل أمريكا تجد الناس ينقدون من يرتكب الأخطاء الإملائية أو النحوية بينما لدينا لا تجد قيمة اجتماعية لهذا الموضوع في الأصل -- أو بمعنى أصح كان لدينا هذه القيمة بشدة ثم اندثرت.


الآن تعال نتكلم عن الاقتصاد. من أهم الأشياء في أية مجتمع أن يكون لديه طبقة وسطى قوية (الطبقة الوسطى هي بين الأغنياء شديدي الغنى والفقراء -- مثلا الأطباء، أساتذة الجامعة، فئة من التجّار، المبرمجون). هذه الطبقة لديها ما يكفي من الاطمئنان الاقتصادي لكي تبدأ في التفكير في المجتمع من حولها، وفي الحق والباطل والعدل والظلم والنهضة العلمية، بينما إذا انقرضت تلك الطبقة ستجد كل شخص مشغول في كسب الرزق أو سداد الديون فلا يجد متسعا لما وراء ذلك.

الديموقراطية في أوروبا نفسها بدأت بظهور طبقة من الحرفيين والتجار والصناع نمت شيئا فشيئا حتى قويت وتركز جزء كبير من ثروة البلاد في أيديهم فلم يعد الملوك يستطيعون السيطرة على هؤلاء كما كانوا يفعلون مع الفقراء، فاضطروا لإرضائهم والتنازل لهم عن السلطات شيئا فشيئا.

نريد إذاً - إن استطعنا - أن نغير قيم المجتمع بحيث يكون المجتمع أقدر على تكوين تلك الطبقة الوسطى وتنميتها والحفاظ عليها.

من القيم التي نريد تغييرها هي قيمة تفضيل الأمان على الطموح (مثلاً تفضيل الوظيفة المستقرة على فتح شركة). ومن المستويات الفكرية التي أتمنى رفعها هو فكرة ادارة الناس لأموالهم؛ إن معظمنا علاقته بأمواله بسيطة جدا: خذ المرتب أول الشهر، انفق بعضه وادخر بعضه، انتهى؛ بينما في مجتمعات اخرى هناك علوم كاملة لإدارة الأموال الشخصية تشبه إدارة أموال الشركات: كم تدخر؟ كم وأين تستثمر؟ كيف تحدد لنفسك اهدافا اقتصادية للمدى الطويل (مثلا سنة كذا أريد شراء بيتا أوسع) وكيف تتقدم نحو هذه الأهداف؟

أيضا لابد أن يفهم الناس مباديء الاقتصاد كي نستطيع عمل حوار قومي عن دور الدولة في أشياء محددة. مثلا أنا ممن يؤيد بشدة فكرة مجانية التعليم ويرى أنها حاجز واقٍ للمجتمع، ووسيلة للحراك الاجتماعي (مثل انتقال فرد من الطبقة الفقيرة للطبقة الوسطى)، وضرورة أساسية للنهضة العلمية. هناك من يخالفني في هذا، لكن إن أردنا أن يكون حوارنا علميا لا آراء شخصية، وأن يكون حوارا وطنيا لا حوار افراد، فيجب أن يكون المستوى الفكري للمجتمع أعلى وأن يعرف الناس شيئا عن علوم الاقتصاد والاجتماع.


نأتي الآن لفكرة أخرى: فكرة العلم المستشري.

كل حين نسمع عن إحصائية على غرار "الأوروبي يقرأ س من الكتب كل عام، الياباني يقرأ ص من الكتب كل عام..." ثم في النهاية لابد من الإحصائية المضحكة عن العربي الذي يقرأ في المتوسط كتاب ونصف في العام.

دعنا من السخرية من أنفسنا قليلاً ولنفكر بالعكس: ما الذي يجعل الأوروبي يقرأ كل هذه الكتب أصلاً؟ وماذا سيستفيد من هذا؟؟

إجابة الجزء الأول هي أنه يقرأ هذه الكتب لأن المعرفة هي قيمة اجتماعية لديه في حد ذاتها. لا ينبغي أن يكون سيحصل على شهادة أو وظيفة لكي يأتي بكتاب ويقرأه بل هو يحب إثراء ثقافته كما يحب غيره المركز الاجتماعي مثلاً.

الجزء الثاني: وهل سيفيد هذا؟ أجل:

أولاً لابد أن يتعرف الناس على العلم ليدركوا كيف يسير البحث العلمي وكيف تتقدم الأمم علمياً. تخيل مثلاً لو أرادت الدولة في مصر تخصيص مائة مليون جنيه للبحث العلمي وتم تقديم اقتراحين: انفاق المائة مليون كلها في تطوير طائرة نفاثة جديدة أو انفاق خمسين مليون للطائرة النفاثة وخمسين لتطوير نظرية رياضية جديدة. أخشى أن يأتي الكثير ممن يطالبون بوضع المال المخصص كله للطائرة النفاثة، وأن تجد الناس يشكون من هؤلاء المغفلين الذين يريدون تضييع نقود الدولة في المعادلات الرياضية!

وقد حدث موقف مشابه معي وانا طالب بالفرقة الأولى في الكلية: جاء التلفزيون ليرى مشاريع التدريب الصيفي التي قام بها الطلبة، ووقفوا طويلاً أمام موقع للأنترنت قام اصدقائي بتصميمه واعتبروه خطوة جميلة للأمام ثم جاء دور مشروع فريقي أنا، وبدأت أتحدث عن برنامجنا الذي يحسب العمليات الحسابية ويرسم الدوال ويشتقها. هذا لم يقفوا أمامه كثيراً ووجدت أحدهم يعلق بأن يقول أنني "بتاع الدوال". هذه مشكلة؛ إن علم التفاضل والتكامل وما تفرع منه هم مكون اساسي في كل الاختراعات تقريباً في القرون القليلة الماضية: الطائرات، الاقمار الصناعية، المصانع، الكمبيوتر، وحتى كاميرا التليفزيون التي يحملها ذلك الشخص، لم تكن لتظهر لولا علوم الدوال الرياضية. وإن أردنا أن نخترع أي من هذه الأشياء فيجب أن يطلع الناس على العلوم ويعرفوا كيف يساهم كل علم في التقدم البشري ولماذا يدرسه الناس أصلاً.

ثانياً، العلم لابد أن يكون قيمة اجتماعية ليكون الدافع للتقدم العلمي داخليا (يريده الناس بأنفسهم) لا خارجيا (يريده الناس من اجل مكافأة أو خوفاً من عقاب). لو نظرنا مرة أخرى لفترة النهضة الأوروبية كنا سنرى الاختراعات تأتي متتالية وراء بعضها؛ هذا يطور مضخة فيأتي هذا ويطور محركا ويأتي هذا فيطور العدسات فيأتي ذاك يطور التلسكوب ويأتي هذا فيطور الميكروسكوب فيأتي هذا يكتشف الجراثيم فيأتي هذا يكتشف المضاد الحيوي...كل ذلك معناه أن الاختراع قد صار شيئاً في دماء فئةٍ كبيرةٍ من الناس وليس فقط في يد وزارةٍ للبحث العلميّ أو في مركزٍ للأبحاث. معنى هذا أن الناس أنفسهم كانوا متعطشين للعلم والاستكشاف.

ثالثاً، أنت لا تعرف متى ستأتي فائدة للمعلومات التي تقرؤها من الكتب في حياتك. الباحثون في علوم الكمبيوتر يستفيدون مثلاً من الأحياء والفيزياء (فكر مثلاً في مصطلح حوسبي مثل "neural network" أو "polymorphism" أو "simulated annealing")، مؤسسو المواقع مثل Facebook يستفيدون من علم الاجتماع، تفكيري الشخصي في موضوع النهضة بدأ من قراءة في التاريخ. ثم أن كل منا بحكم كونه مواطن يريد أن يعيش في دولة ديموقراطية عليه أن يفهم شيئاً من الفقه وعلوم الاجتماع والاقتصاد ومباديء البحث العلمي...الخ كما ذكرنا.

نحن نريد أن يكون العلم هو نشاط اجتماعي كامل يشارك فيه جميع الشعب بكل فئاته صغاراً وكباراً؛ وأن يكون له قيمة اجتماعية تجعلهم يعملون ويبحثون ويتطلعون إلى أهداف أكبر فأكبر.


قد عرفناً إذاً الاتجاهات التي أرغب أن تسير فيها في خطتنا للنهضة، وعرفنا فكرة رفع المستوى الفكري وتغيير القيم الاجتماعية. يبقى شيء أريد أن أقوله:

أتمنى، إن شاء الله، أن تكون خطتنا للنهضة هي خطة صلبة أو متينة. لا أقصد الصلابة بمعنى الجمود وعدم المرونة ولكن أقصد الرسوخ والثبات أمام العوائق (فكر في مثل كلمة robust في هندسة البرمجيات التي تعني أن يكون النظام البرمجي ثابتاً أمام الأخطاء البرمجية أو حتى مشاكل ال hardware).

بتفصيل أكثر عن نقطة الصلابة، أنا أسأل هذه الأسئلة عن خطة النهضة المقترحة:
  • هل هي تعتمد على الحكومة بحيث لو زال الدعم الحكومي تزول الخطة؟ (ونحن نسمع كثيراً عن الوزير الجديد الذي يأتي فيلغي كل مشاريع الوزير السابق، ولا أتوقع أن يختفي هذا بين يوم وليلة).
  • هل هي تعتمد على مؤسسة معينة أو شخص معين تختفي باختفائهم؟
  • هل قيادتها مركزية بحيث إذا مات قائدها أو يئس أو اختلف مع باقي الفريق تتعرقل الخطة؟
  • هل يمكن تطبيق هذه الخطة في مجتمعات عديدة وظروف مختلفة أم انها مناسبة لبيئة اجتماعية، وتلك البيئة فقط؟
  • هل ستستفيد الخطة من التطورات التي تحدث اجتماعيا وسياسيا وتكنولوجيا أم انها جامدة لا تتطور؟
خلاصة
  • خطتنا تعني برفع المستوى الفكري للمجتمع وتغيير القيم الاجتماعية.
  • خطتنا مبنية على ثلاثة محاور: العمل بالإسلام، طبقة وسطى قوية، علم مستشري.
  • نود أن تكون خطتنا صلبة، لا تعتمد على قيادة معينة أو دعم حكومي ، تستفيد من التغيرات التي تحدث حولها وتقبل التطبيق في مجتمعات كثيرة.
وهل يمكن أن يكون هناك خطة بهذه المواصفات؟ وما شكلها إن وجدت؟

اقرأ الجزء الثاني!