كيف اذاكر؟ كيف اقرأ؟ كيف أتعلم؟
هل اعمل في الاكاديميا ام القطاع الخاص؟
هل اتخصص في مجال معين واحترفه، ام اعرف في كل شيء؟
توجد ردود تقليدية على هذه الأمور. مثلاً الرد التقليدي في موضوع المذاكرة يكون شيء مثل الآتي:
اقرأ كل فقرة بتمعن ومعك ورقة وقلم، ثم اكتب ملخصاً للمباديء الأساسية لهذه الفقرة (احياناً: اسأل اسئلة عن هذه الفقرة). ثم بعد ذلك راجع هذه المباديء الأساسية.
اما موضوع الاكاديميا والقطاع الخاص فالخلاف فيه محتدم، وغالباً ما يكون الخلاف انعكاس لنظرة الناصح لا طبيعة المنصوح: من يرى ان الاكاديميا تضييع للوقت سينصح بالقطاع الخاص لأن "الاكشن" يجري هناك، بينما من يعطي قيماً للـ"وضع الاجتماعي" سينصح بالاكاديميا.
ماذا عن التخصص مقابل العمومية؟ غالباً سيقول الكل - بالإجماع - ان التخصص افضل. من يريد ان يبدو متوازناً سيقول التخصص في مجال محدد مع اخذ فكرة عن كل شيء في المجالات الاخرى. حتى انه هناك قولاً مأثوراً في هذه العبارة: اعرف كل شيء عن شيء وشيء عن كل شيء.
إنه التنوع يا سادة
لكن الناصحون ينسون كلمة اسمها diversity. ليس كل الناس يفكرون بنفس الطريقة (ليس لديهم نفس الsoftware على رأي التفكير الحوسبي)، وليست كل البيئات مثل بعضها. القطاع الخاص في Microsoft غير Google غير Makesense. الاكاديميا في MIT غير جامعة النيل. هناك اهداف في الحياة تحتاج لتخصص واهداف يضرها التخصص.
وانا مختلف عن الصورة التي يتوقعها الناس (كفى اتهاماً لي بالاستعلاء، "مختلف" غير "افضل"). ربما جزء من رسالتي في الحياة ان انبه الناس لموضوع الـdiversity هذا.. مهلاً يا أخي وانت تنصح! نصيحتك غالباً لن تنطبق علي! فكر في الظروف قبل ان تتكلم!
حتة نرجسية برمجية
كيف ابرمج؟ حين كنت اعمل في لغة كلمات كانت طريقتي هي اربع ايام من التفكير ويوم من التكويد. اما التفكير فكان يجري في دماغي بينما الف وادور في البيت: لا استخدم UML، لا diagrams، لا شيء. ثم حين اكود يكون الحل شبه محدد في دماغي فاجد الكود تكتب نفسها إلا في مواقف معينة يكون الحل المفترض مخالفاً للواقع العملي؛ وقتها نعود لمرحلة التفكير.
لكن من عدم الحكمة ان اصنع من هذه الطريقة methodology جديدة اسميها اسماً خلاباً - مثلاً طريقة 4+1 ، واسوقها على انها الحل النموذجي للمشاريع البرمجية مثل الـagile وما سبقها..الطريقة ببساطة نفعت معي في مشروع معين. لا يوجد اي سبب علمي لأن اقول انها ستنفع لو تعممت. هي بالتأكيد تنفع مع آخرين، لكن مع الآخرين؟ هذا أمر مختلف.
أين الأساس العلمي لهذه النصائح؟
وهل نصائح المذاكرة مبنية على اسس علمية فعلاً؟ موضوع التلخيصات والاسئلة هذا هل مبني على نظريات عن اكتساب المعرفة، ام فقط لأن الكلام يبدو منطقياً؟ لا اريد ان اظلم، احياناً يبدو الكلام مبني على اسس علمية - مثلاً حين يقولون نام بعد ان تذاكر فهناك علاقة حقيقية بين النوم والتخزين في الذاكرة، لكن هل دائماً يكون هذا هو الحال؟
وددت لو كان اصحاب كتب التنمية البشرية اياها يقدمون مراجعاً عن مصادر النصائح المذكورة في كتبهم. لابد لمؤلفي هذه الكتب ان يعاملوا القاريء على قدم المساواة. حتى لو تريد تبسيط المعلومات للقاريء العادي، لماذا لا تترك ملاحق/هوامش تقول "هذا مبني على نظرية فلان للعالم فلان المنشورة سنة كذا في كتاب كذا"؟؟
هذا ليس فقط سيعطي المؤلف مصداقية، لكنه ايضاً يبقيه صادقاً ويبعده عن التأليف والإفتاء بغير علم، وتجميع اشياء يراها "منطقية" بدون النظر إن كانت صحيحة ام خاطئة.
تقول لي: طيب لو لقيت نصيحة في المذاكرة ومش عارف ليها اساس علمي والا لأ، اعمل ليه؟ اقول: جرب، لو نفعت كمل فيها.
تقول لي: طيب لو لقيت نصيحة في المذاكرة ومش عارف ليها اساس علمي والا لأ، اعمل ليه؟ اقول: جرب، لو نفعت كمل فيها.
عودة إلى النرجسية
لكني هكذا خرجت من الموضوع. كيف كانت مذاكرتي؟ كنت اقرأ الموضوع كمن يقرأ قصة، فإن فهمت فقد كان، وإن لم افهم اتركه واجرب مرة اخرى في وقت لاحق او من مصدر مختلف. كان الفهم بالنسبة لي ليس شيئاً أفعله بقدر ما هو شيء يحدث، ولو قاس الناس ذكائي بالمقاييس التقليدية لغالباً وجدوني شخصاً عادياً جداً (مرة جربتها في اختبار IQ...كانت النتيجة اعلى من المتوسط لكن ليس بصورة ملفتة للنظر) الاشياء التي اؤلفها، تصميم لغة كلمات، المقالات على هذه المدونة. يسألني الناس: كيف تكتبها؟ وانا ارد: إنها تكتب نفسها.
كانت الاساطير اليونانية تتحدث عن قوى طبيعية اسمها "الملهمات" أو muses، هي التي تهمس للفنانين والمؤلفين بما يكتبوه او يرسموه. كذلك العرب تحدثوا عن شيطان الشعرالذي يوسوس الابيات للشاعر، وكأن الافكار موجودة في عالم موازي والمؤلف ما هو إلا قناة تمر منها الفكرة إلى عالمنا "على الجاهز" بدون أي فضل من المؤلف او ذكاء. لا عجب انهم قالوا هذا.
الآن تخيل لو سألني طالب مثلاً كيف اكون كاتباً جيداً فكان ردي: اقرأ كثيراً وفكر كثيراً في الموضوع الذي يهمك، ثم انتظر اياماً أو شهوراً أو سنين، حتى يكتب نفسه بنفسه. هناك مقالات على هذه المدونة فكرت فيها منذ 2008 وكتبتها في 2011. تخيل رد فعل شخص اقول له هذا في نصيحة.
تخصص ام لا تخصص؟
إن كان عملك جراحة المخ والاعصاب، فالتخصص هو غالباً شيء جيد. ماذا لو كنت مبرمجاً؟ لو كنت مبرمج database في شركة الفجر للبرمجيات فقد يفيد التخصص أو لا يفيد حسب الظروف، لكن ماذا لو كنت باحثاً في علم الذكاء الاصتناعي مثلاً؟
اووووه تخصص ايه بقى؟ لأ دي حكاية تانية! هنا ستجد نفسك تدخل في الفلسفة، علم النفس التربوي، الإحصاء، انواع مختلفة من الجبر أو الـcalculus لم يكن ليسمع عنها احد، وربما قواعد الموسيقى او شيء.
او تخيل التفكير الحوسبي مثلاً. إن كان هناك عكس لكلمة "تخصص" فهو غالباً هذا.
هل معنى هذا انه لا فائدة من النصح؟
كلما كتبت مقال عن الصورة الكلية او التنوع اجد نفسي ملزما نفسي ان اضع شيء من الاستثناء في النهاية. ربما كان ردي على النصائح هو "انظر لنفسك" او "انظر للظروف" لكن لا يعني هذا ان انكر على الاطلاق الفائدة من النصح.
بعد كل ما قلته - صدق او لا تصدق - انا مؤمن انه هناك مفاهيم ثابتة يمكن النصح بها :)
مثلاً: اهم نصيحة اقولها لمن يذاكر هي انك لم تذاكر حقاً بمجرد انك شعرت بالفهم؛ لابد من موقف اختبار تتأكد فيه انك فهمت حقاً. لو كانت المادة نظرية فلابد من حل اسئلة والتأكد من انك كتبت الحل الصحيح. لو كانت المادة برمجية فاكتب كود عن الذي درسته ولا تترك الـIDE إلا والكود تعمل بصورة صحيحة. النفس خداعة جداً ولو قلت "انا خلاص فهمت" فـ 99.999% ان هذا ليس صحيحاً.
ايضاً المذاكرة أولاً بأول مهمة. في افضل فترات حياتي دراسياً (الفرقة الاولى بالكلية) كنت لا اترك الاسبوع يمر بدون (1) مذاكرة المحاضرات (2) حل الاسئلة. هذا جعل الحياة سهلة، والمذاكرة ليست هماً. كانت فترة طيبة في الحياة.
ايضا في موضوع التخصص..نصيحتي ان تجرب اشياء كثيرة حتى تعرف ما تحب وما لا تحب. لقد جربت الgraphics ثم game programming ثم AI حتى وصلت اخيراً لما احببت وهو علم لغات البرمجة programming language theory، وبعد ان ظننت نفسي استقررت فإذا بي اجد التفكير الحوسبي وعلم النفس التربوي..وهي امور مازلت احاول الدخول فيها إلا ان بعض من جوانبها مازال مرتبطاً بطريقة او بأخرى بلغات البرمجة وتصميمها.
جرب وحاول واقرأ وفي يوم من الايام قد تقول "اريد التخصص في كذا" أو "اريد العمل في كذا الذي يحتاج الجمع بين اكثر من علم". وكلاهما مقبول عندي، لا اريد التحيز لجانب ما وفرض آرائي الشخصية على الآخرين.
حتى لو كان مقالي هذا مليء بالتحيزات الواضحة، إلا أنني اقول ان تحيزاتي هذه لي أنا وليست بالضرورة للجميع. لن يعيش احد لك حياتك، فلماذا تتركه يؤثر على قراراتك؟
هناك تعليقان (2):
البوست ده مفيد جداااااااااااااااااا
أعتقد ممكن نطبقه في حالة أسئلة زي:
- أعمل مشروع الجرافيكس يبقى game؟ ولا scene simulation؟
- أستعمل physics engine جاهز؟ ولا أكتب المطلوب يدوياً بنفسي؟
- الأحسن نشتغل في المشروع كمجموعة ولا نقسم المواد علينا و كل واحد يتقن مادة؟
..... إلخ D:
@Tasniem
غريب اني ما كتبتوش من زمان، رغم اني باجاوب على نفس النوع من الاسئلة من سنين لاشخاص يريدون تعلم البرمجة...
إرسال تعليق