الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

ابتكار وتطوير لا إبداء رأي

حين تدخل في حوار مع الناس: هل تتحدث بنية الابتكار والتطوير أم تتحدث بنيّة إبداء الرأي؟

مجتمع لا يفعل شيئاً

عوائق تاريخية كثيرة منعت المجتمع من أن يشعر أنه يتحكم في واقعه: حكم مستبد، مشاكل اقتصادية، تعليم مبني على التلقين..وضع هذا الأمر الناس في بيئة فكرية تعوق التفكير في العمل وتركز على إبداء الرأي: الأكثرية ترى نفسها مشجعين وليس لاعبين. جماهير وليس مؤديين. نقاد وليس مبتكرين.

لذلك فإنه بالنسبة لهم كل كلمة تقال هي "رأي".

حين أنتقد شكل النشاط الحالي في الـACM مثلاً، فإن الرد الذي أتلقاه دائما هو: لماذا ترى أن الـACM غير مفيد؟؟ لم أسمع أبداً عمن يسأل عن شكل البدائل وكيف يمكن تطوير النشاط ويستزيد من التفاصيل في هذا. الآن تعال نحلل الأمر حسب خلفية المتحدثين:

- لو كنت تفكر بنية المخترع، فأنت دائماً تبحث عن الثغرات في كل شيء من أجل الإتيان بجيل قادم من ذلك الشيء، يتلاشى الثغرات وأكثر.

- ولو كنت تفكر بنية إبداء الرأي، فأنت تفكر هل الشيء الحالي، في صورته الحالية، جيد أم سيء بدون التفكير في الصور الأخرى التي يمكن أن يكون عليها.

وكيف سنتقدم للأمام هكذا؟

هب أنني ذكرت مشكلة ما في تعريب العلوم. مشكلة لأول وهلة تبدو صعبة.

- لو كنت من مدرسة "إبداء الرأي" فسيكون ردك أن كيف أن هذه المشكلة ليست عائقاً حقيقياً، وسوف تتخذ موقفاً دفاعيا.

- لو كنت من مدرسة "الابتكار والتطوير" فستكون سعيداً لأن هذه النقطة قد أثيرت، وتبدأ في أن تفكر: كيف يمكن حلها؟


وإن الطريق طويل. وسوف تجد أنصار التعريب أنفسهم يمثلون عائقاً فيه: كلما جئت بمشكلة مشروعة في طريق التعريب، سوف تجد من يهاجمك لأنه قادم من خلفية "إبداء الرأي"، ويفسر كل كلامك على أنك عدو التعريب.

ولقد مللت. دائماً الحوار في صورة "كذا كويس، كذا وحش". هل نحن نقاد ارستقراطيين، نرتدي المونوكل وندخن البايب، ونجلس نشاهد الأوبرا؟ لماذا لا يكون الحوار أكثر عمقاً؟

حوار سطحي

هناك طبعاً ميزة لإبداء الرأي، هي أنك لا تحتاج للتحدث بكثير من التفصيل. لو كنا نتحدث مثلاً عن مجانية التعليم، فإن أكثر حجتين أسمعهما هي "سوف يفشل التعلم لو صار مجانياً" أو "كيف نترك التعليم للأغنياء فقط". لو استزدت من المتكلم فكثيرا ما لا تجد المزيد.

كم من الناس حاول أن يجيب على السؤال إجابة مستندة على بيانات؟ من قام بعمل حصر للدول المتقدمة علمياً، ثم رأى كم دولة فيهم ذات تعليم مجاني أو تعليم بمقابل؟ هذا الموضوع لا يأخذ أكثر من عشر دقائق على الويكيبديا، لكن قبل ذلك يأخذ رغبة حقيقية في التخطيط لمستقبل المجتمع وليس مجرد إبداء رأي مثلما تبدي رأيك في مطرب أو فريق كرة.

والحوار السياسي المصري، إلا بعض الاستثناءات، دائماً في هذه الصورة:
1- اختر شخصية أو فئة من الناس معروفة سياسياً.
2- هاجمها، أو دافع عنها، أو هاجم من يهاجمونها.
فإلى متى؟

وكم من زوج أخذ يسرد عيوب زوجته (أو العكس)، بدلاً من التفكير في أسباب المشاكل بينهما وحلها؟

وكم من شخص كبير أخذ يشتم في "شباب اليومين دول"، بدلاً من أن يدرس كيف يفكرون أو يدرس كيف يطورهم نحو الأفضل؟ إن فئة مثل الألتراس قد تصبح قوة اجتماعية مؤثرة (ليس فقط كثوريين) لو أحسن توجيهها، لكننا لا نرى إلا هجوماً عليهم أو مدحاً فيهم.

وكم من شخص يمدح شركة مثل مايكروسوفت أو جوجل ويتخذ من نفسه مشجعاً رسمياً لها، بدلاً من أن يفكر في الدروس المستفادة من إدارة هذه الشركات، بهدف تصميم "الجيل القادم" من شركة البرامج المتطورة؟

وكم من شخص لا يقول سوى "مصر مافيش زيها" أو "مصر متخلفة"، بدلاً من أن يقوم من على مقعده الوثير، ويعمل عملاً حقيقياً، ويبذل جهدا حقيقياً، في أن يرى القيم الإيجابة الموجودة في المجتمع المصري ليقويها، أو القيم السيئة ليغيرها؟ لا اقصد شعارات أو بديهيات، بل دراسة حقيقية مبنية على الملاحظة العلمية؟

ليست هناك تعليقات: