‏إظهار الرسائل ذات التسميات business. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات business. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 يوليو 2012

خطط وأهداف(3): صنع المعنى

أريد أن أفتح شركة وأسميها Makesense. ما الهدف منها؟ تحويل الـcomputer science إلى أرباح.

لدينا في مصر كنز قومي اسمه كليات الحاسبات. لكن الطالب يدخل الكلية ليأخذ في علم نظم التشغيل، مترجمات لغات البرمجة، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة العلمية، نظم الحاسبات، ثم...يتخرج ليعمل مطور iPhone أو على SharePoint.

هذه مشكلة تحتاج إلى حل؛ نحتاج إلى وسيلة لكي يستمر خريجو الكلية في استخدام ما تعلموه وأيضاً - أهم من ذلك - أن يستمروا في العلم والاستزادة منه وسد ثغراتهم العلمية السابقة. يستمروا في ذلك بدون خوف من الماديات، لأن تعلمهم هذا يأتي بعوائد مادية أيضاً.

ثم ان شركة مثل هذه قد تأتي بأرباح هائلة، وتوفر فرص عمل، وتصعد بالمستوى العلمي للمجتمع، وتكون مثلاً إيجابياً يشجع الآخرين على فتح شركات مماثلة. هذه فوائد إضافية ظريفة جداً، أليس كذلك؟

كيف أريدها أن تكون؟ أريدها أن تكون حرة. أريدها أن تكون غنية. أريدها أن تكون إنسانية. أريد فيها علم مستشري. وأريدها أيضاً عملية وواقعية.

حرة يعني من السهل على المبرمج أن يقوم بالعمل الذي يريده. في شركة Valve لا يوجد تنظيم هرمي للإدارة، أي لا يوجد أحد مدير على أحد: إن أردت أن تقوم بمشروع محدد فعليك أن تنجح في تكوين فريق من الآخرين المقتنعين بجدوى مشروعك وفائدته للشركة وعملائها. لو نجحت في جمع ذلك الفريق فهذا هو "الأوكي" المطلوب لكي تستمر في المشروع.

المكاتب لديهم هناك على عجلات، لكي تدفع مكتبك إلى الفريق الذي تريد أن تعمل فيه.

غنية أي لا يكون العمل فيها من نوع واحد أو على رتيبة واحدة؛ هناك فريق يعمل في البحث واسترجاع البيانات، فريق في تطوير الأدوات البرمجة، فريق في الرؤية بالكمبوتر - ربما تصنيف عينات النباتات بالكاميرا - فريق يبتكر نوعاً جديداً من الألعاب. فريق في الروبوت..

نريد أن نتحرك بالعلم للأمام، ويرد العلم لنا الجميل حين يعطينا نقاط تفوق على الشركات الأخرى. ونريد أن نعطي المجتمع إحساساً بالروعة والانبهار.

ومن يدري؟ ربما يكون هناك فريق أو أكثر يعمل في جهاز أوراق...

إنسانية يعني لا نريد لنظام الشركة أن يفضل المؤسسة على الإنسان. هل أنت موهوب لكن لديك مشاكل صحية؟ أو مشاكل في النوم؟ أو تريد وقتاً اكثر لأسرتك وأولادك؟ تحدث معنا! ربما يكون هناك فرصة لكي نكيف لك بيئة عمل مناسبة، نستفيد من مواهبك وحبك للبرمجة وفي نفس الوقت لا نضغط عليك أو نلزمك بما لا تطيق.

وربما يمكن عمل طريقة اكثر ديموقراطية لإدارة الشركة. أوهل يمكن تطبيق شيء مثل الديموقراطية التشاركية أو التخطيط بالمشاركة؟ لماذا لا يحدد العاملون انفسهم كيف يراد أن تدار الشركة التي يعملون فيها؟

ذات علم مستشري لا نريد للمبرمج أن يصنع تحفاً علمية بدون أن نفكر كيف يتطور هو نفسه علمياً، وبدون أن يكون هناك مساعدة حية من الشركة في تعلمه وتطوره. نريد أن تشجع الشركة المبرمجين على القراءة، ويكون هناك وقت محدد بأجر للـ"عمل" في المكتبة والاستزادة منها. نريد أن نشجع الطاقم على الحصول على الماجستير والدكتوراه في جامعات قوية ومواضيع شيقة، أو حتى حضور الكورسات الالكترونية التي تضعها الآن جامعات عالمية على الإنترنت.

ونريد في نفس الوقت أن يكون هناك دور اجتماعي وأن نرد الجميل لكلية حاسبات. لماذا لا يأتي طاقم الشركة ويقدم في حاسبات الندوات والمحاضرات؟ ليس فقط هذا شيء للمجتمع، لكنه يساعد في أن يكون للشركة تموين مستمر من المبرمجين الموهوبين. ولا مانع أن يأتي لنا فئة من هؤلاء الموهوبين وفئة اخرى تثري باقي سوق العمل؛ كما يقال: إذا ارتفع المد ارتفعت معه المراكب كلها.

عملية وواقعية لا أريد للشركة أن تكون ساذجة أو مفرطة في التفاؤل. نعم، أنا أسعى لتحقيق النموذج أعلاه، لكني لا اقول أنه ليس سهلا أو أن حسن النية فيه يكفي. سوف يكون هناك تحديات كبيرة: ماذا لو كانت الحرية المفرطة تؤدي إلى عشوائية في اتخاذ القرار؟ ماذا لو حاول البعض استغلال الجانب الإنساني للشركة لكي يأخذ منها ولا يعطي؟ ماذا لو طغى العلم على الجوانب الأخرى من تسويق وإدارة؟

لا اقول انني قد وضعت خطة محكمة في اللحظة الحالية (هذه الأمور تأتي بالممارسة والتجربة والتطوير المستمر)، لكن هناك نقاط مهمة للبدء:

- لابد من حسن اختيار الموظفين جدا، ولابد أن تشارك الشركة كلها في عملية التعيين: المبرمج هو الذي يقوم بالinterview للمبرمج، وهذه مسؤولية لا تقل أهمية عن كتابة الكود (بل هي اعلى رتبة منها). لمزيد من التفاصيل ارسلك لمقال هو من افضل مقالات إدارة الشركات التي قرأتها في حياتي: Engineering management at Facebook

أيضاً عند تعيين شخص فإن الإنترفيو لن تكون فقط لقدراته البرمجية، كما يقولون في شركة Valve:

Do not interview only technical skills, check if the candidate is able to run a company, because he will be

- لابد من طرق للتقييم والتقويم.
- لابد، وهذا مهم جداً، من التطوير المستمر. من السهل الوقوع في فخ أن نفعل شيئاً خطأ ولا نكتشفه، أو ان نجرب شيئاً نفع نوعاً ما فنستمر فيه بينما هو خطأ على المدى الطويل. ومن السهل ان نجعل الأهواء الشخصية لبعض الأفراد، أو ما يظنه البعض حكماً من الحياة، أن تتحكم في سير العمل بدون منهج علمي! لابد من التجربة، القياس، بناء القرارات على data، التساؤل ومراجعة الذات في كل قرار...

شيء أخير: شركة مايكروسوفت تسمي طاقمها Microsofties، وشركة جوجل تسميهم Googlers، فماذا نسمي طاقمنا نحن؟ ماذا عن Sense Makers؟ :)

ألا تريد أن تكون جزءاً من الحلم؟

السبت، 21 يناير 2012

كنا نفعل أشياء!

لم تكن أمي معجبة جداً بالمدرسة في قطر.

كانت المدرسة انجليزية، والمدرسون كلهم تقريبا أجانب، ماعدا بعض المعلمين العرب في بعض المواد المتخصصة:
  • معلمة اللغة العربية شامية (سورية؟).
  • معلمة التربية الدينية اردنية.
  • معلمة اللغة الفرنسية شامية (لبنانية؟).
  • ومعلمة الكمبيوتر مصرية (وإليها أدين بدخولي عالم البرمجة).
أما الرياضيات، اللغة الانجليزية، العلوم، الرسم...الخ فكان مدرس واحد يؤدي مهامها - مسؤوول عن الفصل كله - وكان انجليزياً. ولم تكن أمي معجبة جداً بالمدرسة. ولهذا سبب: لم نكن نأخذ شيئاً تقريباً.

لم تكن توجد الكتب المصرية السميكة، نادراً ما كنا نرى المعلم يشرح على السبورة، الواجب المدرسي قليل، والامتحانات لم تكن شيئاً مهماً جداً. من وجهة نظر الأم المصرية لم تكن هذه مدرسة اصلاً. ومع ذلك فإن ما أنا عليه الآن يعود جزء كبير منه لهذه المدرسة. وقد تعلمت منها الكثير جداً.

نحن ببساطة لم نكن نتلقى الكثير من المعرفة knowledge، لكن كنا نفعل أشياءاً؛ هذا هو سر الموضوع. ذات مرة قال المعلم لنا في أول الترم: أريدكم أن تكتبوا قصة بوليسية.

لم تكن هذه شيئاً مطلوباً على الفور، بل مشروعاً قمنا به على مر الاسابيع. لم تكن أيضاً قصة نكتبها في كراسة بل "كتاباً" التلميذ مسؤول عن كل جوانبه: عليه أن يرسم له غلافاً، ويكتب النبذة في ظهر الغلاف التي تجذب القاريء، ويرسم الرسومات الداخلية. كان الكتاب النهائي للاسف مصنوعاً بخط اليد لا مطبوعاً، لكن من كل العوامل الأخرى كان التلميذ يصنع منتجاً كاملاً من البداية للنهاية.

ثم انه لا يمكن كتابة قصة بوليسية كما تكتب خطاباً مثلاً: في الخطاب يمكنك أن تمسك القلم وورقة بيضاء وتكتب من البداية للنهاية، لكن القصة البوليسية لابد لها من خطة أولاً. لابد لها من تصميم design يشبه التصميم الهندسي أو تصميم برنامج. لابد لها من بنية structure.
  • في البداية، ما هي البيئة المحيطة أو الظروف التي تدور فيها أحداث القصة؟
  • وما هي الشخصيات؟ سواء المجرم، أو "الضحية"، أو الشخصيات الأخرى، أو "المخبر" الذي سيكتشف الجاني؟
  • وكيف حدثت الجريمة، ولماذا هي لغز، ما الذي يمنع معرفة الجاني على الفور؟
  • وما هي الادلة، وكيف ستنكشف تدريجياً بحيث يكون هناك فرصة للقاريء أن يستنتج مع المخبر؟
  • وكيف يمكن تحيير القاريء بحيث لا يكون الاكتشاف بديهياً؟
  • وهل للرسومات دور؟ هل يمكن إخفاء دليل في رسمة بدلا من ذكره في سرد القصة؟
  • وهكذا وهكذا...
وأنا كطفل في الثانية عشر لم أكن اعرف كلمة البيئة المحيطة ولا design، لكني - عرفت أو لم أعرف - كنت أفعل هذه الأشياء.

نعم يا سادة: الطفل يصمم منتجاً، ويقوم بخطوات مشروع على مدى اسابيع. ويستمتع بما يقوم به. نحن في مجتمعنا نفخر بذكاء الطفل المصري، ونقول انهم اذكى من الكبار، لكننا نفعل هذا بأفواهنا أكثر الأحيان لا بأعمالنا. إن كنت تراه ذكياً لهذه الدرجة اعطه مسؤولية شيء يفعله. اجعله يقوم بأشياء.

ماذا عن الرسم؟ في المدارس المصرية هناك ثلاث مواضيع للرسم لا خروج عنها:
  • الأهرام
  • حرب اكتوبر
  • الاطفال يحتفلون بالعيد في الحدائق
ماذا كنا نرسم إذاً في المدرسة في قطر؟ يختلف الأمر من حين لحين: يمكن ان نرى فيلماً ثم نرسم مشهداً اعجبنا فيه، أو نقرأ كتاباً أو شعراً ونرسم شيئاً مرتبطا بما قرىء، أو نرسم رسماً يصاحب قصة ألفناها (مثلما رأيتم). القصد ان الرسم هنا كان وظيفياً: إنه يعبر هنا عن شيء رأيته أو قرأته أو تفكر فيه. عندما ترسم حرب اكتوبر فإنك لا تفكر في الرسمة: أنت فقط تقسم الصفحة إلى اقسام كل قسم فيه عنصر ما: هنا دبابة، هنا جندي، هنا مظلة. لا تفكير مطلقاً.

كانت هذه المرحلة الابتدائية. في المرحلة الإعدادية ذهبت إلى مدرسة اخرى (انجليزية أيضاً) كانت اكثر تقليدية من الأولى: هذه المرة فيها مناهج واشخاص يشرحون على السبورة. لكن مازال لها رونقها وتميزها. مثلاً كان هناك نشاط - على مدى الترم - لصنع مجلة للمدرسة.

في المدارس المصرية كلمة مجلة معناها غالباً مجلة حائط، أما هناك فكانت مجلة حقيقية تطبع وتوزع. اخذتنا المدرسة من ضمن ذلك النشاط إلى مطبعة لنرى كيف تصنع المجلات والصحف. لم يكن عندهم وقتها نشر مكتبي بالكمبيوتر، بل ترص "العواميد" على لوح زجاجي يدوياً ثم تأتي آلة تصور هذه الرصة تمهيداً لطباعتها. هذه الزيارة صنعت لدي اهتماما كبيراً بموضوع النشر هذا: الخطوط والصور والإطارات النصية ورصة الصفحة page layout وكل هذا. ربما اهتمامي بجهاز أوراق يعود جزء منه لهذا الاهتمام بالنشر.

لا أريد أن أبالغ في المقارنة بين هذه المدرسة والمدارس المصرية، فالمدرسة القطرية/الانجليزية كانت مصاريفها باااهظة بينما المدارس المصرية ليس لها نفس الحظ مالياً، لكن أياً كان السبب فقد تعلمت شيئاً آخر: الطموح. هناك عادة لدى كثير من المصريين هي وضع الحدود لأنفسهم: لا تصنع مجلة بل مجلة حائط. في الثمانيات والتسعينات لم يكن الشخص يفتح شركة بل يفتح "مشروع"، حيث معناها شراء آلة صنع فشار أو آلة صنع أكياس بلاستيك. دائماً أول ما يفكر فيه الشخص ليس كيف يحقق طموحه بل عن مدى "واقعية" هذا الطموح. كل شوية: خليك واقعي، الواقعية! لازم تفكر بواقعية! الواقعية الشقية!

حين عدت لمصر كنت افكر في كيفية فتح شركة برمجيات وكنت في الإعدادية. لم انجح في جزء الشركة لكن التفكير نفسه واقعي وليس خيالي. هناك في الخارج طفل في الرابعة عشرة مطور برامج آيفون. وآخر في الثانية عشرة. ولو قلنا ان تطوير البرامج اسهل من فتح شركة تقليدية فسأرد بهذا الصبي في العاشرة الذي فتح محل حلويات. هناك عشرات الأمثلة الأخرى. أنا لا أريد ان يتصرف المجتمع كأن هؤلاء حالة خاصة لا تتكرر: أتمنى أن أرى هذا النوع من الطموح مألوفاً.

طبعاً صار الأمر يتغير الآن بظهور المصلحين الاجتماعيين، ووجود حملات مثل صناع الحياة، وظهور نماذج كثيرة لشركات عربية ناجحة وشبكات إعلامية شبابية ظهرت من لاشيء على الفيسبوك...الخ. المجتمعات العربية الآن افضل بكثييير في جانب الطموح، لكن أتمنى أن تكون هذه التغييرات جذرية مستشرية في المجتمع كله وليس فقط نماذج إيجابية هنا وهناك (وإن كانت تزيد مع الوقت).

ربما يمكن بدء التغيير في المدارس: إن كنت ترى أن الأطفال في المجتمع أذكياء حقاً وتريد منهم الطموح فلا يكفي أن تحثهم بلسانك، بل اعطهم مسؤوليات تليق بالذكاء الذي تحسبه فيهم: دعهم يؤلفون كتباً أو يرسمون كاريكاتير، أو يصممون مواقع على النت، أو يطبخون، أو يفتحون شركات. لا تجعلهم يصنعون اشياء "لعبة": لو فتحوا شركات فلتكن تدر ربحاً حقيقياً (لا يلزم ان يكون ربحا كبيراً). لو صنعوا موقع انترنت فليكن موقع في موضوع يهم الناس ان يزوروه فعلا، لو طبخوا فلتكن طريقة عمل البيتزا وليس صنع المربى. دعهم يفعلون أشياء حقيقية.