ينبغي إلغاء مجانية التعليم، فهي عبء على الدولة. كما ان التعليم ينبغي أن يكون لمن يحبه ويستحقه ولا يوزع على الناس هباء. يجب يكون التعليم مجاني حتى الإعدادية، فقط، ثم بعد ذلك يتم إلغاء المجانية إلا من بعض المنح للمتفوقين من الفقراء.
مشكلة هذه النظرية انها توحي لمن يسمعها أن صاحبها فكر في كل شيء وسد كل الثغرات، كما تشعره أنه عملي لا يردد الشعارات (فهو يرى الموضوع شعاراً)، واخيراً تشعره انه تغلب على الفكر "الاشتراكي" الخاص بالفترة السابقة في مصر. هذا الشعور بالرضا عن النفس يقوم بدور مثل الفيروس، فيجعل الفكرة تنتشر من شخص لآخر ويجعل انتزاعها ممن يؤمن بها صعباً.
لكني سأحاول.
الصعود الاجتماعي
قمت في مقال سابق بالحديث عن محاور للنهضة، منها "طبقة وسطى قوية". بدون الطبقة الوسطى لا ديموقراطية (فالشعب خائف على لقمة العيش ولا يجرؤ على الاعتراض) ولا تقدم علمي (فالمرء دائر بين كذا وظيفة لا يجد وقتا للتركيز في البحث العلمي) ولا امان (لأنه من الفقراء من سيتجه للجريمة/البلطجة).
هناك شيئين ينبغي التفكير فيهما لرعاية الطبقة الوسطى في أي دولة: الحفاظ على اهل الطبقة الوسطى من الانزلاق لأسفل، بأن يضطر مثلاً لإنفاق مدخراته كلها في عملية جراحية حين يمرض، والشيء الثاني هو فتح سبيل للصعود الاجتماعي بإتاحة فرصة لأهل الطبقات الفقيرة ان يعملوا في وظائف مرموقة (ماداموا يستحقونها) أو يفتحوا شركات....الخ.
هنا يأتي دور مجانية التعليم: ان الجيل الأعلى مني (اهل الخمسينات مثلا) قد بدأوا حياتهم - بالكامل تقريبا - من طبقات ضعيفة مهاجرة من الارياف او مثل ذلك، وخاضوا حياتهم يكافحون حتى صاروا يسكنون في شيراتون ومدينة نصر والجولف. وإن كفاحهم هذا ليكون اصعب عشرات المرات لولا تعليم مدرسي وجامعي مجاني. اسأل أبيك عزيزي القاريء هل كان مستفيداً من التعليم المجاني ام لا (وآبائي استفادوا). انا اتحدث جدياً. انا منتظر حتى تسأله وتأتي :)
ماذا عن تقديم منح المتفوقين لحل تلك المشكلة؟ ممم...سيكون وقتها الصعود الاجتماعي بمثابة انبوبة رفيعة يمر منها كل سنة نفر صغير من "المتفوقين" والباقي يظل غصباً عنه في الطبقة الفقيرة للابد. غير ان هذا سيربط بين التفوق والخروج من الفقر ارتباطاً وثيقاً وسيبدأ الناس في دفع ابنائهم لأن يحسبوا من المتفوقين بأي ثمن: الغش، الرشوة، التزوير...
لماذا لا نعترف ان الطالب الاقل من المتفوق له حق في التعليم؟ لاحظ التعبير: أنا لا اتحدث عن الفاشل دراسيا بل عن من يمكنه ان يتعلم ويكون عضوا منتجا في المجتمع بعلمه لكن ليس من افضل 5% أو 10%.
ماذا عن مجانية للفقراء فقط دون الاغنياء؟ سيؤدي هذا لمشاكل هو الآخر: ما تعريف فقير؟ وكيف نتأكد ان هؤلاء المتقدمين للمنحة هم فقراء بالفعل؟ لابد وقتها من إنشاء بيروقراطية جديدة للتمييز بين الغني والفقير، ولهذه البيروقراطية موظفون ومفتشون وقواعد يتم تحديثها بحسب الحالية الاقتصادية وتكاليف كان الاولى انفاقها لتعليم الناس ولو كانوا اغنياء اصلاً. ناهيك عن الأذى النفسي الذي يصيب الإنسان الذي يذهب ليثبت أنه "فقير" كي يحظى بالعلم. الا تشاهدون المسلسلات القديمة عن مصر قبل الثورة؟ الم تسمعوا عن مأساة اسمها "شهادة فقر"؟
النهوض الاقتصادي
ثم يقولون "ولكن مصر يخرج منها عشرات آلاف الخريجين كل عام ولا وظائف لكل هؤلاء". اقول ان هذه مشكلة دولةٍ تعتبر المتعلم عالة وليس فرصة. ماذا فعلت الهند؟ لديهم تعليم مجاني وقلة في الوظائف -- ففكروا في فكرة outsourcing وجلبوا الوظائف من الخارج عبر الانترنت حتى صار الامريكان يشكون من اخذ الهنود لوظائفهم. اكثر من هذا: هذه الاموال التي تدخل لهم تبذل الآن في تحقيق نهوض اقتصادي هندي، واخرجت الكثيرين هناك من طبقاتهم الاجتماعية الدنيا.
لا اقول ان الحل في الـoutsourcing (أقصد ليس فيه بالذات) لكن الفكرة الاساسية هنا هي اعتبار فكرة "آلاف المتعلمين" مورداً لا عبئاً، والإتيان بخبراء ومبدعين يخرجوا لنا بمائة مشروع مثل outsourcing وافضل. ببساطة لو ضبطنا النموذج الاجتماعي بحيث يكون العائد المالي من التعليم > المال المنفق عليه، فستكون المجانية هي افضل شيء للاقتصاد :)
الفكر
انظر للمشهد السياسي الآن: غياب للثقافة السياسية هددت نجاح الثورة نفسها، وقد تؤثر على الانتخابات القادمة، وغياب للفكر المطلوب لصنع الديموقراطية (أن يعرف الجميع شيئا عن السياسة، الاقتصاد، القانون...الخ ليختاروا ويقوّموا ممثليهم في الدولة)، وثغرات فكرية كثيرة تسعى مؤسسات وافراد للتوعية بها. الآن تخيل نفس المشهد مع وجود نسبة اكثر بكثير لم يكملوا سوى الإعدادية او الثانوية. سوف تتحول الثغرات إلى هاوية.
تخيل مجتمعنا الحالي الذي تنتشر فيه الخرافات، وتمرح فيه الشائعات، ويختلف الناس بدون حجج منطقية تدعمهم، ويعلو الرأي الشخصي فوق الرأي الموضوعي. اخبرني بحق: هل ترى الحل في تعليم اكثر أم أقل؟؟
الدول الاخرى
هذا المقال يحكي عن المدارس الفنلندية، وهي تعد من افضل المدارس في العالم حتى ان الدول الاخرى ترسل البعثات لتعرف ما يفعلون بالضبط. شدت انتباهي هذه الجملة:
Only a small number of independent schools exist in Finland, and even they are all publicly financed. None is allowed to charge tuition fees. There are no private universities, either. This means that practically every person in Finland attends public school, whether for pre-K or a Ph.D.
هل تدرك مدى هذا الموقف؟ انا ادعو لنظام مختلط من المدارس والجامعات الحكومية والخاصة، لكن فنلندا ذهبت لأبعد من هذا فجعلت كل المؤسسات التعليمية، كل المدارس والجامعات، مجانية!!
في هذه الظروف قد يحسب البعض أن هذا سيؤدي لكارثة قومية ينهار فيها تعليم الدولة واقتصادها، لكن العكس تماما حدث: من افضل التعليم في العالم.
الواقعية بالنسبة لي ليس معناها "التشاؤم" أو "شد الحزام"، بل معناها النظر للتجارب الموجودة في الواقع والاستفادة من نتائجها، حتى لو لم تكن نتائج متماشية مع افكارك الاصلية.
ماذا عن امريكا؟ اقرأ هذا المقال عن انخفاض معدل خريجي الجامعات لديهم. مقتطف من المقال:
One of those challenges is the cost of college, which continues to rise, even as family income has flattened. Students from well-off families are far more likely to go to college than students from poor households, according to the report.
Among families earning $100,000 or more, 91 percent of students go to college. That number drops to 78 percent among middle-income families ($50,000 to $100,000). And for families earning less than $20,000 a year, it's 52 percent.
"We need a new social contract about tuition," Callan said. "It's a political football that discourages low-income people from attending college and middle-income people from saving for it."
هناك تعليقان (2):
ـتفق معك تماما فيما تقول و إضافة عليه فإنه عندما كانت بعداد و الأندلس مليئة بالمكتبات كان هناك أعداد كثيرة من طلاب العلم و كان هناك شغف على العلم و هذا ما ينقصنا في الوقت الحالي. الحمد لله في هذه الآونة أعداد الطالبين و الشاغفين للعلم يتزايدون و لكن ما زال العدد قليلا و إن شاء الله سوف تتقدم أمتنا و تنهض.
جزاك الله خيرا لهذا التدون
أخوك
عبدالرحمن
I am all for free education, it should be a right in a modern state. I also think that College education should be free, however, the student should pay back the cost of his/her education by working for the state in rural areas and such for a couple of years.
On the topic of India and outsourcing, I think Egypt desperately needs something similar that would bring in revenue from all over the world and my suggestion is software development (original not necessarily outsourcing) i.e. create competing products that sell worldwide. Software is one of the best industries to get into with little capital other than human capital (which is exactly what Egypt has).
Outsourcing is function of going after the cheapest resource and at some point that was india and now it will move to cheaper countries , china, vietnam, ...
Original software development is more sustainable. I really liked Hayiy idea to produce internet and mobile apps but I didn't like the fact that they want it for the arab market, why not go global and produce apps that appeal to the whole world so you can bring money into the country.
إرسال تعليق