الخميس، 16 أغسطس 2012

مشاعر سلبية إيجابية

في مجتمعنا الآن ظاهرة...ماذا أسميها؟ فلنسمها "سلوك تربوي مبالغ فيه". هذه الظاهرة لها سمتان ألاحظهما:
  • حينما يعبر أحد عن إحساس مثل الخوف، الغضب، القلق...الخ، يبدأ المجتمع المحيط في لوم الشخص كأنه سبب المشكلة.
  • اعتبار أن ذلك الشعور نفسه هو المشكلة، وليس العوامل التي أدت إليه.
وإن هذا لأمر مثير للعجب، لو حكيت لك عن شخص يشعر بالخوف لأن أسداً يجري وراءه، فلن يقول أحد أن الخوف هو المشكلة؛ المشكلة في الأسد. لكن اخلع الأسد من الصورة وضع شيئاً أكثر تجريداً مثل المال أو الوظيفة أو العلاقات الأسرية...وستجد الجميع ينظر نظرة أخرى لصاحب الشعور السلبي.هذا جانب متطرف من موضوع التنمية البشرية. الناس يشعرون أنه هناك مشاكل في المجتمع مثل التخاذل، سرعة الشعور بالإحباط، نقص المسؤولية الشخصية، فصار الكل يقول "أنت تستطيع أن تنجز أي شيء تريده لو أصررت عليه!!" "أكبر عائق لك هو أنت!!" "انس الشعور بالقلق!!".

لكن التطرف هنا يزيد المشكلة أيها السادة ولا يحلها. هناك شيء اسمه الظروف والعوامل الخارجية. هذا شيء حقيقي ملموس لا يمكن إنكاره. وإني أعجب كيف أمكن للناس أن ينكروه. هذا النوع من التطرف يتبع نموذج "كذا يساء استغلاله، إذاً هيا نلغيه". أي ان الناس يرون ان "الظروف الخارجية" قد صارت شماعة للكثير يضع عليها تخاذله، فكان الحل - من نظرهم - هو إنكار الظروف الخارجية نفسها.

هناك شيء اسمه الـempathy، أي فهم الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر. الاستخفاف بمشاكل الآخرين وما يعوق حياتهم؟ هذا عكس الـempathy.

أما المشاعر السلبية، فهي قد تكون شيئاً جيداً لو عرف الناس كيف يتعاملون معها. الخوف والقلق ينبغي لكل منهما أن يدفع صاحبه للاعتراف بالخطر الذي يخشاه، والاستعداد للتعامل معه. أما الشخص الغاضب فليس بالضرورة لأنه متذمر أو "اكتئابي"، ربما يكون قد ظُلم أو أهين أو رأى ظلماً يقع، وهذا رد فعله الذي يقول "تصرف مع هذا الأمر حالاً".

لا نريد أن نعيش في عالم من الاستظراف والابتسامات المزيفة. إن كان هناك شخص في مشكلة فمن حقه أن يتحدث عن مشكلته ويعبر عنها. لا ينبغي أن نضع حواجز اجتماعية صارمة تجعل كل شخص يكتم ما في نفسه خوفاً من أن يعتبره الآخرون سلبياً أو متذمراً.

حتى الظروف التي يبدو فيها الطرف الآخر "مدللاً"، مثلاً حين يقول أن أهله لا يحترموه أو أن المجتمع لا يفهمه أو أن صديقتها لم تعد تحبها..قد يكون وراء هذا الأمر قضية مشروعة، وما أكثر الأهل الذي يدمرون أبناءهم فعلاً.

قد يقول قائل أنه هناك بالفعل أشخاص متذمرين أو سلبيين أو يغضبون على كل صغيرة وكبيرة. نعم، ولكن هل ندع هذا الأمر يدفعنا لأن ننكر كل مشكلة مشروعة وكل صاحب ظروف عائقة لحياته؟ لابد أن يتعلم المرء كيف يكون رأيه nuanced..وهي كلمة توحي بمعان معينة:
  • ليست كل الحالات والظروف مثل بعضها ولو بدا أنها كذلك.
  • التفاصيل الصغيرة قد تحدث فارقاً كبيراً.
  • لابد من التفكير الفعلي المتأني في الأمر قبل الحكم عليه.
بمعنى أصح - في سياق مقالنا - ليس كل شخص يبدو متذمراً هو كذلك فعلا، كما أنه ليس كل شخص يقول أن ظروفه سيئة هو كذلك فعلاً، والميل هنا أو هناك هو تطرف. ومجتمعنا حالياً متطرف لجانب منهما.

إن لم تكن ستستمع للتفاصيل، فلماذا تحكم؟

الخميس، 9 أغسطس 2012

العالم المادي

نعيش في عالم يقال عنه المادي. ما معنى هذه المادية؟ عالم من الحجارة والحديد والخشب والماء...المادة! ولماذا هي مادة؟

أول شيء يأتي على الذهن أن المواد تلمس بعضها: باستطاعتي أن أنصب عصا على فرعيّ شجرة، ثم اعلّق ملاءة على تلك العصاً. هذا النصب والإمساك والضغط هو أكثر ما يميز المادة، أليس كذلك؟

لكنها في الحقيقة لا تتلامس. على المستوى الذري لو وضعت يدي على المكتب فإن ذرات يدي لا تصل أبداً لذرات المكتب؛ هناك مسافة ضئيلة جداً غير مرئية بينهما، وقوى تمنع ذرات هذه وذاك من الاقتراب أكثر من ذلك، هذه القوى اسمها contact forces، وهذه القوى في أصلها كهرومغناطيسية تنتج من التفاعل بين الإلكترونات في ذرات اليد والمكتب.

لكنك تقول: كيف ذلك وأنا أشعر باللمس؟ لو وضعت يدي على الجدار فإن يدي - شخصياً - تخبرني أنها لمسته. هذه خاصية في الجسم البشري: الجهاز العصبي يجمع معلومات من البيئة المحيطة ويرسلها لنا، ونحن نفسر هذه القياسات..القياس الذي يقول "هناك قوة كهرومغناطيسة من نوع contact force تؤثر على الجسم" هو ما اطلقنا عليه اسم "اللمس".

ماذا أيضا يميز الأجسام المادية؟ أن لها وزن. هذا مهم. ومن أين يأتي الوزن؟ من قوى الجاذبية. والجاذبية تؤثر على كل ذي كتلة. إذن "الكتلة" هي الخاصية المهمة الأخرى للمادة في عالمنا المادي..

وما الذي يجعل الشيء له كتلة؟ هذا السؤال من أهم الأسئلة في الفيزياء الحديثة؛ والنظرية الحالية التي يتم التأكد منها هي نظرية "مجال هجز" أو "حقل هجز" Higgs field.

[ملاحظة: أنا لست عالِم فيزياء وفهمي لهذه الأمور، وبالتالي شرحي لها، سيكون سطحياً جداً]

تقول النظرية أن مجال هجز موجود في كل مكان في الكون وأن له قوة، لكن ليست كل الجسيمات تتفاعل معه. تخيل مجال هجز كأنه شبكة مثل شباك الصيد ممتدة في كل مكان، لكنها شبكة من شيء خاص يصد بعض الأشياء فيكون عائقا لحركتها الطبيعية وأشياء أخرى تمر بسلاسة من خلاله؛ ما تعوقه الشبكة له كتلة (ويتأثر بالجاذبية) والباقي لا كتلة له.


من أجل التحقق من هذه النظرية تم إنشاء صدام الهادرونات الكبير Large Hadron Collider أو LHC. مشروع ممتد في أوروبا في أنفاق محيطها 27 كيلومتراً على الحدود الفرنسية السويسرية، وتشارك فيه ست دول. و - إن لم أكن مخطئاً - فقد ظهرت نتائج قوية تؤيد نظرية هجز.

القصد...لماذا تتأثر الأشياء المادية بالجاذبية؟ لأن لها كتلة. لماذا لها كتلة؟ لأنها تتفاعل مع مجال هجز (نظرياً). كيف عرفنا أنها تتفاعل مع مجال هجز؟ لأنها تتأثر بالجاذبية طبعاً. لماذا لا تركز؟؟

ما الذي يجعل العالم المادي مادياً؟ لو كنت مبرمجاً ربما قلت...أنها القواعد. الالكترونات والمجالات المغناطيسية، مجال هجز والاجسام ذات الكتلة. الأشياء من نوع كذا تتجاذب، ومن نوع كذا تتنافر، ومن نوع كذا تتجاذب بطريقة مختلفة، بينما لو الأول من نوع أ والثاني من نوع ب فلن يكون تفاعل بينهما.

تركز الرياضيات على العلاقات بين الأشياء...هذه الأشياء تتعامد، وهذه متوازية، وهذه النقاط على نفس الخط، بينما لو ربّعت هذا العدد تصل لهذا العدد الآخر..

وما حقيقة الأشياء المادية؟ لا نعرف! ماهو الالكترون؟ لا نعرف! ما نعرفه عنه قد جاءنا من تفاعلاته مع المجالات المختلفة. كتلته وشحنته وسلوكه مع العناصر الأخرى...

الأحد، 5 أغسطس 2012

حدائق الريف الانجليزي، والثروة اللغوية

لا نستخدم كلماتٍ كثيرة في حواراتنا. هل يهتم الناس باللغة؟

حين نتحدث عن الكلاب نقول "كلب". بينما في المجتمعات المتحدثة بالانجليزية من العادي جداً أن نجد جملاً مثل هذه:
  • I went for a walk and brought along my collie.
  • Did you see that Labrador?
  • Check out that German shepherd.
نفس الشيء بالنسبة للعصافير، إنها دائماً "عصفور"..بينما غيرنا يقول lark, robin, swallow, sparrow, mockingbird, wren...

وهناك كلمات لأنواع كثيرة من العصافير في اللغة العربية: الهزار، الزكور، الشحرور، الزرزور، القبّرة،...لكني لا اراهات تستخدم كثيراً. هل هذا شيء خاص بمصر؟ ماذا عن سائر البلاد العربية؟ ماذا عن تلك الأسماء؟ أعتقد أنها معروفة في مصر: الكروان، البلبل، العندليب، ...

لكننا عامة لا نقول في حياتنا اليومية "انظر لهذه القبرة!" أو "هذه الشجرة وقف عليها زكور". ربما هي مسألة بيئة: اوروبا مليئة بالغابات، بينما مصر ليست (على الأقل القاهرة حيث معظم الحوارات الإعلامية والثقافية) بهذا الثراء البيئي.

ماذا عن أسماء الزهور؟ أتركك مع هذه القطعة من أغنية أخذتها في المدرسة في طفولتي:

How many kinds of sweet flowers grow
In an English country garden?
We'll tell you now of some that we know
Those we miss you'll surely pardon

Daffodils, heart's ease and phlox
Meadow-sweet and lady smocks
Gentian, lupin and tall hollyhocks
Roses, foxgloves, snowdrops, forget-me-nots
In an English country garden

السبت، 4 أغسطس 2012

المستقبل..

ينظر البعض لمشاريعي كل مشروع على حدىً فيقول "مشروع كويس" ويسكت. لكن حين تتحد المشاريع مع بعضها، تجد شيئاً كبيراً خفياً. ربما يفسر هذا حماستي الشديدة لتلك المشاريع، وتحملي من أجلها، بينما اكثر الآخرين لا يعبأ بها كثيراً. لأني أرى شيئاً في وسط هذه الأشياء؛ لديّ vision كما يقولون.

قد تجد هذا المقال يبدو كلاماً تقليدياً حتى تقترب من نهايته، ثم تجد - أو أرجو أن تجد - في الجزء الأخير مكافأتك على قراءته للنهاية :)

ما اهتماماتك أيها القاريء؟ هل تهتم بالسياسة والديموقراطية وتحصين المجتمع ضد الحكم الاستبدادي؟
أم أنك مهتم بالبرمجة والتكنولوجيا؟
أم بالاقتصاد والشركات؟
أم بالدولة القوية المتقدمة؟
هل تحلم بال"مستقبل"؟ السيارات الطائرة وغزو الفضاء؟
أم بالعدالة الاجتماعية؟

وماذا لو قلت لك أن جهاز أوراق، تعليم الأطفال البرمجة، التفكير الحوسبي، شركة Makesense، وهذه المدونة، قد تساهم بطريقة أو بأخرى في هذه الاهتمامات؟

كيف ذلك؟ وما علاقة شيء مثل البرمجة بشيء مثل العدالة الاجتماعية أو الديموقراطية؟ وهل يساهم الفيسبوك وتويتر في الثورات مثلاً؟ ما هذا الكلام الفارغ؟

المفاهيم مثل "الحرية" لا توجد في مكان فلسفي خفي، إنها تتحقق في البيئة الاجتماعية التي نعيشها جميعاً، وتتشكل بأفكار الناس ووسائلهم لتحقيق تلك الأفكار: التوزيع الموجود للثروات، وسائل الاتصال وتبادل المعلومات، وسائل تنظيم التفكير والتعبير عنه. لا تعجب أن تكون أحد عوامل النهضة الأوروبية هو انتشار الطباعة، لا تعجب من ازدياد النشاط السياسي بعد ظهور المدونات (وبعدها ظهور الـsocial networking)، ولا تعجب من ارتباط ظهور الديموقراطية في اوروبا بازدهار الطبقة الوسطى.

هل تأخذ الأفكار فرصتها؟ أم تموت لأن صاحب الفكرة مريض ولا يجد تكلفة العلاج [العدالة الاجتماعية] أو لأنه لا يجد وسيلة يخبر بها المجتمع بفكرته [التمكين الإعلامي] أو لأن النظام الأمني العتيد يخاف من التغير المجتمعي ويريد أن يحتفظ بالناس تحت قدمه [الاستبداد ونظم الحكم] أو لأنه حتى ليس متمكناً من سبل التفاوض والإقناع وتنظيم أفكاره؟

ما علاقة هذ بالمشاريع التي اذكرها كثيراً؟ سندخل في نقطة جانبية أخيرة، ثم نعود للمشاريع: أريد أولاً أن أحكي قليلاً عن نفسي...

لقد كنت في مواقف كثيرة من حياتي محظوظاً: عشت حياة الطبقة الوسطى لا اخاف من الأمور المادية، وتعرفت على حب العلم مبكراً، وكنت مبرمجاً قبل دخول كلية الحاسبات بسنين عدة، هذه الكلية نفسها قد ظهرت في الوقت الذي احتجتها فيه: بيئة من المبرمجين محبي العلم الذين يحبون النهضة.

الا أتمنى أن يكون كل شخص أمامه فرصة مثل هذه؟ بيئة يعبر فيها أن أفكاره ويلتقي بأصحاب الأفكار المشابهة، فرصة لتلقي علماً وفكراً، وفرصة مادية ليركز في اهدافه؟

نأتي أخيراً للمشاريع...

للديموقراطية صور كثيرة، ويشترك فيها مفهوم "نزع القوة من القلة وإعطائها للكثرة"، وكل قوة تدار مركزياً يتحكم فيها قلة هي وسيلة لنزع الديموقراطية من المجتمع: الإعلام المركزي يشكل الرأي العام كما يريد أصحابه. قلة التعليم وانخفاض المستوى الفكري تؤدي لحوار سياسي كالذي نراه الآن مليء بالمغالطات ويركز على الأشخاص لا الافكار، ويدفع الجميع للانخداع وراء الشعارات، أما النهضة نفسها فهي حالياً تأتي من ثقافة المشاهير: لو لم تظهر في التلفزيون أو تأخذ جائزة نوبل أو تكون مليونيراً أو تكون عضواً في حزب له ثقل سياسي،...فأين مكانك في النهضة؟

لكن يظهر وسط هذا نوع من الاشخاص اقتحموا هذه البيئة واكدوا ذاتهم فيها: هؤلاء الذين صنعوا قنواتهم على اليوتيوب، وصنعوا شركاتهم من لا شيء تقريباً، وأسسوا مبادرات اجتماعية تؤثر في الانتخابات والرأي العام، ويبدأون هذه الأيام في تشكيل احزاب سياسية صغيرة لكن ربما يكون مستقبلها كبيراً، وكل يوم يعيدون اختراع السياسة والإعلام والعمل.

ما الشيء المشترك بين هؤلاء؟ (1) فكرة جيدة. (2) وسائل مبتكرة للتعبير عن الأفكار ونشرها وتنفيذها.

أما مشاريعي فهدفها بسيط جداً: أن يكون المجتمع كله هكذا.

حين يبرمج الناس من طفولتهم، فسوف يتعلمون التفكير المنطقي المنظم، والتعبير عن الأفكار بطريقة عملية مجسدة، كما يمكنهم أن يخترعوا الأدوات التي يحتاجونها لتحقيق أهدافهم (هل تعلم أن جريدة نيويورك تايمز بدأت في تعيين المبرمجين بقوة، وظهر كادر جديد اسمه "الصحفي المبرمج"، وترى الجريدة أن هذا أملها في إنقاذ الصحافة؟).

تخيل لو كان الكل يخترع الأدوات التي يحتاجها لتحقيق اهدافه. هل لديك أهداف في إدارة شركتك؟ هل تريد صنع قاعدة بيانات للفساد الإداري؟ طبيب ولديك بيانات تريد تحليلها إحصائياً؟ ماذا لو كان لديك الأدوات لتفعل ذلك فوراً بنفسك؟

أما شركة Makesense فهي ليست مخطط لصنع شركة عادية، بل نوع جديد من الشركات: تحترم البحث العلمي، وتدار بطريقة ديموقراطية تحترم فيها الآراء (لتكون الديموقراطية قيمة اجتماعية وليس فقط نظاماً سياسياً)، وتكون مثل دولة صغيرة: إن الدولة هي وكيل لشعوبها وليست سيداً لهم، فلماذا لا تكون الشركة هي وسيلة لمجموعة من المتخصصين لكي يعملوا معاً ويحققوا اهدافهم، بدلاً من النظرة الحالية "سوف يتم إعطاؤك مالاً لتحقق أهداف صاحب الشركة"؟

لو نجحت بضع تجارب في شركات من هذا النوع، وكسبت وازدهرت، فقد يبدأ الناس في تقليد هذا النموذج بدلاً من الاختلاف على واقعيته.

شركات ليست فقط للربح، بل للعمل! ماذا تريد أن تعمل؟ إعلام؟ علم؟ خدمات؟ علاج؟ ماذا عن شركة تكون اسهل في توجيهها نحو تلك الأهداف، وأصعب في الانزلاق نحو الربح الأعمى؟

ماذا عن جهاز أوراق؟ أريده أن يكون وسيلة لإنتاج المعلومات ونشرها، لينتشر في المجتمع ثقافة الإنتاج الفكري. تخيل باحثاً يكتب حواشي على الكتاب بالقلم الإلكتروني، وفي لحظة يتم عمل share لهذه الحاشية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيمكن للآخرين أن يضيفوا تلك الحواشي لنسخة الكتاب لديهم، فيأخذها أحد كمصدر للأفكار في عمله، ويأتي الآخر ليشرحها في مجلس علم، ويأتي ثالث يقتبس منها في كتاب دراسي، بينما في مكان آخر هناك معلم يأخذ عينات نباتات بالكاميراً وفي لحظة يكتب عليها تعليقات وملاحظات (أو يعطي هذا النشاط كواجب دراسي لتلاميذه)، وكل هذا الكترونياً في جهاز يشبه الورقة والقلم؛ ويمكن لأي شخص أن يستخدمه؟

ثقافة إنتاج المعلومات وليس فقط استهلاكها. ثقافة التصميم والاختراع.

مثل هذه الانشغالات هي وظيفة تلك المدونة وتلك المشاريع، ومن أجل هذه الأهداف تجدني كتبت مقالات سياسية أو أيدت مرشحاً معيناً، ومن أجل هذه الأهداف انتقد مسابقات الـACM وأقترح بدائلاً لها، لأن أوراق والشركات والأدوات لن أقدر على صنعها وحدي بكل تأكيد بل تحتاج مجتمعاً يصنعها. هذا ليس مشروع سنة أو سنتين.

وهناك مشاريع أخرى لم أتحدث عنها كثيراً وأتمنى أن أراها في يوم من الأيام مثل مؤسسة إرواء لتمويل الشركات، وأدوات برمجية أسهل بكثير تجعل البرمجة في متناول فئة أكبر بكثير (ديموقراطية حوسبية)، ومشروع "جسر" لسد الفجوة التكنولوجية البرمجية (وقد يمكن للآخرين تطبيقه على مجالات غير برمجية)، وغيرها.

فإن رأيتني انتقد ما تراه في الحاضر، فهذا لأني أتمنى مستقبلاً غيره.

الاثنين، 30 يوليو 2012

أنت والفونسة الجحوية

هذا المقال عن الإدارة والمجتمع، لكن أولاً لابد أن نتحدث عن جحا.

كان جحا منهمكاً في البحث عن شيء في الشارع، تحت فانوس الإضاءة. فسأله جاره: علام تبحث يا جحا؟؟
قال: عن قرش وقع مني في البيت.
فتساءل الجار: ولم تبحث عنه هنا وقد سقط في البيت؟
رد جحا: هنا نور وهناك ظلام.

وأحياناً يكون لدى الإنسان فكرة لكنه لا يجد الكلمة التي يعبر بها عنها، وقد وجدت مصطلحاً للفكرة التي في بالي: الفونسة الجحوية (بفتح الفاء وتسكين الواو)، وتعريفها: الميل لاتباع وسيلة واضح أنها لا تحل المشكلة المطلوبة، لكنها الأسهل في التنفيذ.

ولو بحثت في مجتمعنا لوجدت فونسات كثيرة.

نبدأ بشيء في شركات البرمجة: تقييم إنجاز المبرمج بعدد سطور الكود التي كتبها كل يوم. أي شخص برمج قليلاً يعرف ان هذا ليس مقياساً لأي شيء؛ بل إن المتمرسين في البرمجة سيخبروك أن التعبير عن البرنامج بكود أقل غالباً ما يرفع من جودته ويقلل فرص الأخطاء، وأن الإنجاز الحقيقي في تقليل سطور البرنامج لا تزويدها.

لكن هناك ميزة رهيبة للتقييم بعدّ السطور: إنها عملية سهلة! يمكن كتابة برنامج يعد سطور الكود في ثوان، ثم في دقائق برنامج يصنع رسوماً بيانية تخبرنا بعدد سطور الكود لهذا المبرمج كل يوم، وبنظرة واحدة يمكن ملاحظتها صعودا وهبوطاً. وفجأة يصير كل شيء بالأرقام والجداول والرسوم ويشعر الجميع أننا نسير على منهج علميّ.

ثم ننظر للمدارس الخاصة فإذا بها تحب البطولات. بطولات رياضية أو مسابقات أو شطرنج أو أي شيء -- المهم أن يكون له ترتيب ونتائج بالأرقام ومسابقة على مستوى الجمهورية (أو الأفضل: على مستوى دولي). وبذلك تستطيع المدرسة بكل ثقة أن تضع إعلاناً في الجرائد "مدرسة كذا تهنيء طلابها على حصولهم على المركز الأول في..."، على أمل أن يقرأ أولياء الأمور الإعلان ويذهبوا بأبنائهم لتلك المدرسة المتفوقة.

هل هناك صلة علمية بين فوز المدرسة ببطولة كذا وبين حُسْن تعلم الإبن فيها؟ لكن لماذا نرهق أنفسنا بهذه الحيرة بينما الترتيب في المسابقة لا يكذب، بالضبط مثل الرسومات البيانية التي تعدّ سطور الكود؟

أو استخدام الكمبيوتر في المدارس (وهذه مشكلة في الدول الأجنبية وليس فقط لدينا)، يمكنك أن تدرس علم النفس التربوي، وتبحث في نظريات التعليم، وتجري التجارب، وتحسن اختيار المعلمين، ... أو يمكنك أن تعقد صفقة مع شركة ما لتضع كمبيوتر tablet في يد كل طفل، وتصنع تعاقداً آخر مع شركة برمجيات لتصنع برامجاً دراسية مليئة بالرسوم المتحركة، بدون أي تقييم حقيقي للأثر الذي ستحدثه هذه الإضافات، وإني لن أعجب لو رأيت مدرسة تقليدية بسبورة - لكن معلموها خبراء باحثون - وهي تمسح الأرض بمدرسة مليئة بالحواسيب والتعليم الإلكتروني لكن بدون تخطيط علمي.

أو يمكنك الحديث عن النهضة بمشاريع على غرار تنظيف الشوارع أو دورات تنمية بشرية (وهي أمور قد تكون نافعة لكنها لن تكون ما يحدث النهضة) ولا تفكر في القضايا الكبيرة، لأن الأولى أسهل وقد خبرها الناس وعرفوا كيف ينظموها.

لابد من الخروج من دائرة "أن نفعل ما نعلمه ولو لم يحل المشكلة". لابد من الخروج من دفء عمود النور ومد يدنا في الظلام..

الخميس، 26 يوليو 2012

خطط وأهداف(3): صنع المعنى

أريد أن أفتح شركة وأسميها Makesense. ما الهدف منها؟ تحويل الـcomputer science إلى أرباح.

لدينا في مصر كنز قومي اسمه كليات الحاسبات. لكن الطالب يدخل الكلية ليأخذ في علم نظم التشغيل، مترجمات لغات البرمجة، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة العلمية، نظم الحاسبات، ثم...يتخرج ليعمل مطور iPhone أو على SharePoint.

هذه مشكلة تحتاج إلى حل؛ نحتاج إلى وسيلة لكي يستمر خريجو الكلية في استخدام ما تعلموه وأيضاً - أهم من ذلك - أن يستمروا في العلم والاستزادة منه وسد ثغراتهم العلمية السابقة. يستمروا في ذلك بدون خوف من الماديات، لأن تعلمهم هذا يأتي بعوائد مادية أيضاً.

ثم ان شركة مثل هذه قد تأتي بأرباح هائلة، وتوفر فرص عمل، وتصعد بالمستوى العلمي للمجتمع، وتكون مثلاً إيجابياً يشجع الآخرين على فتح شركات مماثلة. هذه فوائد إضافية ظريفة جداً، أليس كذلك؟

كيف أريدها أن تكون؟ أريدها أن تكون حرة. أريدها أن تكون غنية. أريدها أن تكون إنسانية. أريد فيها علم مستشري. وأريدها أيضاً عملية وواقعية.

حرة يعني من السهل على المبرمج أن يقوم بالعمل الذي يريده. في شركة Valve لا يوجد تنظيم هرمي للإدارة، أي لا يوجد أحد مدير على أحد: إن أردت أن تقوم بمشروع محدد فعليك أن تنجح في تكوين فريق من الآخرين المقتنعين بجدوى مشروعك وفائدته للشركة وعملائها. لو نجحت في جمع ذلك الفريق فهذا هو "الأوكي" المطلوب لكي تستمر في المشروع.

المكاتب لديهم هناك على عجلات، لكي تدفع مكتبك إلى الفريق الذي تريد أن تعمل فيه.

غنية أي لا يكون العمل فيها من نوع واحد أو على رتيبة واحدة؛ هناك فريق يعمل في البحث واسترجاع البيانات، فريق في تطوير الأدوات البرمجة، فريق في الرؤية بالكمبوتر - ربما تصنيف عينات النباتات بالكاميرا - فريق يبتكر نوعاً جديداً من الألعاب. فريق في الروبوت..

نريد أن نتحرك بالعلم للأمام، ويرد العلم لنا الجميل حين يعطينا نقاط تفوق على الشركات الأخرى. ونريد أن نعطي المجتمع إحساساً بالروعة والانبهار.

ومن يدري؟ ربما يكون هناك فريق أو أكثر يعمل في جهاز أوراق...

إنسانية يعني لا نريد لنظام الشركة أن يفضل المؤسسة على الإنسان. هل أنت موهوب لكن لديك مشاكل صحية؟ أو مشاكل في النوم؟ أو تريد وقتاً اكثر لأسرتك وأولادك؟ تحدث معنا! ربما يكون هناك فرصة لكي نكيف لك بيئة عمل مناسبة، نستفيد من مواهبك وحبك للبرمجة وفي نفس الوقت لا نضغط عليك أو نلزمك بما لا تطيق.

وربما يمكن عمل طريقة اكثر ديموقراطية لإدارة الشركة. أوهل يمكن تطبيق شيء مثل الديموقراطية التشاركية أو التخطيط بالمشاركة؟ لماذا لا يحدد العاملون انفسهم كيف يراد أن تدار الشركة التي يعملون فيها؟

ذات علم مستشري لا نريد للمبرمج أن يصنع تحفاً علمية بدون أن نفكر كيف يتطور هو نفسه علمياً، وبدون أن يكون هناك مساعدة حية من الشركة في تعلمه وتطوره. نريد أن تشجع الشركة المبرمجين على القراءة، ويكون هناك وقت محدد بأجر للـ"عمل" في المكتبة والاستزادة منها. نريد أن نشجع الطاقم على الحصول على الماجستير والدكتوراه في جامعات قوية ومواضيع شيقة، أو حتى حضور الكورسات الالكترونية التي تضعها الآن جامعات عالمية على الإنترنت.

ونريد في نفس الوقت أن يكون هناك دور اجتماعي وأن نرد الجميل لكلية حاسبات. لماذا لا يأتي طاقم الشركة ويقدم في حاسبات الندوات والمحاضرات؟ ليس فقط هذا شيء للمجتمع، لكنه يساعد في أن يكون للشركة تموين مستمر من المبرمجين الموهوبين. ولا مانع أن يأتي لنا فئة من هؤلاء الموهوبين وفئة اخرى تثري باقي سوق العمل؛ كما يقال: إذا ارتفع المد ارتفعت معه المراكب كلها.

عملية وواقعية لا أريد للشركة أن تكون ساذجة أو مفرطة في التفاؤل. نعم، أنا أسعى لتحقيق النموذج أعلاه، لكني لا اقول أنه ليس سهلا أو أن حسن النية فيه يكفي. سوف يكون هناك تحديات كبيرة: ماذا لو كانت الحرية المفرطة تؤدي إلى عشوائية في اتخاذ القرار؟ ماذا لو حاول البعض استغلال الجانب الإنساني للشركة لكي يأخذ منها ولا يعطي؟ ماذا لو طغى العلم على الجوانب الأخرى من تسويق وإدارة؟

لا اقول انني قد وضعت خطة محكمة في اللحظة الحالية (هذه الأمور تأتي بالممارسة والتجربة والتطوير المستمر)، لكن هناك نقاط مهمة للبدء:

- لابد من حسن اختيار الموظفين جدا، ولابد أن تشارك الشركة كلها في عملية التعيين: المبرمج هو الذي يقوم بالinterview للمبرمج، وهذه مسؤولية لا تقل أهمية عن كتابة الكود (بل هي اعلى رتبة منها). لمزيد من التفاصيل ارسلك لمقال هو من افضل مقالات إدارة الشركات التي قرأتها في حياتي: Engineering management at Facebook

أيضاً عند تعيين شخص فإن الإنترفيو لن تكون فقط لقدراته البرمجية، كما يقولون في شركة Valve:

Do not interview only technical skills, check if the candidate is able to run a company, because he will be

- لابد من طرق للتقييم والتقويم.
- لابد، وهذا مهم جداً، من التطوير المستمر. من السهل الوقوع في فخ أن نفعل شيئاً خطأ ولا نكتشفه، أو ان نجرب شيئاً نفع نوعاً ما فنستمر فيه بينما هو خطأ على المدى الطويل. ومن السهل ان نجعل الأهواء الشخصية لبعض الأفراد، أو ما يظنه البعض حكماً من الحياة، أن تتحكم في سير العمل بدون منهج علمي! لابد من التجربة، القياس، بناء القرارات على data، التساؤل ومراجعة الذات في كل قرار...

شيء أخير: شركة مايكروسوفت تسمي طاقمها Microsofties، وشركة جوجل تسميهم Googlers، فماذا نسمي طاقمنا نحن؟ ماذا عن Sense Makers؟ :)

ألا تريد أن تكون جزءاً من الحلم؟

الأحد، 8 يوليو 2012

الجمعة، 6 يوليو 2012

مشاريع للأطفال، لكن قد تغير العالم

(هذا المقال يتحدث عن مشاريع بدأت للأطفال وانتهت بتأثير علمي أو تكنولوجي كبير؛ أما لو كنت تبحث عن أنشطة تعليمية للأطفال يمكنك العثور على هدفك في هذا المقال)
______________
كثير من مشاريعي (أو أفكار لمشاريع مستقبلية محتملة) مرتبط بالأطفال بطريقة أو بأخرى...
  • لغة كلمات مصنوعة لتعليم الأطفال البرمجة.
  • جهاز أوراق، رغم أنه بالنسبة لي (حلم أن يكون) جهاز متطور للمجتمع كله، إلا أن جزء كبير منه هو أن يكون جهازاً منزلياً للتعلم والإبداع، كأنه صورة حديثة من كمبيوتر صخر.
  • أقرأ حالياً في نظريات Piaget عن التطور المعرفي للطفل، وابحث عن طريقة للاستفادة منها.
لكن هذه المشاريع، لو أخذت المسار الكامل لها (ليس بالضرورة على يدي، أو على يدي وحدي)، فإنها قد تؤثر فيما هو أكثر بكثير من الأطفال وتعليمهم. أنا لا أتحدث هنا فقط عن أن التعليم هو المستقبل وأن الأطفال هم الغد...الخ، بل أتحدث عن أشياء أخرى! اليوم سأخبرك بقصص عن بعض المشاريع التي بدأت للأطفال أو المبتدئين وآل منها أشياء "للكبار".

لغة Python

كان هناك مشروع في مركز الرياضيات وعلوم الحاسب في هولندا، عبارة عن لغة برمجة اسمها ABC. كانت لغة مصنوعة لتعليم البرمجة ولتحل محل لغة Basic (التي تعلم بها البرمجة كثير من أطفال الثمانينات، وإن لم تكن ABC مصممة للأطفال بالضرورة، لكن للمبتدئين بشكل عام).

أثرت هذه اللغة كثيراً على Guido Van Rossum مصمم لغة Python، وكانت سببا من أسباب كون بايثون سهلة التعلم وسهلة القراءة. هذه السهولة ساهمت في جعل اللغة مستخدمة في مجالات كثيرة جداً: التعامل مع الصور، تطبيقات الإنترنت، برامج البحث العلمي الحوسبي Scientific computing. التحكم في الروبوت...

في المجالات غير التقليدية هناك ميزة لكون اللغة سهلة القراءة: فكر في بحث علمي يقرأه متخصص بالعلوم الطبيعية (وليس البرمجة): في تلك الحالة فإنه يمكنه أن يفهم الكود المكتوبة بالبايثون ولو لم يعرف البرمجة بها! هذه الفكرة تعطي نوعاً من التمكين الحوسبي أو الديموقراطية الحوسبية، وتسمح للشخص العادي أن يكون طرفاً في بحث به جوانب برمجية. هذا مهم لأننا نتجه نحو مستقبل تدخل في كل جوانبه علوم الحاسب.

وحين تصمم لغة للأطفال مثل كلمات فإنك مجبر إجباراً أن تكون اللغة سهلة التعلم والقراءة، مما يفتح الباب لاستغلالها في المستقبل، إن أراد المجتمع العربي، في التمكين الحوسبي الذي تحدثنا عنه.

البرمجة بالأشياء، واجهات GUI، والأجهزة اللوحية.

في السبعينات من القرن العشرين كان هناك مشروع طموح يجري اسمه Dynabook. كانت محاولة للجمع بين التكنولوجيا ونظريات Piaget التربوية: ماذا لو كان للطفل جهاز كمبيوتر متنقل، وشبكة معلومات يحمل منها الكتب، ولغة برمجة سهلة لكي يتعلم الرياضيات والفيزياء والهندسة...الخ بطريقة "حوسبية" أو "خوارزمية"؟

من أجل هذا المشروع تم تطوير فكرة GUI لكي لا يحتاج الطفل لحفظ اوامر command line ولكي يجد تشبيهات سهلة الفهم وصور يضغط عليها.

وتم تقنين وضبط مباديء البرمجة بالأشياء (التي كانت ظهرت في لغة Simula في اوروبا) وتم اختراع لغة Smalltalk، التي أثرت في كل لغات البرمجة الشيئية التي تلتها. Java؟ ++C؟ Python؟ JavaScript؟ كلها متأثرة بطريقة أو أخرى بهذه اللغة.

وأكثر من ذلك: كان Bill Gates و Steve Jobs على علم بهذا المشروع في شبابهما وانبهرا به، وهذا سبب كبير لسعي الأول لمشروع Tablet PC في 2001، وسعي الثاني لإنتاج iPad في الفترة الحالية.

الكمبيوتر المنزلي

على هذه المدونة تجدني أحكي كثيراً عن كمبيوتر صخر وامثاله (Commodore, BBC Micro, Texas..). في نهاية الثمانينات كانت إحدى هذه الشركات - شركة Acorn التي صممت جهاز BBC Micro - تصمم الجيل التالي من أجهزتها. اتخذوا وقتها قرار أن يصمموا معالجاً دقيقاً خاصاً بهم بدلاً من استخدام المكونات الموجودة، وبنوا هذا المعالج على تقنية RISC، وبهذا كان اسمه:
Acorn RISC Machine

كانت في نفس الفترة شركة أبل تسعى لصنع جهاز نيوتن المحمول، وطلبت من Acorn أن تسمح لهم باستخدام تقنية ARM، فقامت تلك الأخيرة بفصل قطاع المعالجات الدقيقة لشركة منفصلة. اليوم هناك ملايين الأجهزة: هواتف ذكية، أجهزة لوحية،...الخ...الخ، تستخدم ما نسميه اليوم ARM processor.

نظريات Piaget في التعليم

يحاول بياجيه أن يجيب على سؤال: كيف يتعلم الطفل منذ الولادة وحتى البلوغ؟ قضى هذا العالم عقوداً في التجارب والملاحظات من أجل هذا. من نظرياته ظهرت نظريات أخرى عن تطوير التعليم والطرق الأفضل للتعليم. لكني رأيت ذات مرة هذه العبارة المقتبسة من مقال له:

It is with children that we have the best chance of studying the development of logical knowledge, mathematical knowledge, physical knowledge, and so forth.

ماذا؟ إنه لا يقول أنه يبحث فحسب كيف يتعلم الناس، ولكن كيف ظهرت هذه العلوم ذاتها! الفكرة هي أن العلوم التي نبحث فيها نحن البشر لم تظهر وحدها، لكنها ظهرت كجزء من عملية تفكير وملاحظة إنسانية، وهناك - يقول بياجيه - ارتباط مهم بين عملية التفكير التي أدت للنظريات وبين النظريات ذاتها.

ماذا يعني هذا تحديداً؟ وكيف يمكن الاستفادة منه؟ لا أعرف. أنا جديد في هذا الموضوع. لكنه موضوع بدأ بملاحظة الأطفال وكيف يتعلمون.

البرمجة والتعليم والنهضة

أتمنى أن أرى الأطفال يبرمجون بكلمات، ولغات أخرى منبثقة منها كتبها غيري. أتمنى أن أرى جهاز أوراق في يوم من الأيام بين يدي. أتمنى أن يكون في هذه الأشياء بالفعل مصدراً لأمور أكبر، مثلما كان مع أشياء أخرى. أن يأخذ المجتمع هذه البدايات الصغيرة ويصنع منها تمكيناً حوسبياً، أو شكلاً جديداً للتعليم أو البحث.

لن أقول أنني عبقري أو مبتكر: حين كنت أفكر في كلمات لم يخطر ببالي التمكين الحوسبي وهذه الأشياء؛ كنت فقط أفكر في شيء مثل QBasic باللغة العربية ليبرمج به الأطفال.

حين كنت أحلم بـ "اوراق" كانت يدي تؤلمني من لوحة المفاتيح فتمنيت جهاز كمبيوتر بقلم، ثم رأيت مشاريع مثل MIT Design Rationale الذين يعملون منذ سنين (من ضمن ما يبحثون) في التعبير عن الأفكار والتصميمات بالرسم sketching. هؤلاء قوم يبحثون فعلاً، ويعملون فعلاً، ولا يكتفون بالأحلام.

أعتقد أن مجتمعنا على أبواب نهضة كبيرة، فمن لها؟

الخميس، 5 يوليو 2012

أنشطة فكرية للأطفال

هذا المقال هو أفكار مقترحة مني لأنشطة شيقة يقوم بها الأطفال لتمرين عضلاتهم التفكيرية. قد يمكن تطبيقها في المدارس، أو كنشاط صيفي، أو يقوم بها الأهل مع أبنائهم.

إن الحديث كثير عن كيف أن التعليم الحالي يلقن الأطفال معلومات بلا تفكير، ولكننا لا نتحدث بنفس الكثرة عن شكل التعليم "التفكيري" الذي نتمناه، فإن تحدثنا نتحدث حديثاً عاماً عن ضرورة تفتيح الذهن، التعلم بالممارسة، الإبداع، لكن أمثلة حقيقية، حية لا نجدها كثيراً.


رسم قصص مصورة

دع الطفل يكتب سيناريو القصة (كل لقطة ماذا تصف، وماذا تقول كل شخصية) ثم يحكي القصة عن طريق comic strips. دعه مسؤولاً بالكامل عن القصة، لكن لا بأس أن تقترح له أفكاراً على غرار اكتب مغامرة، اكتب قصة خيال علمي، اكتب قصة تاريخية،. اعرض عليه نماذج للقصص الموجودة وناقش الـtechniques المستخدمة فيها مثل إظهار المشهد من زوايا مختلفة، عمل زوم على الوجه في اللقطات الدرامية، ...الخ

صنع كلمات متقاطعة

 تأليف الكلمات المتقاطعة ليس شيئاً سهلاً! ارسم مربع ن×ن (حيث ن مثلاً 8، 10، أو أكثر حسب مستوى الاطفال) ثم دعهم - بإشراف منك أو بأقل إشراف ممكن - يضعون كلمات في الصفوف والأعمدة، يلاحظون كيف تتداخل الكلمات وكيفية فك هذا التداخل، أين يضعون المربعات السوداء. هناك heuristics معينة للكلمات المتقاطعة الجيدة: أن يكون الكلام المعكوس أو المبعثر قليل، أن تكون الخلايا السوداء متناثرة غير متجاورة،...الخ.

صنع ألغاز

 مثلاً يؤلف الأطفال لغز "استخرج الاختلافات الستة بين الرسمتين"، وكيف يجعلون الاختلافات خفية ومحيرة (يمكن عمل اللغز بالكمبيوتر أو الورق الشفاف لكي تكون الأجزاء الأخرى متطابقة)، 

يمكنهم تصميم ألغاز أخرى مثل المتاهات، والمتاهة الجيدة لها قواعد رياضية وهناك اجزاء من علم computer science متعلقة بتصميمها.

(لو كنت مهتماً بالعلاقة بين علوم الـalgorithms والمتاهات، أحيلك إلى هذا العرض، وهو من أجمل ما قيل في هذا الموضوع. طبعاً مع الاطفال يمكن تبسيط الأمر أو التدرج فيه).

زخارف إسلامية 

هل تعرف أن المهندس القديم في الدولة الإسلامية كان يستخدم في زخارفه شيئين فحسب: البرجل والمسطرة؟ لم يحتج بعد ذلك سوى عقله وخياله. وهل تعلم أنه هناك نظريات علمية راقية وراء هذه الزخارف، وأنه هناك باحثون في جامعات بالخارج، سواء art أو computer science أو math، يدرسون هذه الزخارف ويحللونها؟

لماذا لا نأتي بالأطفال ونأتي بالبرجل والمسطرة، ونأتي بكتاب أو اثنين عن مباديء الزخرفة الإسلامية، ونجعلهم يأخذون جولات في صنع زخارفهم وتصميماتهم؟

بعض المصادر السريعة: دروس من مصمم بريطاني مهتم بالزخارف الإسلامية، وهذه صفحة مشروع لعالم متخصص في computer graphics في جامعة كندية، الصفحة تحتوي papers عن الزخارف الإسلامية والـgraphics منها رسالة دكتوراه في هذا الموضوع. وهناك اهتمام عالمي بالمجال يمكن لمن يبحث عنه أن يجد الكثير.

ماذا سيتعلم الطفل؟

قبل أن نتابع الأمثلة لنا وقفة سريعة نناقش فيها الفوائد التعليمية من كل هذا. أول فائدة هي التخطيط. في الكلمات المتقاطعة مثلاً كل كلمة تضعها سوف تؤثر على المربعات المحيطة، وعليك ان تفكر اكثر من خطوة للأمام. نفس الشيء بالطبع في القصة أو المتاهة.

الشيء الآخر هو التقييم الصادق للذات. إن الرسمة الجيدة أو الزخرفة الجميلة أو اللغز المحير تظهر جودته أمام الطفل، وهي أشياء للطفل خبرة بها ورآها من قبل في المجلات أو القصص أو على الإنترنت. في هذه الحالة فإن الطفل يتعلم التفكير الناقد وكيف يقارن بين عمله والأعمال الأخرى، وكيف يطور عمله ويسد الثغرات التي به، أو على الأقل يعرف المهارات التي يحتاج أن يتعلمها ليصنع شيئاً أفضل.

لابد في هذه الحالة للمعلم أن يحسن التعامل مع الموقف لكي لا يفقد الطفل ثقته بنفسه، فيجرب المعلم بنفسه أولاً أن يصنع النشاط المطلوب قبل أن يطلب من الأطفال ذلك، وأن يطور عمله هذا إلى أن يبلغ المستوى القريب من الاحترافي ليمسك بيد الطفل ويأخذه في ذلك الطريق، فإن وجد أنه من الصعب بلوغ ذلك المستوى، بسبب سن الأطفال أو ضيق الوقت أو الإمكانيات، فليكن صادقاً مع الأطفال ويقول "سوف نقترب من الأعمال الاحترافية في كذا لكن لن نستطيع عمل الأوجه الأخرى بسبب كذا..".

يتعلم الطفل أيضاً كيف يفكر في جمهوره، أي كيف يجعل القصة شيقةً أو اللغز محيراً. هذا التفكير في أثر العمل على الآخرين يفتح الباب في المستقبل لفن الصياغة المقنعة أو التفاوض أو في مجال الـuser interaction design في صناعة البرمجيات أو في تصميم المنتجات لاحتياجات المستخدم...الخ

ثم يتعلم الطفل أيضاً من هذه الأنشطة الثقة بالنفس، والفخر بإنتاجه الشخصي.

ولا ننسى أنه يتعلم أيضاً علوماً حقيقية، فالكلمات المتقاطعة تحتاج ثروة لغوية، والزخارف الإسلامية بها كثير من الرياضيات والهندسة، والالغاز بها تفكير منطقي وحس جمالي، وهكذا.

نعود للأفكار...

جغرافيات

لقد كان جزء من التقدم العلمي للدولة الإسلامية في الجغرافيا والخرائط. كذلك أيام النهضة الأوروبية. لماذا لا نستعيد تلك الثقافة وذلك الفكر؟ هل يمكن أن يقوم الأطفال باستكشاف مكان ما (حديقة، المدرسة...) وصنع خرائط لها؟ أعتقد أيضاً أن شيء مثل Google earth منجم ذهب لهذه الأشياء. مثلاً يمسكوا بخريطة للقاهرة ومطلوب منهم استخدامها للعثور على مكان معين على Google earth، أو "استكشاف" منطقة معينة أو حتى دولة أو دول عن طريق GE ثم رسم خريطة لها. أيضاً يمكن التفكير في الجغرافيا الفلكية: يستخدمون التلسكوب ويرسمون خريطة لقطاع معين من الفضاء بنجومه. أو الاسترشاد بالنجوم كما كان يفعل المسافرون القدامى.

هذا الكلام بالمناسبة مليء بالهندسة التحليلية وحساب المثلثات :)

Codes, cryptography, and cryptanalysis

النهاردة يا ولاد هدفنا بسيط جداً: سمير عليه يكتب رسالة بالشفرة، أحمد عليه يفكها، والرسالة حتعدي الأول على شريف ومجدي، وهم عليهم يحاولوا يعرفوا الرسالة من غير ما يكونوا عارفين الشفرة إيه!

بعد هذه البداية، هناك الكثييييير جداً مما يمكن عمله. هناك مثلاً شفرات استخدمت تاريخياً في حروب الرومان، أو في الحرب العالمية الأولى، وهي وإن كانت ليست قوية جداً بمقاييسنا الحالية، إلا أنها قد تكون مناسبة للتعليم. هذه خلفية تاريخية عن التشفير للأطفال. هذه أيضاً خلفية غنية عن طرق تشفير مختلفة للأطفال.

