الثلاثاء، 22 يناير 2013

طيب هو يعني لازم سبب؟

كنا عائدين بعد يوم من التدريب (في شركة)، وإذا بزميلنا يدخل مكتبة ويشتري كتاباً في تعلم اللغة الأسبانية. لماذا اشترى الكتاب؟ يقول لأنه يريد أن يتعلم الأسبانية. نفهم ذلك يا أخي..لكن لماذا تريد تعلم الأسبانية؟ لا يوجد سبب محدد!

وهناك من يرى أن هذا ليس أمراً منطقياً. إن كنت ستفعل شيئاً بدون أن يؤدي فعله لوظيفة، أو مكسب، أو نهضة مجتمعية، أو...، فلا داع لفعله. الغريب أن الموضوع أحياناً يسير بالعكس: أشخاص يفعلون أشياء فقط لأنهم يريدون أن يفعلوها أو يحبون أن يفعلوها، ثم تجد نفعاً قد حصل منها.

والأمر لا يقتصر فقط على الهوايات، لكن يمتد أيضاً للبحث العلمي وغيره. مثلاً كان علماء الرياضيات؛ منذ أيام اليونانيين، يبحثون عن أقل عدد ممكن من المسلّمات الهندسية (المسلّمة axiom هي ما لا يوجد له إثبات، ويستخدم هو في إثبات النظريات). الفكرة هي أن نأخذ كل مسلّمة ونحاول إثباتها من المسلّمات الأخرى فتصبح هكذا مجرد نظرية ويقل عدد المسلّمات بواحد.

استمر هذا البحث أيام الدولة الإسلامية، وفي عصر النهضة الأوروبية، حتى أدى إلى ظهور ما يسمى الهندسة غير الإقليديسية (non-euclidean geometry) واكتشاف أنه هناك "هندسات" كثيرة لا هندسة واحدة، كل هندسة منها بمجموعة مختلفة من المسلّمات. هذا الأمر قد أفاد في تكنولوجيات كثيرة، وفي نظرية النسبية، وفي أجهزة الـGPS.

لكن الذين بحثوا في موضوع المسلّمات الهندسية لم يكونوا يعرفون ذلك! لم يكن في حسبانهم النسبية والـGPS، كانوا فقط يبحثون. يشبعون حبهم للمعرفة وفهم الكون.

ولهذا تجدني كثيراً ما أتحدث عن الأطفال وتعليم الأطفال. لو تحدثت مع طفل عن موضوع ما فسيسأل: هل هذا الموضوع شيق أم لا. أما لو تحدثت مع شخص كبير فقد يسأل: ما الفائدة منه؟

لا أريد أن أعمم؛ ليس كل كبير مملاً أو بعيداً عن العلم، وليس كل طفل أوتوماتيكياً منجذباً للعلم، لكن قصدي هو أن الطفل في هذه المرحلة لا يحتاج تبريراً منطقياً ليفعل شيئاً، يكفي أن يستمتع بما يفعل.

وحين بدأت في العمل في لغة كلمات لم أصنع "market research" أو دراسة جدوى أو ما شابه. فتحت محرر الكود وبدأت في الكتابة. ماذا كان ليحدث لو كانت اللغة تحتاج لتمويل مثلاً، وكان عليّ أن أقنع طرفاً ما بها أولاً؟ كنت سأدخل في مناقشات لا تنتهي عن فكرة لغة البرمجة العربية، وعن فكرة عدم جدوى إنشاء لغة برمجة جديدة أصلاً بحجة عدم اختراع العجلة، ثم كنت سأجد من يقول أنه ينبغي أن أبني اللغة على منصة JVM أو CLR بدلاً من بناء آلة افتراضية خاصة للغة. لكني ببساطة أغلقت باب الغرفة، وكتبت اللغة. الآن صارت دراسة الجدوى هي "فلندع الأطفال يستخدمون اللغة ونرى النتائج"، هكذا ببساطة.

<موضوع جانبي>
وهذا الأمر يدفعنا بدوره للتفكير في موضوع التمكين والحرية: لو أعطيت كل شخص الفرصة لكي يستقر مادياً، ويجد تمويلاً لمشاريعه بدون مشقة كبيرة، فوقتها قد تعطي الفرصة لكل شخص ليفعل "ما يريد" وليس "ما يستطيع أن يقنع به بعض الأطراف ذات المال أو السلطة"، وذلك قد يعطي تنوعاً في مجالات العمل والبحث المختلفة.
</موضوع جانبي>


أخشى من أن يظن الناس هذا المقال دعوة للعشوائية والتخبط؛ هو ليس كذلك. لو أردنا تلخيص رسالتي في جمل قليلة: (1) إن أردت أن تفعل شيئاً من أجل المعرفة أو الاستكشاف أو لأنك تستمتع بعمله، فهذه في حد ذاتها أسباب. (2) ليست كل الأفكار الجديدة مثبتة منطقياً؛ أحياناً تبدأ في مشروع وأنت لا تعرف كيف سينتهي. عادي. (3) التمكين، الحرية، التنوع.

ليست هناك تعليقات: