الثلاثاء، 3 مارس 2026

يا ترى حيحصل ايه لجوجل وقتها؟

 صارت الإعلانات تضايقني.

 لا أقصد محتوى الإعلانات لكن الإعلانات نفسها. رأيت مؤخراً إعلاناً لشاي ليبتون وفكرت: لماذا جاءت شركة بريطانية لحدّ هنا لتبيع الشاي؟ لماذا لا يشتري الناس من أي مصنع قريب؟ ولماذا brand name اصلا؟ لماذا لا يشترون "فقط شاي" كما كان يحدث في معظم تاريخ الإنسانية؟

 ثم إعلانات شركات خطوط الموبايل: الإعلانات لا يوجد فيها أي شيء عن المنتج اصلا بل هي أشخاص مشهورون يغنون ويرقصون، ومع ذلك الإعلانات تحقق أهدافها بأن تأتي بالأرباح لصانعيها. معنى هذا ان المنتجات صارت متطابقة ولم يعد هناك أي فرق بينها سوى اسم الشركة. وأهمية الإعلان هنا ليس أن يقول "هذا منتج جيد وسيعجبك" بل "اشتر مني انا! أنا!". صارت هذه الشركات مثل بائع الآيس كريم الذي يجذب الاطفال بالموسيقى.

 صرت أفكر في العالم قديماً حيث كان يذهب الإنسان للتاجر فيطلب المنتجات بإسم الصنف لا  الإسم التجاري. أشعر أن هذا أفضل بكثير للمستهلك. لو قلت هذا لأحد سوف يعطيني محاضرة عن فائدة الbrand names وانها تشجع المنتجين على تحسين جودة منتجاتهم لكي يرتفع اسمهم وسط الناس الخ الخ. هل هذا الكلام حقيقي؟ هناك في رأيي منتجات ممتازة  ظهرت في مصر واختفت ولم يسمع بها احد، واستمر الناس في شراء نفس الماركات المعروفة.

 لماذا يوجد شيء اسمه "رقم اتصالات" او "رقم فودافون"؟ لماذا لا يكون الرقم خاص بصاحبه يدفع له اشتراكا سنويا بسيطا، ثم حين يريد شحن رصيد للمكالمات يشحن من أي شركة في أي وقت. وهنا ويكون السوق خليطا من الشركات الكبيرة والصغيرة، وتكون المنافسة على السرعة/الجودة/السعر وليس على سعر المطرب الذي تستطيع الشركة الإتيان به في إعلانها؟ كانت شركات الإنترنت هكذا في التسعينات، وكان أمراً جيداً في رأيي.

 والموبايلات نفسها؛ أريد أن أقدر أن أشتري الmotherboard والCPU والكاميرا والشاشة كما أريد واقوم بتجميعهم (أو يجمّعهم المحل لمن لا يعرف الطريقة) وأقوم بإبدال بعض هذه المكونات في وقت لاحق حين يظهر ما هو أفضل.

 إذا كنت ترى هذه الأفكار غريبة وغير مريحة لك فأدعوك أن تفكر بالعكس: تخيل لو اختفت عربات الخضر والفاكهة في مصر ولم يعد متاحا سوى الbrand names، برتقال ماركة "بحراوي" وتفاح ماركة "The Orchard" ولم يعد هناك شيء اسمه "فاكهة فقط"؟

 ماذا لو اختفت فكرة الكمبيوتر الشخصي من المكوّنات وصار الاجهزة المكتبية مثل اللابتوب والموبايل؛ لا يوجد شيء اسمه "كمبيوتر" وإنما فقط Dell أو HP أو Lenovo؟ ماذا لو اختفى "اللحم" من السوق ولم يعد الجزارون يبيعون إلا نفس اللحوم المجمدة في السوبر ماركت بماركاتها المعروفة؟

ألا تشعر معي أن هذا العالم سيكون مخيفاً، تقيّدت فيه اختيارات الإنسان فيما يشتريه؟ عالم من الاحتكار والbrand loyalty واختفاء التنوع حتى صارت كل حبة طماطم مطابقة للأخرى؟

ثم ألا تشعر معي أن العالم الذي أتمناه سيكون ثريا متنوعا، وبدلا من عدد محدود من الموبايلات المتشابهة يمكن أن يكون لكل إنسان الجهاز الذي يريده بالضبط، مفصّلاً لعمله او هواياته؟ ثم -- لا ننسى -- يكون كل جهاز بثلث سعره الحالي إذ يتنافس عدد كبير من مصنّعي المكونات على الجودة والسعر؟

 أرى أن مجتعاتنا عموماً، وشكل الإنتاج والتجارة فيها خصوصاً، تحتاج لأن تُصمّم بإرادة وتخطيط لتكون بصورة في مصلحة الإنسان العادي ولا تُترَك لتمليها الشركات على الجميع بما لديها من مال وإعلانات.