كنت قديماً أرى أنه ليس كل إنسان يصلح لأن يكون مبرمجاً؛ لكن أي قاريء للمدونة الآن يرى المقال تلو المقال عن التفكير الحوسبي أو تعليم الأطفال البرمجة. ماذا حدث؟
كنت قديماً ضد فكرة مجانية التعليم، وكنت أكرر المقولات النمطية على غرار "فليكن مجانياً حتى الإعدادية، ثم يكون بعدها بمنح للمتفوقين فقط". الآن صرت أدافع عن المجانية بشدة. متى تغير تفكيري؟
وكنت أرى من يفرح بلغة مثل ++C لأنها صعبة وليس كل شخص يقدر على التمكن منها وأتعجب. الصعوبة بالنسبة لي ليست مصدراً للتفاخر بل عيب في اللغة. هناك صعوبة لا يمكن التغلب عليها لأنها ثمن لابد من دفعه من أجل برنامج قوي أو سريع - هذا أفهمه. وهناك من يفرح بتعلم لغة صعبة لأن هذا إنجاز علمي - مثل شخص وصل لـ level أعلى في لعبة، هذا أفهمه. لكن أن يفرح شخص باللغة لأنها صعبة، ويبرمج بها لأنها صعبة، في وجود لغات أسهل تحقق نفس الأهداف؟ هذا غريب. هل كنت يوماً مثل هؤلاء؟ لا أذكر في الحقيقة.
وكنت - تخيل! - ضد فكرة لغة البرمجة العربية، وكنت أرى أنها فكرة لا داعي لها، وكنت أكرر الكلام المعتاد على غرار "كلها رموز واصطلاحات ولا فرق بين if وإذا..". ثم ها أنا اليوم أطوّر لغة برمجة عربية.
ولكن كل من هؤلاء قد تفوته فرص، أليس كذلك؟ المبرمج الذي لا يعرف ++C قد يفوته أنواع من البرامج لن يقدر على صنعها. والذي لا يعرف برمجة أصلاً يفوته الكثير من الفرص (ناهيك عن المتعة)، والذي لا يعرف الانجليزية قد تفوته فرصة تعلم البرمجة، والذين ولدوا في أسر فقيرة هم من أحوج الناس للتعليم ليصعدوا اجتماعياً ويخرجوا من فقرهم. في تلك الحالة لماذا لا نتمنى أن يصل غيرنا لنفس ما وصلنا له؟ لماذا لا نتمنى لهم نفس الفرصة؟
نعم؛ أعلم أن المبرمج لم يتعلم البرمجة فقط "بالحظ"، وأن المسألة ليست فقط مسألة فرصة. أنا أفهم أن البرمجة تحتاج صبر وكفاح ومثابرة وذكاء. لكن في نفس الوقت كان يمكن أن يدفع بك الحظ (أو بي أنا) لأن تكون صبي ميكانيكي لم يدخل مدرسة أصلاً، أو شخصاً تعلم في مدرسة لم يسمع فيها كلمة باللغة الانجليزية، أو شخصاً تربى في بيئة غير علمية (غنية أو فقيرة) ولم يكن لديه وقت لقراءة الكتب أصلاً. هناك الملايين من الأذكياء، المكافحين، المثابرين، الذين قد فاتتهم الفرص.
بدلاً من الحديث عن التمييز بينهم وبين غيرهم، فليكن الحديث عن إعطائهم نفس الفرص المتاحة لغيرهم. بعد ذلك كل شخص يميز نفسه باجتهاده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق