الخميس، 6 ديسمبر 2012

تحقق الإمكان الإنساني

تعلمنا في الفيزياء أن التداخل قد يكون بناءاً أو هداماً [constructive or destructive interference]. قد يدعم بعض الموجات بعضاً وتكون بناءة، أو يصد بعضها بعضاً وتكون هدامة. وقد عشت في هذا العالم كثيراً لأرى التداخلات الهدامة. ولقد مللت.

كم من عبقري كان ليرفع مستوى العلم في البلد، بل في العالم، فقط لو وجد التعليم الكافي، أو الرعاية الصحية، أو من يدعمه، أو من يشجعه؟ لكن البلد قد حكمها اللصوص والسفاحين والطماعين.

كيف كان ليصبح شكل المجتمع لو توقف الناس عن التناحر والسرقة والاستبداد، وبدأ كل شخص يتفرغ ليجيب على سؤال: ما هو الحد الأقصى للإمكان الإنساني؟ ما أفضل شيء نستطيع أن نبنيه، وأفضل علم نستطيع أن نبحثه، وأفضل فكر نستطيع أن ننتجه؟ ما هو الإمكان الحقيقي لنا؟

كيف نحقق العدل والرخاء؟ كيف نواجه الأمراض والتلوث والتصحر؟ ماذا نفعل بشأن المخلوقات التي كادت تنقرض؟

كيف نحل المشاكل الاجتماعية؟ ماذا نفعل تجاه ارتفاع نسب الطلاق، وتمرد الأبناء على آبائهم؟ هل هناك أطفال يُضايقون أو يعتدى عليهم في المدارس؟ كيف نحل تلك المشاكل؟

هل المدن جميلة (وليس فقط نظيفة)؟ هل الناس سعداء بالمشي فيها؟ ما الذي يسبب التعاسة للناس؟ هل يحبون وظائفهم أم يعملون فيها على مضض؟

ولكن قبل أن يحدث ذلك علينا أن نفكر في أسئلة اخرى:
  • كيف تتصرف مع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الصراعات السياسية التي نتجت بعد خلع الحاكم المستبد؟
  • كيف تتصرف مع الخونة الذين يريدون العودة للسلطة بأي شكل؟
  • كيف تتصرف مع كل عنيد لا يصغى للعقل، وتقدم له الحجه تلو الحجة فلا يناقشك في صحة حجتك أو خطئها، بل يستكبر ويعتبر أن المشكلة الحقيقية أنك لم تفهم قصده، ويبدأ في "شرح" كلامه لك مرة أخرى؟
وإني لم أر مثل ذلك أشياء كبيرة تعتمد على أشياء صغيرة. قبل أن نبدأ في التفكير في التقدم العلمي أو العدالة الاجتماعية عليك أولاً أن تقنع فلاناً أن ينزل من بيته وينتخب، أو أن يراجع قرار كذا، أو ألا يتحيز لكذا. ملايين المعارك الصغيرة كل يوم بين كل أفراد الوطن، وتشعر بالخسارة مع كل حوار يطول وينتهي بعناد، وبعض الناس يأتيه إغراء أن يستبد برأيه هو الآخر، وأن يحكم على الناس أنهم أغبياء ويحتاجون من يجبرهم لا من يحاورهم؛ بعضهم يستسلم للإغراء وآخر يمسك نفسه ويقول لا؛ لن أحل الاستبداد باستبداد.

لا بأس؛ هذا جزء من الرحلة. هذا جزء من البناء، هذا جزء من "تحقق الإمكان الإنساني". الأشياء الكبيرة تعتمد على الأشياء الصغيرة، حقيقة علمية.

ذات مرة نشر عالم اسمه زويكي بحثاً عما سماه "النجمة النيوترونية" Neutron star. كان يقدم تنبؤا عن وجود هذا النوع من النجوم، وكان تنبؤه استناج من خصائص الذرات والنيوترونات. لا تستطيع أن تفصل بين سلوك النجوم/الثقوب السوداء...الخ وبين سلوك الذرات والجزيئات.

وماذا عن الـDNA؟ تركيب لا يرى إلا بالميكروسكوب، ويؤثر على خصائص الكائن الحي وشكله ولونه وطوله وقصره وقوته وضعفه.

الذي يحدث هذه الأيام، من الحوارات والمظاهرات والاتفاقات والمقالات والتصريحات، هو أن الـDNA الخاص بالمجتمع يتشكل. وإني أشتاق لأن أرى المجتمع الوليد وخصائصه.

ليست هناك تعليقات: