السبت، 10 مارس 2012

سنوات قطر - مصر التي لم أرها

يكون الطفل كياناً مدهشاً حتى يبلغ حوالي الرابعة عشرة، ثم يصير مملاً. يأخذ هذا التحول تقريباً اربع سنوات يكون فيها خليطاً من الإدهاش والملل حتى يبلغ الثامنة عشرة، فيكون مللاً تاماً. وبما إني لست بريئاً من هذا، فسأحكي لكم - اعزائي القراء - عن اهم خمس سنوات في حياتي: 1987-1992، حين كنت من سن 8 إلى 13، وقضيت هذه السنوات الخمس في قطر.

لعل من توابع هذه السفرية انني لم ار مصر في تلك الفترة! أتعجب دائما لماذا يسخر المصريين دائماً من بلدهم وانفسهم بينما انا غارق في التفاؤل (هذه المدونة تتحدث عن النهضة منذ 2008، قبل الثورة وفي اسوأ الفترات السياسية)، ربما يكون جزء من السبب انني لم اشهد مصر في الثمانينات! في التسعينات كان الأمر افضل قليلاً، أو على الاقل كان معتاداً..لكن في الثمانينات كان تحول مصر من دولة محترمة - أعني محترمة بما يناسب أي دولة عربية في تلك الفترة - إلى دولة يسخر منها الصديق قبل العدو.

كنت ارى عن مصر لمحات قليلة في التلفزيون والجرائد والافلام. أو من المصريين الآخرين المقيمين في قطر (وباستثناء بعض الأشخاص الافاضل، لم احب اكثرهم) وكانت الاخبار سيئة...

الافلام وقتها كلها تقريباً عن المخدرات (في التسعينات ستصير عن الإرهاب لكن لا نستعجل انفسنا)، المسلسلات كان العصر الذهبي لها نوعاً ما: رأفت الهجان مثلاً -- كانت امي تشاهد المسلسل وتبكي وهي تتذكر البلد التي فارقناها. الوسية (لو سمع عنها احد)...الخ، لكن الافلام، إن لم تكن عن المخدرات، كانت عن المادية والانتهازية والفساد. وكانت الجملة المتكررة في كل فيلم: "معاك قرش؛ تسوى قرش، ما معاكش؛ ما تسواش حاجة". اشعر أنه كان هناك قانون وقتها يلزم كل كاتب سيناريو ان يتضمن هذه الجملة وإلا سيعاقب بالسجن والغرامة.

والسيناريو الخاص بكل فيلم: شخص بدأ فقيراً، تعرف على شخص آخر "واصل" اجتماعيا بسبب الصفقات الفاسدة، اتفقا على جريمة كبرى تنقل هذا الشخص إلى مستوى اجتماعي اعلى بكثير، وإما ان الجريمة فشلت أو انها نجحت لكن الشخص نفسه تغير وصار متعاليا على المجتمع لا يبالي بالآخرين، ولابد ان يتضرر من جرائمه ابوه العجوز او اخته البريئة أو قريته التي آوته...الخ، وهكذا نعرف ان الجريمة سلوك خاطيء لكن ليس قبل أن يأخذ المشاهد جولة سياحية عن المجتعات الراقية والحفلات و...و...

(أشعر ان هذه القصة العامة مازالت موجودة في الافلام المصرية المعاصرة..لكني لا اشاهد افلاما مصرية لأتأكد).

لماذا اخذت ثلاث فقرات من المقال حديثاً عن الافلام؟ لأنها كانت هي المعلومات لدي، الطفل المصري بالخارج، عما يحدث في الداخل. لم اكن قد فهمت تماما معنى هذه الافلام والدوافع الاجتماعية وراءها إلا انه غالبا - على مستوى شعوري لا فكري - قد اوحت لي انه "هناك شيء خطأ" يحدث في الوطن.

الشيء الآخر الذي شعرت به ان الوطن العربي نفسه في مشكلة..دائماً الأخبار عن "حركة أمل، حركة فتح، منظمة التحرير الفلسطينية"...كانت اسماء كلها غريبة ومخيفة اذ لا تتردد إلا وهناك اخبار عن قصف او ضرب او قتل. لم اكن اعرف ان حركة اسمها "أمل" يمكن ان اشعر بالتوجس كلما سمعت اسمها.

كانت قطر عضواً في مجلس التعاون الخليجي، ودخلت مصر في شيء اسمه "مجلس التعاون العربي" الذي كان يبدو مبادرة من صدام حسين زعيم العراق. وقتها جلس ابي مع المصريين يمزح قائلاً "...ياللا افرح يا عم! بقى عندنا احنا كمان مجلس!" ورنة السخرية واضحة في صوته. في البداية تعجبت: لماذا لا يفرح ابي وهذه خطوة تجاه الوحدة العربية؟؟ لكن مع الوقت اتضح ان هذا المجلس لم يكن سوى حركات لا معنى لها، وسرعان ما لم يتحدث عنها احد بعد ذلك.

كان مجلس التعاون العربي "حركة" من سلسلة من الحركات السياسية قام بها صدام وانتهت "بحركة" غزو الكويت في آخر سنواتنا في قطر. اذكر حين كنا نشتري اقنعة مضادة للغازات، وحين كنا نشتري اللاصق ونسد به فتحات النوافذ، وحين كنت ارسم كاريكاتير عن "الغازات" التي سيطلقها صدام علينا...

احياناً اتعاطف مع صدام؛ لو كان شخصية في قصة لكان شخصية تراجيدية جداً عن الفتى الذي قام بانقلاب وظن نفسه زعيماً، ثم فشل المرة تلو المرة في أي محاولة لتحقيق تلك الزعامة، فالتفت تقتيلا في شعبه وجيرانه حتى مات مقتولا مهاناً على يد دولة اجنبية...ثم اتذكر ضحاياه من شعب الكويت، والمصريين العائدين في اكفانهم، وشعب العراق نفسه المعذب، ويذهب عني أوهام الشفقة.

هذه هي قصة كل "الثورات" العربية التي حدثت في الخمسينات والستينات، الرجل الذي يظن نفسه زعيماً، ويحاول في البداية ان يحدث نهضة وان يهدد امريكا وإسرائيل، ثم لا يلبث أن يكتشف انه فاشل عديم القدرة فيلتفت إلى بلده ينهب هذا ويعتقل ذاك ويعذب تلك إلى أن تصبح الدولة على حافة الانهيار، حتى تقوم ثورة حقيقية شعبية تنزعه من وهمه --إن لم يفعل الأمريكان ذلك أولاً.

شوية مجانين عملوا حفلة، كل واحد رجع بدولة، جه يشيلها ثقلت عليه، جه يركبها وقعت بيه...وفي الآخر شاطته ومشيت في حالها، قال ياريتني ما رحت الحفلة.

نعود إلى ذكرياتي في قطر...

كان من الواضح أيضاً ان مصر تمر بأزمة مالية. دائماً الحديث عن عاطف صدقي رئيس الوزراء الشهير، وعن شيء اسمه "تعويم الجنيه". وكل يوم ضريبة جديدة، حتى صار محمد الرزاز وزير المالية وقتها هو المصدر الرئيسي لنكت جريدة الاخبار. يتحدثون عن ضريبة التركات، وعن الدمغات لكل شيء والوزير الذي غذاؤه المفضل محشي ورق دمغة. وكان لدى الحكومة وقتها سلوكاً طريفاً هو حل المشكلة بتغيير اسمها لشيء آخر، مثلاً ألغوا ضريبة التركات المكروهة ووضعوا بدلاً منها شيئاً اسمه "رسم الأيلولة"، واذكر عاطف صدقي في حوار صحفي والمذيع يسأله شيئاً عن القطاع العام فيرد في غضب: "بتتكلم ليه عن القطاع العام؟؟ احنا اصلا لغينا القطاع العام خلاص! وحطينا بداله قطاع الأعمال العام".

(للامانة، اعتقد ان المشكلة كانت اكبر بكثير من عاطف صدقي، وان الرجل يبدو أنه كان له دوراً في نقل مصر إلى مرحلة "يمكننا الآن أخيراً ان نبدأ التطور الاقتصادي" التي ظهرت في التسعينات (لكن تحولت فيها الدولة إلى دولة رجال الاعمال، مما ادى لظهور امثال احمد عز، لكن هذه قصة اخرى)).

ذات مرة اقيم معرض للمنتجات المصرية في قطر، وذهبت مع ابي وامي له، لنجد: منتجات رديئة غير متقنة، اشخاص غير ودودين، كل شيء غالي مبالغ فيه. كان بعض المصريين يظنون ان اهل الخليج سذج يسهل النصب عليهم. طبعاً كان الافتراض خطأ ولم يشتر احد منهم بضاعتهم الكوميدية -- أي التي تصلح للعرض في فيلم كوميدي عن المحلات الفاشلة -- وعدنا نشعر بالخجل من هؤلاء العارضين الاغبياء الذين اساؤوا لكل مصري في هذا اليوم.

شيء آخر - قام امير قطر (خليفة بن حمد وقتها) بزيارة لمصر، والصحفيين المصريين يسألوه عن كل شيء، ثم سألته احدى الصحفيات "هل هناك مساعدات ستقدمها قطر لمصر؟ مساعدات سياسية، مساعدات كذا، مساعدات مالية؟"

(كانت الصحفية تتحدث صوتيا لكن كلمة "مساعدات مالية" كانت مكتوبة بالخط الثقيل مثلما كتبتها أعلاه، صدق او لا تصدق)

نظر الشيخ خليفة اليها نظرة تقول "من علم هذه مهنة الصحافة؟؟؟" ثم رد رداً دبلوماسياً لا اذكره على غرار "من الطبيعي ان تتحدث الدول عن التعاون الاقتصادي أو ان تعاون الدول بعضها عند الضرورة". كان يتكلم بعصبية لأن السؤال فعلاً....!!

في تلك الفترة كان حسني مبارك مازال يعمل (كان حاكما ظالما لكن...على الاقل كان وقتها يعمل ولا يقيم في شرم الشيخ) وكانت هوايته وقتها هو زيارة الدول العربية أو دعوة زعماءها لزيارة مصر. كان لنا دور ما في العلاقات الخارجية والقضية الفلسطينية...الخ، وعلى الطريقة المصرية كان هناك لافتة كبيرة خارج المطار مكتوب عليها "مرحبا بضيف مصر الكبير" لا تتغير ابداً، قال يعني بقى كل ضيف حييجي يفتكرها محطوطة مخصوص عشانه. اذكيا احنا مش كدة؟؟ (ربما لا تزال هذه اللافتة موجودة حتى الآن..المفروض أن اذهب واتأكد)

القصد، كانت هذه عينة مما رأيته عن مصر في الثمانينيات...وإن كانت هذه هي العينة فما بالك بالبلد نفسها؟ احيانا اتعجب من سلبية كثير من الناس وتشاؤمهم، ثم اتذكر: لو عشت تلك الأيام في تلك الظروف لكان من السهل جداً أن تكون سلبياً..انا تربيت بعيداً عن هذا كله في جو من الاستقرار الاجتماعي والراحة المادية، ومع ذلك كنت اكتئب من الافلام او الاخبار او العينات القليلة التي أراها..سوف اتسامح قليلاً مع كل شخص سلبي في سن الثلاثين فما فوق، اما ابناء العشرينات وما تحتها فلم افهمهم بعد :)

لقد اخذت مصر الكثير حتى تنهض من تلك الفترة ولا تزال كثير من عواقبها معنا. احتاج الامر للمصلحين امثال عمرو خالد وغيره، ودخول الانترنت والفضائيات التي كشفت للناس وجهات نظر جديدة (كانت هذه من المميزات النادرة لحادثة حزينة هي غزو الكويت...أن وعى الناس للقنوات الاجنبية والمستوى الصحفي العالي)، وظهور موضة تطوير الذات وكيف تعامل زوجتك وكيف تربي ابناءك...الخ، وظهور جيل احدث من المفكرين والمعلمين والكتاب والعلماء والمدونين في كل المجالات وحتى احيانا افراد من الحكومة القديمة يحاولوا ان يحركوا الأمر للأمام.

ولا ننسى اهلنا: إن الثورة تهاجم كثيراً الجيل القديم المتخاذل وتفتخر بأنها ثورة شباب - وفي هذا معها حق - لكن ذلكم الجيل الذي تعلم السير بجوار الحائط هو نفسه الذي كان يذهب للخليج ليقضي عمره في غربة، او يبقى في مصر يركب الاتوبيس ويتحمل المدير المتعسف ويكوّن الجمعية، حتى ينهض جيل من شباب الطبقة الوسطى يخافون على الحق اكثر من خوفهم على الوظيفة. وهم في هذا لهم التقدير.

كفانا حديثاً عن السياسة. ربما في الجزء القادم اتحدث عن مدرستي في قطر مرة اخرى أو شيء :)

ليست هناك تعليقات: