لم تكن أمي معجبة جداً بالمدرسة في قطر.
كانت المدرسة انجليزية، والمدرسون كلهم تقريبا أجانب، ماعدا بعض المعلمين العرب في بعض المواد المتخصصة:
لم تكن توجد الكتب المصرية السميكة، نادراً ما كنا نرى المعلم يشرح على السبورة، الواجب المدرسي قليل، والامتحانات لم تكن شيئاً مهماً جداً. من وجهة نظر الأم المصرية لم تكن هذه مدرسة اصلاً. ومع ذلك فإن ما أنا عليه الآن يعود جزء كبير منه لهذه المدرسة. وقد تعلمت منها الكثير جداً.
نحن ببساطة لم نكن نتلقى الكثير من المعرفة knowledge، لكن كنا نفعل أشياءاً؛ هذا هو سر الموضوع. ذات مرة قال المعلم لنا في أول الترم: أريدكم أن تكتبوا قصة بوليسية.
لم تكن هذه شيئاً مطلوباً على الفور، بل مشروعاً قمنا به على مر الاسابيع. لم تكن أيضاً قصة نكتبها في كراسة بل "كتاباً" التلميذ مسؤول عن كل جوانبه: عليه أن يرسم له غلافاً، ويكتب النبذة في ظهر الغلاف التي تجذب القاريء، ويرسم الرسومات الداخلية. كان الكتاب النهائي للاسف مصنوعاً بخط اليد لا مطبوعاً، لكن من كل العوامل الأخرى كان التلميذ يصنع منتجاً كاملاً من البداية للنهاية.
ثم انه لا يمكن كتابة قصة بوليسية كما تكتب خطاباً مثلاً: في الخطاب يمكنك أن تمسك القلم وورقة بيضاء وتكتب من البداية للنهاية، لكن القصة البوليسية لابد لها من خطة أولاً. لابد لها من تصميم design يشبه التصميم الهندسي أو تصميم برنامج. لابد لها من بنية structure.
نعم يا سادة: الطفل يصمم منتجاً، ويقوم بخطوات مشروع على مدى اسابيع. ويستمتع بما يقوم به. نحن في مجتمعنا نفخر بذكاء الطفل المصري، ونقول انهم اذكى من الكبار، لكننا نفعل هذا بأفواهنا أكثر الأحيان لا بأعمالنا. إن كنت تراه ذكياً لهذه الدرجة اعطه مسؤولية شيء يفعله. اجعله يقوم بأشياء.
ماذا عن الرسم؟ في المدارس المصرية هناك ثلاث مواضيع للرسم لا خروج عنها:
كانت هذه المرحلة الابتدائية. في المرحلة الإعدادية ذهبت إلى مدرسة اخرى (انجليزية أيضاً) كانت اكثر تقليدية من الأولى: هذه المرة فيها مناهج واشخاص يشرحون على السبورة. لكن مازال لها رونقها وتميزها. مثلاً كان هناك نشاط - على مدى الترم - لصنع مجلة للمدرسة.
في المدارس المصرية كلمة مجلة معناها غالباً مجلة حائط، أما هناك فكانت مجلة حقيقية تطبع وتوزع. اخذتنا المدرسة من ضمن ذلك النشاط إلى مطبعة لنرى كيف تصنع المجلات والصحف. لم يكن عندهم وقتها نشر مكتبي بالكمبيوتر، بل ترص "العواميد" على لوح زجاجي يدوياً ثم تأتي آلة تصور هذه الرصة تمهيداً لطباعتها. هذه الزيارة صنعت لدي اهتماما كبيراً بموضوع النشر هذا: الخطوط والصور والإطارات النصية ورصة الصفحة page layout وكل هذا. ربما اهتمامي بجهاز أوراق يعود جزء منه لهذا الاهتمام بالنشر.
لا أريد أن أبالغ في المقارنة بين هذه المدرسة والمدارس المصرية، فالمدرسة القطرية/الانجليزية كانت مصاريفها باااهظة بينما المدارس المصرية ليس لها نفس الحظ مالياً، لكن أياً كان السبب فقد تعلمت شيئاً آخر: الطموح. هناك عادة لدى كثير من المصريين هي وضع الحدود لأنفسهم: لا تصنع مجلة بل مجلة حائط. في الثمانيات والتسعينات لم يكن الشخص يفتح شركة بل يفتح "مشروع"، حيث معناها شراء آلة صنع فشار أو آلة صنع أكياس بلاستيك. دائماً أول ما يفكر فيه الشخص ليس كيف يحقق طموحه بل عن مدى "واقعية" هذا الطموح. كل شوية: خليك واقعي، الواقعية! لازم تفكر بواقعية! الواقعية الشقية!
