يا مدارس يا مدارس، قولي لي إيه لزمتك؟
ليه أروحك كل يوم، واستحملك؟
عملت إيه بالهرولة، والقسمة المطولة،
والجغرافيا والـmental arithmetic؟
ليه أروحك كل يوم، واستحملك؟
عملت إيه بالهرولة، والقسمة المطولة،
والجغرافيا والـmental arithmetic؟
لابد لنا كمجتمع أن نناقش الهدف من هذه المؤسسات التي نعتمد عليها -- المدارس والجامعات، قبل أن نفكر في تطويرها أو تقييمها.
الإجابة التقليدية لسؤال "ما الهدف" تكون غالباً مبسطة جداً: الهدف من الجامعات هو الإعداد لسوق العمل، والهدف من المدارس هو الإعداد للجامعات. هذا يتماشى مع قصة حياة كل منا. لكن هذه الإجابة المبسطة لا تفسر أشياء كثيرة. مثلاً:
- لماذا يعلمونهم الضرب والقسمة المطولة بينما الآلات الحاسبة متوفرة في كل مكان؟
- لماذا أخذنا جغرافيا؟ الضغط الجوي؟ كيمياء؟
- ما فائدة مادة الـProlog في كلية الحاسبات؛ بينما لغة البرولوج ليست شائعة في سوق العمل؟
- وفي الواقع، ما فائدة حاسبات نفسها بينما الكورسات تملاً البلد؟
- وما فائدة الكليات التي تدرس التاريخ مثلاً؟ أو الآدب؟ وماذا يهمنا في تطور الشعر في حقبة كذا؟
الهدف الأول هو الحفاظ على التراث العلمي للبشرية. الضغط الجوي الذي نأخذه في الإعدادية كان نتيجة أبحاث علماء في النهضة الأوروبية، وكانت تلك الأبحاث مسبوقة بنقاشات ونظريات (كثر فيها المغالطات) بدأت منذ عهد الفلاسفة اليونانيين. القسمة المطولة من أيام الخوارزمي. حساب المثلثات ازدهر كذلك في الدولة الإسلامية.
كل كلية كذلك تغطي العلم في مجالها. كليات الطب والهندسة تحافظ على علم أخذ قروناً حتى تشكل، بينما كلية حديثة نوعا ما مثل حاسبات تحافظ على قرن تقريباً من التطور العلمي، وإن كان علم computer science له جذور في علوم أخرى قديمة.
الهدف الثاني (خاص بالمدارس) هو تقديم خلفية علمية واسعة. أنت في المدارس تأخذ رياضيات، لغة، جغرافيا، طبيعة...الخ...الخ. هذا يفيدك في الحياة بطرق قد تشعر بها أو لا تشعر..
مثلاً لو تذكرت أنه هناك في إفريقيا مخزون كبير من المواد الخام لم يستنفذ بعد؛ قد تفهم لماذا تدار الحروب هناك بهذا الشكل؛
نفس الفكرة لو تعمقت فيها تفسر بعض أسباب بقاء الحكم الديكتاتوري في الشرق الأوسط كل هذه الفترة، أو صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، أو...أو...
لو فهمت النحو جيداً، قد يفيدك في دخول مجال اللغويات الحوسبية في المستقبل وعمل برنامج للترجمة الآلية.
لو فهمت مباديء الرياضيات، يمهد هذا لفهم مباديء الاقتصاد، وبالتالي تكون أقدر على الدخول في حوار قومي عن شكل الدولة ودورها، أو انتخاب أشخاص ذوي أفكار معينة وتجنب آخرين.
هل تفيد الخلفية العلمية الواسعة شيئاً غير هذه الأمثلة العملية؟ هنا بيت القصيد، والهدف الحقيقي من هذا المقال: الخلفية العلمية توسع فكرك.
هذا من أهم ما تقدمه المدارس والجامعات على الإطلاق. على الإطلاق!
ربما لا أحتاج لتطبيق القسمة المطولة لأن الآلات الحاسبة متوفرة، لكن فهم القسمة المطولة سيفيدني جداً!
- سوف يعلمني ما معنى الخوارزمية وكيفية تنفيذها.
- سوف يعلمني طرق رياضية مهمة: كيف أقسم المشكلة إلى أجزاء صغيرة وأحل كل جزء وحده ثم أجمع الحلول لتصير حل المشكلة الأصلية.
- سوف يعلمني أهمية التعبير عن الأعداد بطريقة معينة (مثل النظام العشري) تسلم نفسها للعمليات المطلوبة كالضرب والقسمة.
اسمعك تقول أنك لم تر في حياتك أحداً تعلم هذه الأشياء. أرد فأقول لك: أليس معنى ذلك أن مقالي هذا مهم للغاية؟ :)
مثال آخر: لغة Prolog في حاسبات..
- سوف أتعلم منها أهمية كتابة برنامج يعبر عن الهدف الذي أريد تحقيقه، وليس وسيلة تنفيذ ذلك الهدف.
- سوف أتعلم منها أن البرمجة لها صور كثيرة غير الصورة المألوفة؛ وربما يدفعني هذا للتفكير في صور جديدة.
- قد أتعلم منها أنه يمكن فصل البرنامج عن وسيلة تنفيذه (أي أن نفس البرنامج يمكن تنفيذه بطرق متعددة).
مشكلة هذه الأشياء، سواء في مثال القسمة أو البرولوج، أنها أشياء لا تظهر بصورة واضحة: إنها أشياء لا أكتبها في السي في ولن تُسأل عنها في الإنترفيو، وبالتالي لا ينجذب لها الكثير. لكنها أفكار تأتي بالعباقرة..إنها أفكار تدفع المعرفة البشرية للأمام.
هل تعلم أن الشريحة الإلكترونية في جهاز الكمبيوتر تقوم بالجمع والطرح والضرب بطريقة شبيهة بما أخذت في المدرسة (لكن بالنظام الثنائي)؟ تخيل لو كانت الآلة الحاسبة موجودة وقتها ولا يتعلم أحد سوى بها، والجميع لا يعرف معنى الضرب أصلاً أو خوارزمية القيام به؛ بالنسبة له الضرب هو لغز بلا حل سوى بالآلة الحاسبة -- كيف كانت ستتطور البرمجة؟
وقد قرأت ذات مرة ورقة بحثية كاتبها يجمع أفكار من البرمجة، مع نظريات Piaget للتطور المعرفي، مع شكل الفيزياء الذي كان يتغير، مع التطورات الجديدة في الإلكترونيات، كل هذا ليصمم جهازاً جديداً يكون رفيق الطفل في تعلمه وتفكيره.
أو لغة Erlang، وهي تجمع بين نموذج Actor model، نموذج نظري حوسبي، مع أفكار عن الـfault tolerance، وتم عمل أول إصدارة بها بالبرولوج (!)، لتكون أحد اللغات المفيدة التي تستخدمها شركات مثل Ericcson، Facebook، Amazon...شركات كبيرة رابحة.
هذه هي ميزة الخلفية العلمية الواسعة: هات أفكاراً من التاريخ واللغة، أو الفيزياء والبرمجة، أو الرسم والرياضيات، أو من ثلاثة مجالات أو أربعة، وقدم للبشرية شيئاً جديداً.
وقتها لا يكفي أن تعرف "اقل ما يمكن لدخول سوق العمل"، بل لابد من أن تدخل في النظري والعملي، القديم والجديد، المعروف والمغمور. لابد أن تتعلم جيداً.
هناك تعليقان (2):
هو بس اللى مش فاهمه يعنى ايه
- سوف أتعلم منها أهمية كتابة برنامج يعبر عن الهدف الذي أريد تحقيقه، وليس وسيلة تنفيذ ذلك الهدف.
Imagine you have to write a program to find all cities reachable from Cairo. You have a database of roads between cities.
In a language like C++, you'd have to write code for the exact steps needed to solve the problem.
In a language like Prolog, the program can be like this:
reachable(City1, City2) if road(City1, City2)
reachable(City1, City2) if road(City1, M) and reachable(M, City2)
and you run it like this:
reachable(cairo, X)
__________
The program would output all cities that satisfy the conditions.
إرسال تعليق