ملاحظات أخيرة

رغم أن هذه الأنشطة مصنوعة ليتعلم الأطفال بالممارسة، إلا أن دور المعلم هنا حيوي جداًـ رغم أنه ظاهرياً التلاميذ هم من
 يقومون بالعمل.

لابد أن يكون المعلم متمكناً من النشاط، لأننا نتحدث عن ثقة التلميذ بنفسه وفخره بعمله، فلابد أن يكون المعلم قادر أن يصل به لهذا المستوى أصلاً.

ولابد أن يكون المعلم مثقف علمياً في المجال المطلوب تعليمه، ومثقف عموماً، لأنك كما ترى هذه الانشطة تتداخل في الرياضيات، الهندسةـ التاريخ، وحتى علوم الحاسب أحياناً. بهذه الخلفية الفكرية الثرية سوف يثري المعلم علوم الاطفال ويجعل الموضوع فعلاً علم وممارسة وليس فقط "قص ولصق".

ليس مطلوباً بالضرورة أن يعلهم algorithms مثلاًـ لكن حين يكون عالم هو بذلك سوف يؤثر ذلك على طريقة شرحه، وعلى الاقتراحات والافكار التي سيقدمها، وعلى تعامله مع المشاكل، وعلى وصفه الدقيق (ولو كان مبسطاً) للعمليات التي يقوم بها الأطفال، ولا عيب أن يقول بقدر الإمكان عن النظريات الحقيقية من وراء الأنشطة التي يقومون بها.

الاثنين، 2 يوليو 2012

رسالة مفتوحة إلى د. أبو الفتوح ومشروع مصر القوية

هذه مساهمة مني في الحوار الدائر حالياً بشأن تحديد الاتجاه المستقبلي لمشروع مصر القوية. أبدأ بمقدمة سريعة عن التحديات التي تواجه المشروع، ثم تصور لشكل للمشروع أراه صالحاً لمواجهة هذه التحديات.

مقدمة عن التحديات

المشكلة الأساسية التي تواجهنا هو المستوى الفكري العام للمجتمع؛ لقد كنت أثناء فترة الانتخابات أتحدث عن البرنامج والمشروع فيكون الرد غالباً لا يزيد عن "ده كلام كويس!" بدون إدراك للعمق العلمي الحقيقي للمشروع، بدون إدراك أن هذا مشروع بحث مشترك بين عشرات الخبراء وأنه قد يغير من شكل الدولة تماماً، ويجعلها تنافس اوروبا وامريكا.

ولم يكن هذا الأمر بين البسطاء فحسب، بل بين المثقفين أيضاً. وفي رأيي فإن مشروع مصر القوية كي يتقدم لا يكفي تقديمه لصناع القرار ليدرسوا تنفيذه، بل يجب عرضه على الشعب بأكمله، وإعداد الشعب فكرياً لمناقشته، والمساهمة فيه، والمطالبة به من خلال صندوق الانتخابات.

هذا يعطي المشروع تطوراً واستدامة، ويجعله أكثر ثباتاً في حالة تغير الأفراد في مكان صنع القرار، ويجعله مشروعاً قومياً بحق.

[وقد حاولت المساهمة في هذا بشكل ما أيام الانتخابات، بتقديم مجلس علم قمت بشرح البرنامج الانتخابي فيه صفحة بصفحة، وفي رأيي قد يكون من أفضل ما قيل عن "مصر القوية" أقدمه هنا لعله يكون نموذجاً يمكن الاستفادة منه].

الصورة المقترحة للمشروع

نطرح أن يكون مشروع مصر القوية في صورة مؤسسة (ويمكن أن يكون لها ذراع سياسية أو حزبية)، يحدد لها لها ثلاثة أنشطة أساسية:


1- مركز أبحاث (think tank) لتنقيح وتطوير تصور "مصر القوية"، سياسيا واقتصاديا واجتماعياً وتعليمياً...الخ، وهذا ما بدأ بالفعل في العام ونصف السابقين في إعداد البرنامج الانتخابي، ومع مبادرة "لمصر"، وهو قرار بديهي في وجود هذا التجمع الحالي للخبراء الذين اجتمعوا مع د. أبو الفتوح.

2- العمل التطوعي، ويكون موجهاً في الأساس لرفع المستوي الفكريّ (وهو أكبر من مجرد "التوعية"، نحن نريد فهما حقيقياً ومشاركة حقيقية في الحوار القومي)، ومن أجل ذلك يمكن تقديم الندوات، مجالس العلم، الحملات، المحاضرات. ويكون للخبراء الذين وضعوا الخطط والمشاريع دوراً في التواصل مع المجتمع.

مما يستحق الذكر أن أنشطة مثل محاربة الفقر، اصلاح العشوائيات، محو الأمية لها أيضاً دور في رفع المستوى الفكري؛ لكي يبدأ الأفراد المعنيون في الاطمئنان على وضعهم المالي ويكون بذلك لديهم وسعاً للمشاركة في الحوار السياسي والقومي. لذلك لا نرى مانعاً أن تقوم المؤسسة بمثل هذا الدور بلا تناقض بين هذا وبين دورها الأساسي في رفع المستوى الفكري.

3- وجه إعلامي قوي: لابد من قنوات غزيرة (ومتنوعة) لإيصال الفكر أولاً بأول إلى الجميع وتغيير صورة الحوار الاجتماعي السياسي،
وعدم الاكتفاء باستخراج نتائج الأبحاث وإيصالها لصناع القرار، بل لابد أن تكون الفكرة متاحة للشعب بكامله يقوم بحوار قومي عنها، ويكون الجميع شركاء في تطويرها وتطبيقها على مستوى الدولة.

ومن أجل ذلك الهدف يمكن:

  • تكوين قناة تليفزيونية جديدة، أو الظهور في برنامج في قناة معروفة.
  • كتابة مقالات عن المؤسسة في الصحف، ظهور أعمدة عن مشروع مصر القوية تغطي النشاط بانتظام.
  • إصدار كتب بصفة دورية عن نتائج البحث، سواء بصورة مخصصة للخبراء أو رجل الشارع.
  • قنوات تواصل مع المجتمع على الإنترنت، قناة يوتيوب، وسيلة ليشارك الجميع في الحوار مثل منتديات أو ما شابه.
  • ...إلخ

نلاحظ هنا أننا لا نبحث عن مجرد "علاقات عامة"، نحن نريد شراكة حقيقية مع المجتمع ورفع للمستوى الفكري، وإيصال النتائج العلمية للجميع.

وبعد، فإننا بالطبع لم نقترح امتناعاً من المشروع عن التواصل مع صناع القرار السياسي أو امتناعاً عن سائر المقترحات الأخرى، لكننا أردنا وسيلة لتوسيع الفكرة ونشرها عبر المجتمع كله، مما يعطيها ثباتاً ويجعلها أكبر من نشاط يمارسه مؤسسوها فحسب لتصبح فكرة المجتمع كله، وبذلك يكون لها فرصة أكبر بكثير في التحقق.