لا اظن انني استخدم هذه المصطلحات بطريقة صحيحة، لكنها اقرب ما استطعت لما اريد وصفه. سأشرح قصدي منها على أية حال. تذكر أن هذه "تعريفات" مناسبة لهذه المقالة وليس بالضرورة التعريفات الصحيحة:
adaptive مقابل adealistic: أي الشخص الذي يتقبل الوضع الحالي كما هو (ويقول على نفسه واقعي) ويفعل ما يراه ينبغي لينجح في هذا الوضع. يقابل ذلك الشخص الidealistic الذي يفرض مبادئه على سلوكه ويسعى لأن يفرضها على البيئة المحيطة أيضاً، في سعي لتغيير الواقع للأفضل.
concept-driven مقابل pragmatic: هذه مقابلة بين الشخص الذي يحكم سلوكه مجموعة من المفاهيم لابد وأن يسير عليها. مثلا كلما فعل شيء يسأل "هل تصرفي ديموقراطي" أو "هل تصرفي متفق مع مباديء الرأسمالية" أو"...الاشتراكية"؛ الخ. يقابل ذلك الشخص البراجماتي الذي يسأل "هل هذا سيحقق لي اهدافي؟ هل هذا في عداد الممكن؟".
تصنف لنا هذه المحاور الناس إلى اربعة اصناف: متكيف براجماتي، وربما يكون هذا هو الشائع في مصر الآن، متكيف يسير بالمفاهيم، وهذه لا اجد لها مثالاً، مثالي يسير بالمفاهيم، وهذه تراها في كثير من الشباب (منهم بعض الشباب الثوريين)، والمثالي البراجماتي، وهو ما احب ان اكون عليه.
وهذا بيت القصيد من هذا المقال: اني لا ارى تناقضاً بين أن يكون الشخص يسعى للإصلاح والتغيير والوصول لأفضل الحالات، وبين أن يكون عملياً يعرف ما ينبغي عمله وكيف يحصل على ما يريد (بلا تعديات اخلاقية). اريد ان اقول ان ما اسميه idealist و concept-driven هما شيئان لا شيئاً واحداً.
يحكى ان عمر بن الخطاب خشى من فشل حملة فتح مصر، وفي نفس الوقت رآها فرصة جيدة لو نجحت، فأرسل خطاباً لعمرو بن العاص (وكان في الطريق لمصر) وقال له: إن فتحت هذا الخطاب وانت لم تصل لمصر بعد فعد ولا تكمل، وإن كنت وصلت حين تفتح هذا الخطاب فتابع.
فماذا فعل عمرو بن العاص؟ يبدو انه كان بذكاءه المعروف قد خمن محتوى الخطاب؛ فلم يفتحه حتى وصل لداخل الحدود المصرية؛ ثم فتحه.
او الدين الاسلامي ككل: انه قد وضع لك مباديء عظيمة، إلا انه وضع معها اقراراً بأنه هناك حالات خاصة تقتضي تصرفات خاصة: لحم الخنزير محرم، إلا لمن اضطر غير باغ ولا عاد. الكذب حرام إلا حالات معينة (مثل الاصلاح بين زوجين). الحيوانات لها حقوق ولابد من رحمتها، لكن ليس بتطرف نراه احيانا (سمعت ذات مرة أن احد اعضاء PETA، وهي جمعية أمريكية لحقوق الحيوان، يقول ان حياة الحشرة تساوي عنده حياة الانسان).
عن نفسي مثلاً احاول قدر الإمكان التقليل من انتمائي للـ"إيات"، على غرار اشتراكية، رأسمالية، ليبرالية..الخ. انا مع "الشيء الصحيح"، وغالبا يكون الشيء الصحيح هو "الشيء الذي ينفع". الاشتراكية بالنسبة لي ليست مبدأ اعتنقه، لكن آخذ منها بعض المباديء مثل التعليم المجاني، الرعاية الصحية،...الخ. الرأسمالية أرى منها الوجه القبيح (سيطرة الشركات في امريكا، او ما حاول الحزب الوطني صنعه في مصر) لكن لن انكر اهمية السوق الحرة والقطاع الخاص الكبرى.
ولكن أعتبر هذه "الإيات" نظريات ظهرت في القرن التاسع عشر، ولا ينبغي السير عليها حرفياً كمباديء. إنها في افضل الاحوال نظريات تقريبية. يمكن الاستفادة منها لكن لا داع لتبنيها كما هي.
ثم ننظر للشارع السياسي: بعد انتهاء الثورة بقليل في 2011 كان هناك خلافات كثيرة حول شكل الدستور، شكل الدولة رئاسية ام برلمانية، وخلافات ايديولوجية كثيرة انستنا جانب براجماتي مهم جداً: اعضاء النظام القديم مازالوا يحكمون!
كأفراد وجماعات تشارك في الحوار السياسي كان يمكن ان نتصرف تصرفاً افضل بكثير، فالمجلس العسكري لا ايديولوجية له؛ لا هو اسلامي ولا ليبرالي ولا اشتراكي. هو فقط يريد الحكم والسيطرة. لكن في نفس الوقت هناك قوى اسلامية ظنت (لسبب لا افهمه) ان المجلس حليفها في اقامة الدولة الاسلامية، وقوى ليبرالية حاولت الاستعانة بالمجلس لفرض مباديء ما في الدستور الذي سيتشكل. ومازالت عواقب هذا الصراع تؤثر فينا حتى الآن.
ثم نجد مثلاً هذه الأيام من يرفض قانون العزل السياسي بحجة انه مفصل لشخص واحد (عمر سليمان). انا شخصيا ارى القانون ضروريا ولو لم يرشح عمر سليمان نفسه اصلاً لكن.....ما المانع من قانون مفصل على شخص واحد؟؟ لو كان القانون اسمه الرسمي "قانون منع عمر سليمان من الترشح لأنه قاتل، غير انه حيضيع البلد لو اترشح وفاز" فأنا مؤيد له.
لكن التخلي عن المفاهيم/الconcepts لابد ان يكون بحساب وحذر..هناك فرق بين "كسر القاعدة في الحالات الخاصة" وبين "تجاهل القاعدة تماما". وقتها سنجد انفسنا نكذب، ونتلاعب، ونفصّل عشرات القوانين لاشخاص معينين بمناسبة وبدون مناسبة...لهذا اكتسبت البراجماتية سمعة سيئة كأنها صفة للمستغلين عديمي الاخلاق بينما هي ليست كذلك.
البراجماتية ببساطة هي اتخاذ القرارات في البيئة الموجودة لا البيئة التي نتمنى ان توجد. نحن نتمنى ان لا يوجد عالم فيه خطر على الدولة من النظام القديم يحتاج لتصرفات خاصة، البعض يتمنى عالم تنفع فيه الاشتراكية المطلقة او الرأسمالية المطلقة، أو نستطيع فيه ان نحافظ (دائماً) على حياة البشر والحشرات على حد سواء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق