الخميس، 1 مارس 2012

Some people have compassion, others don't even have empathy

"يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً. وحناناً من لدنا وزكاةً وكان تقياً"
سورة مريم

كلمة compassion حرفياً "التآلم" أو كما يقال التألم لآلام الآخرين، لكن المعنى اكبر بكثير من هذا الوصف المقتضب. وهذه الصفة تجدها شهيرة في الانبياء والصحابة. فكر مثلا في عيسى عليه السلام وحياته. وكذلك نشعر مع سيرة محمد (صلى الله عليه وسلم) وخوفه على كل شخص من النار وإحسانه للمساكين وللحيوان وما إلى ذلك مما نعلم.

والكلمة حية في الناس إلى يومنا لم تمت. مازال هناك اناس يتركون صدقة السر امام البيوت في ظلام الليل. وكان في شارعنا رجل (توفى) يشتري اللحم ويوزعه على القطط والكلاب في الشارع ناهيك عن البشر. هناك الذين ضحوا بأعينهم وقدرتهم على الحركة وحياتهم لكي يقوم الناس ضد حاكم ظالم ويعيشوا في عدل ورخاء.

وليس كل compassion تضحية او تبرعات. أحياناً تأتي من أشياء صغيرة: ذات مرة رددت على الهاتف فإذا بشخص يسأل عن "الأستاذ محمود"، فاخبرته ان الرقم خطأ. تحدث لجزء من دقيقة عن كيف ان هذا هو الرقم الذي أعطوه إياه وكيف يجد محمود الآن، فقلت "مش عارف بقى...". اغلق الرجل السماعة وشكرني اكثر من مرة، لأنني تركته يقول ما يشاء ولم ارد بأن قصته ليست من شأني.

شيء مماثل حدث من شخص آخر معي: منذ سنوات عديدة ضاعت محفظتي، وبعد حوالي شهر وجدت خطابين قد ارسلا لي، احدهما فيه البطاقة وسائر الأوراق الهامة والآخر به مبلغ صغير من المال لم يكن في الحافظة اصلاً! وتخميني هو انه قيمة المحفظة الفارغة لأنه لم يستطع أن يرسلها هي الأخرى.

الآن نتكلم عن empathy. معناها "التفكير كما يفكر الطرف الآخر" أو تقريباً ما نسميه التفهم. ليس معنى الempathy ان توافق الشخص بالضرورة - فقط معناها ان تفهمه. ويبدو اننا نحتاج أن نستورد بعضا من الempathy من الدولة المنتجة، لأنه هناك ازمة كبيرة في بلادنا ونقص في المخزون الاستراتيجي: لا يكاد احد يفهم كلمة من الطرف الآخر.

واثناء متابعتي للحوار السياسي على الفيسبوك احاول ان افهم: كيف يفكر الإخوان، السلفيون، الثوريون، بل المجلس العسكري ذاته. لا اسمع كل عبارة لكي أجد فيها خللا انقده (لو طرف لا اؤيده) أو فضلاً أمدحه (لو العكس)، بل احاول فقط ان....كيف يفكرون؟؟ هناك ارتباط بين هذا وبين ما يسميه العرب الفراسة. هناك مواقف رأيتها تنبأ فيها شخص بتصرفات شخص آخر حرفياً كأنه يقرأ أفكاره، ليس سوى لأنه يعرف ماذا يدور بفكره بالفعل.

وأي حوار سياسي أو شخصي أو مهني يحتاج إلى empathy. لكي تعرف ماذا يقصد الشخص، ولماذا هو غاضب أو راض، ولماذا يتفاوض معك وما يمكن أن تقدم له. وإن نصف المشاكل بين صديقين غاضبين او بين اب وابنه المتمرد أو بين المدير المتعنت والموظف يمكن حلها بقليل من هذا. وبدونه فكأن الطرفين يتكلمان بلغات مختلفة اصلاً ويحتاجون لمترجم. ربما "المصلح" هو في اكثر ادواره مترجم.

ما موضوع مقالي؟ موضوعه هو ان جزءاً كبيراً من الcompassion يأتي من الempathy. لو فهمت كيف يحيى الإنسان وكيف يفكر ومم يخاف...فسيزداد عطفك وكرمك معه.

بدلاً من أن تفكر أن الUltras هم مجموعة من الشباب الصيّع، فكر في حياتهم: شاب متحمس يريد ان يكون له هدف، فبحث في حياته فلم يجد ما يهتم به سوى الكرة... وما ان ظهر شيء أكثر اهمية، مثل الوطن، حتى تدفقوا عليه افواجاً. فكر كيف يكون مصيرهم في مجتمع على ابواب نهضة مليء بالأهداف القومية.

ابنك الصغير في الرابعة الذي يزعجك طوال الوقت، لِمَ يفعل هذا؟ هل جربت كيف يفكر الابناء؟ ربما هو موهوب ويريد جمهور لموهبته، أو ربما يشعر بالوحدة، أو لديه مشكلة، أو ربما....يحبك!

ولكننا نرى اناساً يرون الفتاة تجر على الارض جراً وتضرب ويقولون انه خطأوها، ويتكلمون عن تطريز ثوبها. ويرون الشباب يعذبون فيقولون - هؤلاء العقلانيون المحايدون - ان تعذيبهم خطأ لكنهم ايضا اخطأوا استراتيجيا حين استفزوا الضابط الذي عذبهم.

بعض الناس لديها compassion، والبعض لا يملك حتى الempathy.

وسأختم الأمر بتجربة: افرغ ثلاجتك من الطعام ذات مرة. وزعه على جيرانك أو شيء، ولا تبق فيها سوى رغيف وزجاجة زيت أو زجاجة خل. الآن خذ على نفسك عهداً أن تبقى 48 ساعة لا تضع فيها شيء سوى ما بها منذ البداية، وعليك ان تعيش في تلك الفترة بما هو موجود. بعد مرور ال48 ساعة ستجد ان كل كلام الإنشاء عن الفقراء والنظريات الاجتماعية والاقتصادية و...و.... كل هذا لا يعلمك شيئا مثلما علمك خوضُ التجربة بنفسك، وتعرف كيف يعيش شخص آخر.

خاتمة اخرى: تبرعوا لسوريا.

ليست هناك تعليقات: