‏إظهار الرسائل ذات التسميات social. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات social. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 يناير 2013

طيب هو يعني لازم سبب؟

كنا عائدين بعد يوم من التدريب (في شركة)، وإذا بزميلنا يدخل مكتبة ويشتري كتاباً في تعلم اللغة الأسبانية. لماذا اشترى الكتاب؟ يقول لأنه يريد أن يتعلم الأسبانية. نفهم ذلك يا أخي..لكن لماذا تريد تعلم الأسبانية؟ لا يوجد سبب محدد!

وهناك من يرى أن هذا ليس أمراً منطقياً. إن كنت ستفعل شيئاً بدون أن يؤدي فعله لوظيفة، أو مكسب، أو نهضة مجتمعية، أو...، فلا داع لفعله. الغريب أن الموضوع أحياناً يسير بالعكس: أشخاص يفعلون أشياء فقط لأنهم يريدون أن يفعلوها أو يحبون أن يفعلوها، ثم تجد نفعاً قد حصل منها.

والأمر لا يقتصر فقط على الهوايات، لكن يمتد أيضاً للبحث العلمي وغيره. مثلاً كان علماء الرياضيات؛ منذ أيام اليونانيين، يبحثون عن أقل عدد ممكن من المسلّمات الهندسية (المسلّمة axiom هي ما لا يوجد له إثبات، ويستخدم هو في إثبات النظريات). الفكرة هي أن نأخذ كل مسلّمة ونحاول إثباتها من المسلّمات الأخرى فتصبح هكذا مجرد نظرية ويقل عدد المسلّمات بواحد.

استمر هذا البحث أيام الدولة الإسلامية، وفي عصر النهضة الأوروبية، حتى أدى إلى ظهور ما يسمى الهندسة غير الإقليديسية (non-euclidean geometry) واكتشاف أنه هناك "هندسات" كثيرة لا هندسة واحدة، كل هندسة منها بمجموعة مختلفة من المسلّمات. هذا الأمر قد أفاد في تكنولوجيات كثيرة، وفي نظرية النسبية، وفي أجهزة الـGPS.

لكن الذين بحثوا في موضوع المسلّمات الهندسية لم يكونوا يعرفون ذلك! لم يكن في حسبانهم النسبية والـGPS، كانوا فقط يبحثون. يشبعون حبهم للمعرفة وفهم الكون.

ولهذا تجدني كثيراً ما أتحدث عن الأطفال وتعليم الأطفال. لو تحدثت مع طفل عن موضوع ما فسيسأل: هل هذا الموضوع شيق أم لا. أما لو تحدثت مع شخص كبير فقد يسأل: ما الفائدة منه؟

لا أريد أن أعمم؛ ليس كل كبير مملاً أو بعيداً عن العلم، وليس كل طفل أوتوماتيكياً منجذباً للعلم، لكن قصدي هو أن الطفل في هذه المرحلة لا يحتاج تبريراً منطقياً ليفعل شيئاً، يكفي أن يستمتع بما يفعل.

وحين بدأت في العمل في لغة كلمات لم أصنع "market research" أو دراسة جدوى أو ما شابه. فتحت محرر الكود وبدأت في الكتابة. ماذا كان ليحدث لو كانت اللغة تحتاج لتمويل مثلاً، وكان عليّ أن أقنع طرفاً ما بها أولاً؟ كنت سأدخل في مناقشات لا تنتهي عن فكرة لغة البرمجة العربية، وعن فكرة عدم جدوى إنشاء لغة برمجة جديدة أصلاً بحجة عدم اختراع العجلة، ثم كنت سأجد من يقول أنه ينبغي أن أبني اللغة على منصة JVM أو CLR بدلاً من بناء آلة افتراضية خاصة للغة. لكني ببساطة أغلقت باب الغرفة، وكتبت اللغة. الآن صارت دراسة الجدوى هي "فلندع الأطفال يستخدمون اللغة ونرى النتائج"، هكذا ببساطة.

<موضوع جانبي>
وهذا الأمر يدفعنا بدوره للتفكير في موضوع التمكين والحرية: لو أعطيت كل شخص الفرصة لكي يستقر مادياً، ويجد تمويلاً لمشاريعه بدون مشقة كبيرة، فوقتها قد تعطي الفرصة لكل شخص ليفعل "ما يريد" وليس "ما يستطيع أن يقنع به بعض الأطراف ذات المال أو السلطة"، وذلك قد يعطي تنوعاً في مجالات العمل والبحث المختلفة.
</موضوع جانبي>


أخشى من أن يظن الناس هذا المقال دعوة للعشوائية والتخبط؛ هو ليس كذلك. لو أردنا تلخيص رسالتي في جمل قليلة: (1) إن أردت أن تفعل شيئاً من أجل المعرفة أو الاستكشاف أو لأنك تستمتع بعمله، فهذه في حد ذاتها أسباب. (2) ليست كل الأفكار الجديدة مثبتة منطقياً؛ أحياناً تبدأ في مشروع وأنت لا تعرف كيف سينتهي. عادي. (3) التمكين، الحرية، التنوع.

الخميس، 1 مارس 2012

خدعوا انفسهم وقالوا واقعية

أنت تعرف هؤلاء الواقعيين أليس كذلك؟
  • حين يرون أحداً متفائلا بشأن مستقبل المجتمع يسخرون منه.
  • السياسة يفترضونها مرادفاً للخداع، لدرجة أن يعرفوا ان سياسيا ما قد كذب متعمداً فيثنون عليه لأن الكذبة كانت متقنة.
  • حين يتحدث احد عن تعريب العلوم يعتبرونه متخلفاً عقلياً. كيف يفكر - بل كيف يجرؤ - أن يقول "ميكانيكا الكم" بدلاً من quantum mechanics؟
  • كذلك حين يجدون شخصاً طموحاً يريد فتح شركة مثلاً. يقولون له "انت في مصر!!"، وهذه في مفهومهم تكفي ليسكت كل فاتح شركة.
وأني اقترح أن يتوقف هؤلاء عن عاداتهم الحوارية التي وصفتها، ليس اقتراحي هذا دعوة للتفاؤل بل هو - صدق أو لا تصدق - دعوة للواقعية! المشكلة انهم في غمرة الحماسة نسوا أن يسألوا عن معنى الواقعية فأضفوا عليها شيئاً غير معناها الأصلي. ما هي الواقعية؟ هي ان تبني آراءك وقراراتك من ملاحظة الواقع، وليس من انطباعات شخصية أو تحيزات مسبقة. هل هذا ما يحدث؟ همم....

- حين يرفضون فتح الشركات في مصر...هل قاموا بعمل إحصائية عن حالة السوق ورؤوس الأموال والقدرة الشرائية...الخ...الخ؟

- حين يتحدثون عن استحالة تعريب العلوم، هل بنوا رأيهم هذا على أساس علمي؟ هل جربوا مثلا تعريب كتب في علم معين، ثم تدريس مجموعة اختبارية بالنسخة العربية ومجموعة ضابطة control group بالنسخة الأجنبية ومقارنة النتائج بين هذه وتلك؟ هل نشروا نتيجة التجارب في مؤتمرات؟

- وحين يقولون ان المجتمع لن يتطور إلا بعد مائة سنة (إن تطور اصلاً في نظرهم)، كيف عرفوا؟ هل جاؤوا بخبراء سياسة واقتصاد واجتماع وقانون، وقدموا دراسة مستفيضة من جميع الجوانب، ظهر منها ذلك الاستنتاج القوي؟

لا ولكن الذي حدث ان طائفة من المجتمع قد رأت اطرافاً متحمسة اكثر من اللازم. رأت اشخاصاً يغنون اغاني وطنية في سذاجة، رأت اشخاصاً يتحدثون عن تعريب العلوم حديث شعارات وشهرة، وحين رأوهم قرروا ألا يصيروا مثل هؤلاء؛ فتبنوا نظرة انهزامية سموها الواقعية والعقلانية. ثم إن جاء مصلح او عامل مخلص حكموا عليه أنه من السذج السابقين واشبعوه سخرية. ولو أتى شخص بتجارب ذات نتائج إيجابية لا يستمعون له مهما قال انه قام بدراسة علمية، ويبنوا آرائهم على تحيزاتهم المسبقة فيكون - يا للعجب - الطرف المتفائل اكثر واقعية منهم.

الذي لم يدركوه انهم قد استبدلوا انطباعاً شخصيا مفرط في التفاؤل بانطباع آخر متشائم، لكنها في الحالتين انطباعات: لم يصيروا واقعيين.

ثم لنفترض - جدلاً - ان الواقع سيء ومظلم كما يصفون. لقد نسوا جزءاً أخراً من الواقعية: ان الواقع ليس حدثاً عارضاً يجري حول الانسان بلا دور للانسان فيه، بل ان كل شخص طرف في الصورة ويمكن ان يؤثر فيها كما يتأثر بها. الواقعية إذاً ليست اعترافاً بالواقع فحسب، بل هي التأثير فيه كذلك.