حين عدت لمصر كنت افكر في كيفية فتح شركة برمجيات وكنت في الإعدادية. لم انجح في جزء الشركة لكن التفكير نفسه واقعي وليس خيالي. هناك في الخارج طفل في الرابعة عشرة مطور برامج آيفون. وآخر في الثانية عشرة. ولو قلنا ان تطوير البرامج اسهل من فتح شركة تقليدية فسأرد بهذا الصبي في العاشرة الذي فتح محل حلويات. هناك عشرات الأمثلة الأخرى. أنا لا أريد ان يتصرف المجتمع كأن هؤلاء حالة خاصة لا تتكرر: أتمنى أن أرى هذا النوع من الطموح مألوفاً.
طبعاً صار الأمر يتغير الآن بظهور المصلحين الاجتماعيين، ووجود حملات مثل صناع الحياة، وظهور نماذج كثيرة لشركات عربية ناجحة وشبكات إعلامية شبابية ظهرت من لاشيء على الفيسبوك...الخ. المجتمعات العربية الآن افضل بكثييير في جانب الطموح، لكن أتمنى أن تكون هذه التغييرات جذرية مستشرية في المجتمع كله وليس فقط نماذج إيجابية هنا وهناك (وإن كانت تزيد مع الوقت).
ربما يمكن بدء التغيير في المدارس: إن كنت ترى أن الأطفال في المجتمع أذكياء حقاً وتريد منهم الطموح فلا يكفي أن تحثهم بلسانك، بل اعطهم مسؤوليات تليق بالذكاء الذي تحسبه فيهم: دعهم يؤلفون كتباً أو يرسمون كاريكاتير، أو يصممون مواقع على النت، أو يطبخون، أو يفتحون شركات. لا تجعلهم يصنعون اشياء "لعبة": لو فتحوا شركات فلتكن تدر ربحاً حقيقياً (لا يلزم ان يكون ربحا كبيراً). لو صنعوا موقع انترنت فليكن موقع في موضوع يهم الناس ان يزوروه فعلا، لو طبخوا فلتكن طريقة عمل البيتزا وليس صنع المربى. دعهم يفعلون أشياء حقيقية.
كانت المدرسة انجليزية، والمدرسون كلهم تقريبا أجانب، ماعدا بعض المعلمين العرب في بعض المواد المتخصصة:
- معلمة اللغة العربية شامية (سورية؟).
- معلمة التربية الدينية اردنية.
- معلمة اللغة الفرنسية شامية (لبنانية؟).
- ومعلمة الكمبيوتر مصرية (وإليها أدين بدخولي عالم البرمجة).
لم تكن توجد الكتب المصرية السميكة، نادراً ما كنا نرى المعلم يشرح على السبورة، الواجب المدرسي قليل، والامتحانات لم تكن شيئاً مهماً جداً. من وجهة نظر الأم المصرية لم تكن هذه مدرسة اصلاً. ومع ذلك فإن ما أنا عليه الآن يعود جزء كبير منه لهذه المدرسة. وقد تعلمت منها الكثير جداً.
نحن ببساطة لم نكن نتلقى الكثير من المعرفة knowledge، لكن كنا نفعل أشياءاً؛ هذا هو سر الموضوع. ذات مرة قال المعلم لنا في أول الترم: أريدكم أن تكتبوا قصة بوليسية.
لم تكن هذه شيئاً مطلوباً على الفور، بل مشروعاً قمنا به على مر الاسابيع. لم تكن أيضاً قصة نكتبها في كراسة بل "كتاباً" التلميذ مسؤول عن كل جوانبه: عليه أن يرسم له غلافاً، ويكتب النبذة في ظهر الغلاف التي تجذب القاريء، ويرسم الرسومات الداخلية. كان الكتاب النهائي للاسف مصنوعاً بخط اليد لا مطبوعاً، لكن من كل العوامل الأخرى كان التلميذ يصنع منتجاً كاملاً من البداية للنهاية.
ثم انه لا يمكن كتابة قصة بوليسية كما تكتب خطاباً مثلاً: في الخطاب يمكنك أن تمسك القلم وورقة بيضاء وتكتب من البداية للنهاية، لكن القصة البوليسية لابد لها من خطة أولاً. لابد لها من تصميم design يشبه التصميم الهندسي أو تصميم برنامج. لابد لها من بنية structure.
- في البداية، ما هي البيئة المحيطة أو الظروف التي تدور فيها أحداث القصة؟
- وما هي الشخصيات؟ سواء المجرم، أو "الضحية"، أو الشخصيات الأخرى، أو "المخبر" الذي سيكتشف الجاني؟
- وكيف حدثت الجريمة، ولماذا هي لغز، ما الذي يمنع معرفة الجاني على الفور؟
- وما هي الادلة، وكيف ستنكشف تدريجياً بحيث يكون هناك فرصة للقاريء أن يستنتج مع المخبر؟
- وكيف يمكن تحيير القاريء بحيث لا يكون الاكتشاف بديهياً؟
- وهل للرسومات دور؟ هل يمكن إخفاء دليل في رسمة بدلا من ذكره في سرد القصة؟
- وهكذا وهكذا...
نعم يا سادة: الطفل يصمم منتجاً، ويقوم بخطوات مشروع على مدى اسابيع. ويستمتع بما يقوم به. نحن في مجتمعنا نفخر بذكاء الطفل المصري، ونقول انهم اذكى من الكبار، لكننا نفعل هذا بأفواهنا أكثر الأحيان لا بأعمالنا. إن كنت تراه ذكياً لهذه الدرجة اعطه مسؤولية شيء يفعله. اجعله يقوم بأشياء.
ماذا عن الرسم؟ في المدارس المصرية هناك ثلاث مواضيع للرسم لا خروج عنها:
- الأهرام
- حرب اكتوبر
- الاطفال يحتفلون بالعيد في الحدائق
كانت هذه المرحلة الابتدائية. في المرحلة الإعدادية ذهبت إلى مدرسة اخرى (انجليزية أيضاً) كانت اكثر تقليدية من الأولى: هذه المرة فيها مناهج واشخاص يشرحون على السبورة. لكن مازال لها رونقها وتميزها. مثلاً كان هناك نشاط - على مدى الترم - لصنع مجلة للمدرسة.
في المدارس المصرية كلمة مجلة معناها غالباً مجلة حائط، أما هناك فكانت مجلة حقيقية تطبع وتوزع. اخذتنا المدرسة من ضمن ذلك النشاط إلى مطبعة لنرى كيف تصنع المجلات والصحف. لم يكن عندهم وقتها نشر مكتبي بالكمبيوتر، بل ترص "العواميد" على لوح زجاجي يدوياً ثم تأتي آلة تصور هذه الرصة تمهيداً لطباعتها. هذه الزيارة صنعت لدي اهتماما كبيراً بموضوع النشر هذا: الخطوط والصور والإطارات النصية ورصة الصفحة page layout وكل هذا. ربما اهتمامي بجهاز أوراق يعود جزء منه لهذا الاهتمام بالنشر.
لا أريد أن أبالغ في المقارنة بين هذه المدرسة والمدارس المصرية، فالمدرسة القطرية/الانجليزية كانت مصاريفها باااهظة بينما المدارس المصرية ليس لها نفس الحظ مالياً، لكن أياً كان السبب فقد تعلمت شيئاً آخر: الطموح. هناك عادة لدى كثير من المصريين هي وضع الحدود لأنفسهم: لا تصنع مجلة بل مجلة حائط. في الثمانيات والتسعينات لم يكن الشخص يفتح شركة بل يفتح "مشروع"، حيث معناها شراء آلة صنع فشار أو آلة صنع أكياس بلاستيك. دائماً أول ما يفكر فيه الشخص ليس كيف يحقق طموحه بل عن مدى "واقعية" هذا الطموح. كل شوية: خليك واقعي، الواقعية! لازم تفكر بواقعية! الواقعية الشقية!
حين عدت لمصر كنت افكر في كيفية فتح شركة برمجيات وكنت في الإعدادية. لم انجح في جزء الشركة لكن التفكير نفسه واقعي وليس خيالي. هناك في الخارج طفل في الرابعة عشرة مطور برامج آيفون. وآخر في الثانية عشرة. ولو قلنا ان تطوير البرامج اسهل من فتح شركة تقليدية فسأرد بهذا الصبي في العاشرة الذي فتح محل حلويات. هناك عشرات الأمثلة الأخرى. أنا لا أريد ان يتصرف المجتمع كأن هؤلاء حالة خاصة لا تتكرر: أتمنى أن أرى هذا النوع من الطموح مألوفاً.
طبعاً صار الأمر يتغير الآن بظهور المصلحين الاجتماعيين، ووجود حملات مثل صناع الحياة، وظهور نماذج كثيرة لشركات عربية ناجحة وشبكات إعلامية شبابية ظهرت من لاشيء على الفيسبوك...الخ. المجتمعات العربية الآن افضل بكثييير في جانب الطموح، لكن أتمنى أن تكون هذه التغييرات جذرية مستشرية في المجتمع كله وليس فقط نماذج إيجابية هنا وهناك (وإن كانت تزيد مع الوقت).
ربما يمكن بدء التغيير في المدارس: إن كنت ترى أن الأطفال في المجتمع أذكياء حقاً وتريد منهم الطموح فلا يكفي أن تحثهم بلسانك، بل اعطهم مسؤوليات تليق بالذكاء الذي تحسبه فيهم: دعهم يؤلفون كتباً أو يرسمون كاريكاتير، أو يصممون مواقع على النت، أو يطبخون، أو يفتحون شركات. لا تجعلهم يصنعون اشياء "لعبة": لو فتحوا شركات فلتكن تدر ربحاً حقيقياً (لا يلزم ان يكون ربحا كبيراً). لو صنعوا موقع انترنت فليكن موقع في موضوع يهم الناس ان يزوروه فعلا، لو طبخوا فلتكن طريقة عمل البيتزا وليس صنع المربى. دعهم يفعلون أشياء حقيقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق