الجمعة، 28 سبتمبر 2012

المستقبل للحوسبة

في كاليفورنيا، تم السماح قانونياً بتسيير السيارة التي تقود نفسها. هل هي سيارة حقاً؟ هي مليئة بأجهزة الرادار، الكاميرات، GPS، والقائد الذي يتعامل مع كل هذه الإشارات، يفسر الصور ويخطط للرحلة ويرسل الأوامر للسيارة، هو في النهاية برامج. هو algorithms. هو حوسبة. ما نسميه سيارة يسميه آخرون كمبيوتر على عجلات. والتحدي الأكبر في صنع السيارة لم يكن الجزء الميكانيكي، بل الـAI, Computer Vision, ...الخ

ماذا عن السيارات "المملة" التي يقودها إنسان؟ مليئة هي الأخرى بالحوسبيات. يقول هذا المقال أن بعض السيارات المرسيدس الحديثة بها حوالي 100 معالج دقيق، ويتحدث بالتفصيل في هذا الموضوع.

فلنترك العملي ونذهب للنظري: نظرية الألوان الأربعة Four color theorem لم يكن من السهل إثباتها بالورقة والقلم مثل النظريات الرياضية التقليدية، بل تم الاستعانة بالكمبيوتر في إثباتها (اختزال كل الحالات إلى بضعة آلاف من الحالات الخاصة، ثم التأكد بالكمبيوتر أن كل من هذه الحالات الخاصة يمكن تلوينها بأربعة ألوان). هنا لم يكن الكمبيوتر يقوم بدور "IT"، بل بدور بحثي علمي صرف.

ماذا عن الروبوتات؟ هذا الروبوت الذي صممته تويوتا، هل تظنه مجرد أجزاء ميكانيكية مترابطة، تم تجميعها بمفك؟ لو كنت مبرمجياً لأتى على بالك كمية البرمجة المطلوبة ليعمل مثل هذا الجهاز مثلما تراه يعمل.

وسوف يكون للروبوتات دور كبير عسكري. هل لعبت ألعاباً استراتيجية مثل Red Alert أو Age of empires؟ الآن تخيل لو كان الذكاء الاصطناعي الخاص بهذه الألعاب قد ارتفع مستواه كثيراً، وصار يتحكم في "وحدات" حقيقية. جيش من بضع عشرات من الآليين يفكرون كأنهم عقل واحد ينفذون خطة مشتركة. من سيبرمج هذا؟

لاحظ أن مصطلح الحوسبية ليس معناه "اخبرني نتيجة 5+12" فحسب. بل إن كل ما يلي جزء من الحوسبة:
  • برنامج يأخذ صورة ويضع دائرة حول كل الوجوه البشرية فيها.
  • برنامج يخطط أفضل مسار للسيارة للوصول إلى شارع معين.
  • برنامج يأخذ وصفاً للوحداث العسكرية المتاحة والبيئة المحيطة ويقدم خطة حربية.
  • برنامج يأخذ بيانات المبيعات للعشر سنين الماضية ويقدم نصائح لخطط تسويقية أفضل.
  • برنامج يأخذ خريطة للموائد في قاعة الاحتفالات، وقائمة للمدعوين والعلاقات بينهم [صداقة، أسرية] ويقدم خطة مثلى لتوزيع المدعوين على الموائد.

الآن المفاجأة: هل تعلم أن كليات حاسبات في مصر تعمل في هذه الأشياء منذ سنين؟ لدينا مشاريع تخرج في الرؤية بالكمبيوتر، في أشياء مرتبطة بالروبوتات. في التخطيط الأوتوماتيكي في الألعاب الاستراتيجية. وأكثر.

لهذا أتمنى أن تأخذ حاسبات فرصتها، لأنها أكبر بكثير من "الكلية اللي بتطلع مبرمجين يشتغلوا في شركات برمجة". إنها الكلية ذات الموقع الأساسي في النهضة وصنع المستقبل. والعناية بها قد تجعلنا من "اللاعبين" في الملعب التكنولوجي العالمي بدلاً من "المتفرجين".

لا يهمني كثيراً اللقب والنقابة، بل يهمني أن تكون الكلية في مستوىً علمي يرتفع باستمرار. أن تجذب المواهب إليها (معلمين أو طلبة جدد). أن تُحل مشاكلها الإدارية. أن يكون طلبتها وخريجوها طموحين يريدون تغيير العالم و"حوسبته". أن يعرف المجتمع عن هذه السبل التنموية ويدعمها. التطوير. المستقبل. النهضة.

الخميس، 20 سبتمبر 2012

يا مدارس يا مدارس، لزمتك ايه؟

 يا مدارس يا مدارس، قولي لي إيه لزمتك؟
ليه أروحك كل يوم، واستحملك؟
عملت إيه بالهرولة، والقسمة المطولة،
والجغرافيا والـmental arithmetic؟

لابد لنا كمجتمع أن نناقش الهدف من هذه المؤسسات التي نعتمد عليها -- المدارس والجامعات، قبل أن نفكر في تطويرها أو تقييمها.

الإجابة التقليدية لسؤال "ما الهدف" تكون غالباً مبسطة جداً: الهدف من الجامعات هو الإعداد لسوق العمل، والهدف من المدارس هو الإعداد للجامعات. هذا يتماشى مع قصة حياة كل منا. لكن هذه الإجابة المبسطة لا تفسر أشياء كثيرة. مثلاً:
  •  لماذا يعلمونهم الضرب والقسمة المطولة بينما الآلات الحاسبة متوفرة في كل مكان؟
  • لماذا أخذنا جغرافيا؟ الضغط الجوي؟ كيمياء؟
  • ما فائدة مادة الـProlog في كلية الحاسبات؛ بينما لغة البرولوج ليست شائعة في سوق العمل؟
  • وفي الواقع، ما فائدة حاسبات نفسها بينما الكورسات تملاً البلد؟
  • وما فائدة الكليات التي تدرس التاريخ مثلاً؟ أو الآدب؟ وماذا يهمنا في تطور الشعر في حقبة كذا؟ 
أفكر في هذه الأمور، وأقول هاهنا أفكاري..

الهدف الأول هو الحفاظ على التراث العلمي للبشرية. الضغط الجوي الذي نأخذه في الإعدادية كان نتيجة أبحاث علماء في النهضة الأوروبية، وكانت تلك الأبحاث مسبوقة بنقاشات ونظريات (كثر فيها المغالطات) بدأت منذ عهد الفلاسفة اليونانيين. القسمة المطولة من أيام الخوارزمي. حساب المثلثات ازدهر كذلك في الدولة الإسلامية.

كل كلية كذلك تغطي العلم في مجالها. كليات الطب والهندسة تحافظ على علم أخذ قروناً حتى تشكل، بينما كلية حديثة نوعا ما مثل حاسبات تحافظ على قرن تقريباً من التطور العلمي، وإن كان علم computer science له جذور في علوم أخرى قديمة.

الهدف الثاني (خاص بالمدارس) هو تقديم خلفية علمية واسعة. أنت في المدارس تأخذ رياضيات، لغة، جغرافيا، طبيعة...الخ...الخ. هذا يفيدك في الحياة بطرق قد تشعر بها أو لا تشعر..

مثلاً لو تذكرت أنه هناك في إفريقيا مخزون كبير من المواد الخام لم يستنفذ بعد؛ قد تفهم لماذا تدار الحروب هناك بهذا الشكل؛
نفس الفكرة لو تعمقت فيها تفسر بعض أسباب بقاء الحكم الديكتاتوري في الشرق الأوسط كل هذه الفترة، أو صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، أو...أو...

لو فهمت النحو جيداً، قد يفيدك في دخول مجال اللغويات الحوسبية في المستقبل وعمل برنامج للترجمة الآلية.

لو فهمت مباديء الرياضيات، يمهد هذا لفهم مباديء الاقتصاد، وبالتالي تكون أقدر على الدخول في حوار قومي عن شكل الدولة ودورها، أو انتخاب أشخاص ذوي أفكار معينة وتجنب آخرين.

هل تفيد الخلفية العلمية الواسعة شيئاً غير هذه الأمثلة العملية؟ هنا بيت القصيد، والهدف الحقيقي من هذا المقال: الخلفية العلمية توسع فكرك.

هذا من أهم ما تقدمه المدارس والجامعات على الإطلاق. على الإطلاق!

ربما لا أحتاج لتطبيق القسمة المطولة لأن الآلات الحاسبة متوفرة، لكن فهم القسمة المطولة سيفيدني جداً!
- سوف يعلمني ما معنى الخوارزمية وكيفية تنفيذها.
- سوف يعلمني طرق رياضية مهمة: كيف أقسم المشكلة إلى أجزاء صغيرة وأحل كل جزء وحده ثم أجمع الحلول لتصير حل المشكلة الأصلية.
- سوف يعلمني أهمية التعبير عن الأعداد بطريقة معينة (مثل النظام العشري) تسلم نفسها للعمليات المطلوبة كالضرب والقسمة.

اسمعك تقول أنك لم تر في حياتك أحداً تعلم هذه الأشياء. أرد فأقول لك: أليس معنى ذلك أن مقالي هذا مهم للغاية؟ :)

مثال آخر: لغة Prolog في حاسبات..
- سوف أتعلم منها أهمية كتابة برنامج يعبر عن الهدف الذي أريد تحقيقه، وليس وسيلة تنفيذ ذلك الهدف.
- سوف أتعلم منها أن البرمجة لها صور كثيرة غير الصورة المألوفة؛ وربما يدفعني هذا للتفكير في صور جديدة.
- قد أتعلم منها أنه يمكن فصل البرنامج عن وسيلة تنفيذه (أي أن نفس البرنامج يمكن تنفيذه بطرق متعددة).

مشكلة هذه الأشياء، سواء في مثال القسمة أو البرولوج، أنها أشياء لا تظهر بصورة واضحة: إنها أشياء لا أكتبها في السي في ولن تُسأل عنها في الإنترفيو، وبالتالي لا ينجذب لها الكثير. لكنها أفكار تأتي بالعباقرة..إنها أفكار تدفع المعرفة البشرية للأمام.

هل تعلم أن الشريحة الإلكترونية في جهاز الكمبيوتر تقوم بالجمع والطرح والضرب بطريقة شبيهة بما أخذت في المدرسة (لكن بالنظام الثنائي)؟ تخيل لو كانت الآلة الحاسبة موجودة وقتها ولا يتعلم أحد سوى بها، والجميع لا يعرف معنى الضرب أصلاً أو خوارزمية القيام به؛ بالنسبة له الضرب هو لغز بلا حل سوى بالآلة الحاسبة -- كيف كانت ستتطور البرمجة؟

وقد قرأت ذات مرة ورقة بحثية كاتبها يجمع أفكار من البرمجة، مع نظريات Piaget للتطور المعرفي، مع شكل الفيزياء الذي كان يتغير، مع التطورات الجديدة في الإلكترونيات، كل هذا ليصمم جهازاً جديداً يكون رفيق الطفل في تعلمه وتفكيره.

أو لغة Erlang، وهي تجمع بين نموذج Actor model، نموذج نظري حوسبي، مع أفكار عن الـfault tolerance، وتم عمل أول إصدارة بها بالبرولوج (!)، لتكون أحد اللغات المفيدة التي تستخدمها شركات مثل Ericcson، Facebook، Amazon...شركات كبيرة رابحة.

هذه هي ميزة الخلفية العلمية الواسعة: هات أفكاراً من التاريخ واللغة، أو الفيزياء والبرمجة، أو الرسم والرياضيات، أو من ثلاثة مجالات أو أربعة، وقدم للبشرية شيئاً جديداً.

وقتها لا يكفي أن تعرف "اقل ما يمكن لدخول سوق العمل"، بل لابد من أن تدخل في النظري والعملي، القديم والجديد، المعروف والمغمور. لابد أن تتعلم جيداً.

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

ابتكار وتطوير لا إبداء رأي

حين تدخل في حوار مع الناس: هل تتحدث بنية الابتكار والتطوير أم تتحدث بنيّة إبداء الرأي؟

مجتمع لا يفعل شيئاً

عوائق تاريخية كثيرة منعت المجتمع من أن يشعر أنه يتحكم في واقعه: حكم مستبد، مشاكل اقتصادية، تعليم مبني على التلقين..وضع هذا الأمر الناس في بيئة فكرية تعوق التفكير في العمل وتركز على إبداء الرأي: الأكثرية ترى نفسها مشجعين وليس لاعبين. جماهير وليس مؤديين. نقاد وليس مبتكرين.

لذلك فإنه بالنسبة لهم كل كلمة تقال هي "رأي".

حين أنتقد شكل النشاط الحالي في الـACM مثلاً، فإن الرد الذي أتلقاه دائما هو: لماذا ترى أن الـACM غير مفيد؟؟ لم أسمع أبداً عمن يسأل عن شكل البدائل وكيف يمكن تطوير النشاط ويستزيد من التفاصيل في هذا. الآن تعال نحلل الأمر حسب خلفية المتحدثين:

- لو كنت تفكر بنية المخترع، فأنت دائماً تبحث عن الثغرات في كل شيء من أجل الإتيان بجيل قادم من ذلك الشيء، يتلاشى الثغرات وأكثر.

- ولو كنت تفكر بنية إبداء الرأي، فأنت تفكر هل الشيء الحالي، في صورته الحالية، جيد أم سيء بدون التفكير في الصور الأخرى التي يمكن أن يكون عليها.

وكيف سنتقدم للأمام هكذا؟

هب أنني ذكرت مشكلة ما في تعريب العلوم. مشكلة لأول وهلة تبدو صعبة.

- لو كنت من مدرسة "إبداء الرأي" فسيكون ردك أن كيف أن هذه المشكلة ليست عائقاً حقيقياً، وسوف تتخذ موقفاً دفاعيا.

- لو كنت من مدرسة "الابتكار والتطوير" فستكون سعيداً لأن هذه النقطة قد أثيرت، وتبدأ في أن تفكر: كيف يمكن حلها؟


وإن الطريق طويل. وسوف تجد أنصار التعريب أنفسهم يمثلون عائقاً فيه: كلما جئت بمشكلة مشروعة في طريق التعريب، سوف تجد من يهاجمك لأنه قادم من خلفية "إبداء الرأي"، ويفسر كل كلامك على أنك عدو التعريب.

ولقد مللت. دائماً الحوار في صورة "كذا كويس، كذا وحش". هل نحن نقاد ارستقراطيين، نرتدي المونوكل وندخن البايب، ونجلس نشاهد الأوبرا؟ لماذا لا يكون الحوار أكثر عمقاً؟

حوار سطحي

هناك طبعاً ميزة لإبداء الرأي، هي أنك لا تحتاج للتحدث بكثير من التفصيل. لو كنا نتحدث مثلاً عن مجانية التعليم، فإن أكثر حجتين أسمعهما هي "سوف يفشل التعلم لو صار مجانياً" أو "كيف نترك التعليم للأغنياء فقط". لو استزدت من المتكلم فكثيرا ما لا تجد المزيد.

كم من الناس حاول أن يجيب على السؤال إجابة مستندة على بيانات؟ من قام بعمل حصر للدول المتقدمة علمياً، ثم رأى كم دولة فيهم ذات تعليم مجاني أو تعليم بمقابل؟ هذا الموضوع لا يأخذ أكثر من عشر دقائق على الويكيبديا، لكن قبل ذلك يأخذ رغبة حقيقية في التخطيط لمستقبل المجتمع وليس مجرد إبداء رأي مثلما تبدي رأيك في مطرب أو فريق كرة.

والحوار السياسي المصري، إلا بعض الاستثناءات، دائماً في هذه الصورة:
1- اختر شخصية أو فئة من الناس معروفة سياسياً.
2- هاجمها، أو دافع عنها، أو هاجم من يهاجمونها.
فإلى متى؟

وكم من زوج أخذ يسرد عيوب زوجته (أو العكس)، بدلاً من التفكير في أسباب المشاكل بينهما وحلها؟

وكم من شخص كبير أخذ يشتم في "شباب اليومين دول"، بدلاً من أن يدرس كيف يفكرون أو يدرس كيف يطورهم نحو الأفضل؟ إن فئة مثل الألتراس قد تصبح قوة اجتماعية مؤثرة (ليس فقط كثوريين) لو أحسن توجيهها، لكننا لا نرى إلا هجوماً عليهم أو مدحاً فيهم.

وكم من شخص يمدح شركة مثل مايكروسوفت أو جوجل ويتخذ من نفسه مشجعاً رسمياً لها، بدلاً من أن يفكر في الدروس المستفادة من إدارة هذه الشركات، بهدف تصميم "الجيل القادم" من شركة البرامج المتطورة؟

وكم من شخص لا يقول سوى "مصر مافيش زيها" أو "مصر متخلفة"، بدلاً من أن يقوم من على مقعده الوثير، ويعمل عملاً حقيقياً، ويبذل جهدا حقيقياً، في أن يرى القيم الإيجابة الموجودة في المجتمع المصري ليقويها، أو القيم السيئة ليغيرها؟ لا اقصد شعارات أو بديهيات، بل دراسة حقيقية مبنية على الملاحظة العلمية؟

الخميس، 6 سبتمبر 2012

حاجات مطلوبة عشان تفكر

قبل أن تفكر، تحتاج أن تعرف كيف ترى، وكيف تسأل أسئلة، وكيف تصف.

كيف ترى

أنت لا ترى بعينيك فقط. أنت ترى بعقلك. هذه نقطة بالغة الأهمية. العالم من وجهة نظرك غير العالم من وجهة نظري، وهما يختلفان عن العالم من وجهة نظر القطة في الشارع؛ مع أنه - مادياً - هو نفس العالم.

حين تسير في الشارع، ماذا ترى؟ أحياناً أسير فأرى ظواهر اجتماعية تتفاعل بعضها مع بعض. أحياناً أسير فأرى قوانين فيزيائية في بقعة ماء تنتشر ببطء على التراب. شخص آخر قد يرى سبباً لاندلاع الثورة، أو خطراً عليها ينبغي مواجهته. أو فرصة ينبغي اقتناصها.

والمفاهيم التي تعرفها هي أعين جديدة ترى بها. في رحلتي في علم لغات البرمجة تعلمت فكرة الـcontinuation. منذ ذلك الوقت وأنا أراه في كل مكان: في أشياء برمجية سابقة، في الحياة عموماً، في أفكار تكنولوجية غير برمجية. شيء شبيه بذلك حين قرأت عن الـmonads.

ونظرية Piaget في التطور المعرفي للأطفال! النظرية تتحدث عن الـconstructivism، منذ أن قرأت عنها وأنا أنظر في كل شيء فأراها..
  • لا يكفي نقل التكنولوجيا لننهض علميا؛ لابد من بناء التكنولوجيا، وإلا سنسير في حلقة لا تنتهي من "غيرنا يبتكر، نحن ننقل".
  • عند شرح كود موجودة لأحد نحن غالباً ما نشرح الكود في أحدث صورها، لكن هناك معلومات قيمة عن الكود تأتي من تاريخها (من بنائها). لماذا اتخذت قرار كذا ولم أتخذ كذا؟ لماذا هذه الفصيلة موجودة بهذه الطريقة؟ هذه النقاط تأتي من خبرة ومن تجارب في إصدارات قديمة من البرنامج، وإني لأتخيل IDE بها طريقة لتأريخ المراحل المهمة في حياة هذا البرنامج.
  • التاريخ نفسه! إن أردنا أن نخرج مما نحن فيه علينا أن نفهم أولاً كيف قد صرنا فيه! ليس فقط بجمل مختصرة على غرار "لقد صرنا متفرقين"، بل أيضاً بتفاصيل. كيف صرنا كذلك؟ متى بدأ هذا؟ وكيف استمر؟ وماذا أيضاً غير التفرق؟ وماذا كانت العوامل الداخلية؟ وماذا عن الخارجية؟ هل نستطيع رسم خط زمن لمراحل "التخلف" والأسباب الأساسية لكل مرحلة؟
  • كيف نغير القيم الموجودة في المجتمع حالياً؟ فلنفهم كيف بُنيت هذه القيم!

(ليست هذه التدوينة عن نظرية Piaget، تذكر: نحن في جزء "كيف ترى"، أتحدث عن كيف تغير الأفكار في عقلك من نظرتك للعالم. منذ عرفت النظرية وأنا أنظر لكل المجالات الأخرى نظرة بنائية).

وكيف تسأل أسئلة؟

Computers are useless. They can only give you answers.
-- Pablo Picasso

يكاد يكون علم الفلسفة مبني على فكرة "كيف تسأل أسئلة جيدة". المشكلة أن معظم الأذكياء الذين أراهم يهتمون بالأجوبة فقط. الامتحانات؟ المسابقات؟ الinterview؟ إجابة إجابة إجابة! والظريف أنه في كثير من الأحيان يكون اختيار الأسئلة سيء أصلاً...

"إنتاج أفريقيا هو (أ) 8% (ب) 9% (ج) 11% (د) 13% من إنتاج الحديد العالمي".
"What is the difference between x++ and ++x"
"لما بترجع البيت بتعلق هدومك والا بترميها" (هذا سؤال حقيقي أخذته في interview)

هي دي الأسئلة؟؟؟

كان هناك قديماً خمس مسلّمات للهندسة منذ أيام إقليدس، وكان كثير من العلماء الرياضيين يعتبرون المسلّمة الخامسة زائدة (أي يمكن إثباتها من الأربعة السابقين لها، وبالتالي لا داع لاعتبارها مسلّمة بل هي نظرية عادية). وقد حاول العلماء لمئات السنين، علماء الحضارة اليونانية ثم الإسلامية ثم الأوروبية، أن يأتوا بذلك الإثبات ولم يقدروا.

ثم جاء كارل فريدريك جاوس في 1817 وسأل نفسه: ماذا يحدث لو افترضت أن المسلّمة الخامسة ليست بالضرورة صحيحة؟ والتفكير في هذا الأمر دفع بسؤال آخر: ماذا لو اخترعت "هندسة" جديدة بالأربع مسلّمات + خامسة مختلفة عن المعتاد؟

هذا الأمر قد فتح الباب لعلوم الهندسة غير الإقليدية non-Euclidean geometry: هندسة يمكن أن تتلاقى فيها خطوط متوازية، أو هندسة على سطوح غير مستوية (أفادت في الجغرافياً، من ضمن ما أفادت)، أو بنظام إحداثيات منحني (وقد استفاد آينشتاين كثيراً من هذا الأمر حين وضع نظرية أن الجاذبية هي انحناء الزمكان).

أبواب جديدة من العلم، جاءت من السؤال المناسب..

فلنسأل...
  • هناك موضة هذه الأيام عند البعض (للأسف) أن يكون حكم الدولة كإدارة شركة..ماذا لو جربنا العكس: أن تدار الشركات بطريقة ديموقراطية كأنها دولة؟
  • لماذا يبدو شكل الحروف هكذا: د ، م ، ع ، ف...الخ ؟
  • طفلك الذي يحكي لك حكاية تبدو غريبة وعشوائية..ما تسلسل الأفكار الذي جاء بهذه الحكاية؟
  • هل يمكن اختراع آلة لطبخ المكرونة؟
  • هل نحتاج لكمبيوتر لكي نبرمج؟
وكيف تصف

العلم الحديث مبني على التجربة. كيف تسجل ملاحظات تلك التجربة؟

تخيل علم الرياضيات الحديث لو كنا مازلنا نستخدم الأرقام الرومانية. بسرعة: اجمع XI على XXV. مجرد تغيير طريقة وصف الأرقام غير من تفكيرنا فيها.

وكيف تصف المجتمع حين تريد تغييراً سياسياً؟ وكيف تصف مشروعك للآخرين؟ وكيف تصف المشكلة التي تريد أن تحلها؟

وكيف يكون شكل برامجنا لو تخلينا عن فكرة "البرنامج في ملفات نحررها بمحرر نصي"؟ وما البدائل لوصف المطلوب من البرنامج؟

كيف تصف الألوان لشخص أعمى؟ وكيف تصف الروائح في فيلم رسوم متحركة؟ وكيف تصف ملمس معين في صورة؟

ملمس في صورة؟ قرأت في طفولتي مقالاً عن قصر الحمراء بغرناطة، يقول أن الزخارف متنوعة ومصنوعة بطريقة كأن العين "تتحسسها"..انظر للصورة واحكم بنفسك:

أما "كيف تصف الروائح في فيلم رسوم متحركة" فهو فن في حد ذاته: الورود الصغيرة التي تطفو حول الشيء ذو الرائحة الجذابة، الخطوط المتعرجة حول الشيء ذو الرائحة النفّاذة، خط دخان رقيق أبيض يمثل الرائحة ثم  يتحول إلى يد تسحبك برفق نحو مصدر الطعام اللذيذ، استخدام الألوان والحركة..

كيف تصف، هذا مهم.

الخميس، 23 أغسطس 2012

عن حاسبات ونقابتها نتحدث

هناك ثلاث نقاط سوف ندخل فيها في هذا المقال. وأظنه مختلف عن معظم ما قرأت في هذا الموضوع.
  • ماذا عن إنشاء نقابة خاصة بخريجي حاسبات ومعلومات؟
  • وماذا عن لقب "مهندس برمجيات"؟
  • وماذا عن منع مزاولة المهنة لغير خريجي حاسبات؟
المفروض أن يكون الحكم على الأفكار وليس الأشخاص، ولكن رغم ذلك سأقول (لكي يكون الجانب الذي أتخذه واضحاً): أنا خريج حاسبات ومعلومات عين شمس، ومعيد سابق فيها، وقد قدمت للكلية الكثير ولا أزال، وأنا ممن يرون أن علوم الحاسب من شأنها رفع المستوى العلمي للمجتمع كله ودفع المنطقة للنهضة العلمية، ومشاريعي الحالية تثبت ذلك فعلاً لا قولاً.
ثم بعد ذلك...

ماذا عن إنشاء نقابة خاصة بخريجي حاسبات ومعلومات؟

هذا أمر لا مشكلة عندي فيه. إن استوفت الكليات وخريجيها الشروط القانونية فلماذا لا يكون لديهم نقابة؟ هذا أمر طبيعي وكل المتخصصين في المجالات الأخرى يتمتعون بمميزات النقابات. أمر طبيعي وليس مثيراً للجدل.

ماذا عن الانضمام لنقابة أخرى مثل المهندسين أو العلميين؟ أقول لماذا؟ نحن لنا مجالنا الخاص، ولا أسمع أحد يقول لخريج هندسة انضم لنقابة العلميين أو ينصح خريج حقوق أن ينضم لنقابة التجاريين؛ ولا أجد معنى لهذه الأفكار.

وماذا عن لقب "مهندس برمجيات"؟

 لا أرتاح كثيراً لهذه النقطة، وأعتقد أن الهوس المستمر للحصول على لقب "مهندس" له أضراره.

مثلاً، هناك نداءات من حين لآخر بجعل الدراسة في حاسبات خمس سنوات بدلاً من أربعاً إن كان هذا سيسهّل الحصول على اللقب. هذا أمر سيء لأنه يخلط قضية تعليمية بقضية أخرى اجتماعية. الأسوأ أن الذين يطرحون هذه النقطة كثيراً ما يخفون نواياهم الاجتماعية ويظهرون الأمر تعليمياً بأن يقولوا أن الدراسة بالكلية لا تكفي لها السنوات الأربع...الخ؛ هذا يؤدي لحوار مسرحي سخيف تجد قليل من الصادقين فيه، والباقي يقولون شيئاً ويعنون شيئاً آخر.

أنا مقتنع بالأربع سنوات، لكني مستعد للسماع للرأي الآخر بشرط أن يكون رأياً تعليمياً وليس برأي سياسي/اجتماعي متنكر في صورة خوف على المستوى العلمي، وحتى الآن لم أر رأياً كهذا.

نقطة أخرى هامة، أن Computer science هي أمر أكبر من هندسة أصلاً!

لو نظرت للفلسفة وراء علوم الحاسب، فستجد أن لها وجهاً رياضياً، ووجهاً تكنولوجياً قريباً من الهندسة، ووجها علمياً قريباً من العلوم الطبيعية مثل الفيزياء أو علم الفلك. إن الحوسبة هي علم جديد ناشيء ولتطوره تبعات على الفكر البشري في القرن القادم، ولو حصرنا مجالنا في الجانب الهندسي فإننا قد نحظى على المدى القريب ببعض القبول في المجتمع، لكننا على المدى الأبعد قد نفقد فكراً ووعياً مجتمعياً أكبر بكثير.

لماذا نبحث عن الحل السهل ونأخذ لقباً من مجال يشبه مجالنا في بعض جوانبه؟ ألا ينبغي أن نصنع قصص نجاحنا ولقبنا بأنفسنا؟

لماذا لا نبهر المجتمع بالمشاريع والشركات والأبحاث وقصص النجاح حتى يدرك إدراكاً حقيقياً من نكون وماذا نفعل؟

لماذا نتمسك بألقاب من الماضي بينما يمكن أن نكون المستقبل؟

لماذا نحاول إرضاء مجتمع لا يفهمنا بدلاً من أن نغيره؟

لأن لقب المهندس أسهل؟ وهل نختار الحل السهل أم الحل الصحيح؟

وماذا عن منع مزاولة المهنة لغير خريجي حاسبات؟

(إضافة: هذا هو المصدر للمادة المقدمة الخاصة بمزاولة المهنة. صفحة 12، مادة 40).

إن أردت إبطاء معدل النهضة في المجتمع، افعل ذلك.

هل تعلم أن العالم الآن يسير نحو نشر البرمجة للجميع، خريجي علوم حاسب أو لا؟

هل تعلم أنه قد ظهر في الولايات المتحدة كادر جديد اسمه الصحفي/المبرمج، وأن كليات صحفية مثل كلية الصحافة بجامعة ميزوري، أو جامعة كاليفورنيا في بركلي، صاروا يضيفون مكونات برمجية إلى الكورسات؟

هل تعلم أن جامعة ستانفورد بها مركز أبحاث للحوسبة القانونية، لدراسة تأثير التكنولوجياً على النظام القانوني للدولة؟

هل تعلم أنه هناك اطفال في سن العاشرة قد طوروا برامج iPhone؟ وفي سن الثانية عشر أيضاً؟ هل تعلم أنه هناك مصري في الخامسة عشرة من ضمن هؤلاء، وأنه ليس وحده، فهناك مبرمجون كثيرون في سن المراهقة في الوطن العربي، يعرفون PHP, Visual Basic,...الخ؟

هل تعلم أن كثير من رواد الأعمال في مصر والوطن العربي يفتحون شركات تنتج تطبيقات، بينما كثير منهم من خلفية غير برمجية؟

فهل نريد لمجتمعنا أن يأتي بالصحفيين المبرمجين والمحامين المبرمجين والأطباء المبرمجين ويدفنهم قبل أن يظهروا؟ وأن يأتي بالاطفال والمراهقين الأذكياء ورواد الأعمال ويقول لهم "عذراً! اوقفوا تقدمكم سنوات حتى تصيروا خريجي حاسبات؛ إن صرتم"؟

هل نغلق الأبواب بينما غيرنا يفتحها؟

خاتمة
 
هناك تقسيم مزيف للمجتمع أن الناس محصورون بين "حاسباتجي يوافق على قانون النقابة" و "حاقد يرفض القانون". هذا المقال أحد وسائل نفي ذلك: أنا حاسبتاجي وأحب حاسبات حتى النخاع، لكن أرفض القانون الحالي الظالم.

ولقد أخطأ المسؤولون عن هذا القانون (ESEA) حين جمعوا بين شيء تتفق عليه الأكثرية (النقابة) وبين بنود تعبر عن آرائهم الشخصية. وإني أرى في الإصرار على البنود الأخرى ليس فقط ضرراً للمجتمع، ولكن أيضاً ضرراً لخريجي حاسبات أنفسهم، لأن مثل هذا القانون سوف يلاقي رفضاً من المجتمع ويعوق مشروع النقابة الذي نتمناه جميعاً.

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

رفع المستوى الفكري، من أجل مصر القوية

(ملاحظة: أنا أمثل نفسي فقط والآراء المكتوبة آرائي، ولست عضواً في مؤسسة مصر القوية أو أي حزب سياسي، وحين أقول "نفعل كذا" فهي صيغة أدبية لا أكثر)

كنت أيام الانتخابات اتحدث عن برنامج د. أبو الفتوح، وكان هناك اختلاف بين الآراء..

رأيي أن البرنامج مذهل، وأنه لو تم تنفيذه جيداً فسيجعل مصر ليس فقط تلحق بالدول الغربية، بل تسبقها. أما رأي أغلب من أتحدث معهم فهو أنه برنامج "كويس" لا أكثر.

نعم، لقد حصل د. أبو الفتوح على ملايين الأصوات، لكن كم من هذه الأصوات كان بسبب البرنامج، وكم بسبب عوامل أخرى مثل إخلاصه أو تاريخه أو شخصه...الخ؟

ونحن الآن نبدأ العمل السياسي والحزبي والمجتمعي، وهناك طرق لتنفيذ ذلك البرنامج غير مؤسسة الرئاسة، ود. أبو الفتوح وفريقه يعلمون ذلك، وقد أنشأوا حزباً سياسياً ومؤسسات أخرى تمهيداً للعمل السياسي على نطاق واسع وتنفيذ برنامجهم...ولكني أشعر أنه هناك مكون كبير ناقص. هذا المكون قد يعوق تقدم هذا المشروع لسنين. المشكلة في المستوى الفكري.

السيناريو الذي نريد تجنبه

اخشى أن يقول الناس، كما قالوا من قبل: "كويس" ويكتفون بهذا. لماذا أثر فيّ مشروع مصر القوية بهذا الشكل، بينما لم يؤثر في أغلب الناس بنفس الطريقة؟ لأنني لم أتعامل مع البرنامج على أنه مجموعة من الشعارات بل على أساس أنه بحث علمي. لقد بحثت في كل نقطة قالها البرنامج: الديموقراطية التشاركية، أنواع النشاط التعليمي الجديدة، الملكية العامة بإدارة خاصة، الفرق بين كلية الشرطة وأكاديمية الشرطة..كل كلمة من هؤلاء هي كلمة خلاصة أبحاث قادمة من عقل عالِم أو مفكر مصري شارك في وضع البرنامج.

لكن الناس لم يروا فيها إلا الشعارات!

وفي هذه الحالة فإن الناس سوف يختارون - في الانتخابات البرلمانية والمحليات و...و... - سوف يختارون إما من يعرفونه من قبل، وإما أصحاب الشعارات الأقوى، ويكون نصيب "مصر القوية" أعلى من الأحزاب الجديدة مثل التيار المصري مثلاً، لكن ليس منافساً قوياً جداً للاحزاب المهيمنة على الساحة السياسية حالياً.

وكيف نتجنب هذا السيناريو؟

ماذا يفعل الكيان السياسي الجديد في هذه الظروف؟ مؤسسة مصر القوية لديها ميزة هامة جداً: لديها (في رأيي) أفضل برنامج (حالياً) للدولة، ولديها فريق قوي من الخبراء، ولديها أكثر من مائة ألف متطوع. المكون الناقص هو إيصال هذه الرسالة إلى عامة الشعب. البرنامج العلمي يحتاج لتقييم علمي من الناس، ولو ارتفع المستوى الفكري فستتغير الساحة السياسية ويتغير شكل المجتمع.

هناك بالفعل مشاريع لرفع المستوى الفكري للناس، مؤسسات مثل "معرفة" و"رشد"، "قبيلة" وهي تحاول - أو هكذا أظن - أن تكون ليست مجرد "توعية" بل أن ترفع المستوى الفكري فعلاً وتعلم الناس في الاقتصاد والسياسة والإدارة والقانون..

علينا أن نأخذ هذا ونضربه ×100 . وأرى أنه قرار عملي وأننا نستطيع. أليس هذا شيء ينبغي أن نطمح فيه؟ شعب لا يسير وراء الشائعات، ويحلل الخطاب السياسي علمياً، ويختار المرشحين (أياً كان انتماؤهم) بالنظر المدقق إلى برامجهم وفكرهم؟

إن هذا في رأيي يضاهي في أهميته ثورة 25 يناير ذاتها.

وكيف نفعل هذا إذاً؟

الطريقة في سطر واحد ثم نفصّلها: يجب أن يكون رفع المستوى الفكري هو هدف أساسي من أهداف النشاط الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في "مصر القوية".

معنى هذا أنه شيء يهتم به ويعمل فيه الجميع، بداية من القيادات وحتى كل متطوع في كل محافظة. وكذلك الخبراء والإداريين. لا ينبغي رَكن هذه الخطة في ركن ما مثل "اللجنة الثقافية". لابد من اشتراك المؤسسة كلها وإعطاء الموضوع أولوية بالغة. هذا هو السر.

يمكن أن يبدأ د. أبو الفتوح نفسه في تقديم رؤيته وأفكاره بشكل أكثر تفصيلاً. نعم لديه الآن صفحة على الفيسبوك وحساب على تويتر، لكن هذان يقدمان آراء مقتضبة في قضاياً الأحداث الجارية، لماذا لا يكتب مقالات أطول على مدونة؟ ولماذا لا يفعل هذا أيضاً من يستطيع من الخبراء والإداريين؟ تجربة في التشارك الحقيقي مع المجتمع وليس مجرد التخطيط في اجتماعات مغلقة.

(هذا بالمناسبة أحد أسباب شعبية أ/حازم صلاح مثلاً: محاضراته في مسجد أسد بن الفرات وفي برنامجه التلفزيوني. هذا يجعل أفكاره حاضرة دائماً، ومحور حديث وحوار).

أيضاً في صورة فيديوهات، لكن ليس مجرد فيديوهات دعائية (وإن لم نعارض تلك)، بل أيضاً فيديوهات على مستوى فكري أعلى تشرح الخلفيات السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية/القانونية/العلمية وراء قرارات الحزب وسائر مؤسساته. تجعل الناس يستخدمون هذه اللغة العلمية في الحوار، بدلاً من الشعارات والمغالطات والشائعات.

ولماذا لا نستفيد من تجربة الخبراء كمعلمين وكثيرهم أساتذة في الجامعة؟ لماذا لا يشاركون بمحاضرات منتظمة كل في مجاله لمن يريد أن يفهم ويتخذ قراراته على علم؟

وهناك حالياً شخصيات معروفة بفكرها ولكن لا نسمع منها إلا ما يقال عن الأحداث الجارية..لماذا لا تأتي بهؤلاء ويقولون لنا "هيا نبدأ السياسة من البداية. هيا نرى ماذا تعني الدولة وكيف تنظم"، ثم يتم مشاركة هذه المعلومات عبر الأنترنت وعبر العالم الحقيقي ونشرها كذخر علمي؟

ولماذا لا يكون هناك وحدة نشر تابعة للحزب/المؤسسة، تقدم كتب ونشرات فيها خلفيات لكل قرار اتخذ وكل سياسة ، بالمراجع؟

ولماذا لا يكون هناك قناة تلفزيونية (أو برنامج في قناة معروفة) يناقش كل شيء بعمق وليس فقط "كذا كويس، كذا وحش"؟

ولماذا لا يتم التعاون مع المؤسسات الحالية مثل معرفة،...الخ والاستفادة من خبراتهم؟

وماذا عن العمل التطوعي في كل محافظة؟ لماذا لا يكون هناك عمل فكري أكبر من مجرد "توعية سياسية" أو "تنمية بشرية" بل تقوم فعلاً بتغيير الفكر؟ ندوات مكثفة ومناقشات وتدريب ومجالس علم؟

قد يردّ أحد فيقول "وانت فاكر الناس حيفكروا كدة؟؟ ما انت شايف الناس عاملين ازاي!"، أقول: نعم، وهذه هي المشكلة التي نسعى أن نحلها!

نحن إما أن نفترض أن المجتمع سيظل كذلك للأبد، ونسلّم بهذا، ونكتفي بترديد الشعارات وسط المرددين، أو نقول أن انخفاض المستوى الفكري مشكلة قابلة للحل، ونسعى بكل السبل الممكنة لحلها.

لأننا مللنا الحوار السياسي الحالي. ألم تملّوه؟

السبت، 18 أغسطس 2012

كلها برمجة. كلها لغات.

لو كنت ممن يقرأون هذه المدونة منذ فترة، لعلمت أنني في طفولتي كنت أتمنى أن أكون مخترعاً. ثم كبرت وصرت مبرمجاً.

وماهي البرمجة؟
  • أنت تكتب برنامجاً لتحقيق هدف ما، برنامج حسابات، لعبة، بحث علمي...
  • وهذا البرنامج تكتبه بلغة لها قواعد، syntax. هذه القواعد غالباً عبارة عن مكونات بدائية (أقواس، كلمات محجوزة) وطرق مفصّلة محددة لتركيب هذه المكونات.
  • هناك قواعد أخرى لطريقة تنفيذ البرنامج، semantics.
  • ويأتي في النهاية مفسّر، interpreter، يأخذ البرنامج وينفذه.
وما هو الاختراع؟
  • أنت تصنع تركيباً فيزيائياً لتحقيق هدف ما، اختراع يسير بك، ينقل الصورة عبر الأثير، يرش الأطفال به الماء على أصدقائهم...
  • وهذا التركيب محكوم بقيود فيزيائية معينة: الوزن والحجم والtopology في ثلاثة أبعاد مكانية. كما أن الاختراع من مكونات بدائية: (سوست، سيور، خراطيم).
  • وحين تقوم بتشغيل اختراعك، فإنه هناك قواعد معينة تحكم عمله: المجال المغناطيسي يولّد حركة عند مرور تيار كهربائي؛ البخار يتمدد ويولّد ضغطاً..هذه القواعد نطلق عليها اصطلاحاً قوانين الطبيعة ويدرسها العلماء كل يوم.
  • و"الكون" نفسه يقوم بدور المفسر الذي ينفّذ برنامجك - أقصد اختراعك.
(على الأقل أمنية من أماني الطفولة قد تحققت.)

ولو كان الاختراع برمجة، فما هي خصائص لغة البرمجة التي يتم بها الاختراع؟ وما خصائص بيئة التطوير IDE؟

أولاً، هي لغة dynamic تشبه نوعاً ما Smalltalk. انت تقوم بكتابة البرنامج في نفس بيئة تنفيذه، وفي ظروف معينة قد تكون تعدّل فيه بينما هو ينفّذ.

ثانياً، قواعد الـsyntax هي نفسها قواعد الـsemantics، وإن كان هناك شيء من الفصل الفكري بينها: بينما تقوم بتركيب السيارة تفكر في جزء من قوانين الطبيعة مختلف عن الجزء الذي تفكر فيه بينما هي تعمل. أحياناً تكون هناك أجزاء مشتركة.

ثالثاً، هناك شيء يشبه الـtype checking: الصواميل التي لا تتركب إلا مع مسامير من نوع مطابق، الـdimensional analysis في الفيزياء، ...الخ. مثل المبرمجين، يحاول المخترعون تقليل الأخطاء وتسهيل الحياة على أنفسهم.

رابعاً، البرمجة في الاختراع تبدو متوازية أكثر من البرمجة المعتادة.

وهل هذه قضية فلسفية بحتة؟ لا، بل هذه قضية تفكير حوسبي؛ مما يجعلها أمراً عملياً جداً، مرتبط بالتطور التكنولوجي وتطوير التعليم، وبالنهضة، كما وعدناكم دائماً :)

لو أمكننا تكويد بعض أنواع الاختراع في لغات نصية مثل لغات البرمجة، لأمكننا عمل IDEs لها، تقوم بعمل model checking للتأكد من خلو الاختراع من بعض الاخطاء التي يمكن الكشف عنها بسهولة.

ولأمكننا عمل libraries جاهزة بطريقة اوتوماتيكية بدلاً من التفتيش وسط التصميمات السابقة، ولأمكننا التفكير في الاختراعات على مستوى أعلى حين نقدم الـabstractions المعروفة في البرمجة: تخيل أن يكون لديك abstraction مثل "مانع لتسرب الحرارة" ثم يأتي compiler ويقوم بتحويل هذه الفكرة عالية المستوى إلى فلاتر وعوازل وقياسات.

ويمكن تطبيق refactoring واستبدال مكونات ابسط بمكونات معقدة.

ولم اذكر حتى الـsimulation، فهو بديهي.

ولم أذكر الجوانب التعليمية.

و...و...أفكار لا تنتهي، فقط تنتظر المجتمع الذي يمسك بها وينهض.

في الواقع هناك أدوات برمجة من هذا النوع: Labview، برامج CAD/CAM، لكن لا اظن ان الفكرة منتشرة جداً ان هذه الأدوات مثل لغات البرمجة، وتطبيق تكنولوجياً الـcompilers, programming language theory, IDE عليها.

كلما تأملت في التفكير الحوسبي شعرت أكثر وأكثر أن علوم لغات البرمجة لها دور كبير فيه..

الخميس، 16 أغسطس 2012

مشاعر سلبية إيجابية

في مجتمعنا الآن ظاهرة...ماذا أسميها؟ فلنسمها "سلوك تربوي مبالغ فيه". هذه الظاهرة لها سمتان ألاحظهما:
  • حينما يعبر أحد عن إحساس مثل الخوف، الغضب، القلق...الخ، يبدأ المجتمع المحيط في لوم الشخص كأنه سبب المشكلة.
  • اعتبار أن ذلك الشعور نفسه هو المشكلة، وليس العوامل التي أدت إليه.
وإن هذا لأمر مثير للعجب، لو حكيت لك عن شخص يشعر بالخوف لأن أسداً يجري وراءه، فلن يقول أحد أن الخوف هو المشكلة؛ المشكلة في الأسد. لكن اخلع الأسد من الصورة وضع شيئاً أكثر تجريداً مثل المال أو الوظيفة أو العلاقات الأسرية...وستجد الجميع ينظر نظرة أخرى لصاحب الشعور السلبي.هذا جانب متطرف من موضوع التنمية البشرية. الناس يشعرون أنه هناك مشاكل في المجتمع مثل التخاذل، سرعة الشعور بالإحباط، نقص المسؤولية الشخصية، فصار الكل يقول "أنت تستطيع أن تنجز أي شيء تريده لو أصررت عليه!!" "أكبر عائق لك هو أنت!!" "انس الشعور بالقلق!!".

لكن التطرف هنا يزيد المشكلة أيها السادة ولا يحلها. هناك شيء اسمه الظروف والعوامل الخارجية. هذا شيء حقيقي ملموس لا يمكن إنكاره. وإني أعجب كيف أمكن للناس أن ينكروه. هذا النوع من التطرف يتبع نموذج "كذا يساء استغلاله، إذاً هيا نلغيه". أي ان الناس يرون ان "الظروف الخارجية" قد صارت شماعة للكثير يضع عليها تخاذله، فكان الحل - من نظرهم - هو إنكار الظروف الخارجية نفسها.

هناك شيء اسمه الـempathy، أي فهم الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر. الاستخفاف بمشاكل الآخرين وما يعوق حياتهم؟ هذا عكس الـempathy.

أما المشاعر السلبية، فهي قد تكون شيئاً جيداً لو عرف الناس كيف يتعاملون معها. الخوف والقلق ينبغي لكل منهما أن يدفع صاحبه للاعتراف بالخطر الذي يخشاه، والاستعداد للتعامل معه. أما الشخص الغاضب فليس بالضرورة لأنه متذمر أو "اكتئابي"، ربما يكون قد ظُلم أو أهين أو رأى ظلماً يقع، وهذا رد فعله الذي يقول "تصرف مع هذا الأمر حالاً".

لا نريد أن نعيش في عالم من الاستظراف والابتسامات المزيفة. إن كان هناك شخص في مشكلة فمن حقه أن يتحدث عن مشكلته ويعبر عنها. لا ينبغي أن نضع حواجز اجتماعية صارمة تجعل كل شخص يكتم ما في نفسه خوفاً من أن يعتبره الآخرون سلبياً أو متذمراً.

حتى الظروف التي يبدو فيها الطرف الآخر "مدللاً"، مثلاً حين يقول أن أهله لا يحترموه أو أن المجتمع لا يفهمه أو أن صديقتها لم تعد تحبها..قد يكون وراء هذا الأمر قضية مشروعة، وما أكثر الأهل الذي يدمرون أبناءهم فعلاً.

قد يقول قائل أنه هناك بالفعل أشخاص متذمرين أو سلبيين أو يغضبون على كل صغيرة وكبيرة. نعم، ولكن هل ندع هذا الأمر يدفعنا لأن ننكر كل مشكلة مشروعة وكل صاحب ظروف عائقة لحياته؟ لابد أن يتعلم المرء كيف يكون رأيه nuanced..وهي كلمة توحي بمعان معينة:
  • ليست كل الحالات والظروف مثل بعضها ولو بدا أنها كذلك.
  • التفاصيل الصغيرة قد تحدث فارقاً كبيراً.
  • لابد من التفكير الفعلي المتأني في الأمر قبل الحكم عليه.
بمعنى أصح - في سياق مقالنا - ليس كل شخص يبدو متذمراً هو كذلك فعلا، كما أنه ليس كل شخص يقول أن ظروفه سيئة هو كذلك فعلاً، والميل هنا أو هناك هو تطرف. ومجتمعنا حالياً متطرف لجانب منهما.

إن لم تكن ستستمع للتفاصيل، فلماذا تحكم؟

الخميس، 9 أغسطس 2012

العالم المادي

نعيش في عالم يقال عنه المادي. ما معنى هذه المادية؟ عالم من الحجارة والحديد والخشب والماء...المادة! ولماذا هي مادة؟

أول شيء يأتي على الذهن أن المواد تلمس بعضها: باستطاعتي أن أنصب عصا على فرعيّ شجرة، ثم اعلّق ملاءة على تلك العصاً. هذا النصب والإمساك والضغط هو أكثر ما يميز المادة، أليس كذلك؟

لكنها في الحقيقة لا تتلامس. على المستوى الذري لو وضعت يدي على المكتب فإن ذرات يدي لا تصل أبداً لذرات المكتب؛ هناك مسافة ضئيلة جداً غير مرئية بينهما، وقوى تمنع ذرات هذه وذاك من الاقتراب أكثر من ذلك، هذه القوى اسمها contact forces، وهذه القوى في أصلها كهرومغناطيسية تنتج من التفاعل بين الإلكترونات في ذرات اليد والمكتب.

لكنك تقول: كيف ذلك وأنا أشعر باللمس؟ لو وضعت يدي على الجدار فإن يدي - شخصياً - تخبرني أنها لمسته. هذه خاصية في الجسم البشري: الجهاز العصبي يجمع معلومات من البيئة المحيطة ويرسلها لنا، ونحن نفسر هذه القياسات..القياس الذي يقول "هناك قوة كهرومغناطيسة من نوع contact force تؤثر على الجسم" هو ما اطلقنا عليه اسم "اللمس".

ماذا أيضا يميز الأجسام المادية؟ أن لها وزن. هذا مهم. ومن أين يأتي الوزن؟ من قوى الجاذبية. والجاذبية تؤثر على كل ذي كتلة. إذن "الكتلة" هي الخاصية المهمة الأخرى للمادة في عالمنا المادي..

وما الذي يجعل الشيء له كتلة؟ هذا السؤال من أهم الأسئلة في الفيزياء الحديثة؛ والنظرية الحالية التي يتم التأكد منها هي نظرية "مجال هجز" أو "حقل هجز" Higgs field.

[ملاحظة: أنا لست عالِم فيزياء وفهمي لهذه الأمور، وبالتالي شرحي لها، سيكون سطحياً جداً]

تقول النظرية أن مجال هجز موجود في كل مكان في الكون وأن له قوة، لكن ليست كل الجسيمات تتفاعل معه. تخيل مجال هجز كأنه شبكة مثل شباك الصيد ممتدة في كل مكان، لكنها شبكة من شيء خاص يصد بعض الأشياء فيكون عائقا لحركتها الطبيعية وأشياء أخرى تمر بسلاسة من خلاله؛ ما تعوقه الشبكة له كتلة (ويتأثر بالجاذبية) والباقي لا كتلة له.


من أجل التحقق من هذه النظرية تم إنشاء صدام الهادرونات الكبير Large Hadron Collider أو LHC. مشروع ممتد في أوروبا في أنفاق محيطها 27 كيلومتراً على الحدود الفرنسية السويسرية، وتشارك فيه ست دول. و - إن لم أكن مخطئاً - فقد ظهرت نتائج قوية تؤيد نظرية هجز.

القصد...لماذا تتأثر الأشياء المادية بالجاذبية؟ لأن لها كتلة. لماذا لها كتلة؟ لأنها تتفاعل مع مجال هجز (نظرياً). كيف عرفنا أنها تتفاعل مع مجال هجز؟ لأنها تتأثر بالجاذبية طبعاً. لماذا لا تركز؟؟

ما الذي يجعل العالم المادي مادياً؟ لو كنت مبرمجاً ربما قلت...أنها القواعد. الالكترونات والمجالات المغناطيسية، مجال هجز والاجسام ذات الكتلة. الأشياء من نوع كذا تتجاذب، ومن نوع كذا تتنافر، ومن نوع كذا تتجاذب بطريقة مختلفة، بينما لو الأول من نوع أ والثاني من نوع ب فلن يكون تفاعل بينهما.

تركز الرياضيات على العلاقات بين الأشياء...هذه الأشياء تتعامد، وهذه متوازية، وهذه النقاط على نفس الخط، بينما لو ربّعت هذا العدد تصل لهذا العدد الآخر..

وما حقيقة الأشياء المادية؟ لا نعرف! ماهو الالكترون؟ لا نعرف! ما نعرفه عنه قد جاءنا من تفاعلاته مع المجالات المختلفة. كتلته وشحنته وسلوكه مع العناصر الأخرى...

الأحد، 5 أغسطس 2012

حدائق الريف الانجليزي، والثروة اللغوية

لا نستخدم كلماتٍ كثيرة في حواراتنا. هل يهتم الناس باللغة؟

حين نتحدث عن الكلاب نقول "كلب". بينما في المجتمعات المتحدثة بالانجليزية من العادي جداً أن نجد جملاً مثل هذه:
  • I went for a walk and brought along my collie.
  • Did you see that Labrador?
  • Check out that German shepherd.
نفس الشيء بالنسبة للعصافير، إنها دائماً "عصفور"..بينما غيرنا يقول lark, robin, swallow, sparrow, mockingbird, wren...

وهناك كلمات لأنواع كثيرة من العصافير في اللغة العربية: الهزار، الزكور، الشحرور، الزرزور، القبّرة،...لكني لا اراهات تستخدم كثيراً. هل هذا شيء خاص بمصر؟ ماذا عن سائر البلاد العربية؟ ماذا عن تلك الأسماء؟ أعتقد أنها معروفة في مصر: الكروان، البلبل، العندليب، ...

لكننا عامة لا نقول في حياتنا اليومية "انظر لهذه القبرة!" أو "هذه الشجرة وقف عليها زكور". ربما هي مسألة بيئة: اوروبا مليئة بالغابات، بينما مصر ليست (على الأقل القاهرة حيث معظم الحوارات الإعلامية والثقافية) بهذا الثراء البيئي.

ماذا عن أسماء الزهور؟ أتركك مع هذه القطعة من أغنية أخذتها في المدرسة في طفولتي:

How many kinds of sweet flowers grow
In an English country garden?
We'll tell you now of some that we know
Those we miss you'll surely pardon

Daffodils, heart's ease and phlox
Meadow-sweet and lady smocks
Gentian, lupin and tall hollyhocks
Roses, foxgloves, snowdrops, forget-me-nots
In an English country garden