وذلك التأثير ليس سهلاً. يحتاج مجهود وخطط وتسويق ومنهج علمي. يحتاج أيضاً لتضحيات احياناً، لكن في النهاية...الأمور تتغير. وقد مرت البشرية بعصور عدل وظلم، علم وجهل، عوز ورخاء، ولم يثبت الحال كما هو عليه. هذا من أسس الواقع الأصيلة.

الأربعاء، 18 مايو 2011

خطة للنهضة(3): أفكار للضربات الجراحية

[المحتويات: الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث(هذا المقال)، الجزء الرابع]

ملخص المقالات السابقة:
  • الخطة مبنية على رفع المستوى الفكري وتغيير القيم الاجتماعية
  • الخطة مصممة لتكون موزعة على أفراد وجماعات كثيرة في المجتمع، والارتباط بين تلك المجموعات فكري بدون إدارة مركزية
  • الخطة تعتمد على الضربات الجراحية، أي تحقيق أكبر إنجاز ممكن بأقل وقت وتكلفة ممكنة
الآن في هذا الجزء سأقدّم 'كتالوج' من أفكار عديدة لضربات جراحية ممكنة. ليس لي الفضل في الإتيان بأغلب هذه الأفكار، بل هي نتيجة ملاحظة لتجارب داخل وخارج مجتمعنا.

أيضاً هذه الأفكار لا تغطي سوى جوانب محدودة -- مثلاً جزء الطبقة الوسطى هنا يركّز على قضية إنشاء الشركات بينما لم يذكر أشياء أخرى مهمة مثل إدارة الأموال الشخصية -- الفكرة هنا أن يقوم المجتمع، كل بحسب خبرته وقدرته، في التفكير وتغطية سائر الجوانب بنفس نظام الضربات الجراحية. هذا جزء من فكرة الخطة الموزعة!

العمل بالإسلام

تركيزي هنا على الاحتياج لفئة من العلماء الإسلاميين يجمعون بين التفوق في العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وحديث... وبين التفوق في العلوم البشرية مثل القانون والاقتصاد والاجتماع ...الخ. إن أردنا أن نتقدم كأمّة إسلامية، وإن أردنا أن نخرج مما نحن فيه، وإن أردنا أن نغير المجتمع كله، فسنحتاج إلى بيئة بحث علمي إسلامي نشطة غنية.

ما معنى غنية؟
  • أن تكون دراسة الفقه جذابة للعباقرة الذين يقدرون على التمكن من العلم. والحضارة الإسلامية كانت قديما تلد الواحد من هؤلاء تلو الآخر، وما احوجنا الآن لعدد غزير منهم. وجه الغنى هنا هو الغنى بالمواهب.
  • إسقاط الحواجز التي تحول بين العبورمن فئة العوام لفئة المتفقهين، وأن تكون ابواب العلم مفتوحة واسعة كثيرة. وجه الغنى هنا هو الغنى بالدارسين.
  • غنية يعني تستخدم طرق البحث العلمي الحديثة وتستمد قوة لها من التطورات في كل العلوم: علوم اللغويات وعلوم الاجتماع وعلوم الرياضيات وعلوم الحاسب وعلوم الطب وغيرها. الغنى الفكري.
ما معنى نشطة؟

نشطة تعني مراكز ابحاث للحكم الإسلامي والدعوة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي. باحثون وعاملون ومكافحون في كل لحظة وفي كل مكان في العالم لا يتوقفون ليل نهار [وكثير من هذا موجود بالفعل].

ما هي الخطوات الأولى لتحقيق هذه البيئة؟ لديّ اقتراحات مبدئية:

تحديث طريقة كتابة كتب العلوم الإسلامية

فلنبدأ بالأشياء البسيطة: يمكن مثلا تعميم طرق تهيئة النص الحديثة في الكتب: كاستخدام الbullet points في السرد فيما لا يناسبه الفقرات الطويلة، أو استخدام تنسيق معين للاقتباس من كتب اخرى بدلا من الطريقة التقليدية (طريقة قال فلان.....إنتهى) أو استخدام الجداول والرسومات البيانية والاصطلاحات الرياضية لتوضيح المقاصد (مثلا رأيت كاتبا إسلاميا استخدم Venn diagram في أحد كتبه).

ولا ادعو لاستخدام طرق التنسيق الحديثة الأوروبية فقط: فالعلماء المسلمون كانوا رواداً في تنظيم وعرض المعلومات في الكتب وكثيرٌ مما عملوا جدير بإحيائه في الكتب الحديثة، مثل نظام التعليق على الحواشي أو نظام العنوان الطويل الذي يصف كل فقرة أو الفهارس الموضوعية التي كانت في آخر الكتب (والتي كانت أحيانا تأخذ مجلدا كاملا أو أكثر في الكتاب)، ومن استكشف كتبنا القديمة وجد الكثير مما يدهشه.

كما أننا الآن في عصر وسائل التعليم المبتكرةـ والعالم كله -ونحن فيهم- يبحث عن طرق تطوير طرق التعليم كلها، وأعتقد انه هناك آلاف الفرص الخفية لتطوير تعليم الإسلام عن طريق الكمبيوتر أو الأنترنت أو الmobile devices، وهكذا.

الجمع بين علوم الدين والدنيا والتكامل بينهما

وطالما تكلمنا عن رسومات الVenn diagrams فهناك نقطة أخرى: الاستفادة مما وصلنا إليه في العلوم الحديثة لفهم الكتاب والسنة فهما أكثر. وإن كثيرا من علم الأئمة السابقين يمكن وضعه في صيغ علمية حديثة، وأحيانا تكون العلاقة بين القديم والحديث مدهشة. إليكم مثلا:

كنت أستمع لبرنامج عن علم الحديث وكان الشيخ يشرح مصطلح "الإعلاء" [تخيل شخص سمع حديثا عن فلان عن فلان...سبع مرات حتى يصل الإسناد للرسول صلى الله عليه وسلم، لو استمع هذا الشخص للحديث من راو آخر سلسلة إسناده طولها اربعة، فقد صار اسناده هو أعلى لأنه قلل عدد الرواة بينه وبين الرسول. هذا هو الإعلاء.] ولاحظت على الفور شيئا: ان هذا مرتبط جدا بفرع من الرياضيات هو الgraph theory. لقد اخترع علماء الحديث قطعة من الgraph theory وهم لا يعلمون، وأني أرى استفادة عظيمة لو اخذنا مثل هذا العلم وقد صار علما رسميا وطبقناه على روايات الأحاديث.

نفس النظام بالنسبة للعلوم الأخرى: النظر إلى تطورات علوم اللغويات الحديثة لتعميق فهمنا للغة العربية (مع الحرص على عدم الاتباع الأعمى للعلوم الغربية والاعتراف بالخصائص الفريدة للّغة العربية)، النظر للعلوم الطبيعية لتعميق فهمنا للإعجاز العلمي في القرآن والسنّة، النظر للعلوم الاقتصادية والاجتماعية لتعزيز الدعوة للإسلام (مثلا بإظهار الأضرار الاقتصادية الهائلة للربا، وسائر صور إظهار ما كان يخفى من منافع اتباع الشريعة وضرر تركها، وذلك ليرى غير المسلمين ان تلك الشريعة حقا مُنَزّلة من السماء وانها سبقت وتفوق الشرائع الوضعية الحديثة، ويكون ذلك احد عوامل دعوتهم للدين). ومن يتفكر يجد فرصا كثيرة للاستفادة من سائر العلوم الأخرى.

وكل هذا الذي أقول ليس بجديد، بل هو سنّة علماء المسلمين منذ قرون: العلوم الدينية والدنيوية تتطور جنبا إلى جنب ويكمل كل منهما الآخر.

طبقة وسطى قوية

هناك مجتمعات ثقافتها المخاطرة والطموح (انظر مثلا فكرة "الحلم الأمريكي") ومجتمعات أخرى قيمها البحث عن الآمِن والمعروف..مشكلة السعي المطلق للأمان أنه يعوّد على عدم الاستقلالية وأن يتبع المرء دوما مؤسسة كبرى -حكومية أو خاصة- تكون له راعيا، لكن لو كان هذا هو الاختيار الوحيد أمام الناس ستجد أن معظم ثروات المجتمع تتمركز في يد القلّه التي قد قبلوا المخاطرة وأسسوا الشركات، وتجد أن القليل هم المستقلون والباقي تابعون لا يستطيعون الابتعاد كثيرا عن مصالح المؤسسات التي يتبعوها.

ماذا نفعل لنشجع الناس على الاستقلال بأعمالهم وتكوين شركاتهم؟

1- تقديم أمثلة إيجابية كثيرة: فالناس مثلا يخافون من إقامة شركات متعمقة في البحث التكنولوجي، لكن لو ظهرت شركتان أو ثلاثة تقوم بهذا العلم وكسبت الملايين فستجد الناس يركضون حتى يصطدم بعضهم في بعض من العجالة ليصنعوا شركات اكثر طموحا. لابد من الإعلان والتسويق لفكرة فتح الشركات نفسها وتعريف الناس في كل مكان أن النجاح ليس بعيداً.

2- تخفيف المخاطرة في إنشاء الشركات: وذلك بتجميع وتوفير وبحث كل العلوم المطلوبة من تخطيط وتسويق وقانونيات وبيع وتعيين، وعلينا أن نجعل هذه المعلومات متاحة قدر الإمكان (يفضّل أن تكون مجانية) وأن تُحدّث باستمرار، وأتمنى أن يكون هناك مؤتمرات تضم مؤسسي الشركات الناجحين يتحدثون عن خبراتهم ويمدون يدهم للمؤسسين الأقل خبرة. وأن يأتي كُتّاب يعملون حوارات مع هؤلاء المؤسسين ويجمعون خبراتهم في كتب (مثلا كتاب لكل عشر شركات). لا اتحدث عن أمور التنمية البشرية وسائر النصائح العامةـ بل اتحدث عن التفاصيل والخبرات المتخصصة...كيف عين فلان هؤلاء الموظفين العباقرة؟ هل هي الinterviews؟ أم بيئة العمل الجذابة؟ وما نوع اسئلة الinterviews؟ وكيف تأكد أن المتقدمين لم يغشوا في الإجابة؟ ولماذا كانت جذابة تلك البيئة؟ أكان سبب جاذبيتها المرتبات الكافية ام اعطاء الناس الحرية في إدارة انفسهم ام امتيازات غير مادية؟ وكيف وازن بين اعطاء الناس الحرية وبين تأسيس بيئة عمل منظمة مُتحَكّم فيها؟ وكيف باع منتجاته؟ وكيف حافظ على مستوى خدمة العملاء؟ وكيف يقوم بترقية الموظفين؟

معلومات لا تقدر بمال، ووجودها سيُسقِط ألف حاجز أمام إنشاء شركات جديدة.

3- تمويل الشركات الجديدة، خاصة التمويل من نوع seed funding الذي يقدم مبالغ أقل من أنواع التمويل الأخرى مقابل التزامات أقل من أصحاب الشركة. دفع مبالغ قليلة للتمويل له فوائده: أنه يعطي الفرصة لتمويل شركات اكثر، أنه يسمح لأفراد اكثر من المجتمع أن يمولوا بدلا من اقتصار الفرصة على الحكومات أو الأغنياء، وأن كَوْن المبلغ قليل هو نوع من التصفية يدفع الممول للبحث عن الأذكياء المكافحين الذين ينجزون الكثير بأقل ما يمكن. المبرمج المتمكّن مثلا سيعرف كيف يستخدم برامج الopen source وكيف يجمّع اجهزته بنفسه وكيف يستخدم الأنترنت الاستخدام الأمثل للتسويق بدلا من الاستعانة بشركه دعاية غالية، وهكذا. فإن وجدت هؤلاء فهم فعلاً يستحقون التشجيع والدعم.

الخبر الجيد أن مؤسسات الseed funding تنتشر الآن بكثرة في العالم العربي والإسلامي، لكن مازال أمامنا الكثير لنعرفه في ذلك المجال. كيف يمكن تمييز من يستحق التمويل ممن لا يستحق؟ كم سنة ترعى الشركة قبل أن تتركها؟ وكيف ترعاها بالضبط، ما الذي يحتاجه أصحابها منك؟ وماذا تطلب منهم في المقابل؟ يبدو انه كما احتجنا "فقه تأسيس الشركات" في النقطة السابقة فإننا نحتاج "فقه تمويل الشركات" هنا.

4- البحث في طرق جديدة لمزاولة العمل. هناك اشخاص لا يريدون إنشاء شركات وفي نفس الوقت يريدون بعض الاستقلال الشخصي وعدم الارتباط بمؤسسات كبيرة. نحن في القرن ال21 فلماذا نصرّ على ممارسة أعمالنا بالطرق القديمة؟ الا يمكن مثلا عمل شركة برمجة بها فريق إداري وقانوني ومحاسبي ثابت لكن كل مبرمجيها من الfreelancers؟ هكذا يكون المبرمج قد احتفظ بحريته لكن لم يحتج لتولي مسؤوليات لا يريد توليها، وفي نفس الوقت فإن الشركة الأم قد فازت بالمرونة (يمكنها تعيين المبرمجين وتركهم في أي وقت) وبمزايا اقتصادية (لن تدفع مرتبا لمبرمج إلا لو كان يعمل في مشروع) وهكذا.

أو ماذا عن مبنى مستشفى لكن كل طبيب فيه له عيادته الخاصة، والمبنى يوفر خدمات مشتركة مثل غرفة عمليات مجهزة وغرفة أشعة وفريق نظافة، لكن مازال كل طبيب له استقلاليته؟

علم مستشري

1- علّموا الأطفال البرمجة. كما قلت في مقال سابق: البرمجة تعطي نتائج فورية، لأن الطفل سيتشجع حين يكتب برنامجا و يري نتيجته امامه بينما لن يقدر، مثلا، أن يخترع طائرة فورا اذا تعلم كيف تعمل الطائرات، إنتهى. تحدثت كثيراً في هذا المجال،عن أهمية فكرة لغة برمجة عربية لتعليم الأطفال، وأهمية وجود بيئة اجتماعية كاملة من الكتب والمواد التعليمية والخبراء الذين يفهمون في هذا المجال. الموضوع يشغلني كما ترون.

2- العلم بصورة جذابة: في طفولتي كانت هناك الكثير من الكتب التي تحكي عن الجسم البشري والبصريات والآلات والفيزياء والكيمياء كلها بصورة جذابة جدا ورسومات متميزة -ليست فقط رسومات شكلها جميل ولكنها أيضا تجعل الصعب واضحا- بعض هذه الكتب كان مترجما عن كتب أجنبية وبعضها كان عربيا. لا أعلم كيف حال كتب الأطفال هذه الأيام لكني اتمنى فعلا وجود صورا حديثة لهذه الكتب التي رأيتها، والاستفادة من الوسائل الحديثة (كمبيوتر، انترنت...الخ) في هذا الهدف قدر المستطاع.

3- كتب مفتوحة للجميع: هذا الجزء من الخطة يتطلب شيء من التمويل لكنه مازال ممكناً، (هناك مؤسسات خيرية مثلا لديها أموال بالمقدار اللازم). الخطة هي جمع عدد من أفضل الأساتذة والخبراء العلميين وتمويل تأليفهم لكتب في مختلف المجالات، الطب والهندسة والحاسوبيات والرياضيات والفيزياء...الخ وتكون هذه الكتب تصلح ككتب جامعية، بشرط أن يتخلى مؤلف الكتاب عن حقوق الملكية الفكرية ويكون الكتاب متاحا للجميع، إما كمِلْكٍ عامٍ أو تحت رخصة مفتوحة تسمع بالتداول التجاري وغير التجاري. هذا سيؤدي إلى توافر الكتب في كل مكان: من على الإنترنت أو يصوّرها الناس من معارفهم أو تأتي مطابع محلية وتطبعها رخيصة، كل هذا بصورة قانونية تماما. أعتقد ان مثل هذا المشروع حاجز أمني ضروري أمام قوانين الملكية الفكرية الدولية التي قد تؤدي لصعوبة الحصول على المراجع بسبب غلاء هذه الكتب وهيمنة دور النشر الأجنبية على إنتاجها. وعموما ليست تكاليف الخطة بالخيالية لأن الكتاب فيها يُؤلّف وُيدفَع ثمنه مرة واحدة ثم يُطبع ويُوَزّع بلا حدود.

4- مجالس العلم: ذات مرة مررت بجانب مسجد وسمعت محاضرة تُلقَى بالداخل فدخلت وجلست أستمع. كانت تجربة جميلة، أن استمع لعلم بدون سبب اكاديميّ أو وظيفي. اتمنى أن تعود فكرة مجالس العلم، سواء في المساجد أو بصورة مستقلة، كنوع من "العلم العرضي" أي بصورة عارضة بلا خطة مسبقةـ يمر المرء فيرى علما فيجلس يستمع.

5- العلم باللّغة العربية: انظر لمصطلح في علم الأحياء مثل ungulates، أيهما أسهل في التعلّم: "أُنجُليت" أم "الحافريّات"؟ أيهم أدل على سبب التسمية؟ ماذا عن platyhelminthes...هي أم "الديدان المسطّحة"؟ أو لننظر في علم الرياضيات، أنقول dodecahedron أم "ذو الإثنا عشرة سطحا"؟ إن المصطلحات العلمية لاتينية الأصل تبدو غريبة ليس لمتحدثي العربية فحسب بل لمتحدثي الانجليزية أنفسهم الذين تجدهم يبحثون عن معناها كما نبحث نحن! مقابل ذلك فإن اللغة العربية وعاء يستوعب ما تريد من العلوم.

أكثر من ذلك: دراسة وإنتاج العلم بالعربية معناها امتداد عبر المكان (أي أن كل الدول الناطقة بالعربية تستطيع تبادل المعرفة بسهولة على عكس العالم الأمريكي مثلا الذي يجب أن يتعلم لغة جديدة ليقرأ الأبحاث الألمانية...أو ينتظر الترجمة) وامتداد عبر الزمان (أي أن الأجيال القادمة سيكون متاح لها كل العلوم التي أنتجناها كما كان متاح لنا علوم الذين سبقونا، بينما الأوروبيون علومهم السابقة بلغات اخرى أثرية تحتاج متخصصين لفهمها، مثلا كتب نيوتن صدرت باللاتينية). دراسة العلم بالعربية معناها بالطبع أيضا إسقاط عائق كبير من عوائق التعلم أمام أفراد أمتنا.

6- الاستكشافية: هل سمعت عن الexploratorium؟ إنها مثل متحف علميّ يذهب إليه الجميع، خاصة الأطفال، ليروا العلم ويشاهدوا التجارب. كيمياء، تشريح، المغناطيسية، المجموعة الشمسية. بالمناسبة نحن لدينا تجربة مفيدة في هذا المجال لكن يمكننا أن نطور فيها أكثر. أتخيل استكشافيات مبهرة تحت سطح البحر أو منطاد في الجو أو يسير فيه الزائر كأنه بداخل الجسم البشري (هناك مثلاً متحف هكذا في هولندا).

7- الالعاب! أعتقد أنه يمكن الإبداع كثيراً في استخدام الألعاب لتحبيب الأطفال في العلم. لا تخف من التعمق؛ هل تعلم مثلاً أنه هناك لعبة جماعية لتعليم البرمجة اسمها C-Jump؟ أو ألعاب ذات خلفية تاريخية/اقتصادية مثل "Made for trade"؟ بل أنه هناك من يحاول عمل لعبة عن فتح الشركات حيث تحاول الحصور على تمويل وتعين فيها مبرمجين وخبراء تسويق. هيا نحبب الناس في العلم!

8- وسائل للاختراع: من بعد الأطفال، ماذا عن المراهقين والشباب؟ أفكر في نشر "روح المهندس" أو "روح المخترع" فيهم؛ ماذا لو نشرنا بسعر رخيص وبطريقة آمنة وسائل الاختراع؟ نبدأ بالمكونات الإلكترونية من boards وmicrocontrollers ثم بعدها أشياء مثل المضخات، محركات صغيرة، خراطيم وتروس وسيور...ثم ندع الباقي لخيالهم. دعهم يحولون كرسي بعجلات إلى سيارة، ثم يتحكمون بها بالكمبيوتر عن بعد، ثم يصنعون سرباً من السيارات ويلعبوا به العاب real time strategy في الحقيقة الواقعة :)

هناك الآن في مجتمعنا حركة شبابية في اتجاه تعديل شكل السيارة car modding، وهؤلاء شباب يمسكون بجهاز اللحام ويتعلون مهارات تقنية من نفسهم بدون دافع خارجي (بالضبط كما نريد). ربما لو استثمرنا في مثل هذا النشاط وزودناه لحصلنا على سيارة انتاج محلي أنشأها الهواة - تماما مثل عصور المخترعين في أمريكا: ألم يصنع الأخوان رايت طائرة بأنفسهما في ورشتهما الخاصة؟

سيارة عربية open source :)


تذكر أن هذه كلها هي أمثلة توضيحية لفكرة الضربات الجراحة في محاور خطتنا الثلاثة. أتمنى أن تعم هذه الفكرة المجتمع ويبدأ الجميع في وضع ضرباتهم الجراحية الخاصة لتصير الخطة موزعة كما تكلمنا في الجزء السابق. كما قلت: هذه الخطة ليست لقيادة مركزية لكن للمجتمع كله.

هناك أشياء أتمنى أن أقوم بما أستطيع منها (أرحب أن يقوم بها 'المجتمع' أيضا، فلا يوجد ما يجعلني أظن أن تجربتي بالذات هي 'الصحيحة' أو هي التي ستنجح). هذه الأشياء كنت أفكر فيها منذ مدة وتحدثت عن كثير منها على هذه المدونة. بعضها لم أتحدث عنه بعد...

(البقية في الجزء القادم)

الجمعة، 25 فبراير 2011

خطة للنهضة(2): إصلاح موزع، بيئة مفتوحة، ضربات جراحية

[المحتويات: الجزء الأول، الجزء الثاني (هذا المقال)، الجزء الثالث، الجزء الرابع]
إصلاح اجتماعي موزّع

الخطة التي اقترحها ليست "خطة" بالمعنى التقليدي. ليس فيها توزيع لأدوار ولا مراحل أو deadlines أو كل هذا، بل إنه حتى الخطة نفسها لن تكون مكتملة تماما: ستكون بها أجزاء موجودة وأخرى سأترك الناس ليكملوها هم. والأجزاء التي سأقدمها ستكون لها مكونات أنضج من الأخرى.

لن يكون هناك قيادة مركزية تتولى تنسيق كل الأدوار في الخطة، بل سيكون الموضوع في صورة معلومات وأفكار متاحة للجميع، ويساهم فيها الجميع، والكل ينفذها بطريقته سواء وحده أو في فريق يكونه أو ينضم له (يمكن لذلك الفريق أن يصغر أو يكبر لأي حجم). لو أرادت مؤسسة أو جهة حكومية أن تشارك في الخطة فمرحباً بها، لكن يجب عدم الاعتماد على تلك المؤسسة بالذات ولا تحويل الخطة لخطة حكومية لأن هذا سيكون له ثمن سندفعه من صلابة الخطة ومتانتها كما وصفت في المقال السابق.

لماذا هذه الطريقة الجديدة؟ الم يكن الأفضل عمل خطة تقليدية فيها توزيع للأدوار والمراحل وتثبيت للإدارة؟ أليس الأفضل تقديم خطة مكتملة من البداية؟ ما الهدف من كون الخطة "متوزعة" بدلا من "ممركزة"؟

لديّ أربعة أسباب قوية لما أفكر فيه. الخطة الموزعة (1) أسهل انتشارا وأكثر كفاءة. (2) تبقينا صادقين. (3) تشجع بيئة من التجريب والحرية. (4) أليَن مع الأخطاء.

1- أسهل انتشارا وأكثر كفاءة: أنا لا أريد أن انتظر حتى يجتمع فريق من الناس ثم يختارون قيادة ثم يضعوا جدول أعمال ثم...ثم... هذا معناه تقريباً أن الخطة ستتوقف قبل أن تبدأ. أنا أريد أن أبدأ الآن.

أيضاً إن ألزمنا أنفسنا بخطة مركزية فذلك سيساهم في جعل نشر تلك الخطة أصعب لأن كل شخص يود المساعدة سيجب البحث له عن دور في "الفريق الرسمي"، ولو كان موجوداً بالفعل من يقوم بهذا الدور فسنجد أنفسنا نرفض الوافد الجديد لأن دوره متكرر. ولو حدث خلاف بين "القيادات" فسيتعطل التقدّم.

لكن في حالة الخطة الموزعة من أراد أن يساهم فما عليه سوى أن يأخذ فكرة وينفذها بدون الحاجة لإذنٍ ولا تفاوض، ولو اختلف اثنان على طريقة التنفيذ فالحل بسيط جدا: فلنجعل الأمرَ علميّاً وليس بالآراء، وكل منهما له حرية تطبيق طريقته الخاصة كما يشاء، فالطريقة الناجحة يثبت نجاحها تجريبياً والطريقة غير الناجحة نستفيد من دروسها.

ثم أن الخطة الموزعة تعني انه لا حد أقصى لفريق العمل، وتحل مشكلة تكرار المواهب (أي لو وجدنا شخصين يقدران على نفس الدور فيمكن لكل منهما أن يعمل في فريق مستقل ولا داع لاختيار أحد منهما في الفريق "الرسميّ").

وأخيرا، فإن بعض أجزاء الخطة يحتاج أبحاثاً لشهورٍ أو سنينٍ قبل أن يكتمل. والسماح بأن تكون الخطة غير كاملة يعني أنه يمكن البدء في الأجزاء الموجودة بغير تأجيل، ويعني إعطاء الفرصة للآخرين أن يكملوا الناقص هم، ربما بأفضل من صاحب الخطة الأصلي.

2- تبقينا صادقين: في المؤسسات التقليدية كل مدير له سلطة رسمية وسلطة فعالة. أما السلطة الرسمية فتتبع من مركزه ودوره الإداري. وأما السلطة الفعالة فتتبع من كونه على حق وقدرته على إظهار ذلك الحق للناس وقدرته على التنسيق بين أهدافهم وأهدافه. السلطة الفعالة غالبا ما تكون أقوى، وغالبا ما تكون هي السلطة الحقيقية.

تحويل الخطة لخطة موزعة معناه التنازل عن كثير من السلطة الرسمية. من الآن ستكون انت وأفكارك أمام الناس: لا يوجد مركز تختبيء وراءه ولا سبب رسمي يجعل احد يتبعك. لا تعود عبارة "نفذ كلامي لأني القائد" كافية.

هنا تكون الطريقة الوحيدة أمامك للتأثير على الناس هي أفكارك وكلمتك. عليك إذاً أن تسعى لأن تظل على حق طوال الوقت، وتظل طوال الوقت مقنعا. وهذا هو المطلوب.

3- بيئة للتجربة الحرة: التقدّم في أي مجتمع أو مؤسسة يعتمد على توازن بين حسن الإدارة (منعا للفوضى) وبين حرية التجربة والمخاطرة (منعا للجمود). ونحن الآن في عصر جديد والمجتمع يتغير من حولنا والتجربة الآن لها أهمية قصوى بأن القواعد التقليدية لم تعد تكفي. الخطة الموزعة تعني أن كل شخص متأثر بالخطة يمكنه أن ينفذها بأسلوبه الخاص ونمطه. ولعلها مع الوقت تتحور وتتشكل حتى تأتي في صورة لم يتوقعها حتى أصحاب الأفكار الأصلية!

أتمنى أن اجد سبعة فِرَق ينفّذون نفس الفكرة بسبعة طرق مختلفة. أتمنى أن يحدث "تفريخ" للأفكار بحيث تلد كل فكرة أفكاراً أخرى. أتمنى أن يجرّب كل شخص ما يريد بشجاعة وبدون انتظار إذنٍ من "المدير".

4- أليَن مع الأخطاء: ماذا لو كانت الخطة مخطئة؟ ماذا لو كانت صحيحة ونُفّذت بالطريقة الخطأ أو حتى نُفّذت جيداً لكن لم يكن الحظ مواتياً؟ لو تحقق ما أرجو فلن تكون تلك مشكلة كبيرة لأنه سيكون هناك -إن شاء الله- عشرات الفرق ومئات أو آلاف الأفراد كلٌ يجرب بطريقته الخاصة ومجاله الخاص، وهكذا تجد الخطة تدخل في اتجاهات جديدة وتمر من حول الأخطاء كتيار الماء يمر من حول الصخرة.

(وحين نقرأ عن مزايا الdistributed computing، ألا نجد من أهمها الfault tolerance؟)

ولو فشل فريق من الفرق فلديهم وقت إن أرادوا يستعيدون فيه أنفاسهم، ويتعلّمون من أخطائهم، ويعاودون المحاولة بدون أن يؤثر ذلك على باقي الخطة.

بيئة مفتوحة

لما سبق أتمنى أن يكون نشاط النهضة في مجتمعنا في بيئة فكرية حية. فكر في الموضوع مثل مشاريع الOpen source: الخطط معلنة ومفتوحة. من حق أي شخص أن يستفيد منها أو أن يعدل عليها أو يفرّع منها مشاريعا جديدة، والتعديلات الأفضل تعود لصاحب المشروع الأصلي ليضمها إلى جذورها الأولى. الكل يتبادل الخبرات والمعارف، والخطط الأفضل هي التي تزدهر.

إن مشاريع الopen source تعلمنا أن حرية التجربة -على المدى الطويل- كثيرا ما تفوق التصميم المركزي، وإن مشروعا مثل Linux صار يتقدم ويزداد ابتكارا لأن كل مبرمج مبدع يمكنه أن "يلعب" فيه بغير إذنٍ ولا تكلفة. ولم يؤد هذا لتطور Linux فحسب بل صار له أيضا "أولاد" مثل Android. فلنجرب التخطيط بمثل هذه الطريقة إذاً.

وأخيراً: نحن قد جربنا ثورة شعبية بلا قائد. فلماذا لا تكون النهضة -هي أيضا- نهضة مجتمع لا نهضة قائد؟

ضربات جراحية

نأتي الآن لنقطة مهمة جداً: أنا أريد الخطة متوزعة على أفراد أو فرق صغيرة وكبيرة، فهل هذا واقعيّ؟ أليست الحكومات والمؤسسات الكبرى هي التي تستطيع أصلاً فعل شيء لأن لديها الأموال والموارد والتنظيم...الخ...الخ؟

ليس ذلك واقعياً جداً. إنه ببعض الإبداع وبعض التكنولوجيا (والإبداع أهم من التكنولوجيا) يستطيع الفرد الواحد أن يفعل ما يفعله مائة.

(أنظر لدور الفيسبوك مثلاً في الثورة المصرية.)

نحن نريد في خطتنا أن نركّز على الضربات الجراحية. إنّ الجراح الماهر يضرب بالمشرط في المكان الصحيح فتجده قد عالج المرض في ثوانٍ، ونحن بدورنا نريد أن نخطط لتحقيق أهداف تؤثر على آلاف من الناس بأقل موارد ممكنة.

مثال على ذلك مثلاً أكاديمية سلمان خان، وهو أمريكيٌ من أصلٍ بانجلادشيّ أراد أن يساعد في مجال التعليم فقام بعمل تسجيلات فيديو يشرح فيها المواد المدرسية من الرياضيات والعلوم لكل المراحل ووضعها على الإنترنت. مثل هذا العمل يمكن أن تكون نتيجته كفتح مدرسة في كل مكان به إنترنت! ثم أنه أتى آخرون وبنوا هم على المنصة التي وضعها (مثلاً شركة عربية قامت بنشر فيديوهات لهذه الدروس مترجمة)، ويمكن لأفراد أو مجموعات التدريس بهذه المواد أو الإضافة إليها؛ وهكذا تتحرك عجلة التعليم...

نحن نريد إذاً نشر روح الضربات الجراحية في نهضتنا، ونريد للناس أن يفكروا في هذا الاتجاه، وأن يفعلوا ذلك بحرية وبدون الحاجة لإدارة مركزية، وأن يكون هناك اهتمام خاص بمحاورنا الثلاثة: العمل بالإسلام، الطبقة الوسطى القوية، العلم المستشري.

في الجزء الثالث أقدّم لك أمثلة للضربات الجراحية في كلّ من هذه المحاور :)

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

خطة للنهضة(1): المجتمع الذي نعيش فيه

[المحتويات: الجزء الأول (هذا المقال)، الجزء الثاني ، الجزء الثالث، الجزء الرابع]

انظر نظرة سريعة إلى ما نحن فيه الآن...

قد خرجنا لتونا من ثورة (أو انتفاضة)، وهناك حديث كثير عن الديموقراطية، والتقدم الاقتصادي، والبحث العلمي، وعن دولة جديدة.

لكننا لا نستطيع أن نفعل كل ذلك ونحن كما نحن نفس الأشخاص. كل خطوة من الخطوات السابقة لها ثمن فكري لابد أن نجهز لدفعه. لا أتكلم فقط عن "الاستعداد للديموقراطية" أو "ثقافة الديموقراطية" التي يتحدث عنها البعض، بل أتكلم عن مستوىً فكريٍ شامل في كل مجالات الحياة، دينية وسياسية واقتصادية وعلمية واجتماعية...

هناك شيئان أركّز عليهما هنا:
  • المستوى الفكري العام للمجتمع
  • القيم الاجتماعية
(لا أقصد القيم بمعنى الأخلاق فقط...بل بمعناها في علم الاجتماع؛ مثلا المجتمع الأمريكي يحب فكرة فتح الشركات وعمل المشاريع، المجتمع الاوروبي له قيم متعلقة بالحرية الفردية "أحترم حريتك إن لم تتعد على حريتي"....الخ، وعلينا ان ننتقي القيم المرغوب فيها ونفصل بينها وبين غير المرغوب فيها. سيتضح الأمر بعد قليل).

لماذا هاتين النقطتين؟ تعال نتكلم أولا عن الإسلام وحياتنا.

هناك في كثير من الناس فقر بالمعرفة الاسلامية. بدايةً من مباديء الحياة اليومية (كثير من الناس لا يعرف كيفية التيمم مثلا) ومروراً بمعنى كلمة "فتوى" وشروط من يفتي، والتمييز بين فتوى علمية ورأي شخصي. هذا الفقر يؤدي لأن يكون المجتمع معرض لمن يريد تضليله. معرض لأن يأتي أي شخص يقوم بارتداءِ جلبابٍ ويبدأ في الحديث عن الإسلام كأنه يعي ما يقول ويقدم لك سيلاً من المغالطات، ومن الناس مَن قد يتأثر بهم لعدم معرفته بأي شيء عن الفتوى والفقة.

ثم ونحن الآن نتكلم عن الديموقراطية ودولة جديدة ودستور جديد سيكون أمامنا تحدٍ كبير يتمثل في الصراع بين الإسلام والعلمانية (العلمانية هي الدعوة للحكم بالقوانين البشرية والفصل بين الدين والدنيا، والكلمة اصلها مرتبط بـ"العالم" -المقصود الدنيا- وليس بـ"العلم"). في بدايات القرن الماضي كان هناك حوار وطني طويل بين الراغبين في الحكم بالإسلام وبين العلمانيين، دار هذا الحوار في الكتب وفي الصحافة وفي الندوات وحتى على المقاهي، وأتوقع الآن أن يدور مثل هذا الحوار وقد يأخذ سنيناً طويلة..

نقطة مهمة هي أنه في بدايات القرن الماضي كان الناس على درجة واسعة من الثقافة، وكنت تجد كتابا عن المجتمع المصري مؤلفه موظف بالبريد أو مقالاً كتبه مدرس ثانوي...كان المجتمع كله على مستوىً فكريٍ عالٍ يسمح بأن يكون الجميع طرفاً في الحوار، إما مستمعاً وإما مشاركاً، ويسمح للحوار أن يكون على مستوىً راقٍ يبتعد عن السطحية. فإن أردنا أن يكون الحوار الحالي بنفس القوة فيجب تجهيز المجتمع نفسه فكريا لذلك، وإلا بدلاً من أن يكون حواراً قوميا فسيكون حوار في قاعة كذا فندق كذا ولم يستمع له أحد.

هناك أيضاً دور مهم للعلوم البشرية في هذا الحوار، ودور لها في العلوم والأنشطة الإسلامية عموما، من فقه وتفسير ودعوة...الخ
كيف نستفيد من النظريات القانونية الحديثة في الفقه الإسلامي؟ ماذا عن النظريات السياسية الحديثة والحكم الاسلامي؟ ماذا عن الاقتصاد الإسلامي؟ السياسة الخارجية الإسلامية؟

ما المنافع الاقتصادية من تحريم الربا؟ ما المشاكل الاجتماعية التي يحلها السماح بتعدد الزوجات؟ ألا ينبغي الاستعانة بالأبحاث في مثل تلك المواضيع أثناء الدعوة للإسلام؟ أبحاث حقيقية مؤكدة بالأرقام والإحصائيات وليس مجرد اجتهادات فكرية؟

[ملاحظة: هناك بالفعل مؤسسات إسلامية تجري مثل هذه الأبحاث وأكثر؛ هدفي هنا ليس نقداً أو القاء لومٍ على أحد بل التوعية بأهمية العلوم الدنيوية في خدمة الإسلام]

ماذا عن العلوم الأخرى مثل النحو ودوره في التفسير وما شابه؟ هناك محاولات كثيرة ظهرت لتطوير علم النحو العربي، بعضها بعيد عن الصواب والآخر قد يكون قد اقترب من الصواب (إلى حد ما)، ألا ينبغي أن يكون هذا نشاط يعترف بأهميته المجتمع كله ويقوم به الكثير بدلاً من أن يكون نشاطاً فردياً؟ إنني أرى من علامات النهضة في أية مجتمع اهتمام الناس بلغاتهم؛ وفي النهضة الأوروبية ظهر نشاط واسع في كتابة القواميس وضبط قواعد اللغة الانجليزية (مثلا)، وحتى الآن في بلاد مثل أمريكا تجد الناس ينقدون من يرتكب الأخطاء الإملائية أو النحوية بينما لدينا لا تجد قيمة اجتماعية لهذا الموضوع في الأصل -- أو بمعنى أصح كان لدينا هذه القيمة بشدة ثم اندثرت.


الآن تعال نتكلم عن الاقتصاد. من أهم الأشياء في أية مجتمع أن يكون لديه طبقة وسطى قوية (الطبقة الوسطى هي بين الأغنياء شديدي الغنى والفقراء -- مثلا الأطباء، أساتذة الجامعة، فئة من التجّار، المبرمجون). هذه الطبقة لديها ما يكفي من الاطمئنان الاقتصادي لكي تبدأ في التفكير في المجتمع من حولها، وفي الحق والباطل والعدل والظلم والنهضة العلمية، بينما إذا انقرضت تلك الطبقة ستجد كل شخص مشغول في كسب الرزق أو سداد الديون فلا يجد متسعا لما وراء ذلك.

الديموقراطية في أوروبا نفسها بدأت بظهور طبقة من الحرفيين والتجار والصناع نمت شيئا فشيئا حتى قويت وتركز جزء كبير من ثروة البلاد في أيديهم فلم يعد الملوك يستطيعون السيطرة على هؤلاء كما كانوا يفعلون مع الفقراء، فاضطروا لإرضائهم والتنازل لهم عن السلطات شيئا فشيئا.

نريد إذاً - إن استطعنا - أن نغير قيم المجتمع بحيث يكون المجتمع أقدر على تكوين تلك الطبقة الوسطى وتنميتها والحفاظ عليها.

من القيم التي نريد تغييرها هي قيمة تفضيل الأمان على الطموح (مثلاً تفضيل الوظيفة المستقرة على فتح شركة). ومن المستويات الفكرية التي أتمنى رفعها هو فكرة ادارة الناس لأموالهم؛ إن معظمنا علاقته بأمواله بسيطة جدا: خذ المرتب أول الشهر، انفق بعضه وادخر بعضه، انتهى؛ بينما في مجتمعات اخرى هناك علوم كاملة لإدارة الأموال الشخصية تشبه إدارة أموال الشركات: كم تدخر؟ كم وأين تستثمر؟ كيف تحدد لنفسك اهدافا اقتصادية للمدى الطويل (مثلا سنة كذا أريد شراء بيتا أوسع) وكيف تتقدم نحو هذه الأهداف؟

أيضا لابد أن يفهم الناس مباديء الاقتصاد كي نستطيع عمل حوار قومي عن دور الدولة في أشياء محددة. مثلا أنا ممن يؤيد بشدة فكرة مجانية التعليم ويرى أنها حاجز واقٍ للمجتمع، ووسيلة للحراك الاجتماعي (مثل انتقال فرد من الطبقة الفقيرة للطبقة الوسطى)، وضرورة أساسية للنهضة العلمية. هناك من يخالفني في هذا، لكن إن أردنا أن يكون حوارنا علميا لا آراء شخصية، وأن يكون حوارا وطنيا لا حوار افراد، فيجب أن يكون المستوى الفكري للمجتمع أعلى وأن يعرف الناس شيئا عن علوم الاقتصاد والاجتماع.


نأتي الآن لفكرة أخرى: فكرة العلم المستشري.

كل حين نسمع عن إحصائية على غرار "الأوروبي يقرأ س من الكتب كل عام، الياباني يقرأ ص من الكتب كل عام..." ثم في النهاية لابد من الإحصائية المضحكة عن العربي الذي يقرأ في المتوسط كتاب ونصف في العام.

دعنا من السخرية من أنفسنا قليلاً ولنفكر بالعكس: ما الذي يجعل الأوروبي يقرأ كل هذه الكتب أصلاً؟ وماذا سيستفيد من هذا؟؟

إجابة الجزء الأول هي أنه يقرأ هذه الكتب لأن المعرفة هي قيمة اجتماعية لديه في حد ذاتها. لا ينبغي أن يكون سيحصل على شهادة أو وظيفة لكي يأتي بكتاب ويقرأه بل هو يحب إثراء ثقافته كما يحب غيره المركز الاجتماعي مثلاً.

الجزء الثاني: وهل سيفيد هذا؟ أجل:

أولاً لابد أن يتعرف الناس على العلم ليدركوا كيف يسير البحث العلمي وكيف تتقدم الأمم علمياً. تخيل مثلاً لو أرادت الدولة في مصر تخصيص مائة مليون جنيه للبحث العلمي وتم تقديم اقتراحين: انفاق المائة مليون كلها في تطوير طائرة نفاثة جديدة أو انفاق خمسين مليون للطائرة النفاثة وخمسين لتطوير نظرية رياضية جديدة. أخشى أن يأتي الكثير ممن يطالبون بوضع المال المخصص كله للطائرة النفاثة، وأن تجد الناس يشكون من هؤلاء المغفلين الذين يريدون تضييع نقود الدولة في المعادلات الرياضية!

وقد حدث موقف مشابه معي وانا طالب بالفرقة الأولى في الكلية: جاء التلفزيون ليرى مشاريع التدريب الصيفي التي قام بها الطلبة، ووقفوا طويلاً أمام موقع للأنترنت قام اصدقائي بتصميمه واعتبروه خطوة جميلة للأمام ثم جاء دور مشروع فريقي أنا، وبدأت أتحدث عن برنامجنا الذي يحسب العمليات الحسابية ويرسم الدوال ويشتقها. هذا لم يقفوا أمامه كثيراً ووجدت أحدهم يعلق بأن يقول أنني "بتاع الدوال". هذه مشكلة؛ إن علم التفاضل والتكامل وما تفرع منه هم مكون اساسي في كل الاختراعات تقريباً في القرون القليلة الماضية: الطائرات، الاقمار الصناعية، المصانع، الكمبيوتر، وحتى كاميرا التليفزيون التي يحملها ذلك الشخص، لم تكن لتظهر لولا علوم الدوال الرياضية. وإن أردنا أن نخترع أي من هذه الأشياء فيجب أن يطلع الناس على العلوم ويعرفوا كيف يساهم كل علم في التقدم البشري ولماذا يدرسه الناس أصلاً.

ثانياً، العلم لابد أن يكون قيمة اجتماعية ليكون الدافع للتقدم العلمي داخليا (يريده الناس بأنفسهم) لا خارجيا (يريده الناس من اجل مكافأة أو خوفاً من عقاب). لو نظرنا مرة أخرى لفترة النهضة الأوروبية كنا سنرى الاختراعات تأتي متتالية وراء بعضها؛ هذا يطور مضخة فيأتي هذا ويطور محركا ويأتي هذا فيطور العدسات فيأتي ذاك يطور التلسكوب ويأتي هذا فيطور الميكروسكوب فيأتي هذا يكتشف الجراثيم فيأتي هذا يكتشف المضاد الحيوي...كل ذلك معناه أن الاختراع قد صار شيئاً في دماء فئةٍ كبيرةٍ من الناس وليس فقط في يد وزارةٍ للبحث العلميّ أو في مركزٍ للأبحاث. معنى هذا أن الناس أنفسهم كانوا متعطشين للعلم والاستكشاف.

ثالثاً، أنت لا تعرف متى ستأتي فائدة للمعلومات التي تقرؤها من الكتب في حياتك. الباحثون في علوم الكمبيوتر يستفيدون مثلاً من الأحياء والفيزياء (فكر مثلاً في مصطلح حوسبي مثل "neural network" أو "polymorphism" أو "simulated annealing")، مؤسسو المواقع مثل Facebook يستفيدون من علم الاجتماع، تفكيري الشخصي في موضوع النهضة بدأ من قراءة في التاريخ. ثم أن كل منا بحكم كونه مواطن يريد أن يعيش في دولة ديموقراطية عليه أن يفهم شيئاً من الفقه وعلوم الاجتماع والاقتصاد ومباديء البحث العلمي...الخ كما ذكرنا.

نحن نريد أن يكون العلم هو نشاط اجتماعي كامل يشارك فيه جميع الشعب بكل فئاته صغاراً وكباراً؛ وأن يكون له قيمة اجتماعية تجعلهم يعملون ويبحثون ويتطلعون إلى أهداف أكبر فأكبر.


قد عرفناً إذاً الاتجاهات التي أرغب أن تسير فيها في خطتنا للنهضة، وعرفنا فكرة رفع المستوى الفكري وتغيير القيم الاجتماعية. يبقى شيء أريد أن أقوله:

أتمنى، إن شاء الله، أن تكون خطتنا للنهضة هي خطة صلبة أو متينة. لا أقصد الصلابة بمعنى الجمود وعدم المرونة ولكن أقصد الرسوخ والثبات أمام العوائق (فكر في مثل كلمة robust في هندسة البرمجيات التي تعني أن يكون النظام البرمجي ثابتاً أمام الأخطاء البرمجية أو حتى مشاكل ال hardware).

بتفصيل أكثر عن نقطة الصلابة، أنا أسأل هذه الأسئلة عن خطة النهضة المقترحة:
  • هل هي تعتمد على الحكومة بحيث لو زال الدعم الحكومي تزول الخطة؟ (ونحن نسمع كثيراً عن الوزير الجديد الذي يأتي فيلغي كل مشاريع الوزير السابق، ولا أتوقع أن يختفي هذا بين يوم وليلة).
  • هل هي تعتمد على مؤسسة معينة أو شخص معين تختفي باختفائهم؟
  • هل قيادتها مركزية بحيث إذا مات قائدها أو يئس أو اختلف مع باقي الفريق تتعرقل الخطة؟
  • هل يمكن تطبيق هذه الخطة في مجتمعات عديدة وظروف مختلفة أم انها مناسبة لبيئة اجتماعية، وتلك البيئة فقط؟
  • هل ستستفيد الخطة من التطورات التي تحدث اجتماعيا وسياسيا وتكنولوجيا أم انها جامدة لا تتطور؟
خلاصة
  • خطتنا تعني برفع المستوى الفكري للمجتمع وتغيير القيم الاجتماعية.
  • خطتنا مبنية على ثلاثة محاور: العمل بالإسلام، طبقة وسطى قوية، علم مستشري.
  • نود أن تكون خطتنا صلبة، لا تعتمد على قيادة معينة أو دعم حكومي ، تستفيد من التغيرات التي تحدث حولها وتقبل التطبيق في مجتمعات كثيرة.
وهل يمكن أن يكون هناك خطة بهذه المواصفات؟ وما شكلها إن وجدت؟

اقرأ الجزء الثاني!

الأحد، 20 فبراير 2011

علّم أخيك البرمجة في 2011

كنا نريد أن نطلق الحملة القومية لتعليم المبرمجين اخوتهم البرمجة في ما تبقى من اجازة نصف العام وما بعدها استعداداً لتعليم الأطفال جميعاً.

وقد تطوع محمد سامي بعمل لغة برمجة عربية بها إمكانات للرسومات والألعاب وإنجاز شوط كبير في تأليف كتاب تعليمي لهذا الغرض، لكنه لا يتمسك باستخدامها تحديداً. "لو مش عاجباك كلمات علّمهم بأي حاجة مش مشكلة" على حد قوله.

وفي سؤال عما يمنعه من وضع صفحة لهذه الحملة على الفيسبوك أو الدعاية للغة عموما، أجاب بأن اللغة لم تختبر بشكل كاف بعد، وهو لا يريد أن يطلق في وجه أطفال الوطن العربي برنامجاً مليئا بالbugs.

وأضاف أن أداه بهذا التعقيد لابد من اختبارها بعمل برامج كثيرة بها، ويكون كل برنامج على مستوى من التعقيد بحيث يكشف أي ثغرات في تنفيذ اللغة لم يتوقعها مؤلف اللغة نفسه.

وحين سئل عن سبب عدم قيامه هو بهذه الاختبارات، رد بأنه قد مر عليه أكثر من عام وهو يكتب اللغة نفسها، وأنه لا يستطيع أن يقوم بكل شيء في نفس الوقت لأنه -- على حد قوله -- شخص واحد فحسب. ثم ألقى بالمايكروفون وانصرف غاضباً.

سألناه في وقت لاحق عما يمكن عمله إذاً لاختبار اللغة فقال أنه هناك ثلاثة أجيال من طلبة الحاسبات قد تعلموا في التدريب الصيفي أداة اسمها g4c وأن أوامر الرسم في كلمات تشبه الg4c كثيراً، ولو قامت نسبة من هذه الأجيال الثلاثة بإعادة كتابة مشروع الg4c الخاص بهم بلغة كلمات وارسال له تقارير بأي bugs تكتشف عند تنفيذ المشروع فسيساعده ذلك جداً. لو كانت برنامج الg4c بالذات هناك مشكلة في كتابتها فأي برنامج ينفع، لا بأس.

وكيف يمكن تعلم هذه اللغة للمبرمج العادي (وليس الطفل)؟

قال: يمكن تحميل اللغة من هنا وتعلمها من خلال هذه الوثيقة أو هذه. أيضا بريدي الإلكتروني في العمود الأيسر من مدونتي؛ من يريد المساعدة بطريقة أخرى مثل كتابة مواد تعليمية، تجربة تعليم اطفال حقيقيين بها، أو أي شيء آخر يمكنه أن يخبرني إن أراد.

الخميس، 17 فبراير 2011

أريد أن أتحدث!

أعزائي المشاهدون...

لديّ أفكارٌ للنهضة. أفكر فيها منذ منتصف عام 2008، وقد بدأت العمل فيها بنفسي منذ 2009، لكن العمر قصير وما أنا إلا شخص واحد. لابد أن يأتي وقت أطرحها فيه على الناس.

هذه الخطة مستمدة من أشياء كثيرة: التاريخ الاسلامي، التاريخ الأوروبي، أفكار تكنولوجية، افكار كثيرة كثيرة "سرقتها" من ملاحظتي للناس داخل وخارج مصر.

هذه الخطة طويلة، لذا لم أكلم الكثير عنها بالكامل، وكلما أردت أن أستعين بأحد أخبرته بالجزء الذي أريده منه فقط. هذا قد أدى إلى أن كل شخص يرى منها قطعة صغيرة، وأدى إلى أن يدور مثل الحوارات الآتية:

أنا: لديّ خطة للنهضة
صديقي: أجل، أنت تريد عمل لغة كلمات..أليس كذلك؟

أنا: لديّ خطة للنهضة
صديق آخر: أجل، أنت تريد فتح شركة على مستوى Microsoft

أنا: لديّ خطة للنهضة
صديق ثالث: مجلس العلم في الكلية؟

كما ترى عزيزي القاريء، فإن هذه النوعية من الحوارات ليست مثمرة جدا؛ لكن الخطأ خطئي على أية حال: أنا من النوع الكتوم الذي لا يقول كل شيء مرة واحدة. لابد من تغيير الأسلوب بعض الشيء. الخطة أكبر من كل هذا. انها شيء على مستوى المجتمع كله. لابد أن يكون ذلك واضحاً.

أريد أن أتحدث، لكن كيف؟ الخطة "مكتوبة" لكن في صورتها الحالية غير "مقروءة". أنا من النوع الذي لا يكتب الشيء واضحا من اول مرة، ولابد أن ينقحه عشر مرات قبل أن يكون للكلام معنى. والوثيقة طويلة وتنقيحها بهذه الصورة ليس سهلا. والوقت يمر. أريد أن أستغل موجة الرغبة في الاصلاح الحالية ولذا عليّ أن أتحدث بأسرع وقت.

سجلتها صوتيا، لكن...لا أريد أن أضع ملفا صوتيا على الأنترنت لأسباب تتعلق بشخصي الخجول. أنا أكتب هذه المدونة "بالعافية" أصلا :(

فكرت في دعوة الأصدقاء/من يهتم إلى جلسة أصف فيها الخطة. هذا شيء حسن لكن تنسيق مثل هذه الاجتماعات عملية لوجستية كبيرة. ربما يمكن ان أدعو صديق أو اثنين في المرة. هذا أسهل.

إن الأفكار في عقلي سجينة منذ عامين أو أكثر؛ ومثل شعب مصر هي الآن تقوم بمظاهرة هي الأخرى، تريد أن تكسر القفص وتخرج إلى عقول وآذان الناس.

ربما لو خرجت تلك الأفكار يتضح أنها ساذجة أو غير واقعية. لكن حتى هذا هو نتيجة مقبولة بالنسبة لي. على الأقل سأعرف. ربما حتى أجد وسيلة لتحسينها.

صبراً أيتها الأفكار! اهدئي! أريد أن أحقق لك ما تطلبين. أريد أن أتحدث...لكني لا أعرف كيف!

السبت، 22 يناير 2011

كن طموحاً

في صيف العام الدراسيّ 2009/2010 قدّمت محاضرات في التدريب الصيفيّ في كلية الحاسبات، وكانت عن لغة السي شارب والبرمجة بالأشياء (OOP) للفرقة الأولى. كانت تجربة: ماذا لو جربت، بأقصى ما لديّ من خبرة ومعرفة، أن اعلّم تلك الدفعة محتوىً يؤخذ في المعتاد في النصف الدراسي الثاني من الفرقة الثانية، أي أن اعلمهم ذلك المحتوى قبل عام ونصف من موعده التقليديّ؟

(حتى الآن لا أعرف بدقة نتيجة هذه التجربة، والسبب في ذلك أنه لم يوجد أمامي وسيلة لقياس النتيجة. كان عليّ أن أخطط لهذه النقطة بشكل أفضل، حتى ولو باستبيان)

هذا ليس موضوع مقالي على أية حال..

في العام الماضي قضيت وقتي في كتابة لغة برمجة للأطفال. بداية هذا الموضوع مقال قديم كتبته في 2008، ثم اكتشفت بعد ذلك أن الموضوع مرتبط الآن بمجال بحث علميّ هو التفكير الحوسبي (computational thinking). صار سؤالي الآن: هل يمكن التفكير في طريقة مبتكرة لتعليم أي شخص البرمجة، أياً كان سنه أو خلفيته؟

ثم في عطلة نصف العام القادمة أنوي إن شاء الله تقديم مجلس للعلم فيه شرح بعض الأوراق العلمية لطلبة الكلية مرة أخرى، على أمل إشعال شرارة البحث العلمي معهم. تقديم البحث العلمي في مرحلة مبكرة من الدراسة، بأسلوب مختلف عن الطريقة الجامعية المعروفة. ما نتيجة هذه التجربة الجديدة يا ترى؟

هناك شيء مشترك يربط بين النقاط الثلاثة السابقة: إنها محاولات لإنجاز أهداف يُرى في ظاهرها أنها صعبة أو غير ممكنة أو غير واقعية-- هكذا نكون قد وصلنا لموضوع مقالي هذا! هناك عدد كبير من الناس يرى أن الطريق للتقدم يكفي فيه أن نفعل الأشياء المعروف بأنها ممكنة، فقط نحتاج لأن نقوم بها بكفاءة أعلى أو ننشرها بين الناس. أرى أنا أن هذا لم يعد كافيا...إن الفرق العلمي/الاقتصادي بيننا وبين أمم أخرى قد صار كبيراً، والمشاكل الداخلية والخارجية تزداد عسراً، والطرق التقليدية لها حدودها.

إن أردنا التقدم فعلينا أن ننقل أكبر عدد ممكن من الأفكار من خانة "ما يُظنّ أنه مستحيل" إلى خانة "ما ثبت أنه ممكن". لو ظللنا فقط نمارس الأساليب المعروفة فأتوقع أننا في أحسن الظروف سنظل كما نحن، وفي أسوأها نزداد تخلّفاً. لو أردت نتائج غير تقليدية، عليك باستخدام طرق غير تقليدية.

لابد أن يأتي أشخاص طموحون يجربون كسر القواعد والخروج عن المألوف. الواقعية لا تعني الاستسلام للحالة الراهنة، والذين ينادون بهذا المعنى للواقعية ينسون أن الواقع يمكنه أن يتغير.

على أية حال فتجاربي هذه ليست أقصى شيءٍ في الطموح والجرأة. ليست فكرة "متمردة" جدا تعليم #C للفرقة الأولى أو ما شابه، لكنها خطوة: الوقوف على الحافة بين العمل العادي والعمل ذو التحديات. ربما لو اقتربنا من الحافة لقدرنا بعد ذلك على تجاوزها.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

أين تضع الغضب

أحتلّوا أفغانستان و العراق و أقاموا فيهما سنوات. يقتلون و ينهبون. في كل مكان تجد الذي فقد اباه و أخاه و ابنه. أنت غاضب, فأين تضع الغضب؟

حمّل paper و اقرأها. خطط لمشاريع. طوّر نفسك باستمرار.

كم مرة حطموا فيها لبنان؟ لم أعد استطيع العد. و كم فلسطينيا قتلوا؟ و كم أسروا؟ و على كم اعتدوا؟
أين تضع الغضب؟

أكثر من قراءة القرآن. اذهب للمسجد و احضر درساً. تعلّم دينك. ألم يحن الوقت؟

تعالي. إهانة. قمع. تشريد. إذلال. و مع ذلك لديهم أطماع و يتمنون التوسّع في أراضينا و يرغبون في المزيد. أين تضع الغضب؟

لا تقاطع فحسب. بل ادّخر المال الذي لم تدفعه لهم. ستحتاج كلّ مليم و أنت تفتح شركتك.

تلك الأمم المعتدية, كانوا محظوظين فظفروا بالتفوق العلمي و الاقتصادي.
تلك الأمم المعتدية. كانوا محظوظين فماذا فعلوا بحظهم؟ قتلوا و سرقوا و دمّروا.
و لكن الأمور تتغير. و بينما هم في أزماتهم الاقتصادية التي صنعوها لأنفسهم,علينا نحن أن نعمل.

فلينتشر العلم حرفا حرفا. و لنصنع مشاريعا خطوة بخطوة. و لينتشر الإصلاح فردا فردا. و لنعد إلى الله.
قد يحتاج الأمر وقتا أوّل الأمر, لا بأس, سنصبر. فقد صبرنا كثيرًا من قبل.
و كلما هجموا علينا, زاد الغضب.
و كلما زاد الغضب, زدنا إصرارا على العمل.
في الجامعات, في الشركات, في البيت: العلم, السعي, الإصلاح. و قريبا بأذن الله نسبقهم.

تلك الأمم المعتدية. كانوا محظوظين. و قريبا..يوشك حظهم أن ينتهي.