هذا المقال هو أفكار مقترحة مني لأنشطة شيقة يقوم بها الأطفال لتمرين عضلاتهم التفكيرية. قد يمكن تطبيقها في المدارس، أو كنشاط صيفي، أو يقوم بها الأهل مع أبنائهم.
إن الحديث كثير عن كيف أن التعليم الحالي يلقن الأطفال معلومات بلا تفكير، ولكننا لا نتحدث بنفس الكثرة عن شكل التعليم "التفكيري" الذي نتمناه، فإن تحدثنا نتحدث حديثاً عاماً عن ضرورة تفتيح الذهن، التعلم بالممارسة، الإبداع، لكن أمثلة حقيقية، حية لا نجدها كثيراً.
رسم قصص مصورة
دع الطفل يكتب سيناريو القصة (كل لقطة ماذا تصف، وماذا تقول كل شخصية) ثم يحكي القصة عن طريق comic strips. دعه مسؤولاً بالكامل عن القصة، لكن لا بأس أن تقترح له أفكاراً على غرار اكتب مغامرة، اكتب قصة خيال علمي، اكتب قصة تاريخية،. اعرض عليه نماذج للقصص الموجودة وناقش الـtechniques المستخدمة فيها مثل إظهار المشهد من زوايا مختلفة، عمل زوم على الوجه في اللقطات الدرامية، ...الخ
صنع كلمات متقاطعة
تأليف الكلمات المتقاطعة ليس شيئاً سهلاً! ارسم مربع ن×ن (حيث ن مثلاً 8، 10، أو أكثر حسب مستوى الاطفال) ثم دعهم - بإشراف منك أو بأقل إشراف ممكن - يضعون كلمات في الصفوف والأعمدة، يلاحظون كيف تتداخل الكلمات وكيفية فك هذا التداخل، أين يضعون المربعات السوداء. هناك heuristics معينة للكلمات المتقاطعة الجيدة: أن يكون الكلام المعكوس أو المبعثر قليل، أن تكون الخلايا السوداء متناثرة غير متجاورة،...الخ.
صنع ألغاز
مثلاً يؤلف الأطفال لغز "استخرج الاختلافات الستة بين الرسمتين"، وكيف يجعلون الاختلافات خفية ومحيرة (يمكن عمل اللغز بالكمبيوتر أو الورق الشفاف لكي تكون الأجزاء الأخرى متطابقة)،
يمكنهم تصميم ألغاز أخرى مثل المتاهات، والمتاهة الجيدة لها قواعد رياضية وهناك اجزاء من علم computer science متعلقة بتصميمها.
(لو كنت مهتماً بالعلاقة بين علوم الـalgorithms والمتاهات، أحيلك إلى هذا العرض، وهو من أجمل ما قيل في هذا الموضوع. طبعاً مع الاطفال يمكن تبسيط الأمر أو التدرج فيه).
زخارف إسلامية
هل تعرف أن المهندس القديم في الدولة الإسلامية كان يستخدم في زخارفه شيئين فحسب: البرجل والمسطرة؟ لم يحتج بعد ذلك سوى عقله وخياله. وهل تعلم أنه هناك نظريات علمية راقية وراء هذه الزخارف، وأنه هناك باحثون في جامعات بالخارج، سواء art أو computer science أو math، يدرسون هذه الزخارف ويحللونها؟
لماذا لا نأتي بالأطفال ونأتي بالبرجل والمسطرة، ونأتي بكتاب أو اثنين عن مباديء الزخرفة الإسلامية، ونجعلهم يأخذون جولات في صنع زخارفهم وتصميماتهم؟
بعض المصادر السريعة: دروس من مصمم بريطاني مهتم بالزخارف الإسلامية، وهذه صفحة مشروع لعالم متخصص في computer graphics في جامعة كندية، الصفحة تحتوي papers عن الزخارف الإسلامية والـgraphics منها رسالة دكتوراه في هذا الموضوع. وهناك اهتمام عالمي بالمجال يمكن لمن يبحث عنه أن يجد الكثير.
ماذا سيتعلم الطفل؟
قبل أن نتابع الأمثلة لنا وقفة سريعة نناقش فيها الفوائد التعليمية من كل هذا. أول فائدة هي التخطيط. في الكلمات المتقاطعة مثلاً كل كلمة تضعها سوف تؤثر على المربعات المحيطة، وعليك ان تفكر اكثر من خطوة للأمام. نفس الشيء بالطبع في القصة أو المتاهة.
الشيء الآخر هو التقييم الصادق للذات. إن الرسمة الجيدة أو الزخرفة الجميلة أو اللغز المحير تظهر جودته أمام الطفل، وهي أشياء للطفل خبرة بها ورآها من قبل في المجلات أو القصص أو على الإنترنت. في هذه الحالة فإن الطفل يتعلم التفكير الناقد وكيف يقارن بين عمله والأعمال الأخرى، وكيف يطور عمله ويسد الثغرات التي به، أو على الأقل يعرف المهارات التي يحتاج أن يتعلمها ليصنع شيئاً أفضل.
لابد في هذه الحالة للمعلم أن يحسن التعامل مع الموقف لكي لا يفقد الطفل ثقته بنفسه، فيجرب المعلم بنفسه أولاً أن يصنع النشاط المطلوب قبل أن يطلب من الأطفال ذلك، وأن يطور عمله هذا إلى أن يبلغ المستوى القريب من الاحترافي ليمسك بيد الطفل ويأخذه في ذلك الطريق، فإن وجد أنه من الصعب بلوغ ذلك المستوى، بسبب سن الأطفال أو ضيق الوقت أو الإمكانيات، فليكن صادقاً مع الأطفال ويقول "سوف نقترب من الأعمال الاحترافية في كذا لكن لن نستطيع عمل الأوجه الأخرى بسبب كذا..".
يتعلم الطفل أيضاً كيف يفكر في جمهوره، أي كيف يجعل القصة شيقةً أو اللغز محيراً. هذا التفكير في أثر العمل على الآخرين يفتح الباب في المستقبل لفن الصياغة المقنعة أو التفاوض أو في مجال الـuser interaction design في صناعة البرمجيات أو في تصميم المنتجات لاحتياجات المستخدم...الخ
ثم يتعلم الطفل أيضاً من هذه الأنشطة الثقة بالنفس، والفخر بإنتاجه الشخصي.
ولا ننسى أنه يتعلم أيضاً علوماً حقيقية، فالكلمات المتقاطعة تحتاج ثروة لغوية، والزخارف الإسلامية بها كثير من الرياضيات والهندسة، والالغاز بها تفكير منطقي وحس جمالي، وهكذا.
نعود للأفكار...
جغرافيات
لقد كان جزء من التقدم العلمي للدولة الإسلامية في الجغرافيا والخرائط. كذلك أيام النهضة الأوروبية. لماذا لا نستعيد تلك الثقافة وذلك الفكر؟ هل يمكن أن يقوم الأطفال باستكشاف مكان ما (حديقة، المدرسة...) وصنع خرائط لها؟ أعتقد أيضاً أن شيء مثل Google earth منجم ذهب لهذه الأشياء. مثلاً يمسكوا بخريطة للقاهرة ومطلوب منهم استخدامها للعثور على مكان معين على Google earth، أو "استكشاف" منطقة معينة أو حتى دولة أو دول عن طريق GE ثم رسم خريطة لها. أيضاً يمكن التفكير في الجغرافيا الفلكية: يستخدمون التلسكوب ويرسمون خريطة لقطاع معين من الفضاء بنجومه. أو الاسترشاد بالنجوم كما كان يفعل المسافرون القدامى.
هذا الكلام بالمناسبة مليء بالهندسة التحليلية وحساب المثلثات :)
Codes, cryptography, and cryptanalysis
النهاردة يا ولاد هدفنا بسيط جداً: سمير عليه يكتب رسالة بالشفرة، أحمد عليه يفكها، والرسالة حتعدي الأول على شريف ومجدي، وهم عليهم يحاولوا يعرفوا الرسالة من غير ما يكونوا عارفين الشفرة إيه!
بعد هذه البداية، هناك الكثييييير جداً مما يمكن عمله. هناك مثلاً شفرات استخدمت تاريخياً في حروب الرومان، أو في الحرب العالمية الأولى، وهي وإن كانت ليست قوية جداً بمقاييسنا الحالية، إلا أنها قد تكون مناسبة للتعليم. هذه خلفية تاريخية عن التشفير للأطفال. هذه أيضاً خلفية غنية عن طرق تشفير مختلفة للأطفال.
ملاحظات أخيرة
رغم أن هذه الأنشطة مصنوعة ليتعلم الأطفال بالممارسة، إلا أن دور المعلم هنا حيوي جداًـ رغم أنه ظاهرياً التلاميذ هم من
يقومون بالعمل.
يقومون بالعمل.
لابد أن يكون المعلم متمكناً من النشاط، لأننا نتحدث عن ثقة التلميذ بنفسه وفخره بعمله، فلابد أن يكون المعلم قادر أن يصل به لهذا المستوى أصلاً.
ولابد أن يكون المعلم مثقف علمياً في المجال المطلوب تعليمه، ومثقف عموماً، لأنك كما ترى هذه الانشطة تتداخل في الرياضيات، الهندسةـ التاريخ، وحتى علوم الحاسب أحياناً. بهذه الخلفية الفكرية الثرية سوف يثري المعلم علوم الاطفال ويجعل الموضوع فعلاً علم وممارسة وليس فقط "قص ولصق".
ليس مطلوباً بالضرورة أن يعلهم algorithms مثلاًـ لكن حين يكون عالم هو بذلك سوف يؤثر ذلك على طريقة شرحه، وعلى الاقتراحات والافكار التي سيقدمها، وعلى تعامله مع المشاكل، وعلى وصفه الدقيق (ولو كان مبسطاً) للعمليات التي يقوم بها الأطفال، ولا عيب أن يقول بقدر الإمكان عن النظريات الحقيقية من وراء الأنشطة التي يقومون بها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق